إشكاليات دستورية في العفو عن عائلات الفارين إلى إسرائيل: هذا الخلط بين العفو العام والعفو الخاص
27/08/2026
تناولت المفكرة القانونية في مقال مسهب الإشكاليات الخطيرة التي يثيرها قانون العفو العام الذي أقره مجلس النواب في جلسته التشريعية الأخيرة. وسأحاول هنا التوسّع فقط في مناقشة جانبين منه وهما الفقرة الرابعة من المادة الثانية حول العفو عن عائلات العملاء الذين فرّوا إلى إسرائيل، كذلك المادة الثالثة التي قضت بتخفيض مدة بعض العقوبات وذلك من الناحية القانونية الخاصة بأصول منح العفو العام وانطلاقا من السوابق التاريخية التي عرفها لبنان.
العفو عن عائلات الفارين إلى إسرائيل: العفو عن أشخاص بعينهم وليس عن جرائم
نصّت الفقرة الرابعة من المادة الثانية وفقا للنص الذي أحاله رئيس مجلس النواب إلى الحكومة من أجل إصدار القانون على استثناء من العفو “جرائم الخيانة والتجسس والجرائم المتعلقة بالاتصالات غير المشروعة بالعدو باستثناء المشمولين بالفقرة 2 من المادة الوحيدة من القانون رقم 194 تاريخ 18/11/2011 الذين يعتبرون مستفيدين حكماً من قانون العفو العام الحالي”.
وكانت الفقرة الثانية من هذا القانون (معالجة أوضاع المواطنين اللبنانيين الذين لجؤوا إلى إسرائيل) قد نصّت على التالي: “أما المواطنون اللبنانيون الآخرون الذين لم ينضووا عسكرياً وأمنياً، بمن فيهم عائلات المواطنين المذكورين في البند (1) من هذه المادة من زوجات (أو أزواج) وأولاد، الذين لجؤوا الى الأراضي المحتلّة على أثر تحرير الشريط الحدودي بتاريخ الخامس والعشرين من شهر أيار 2000 فيُسمح لهم بالعودة الى لبنان، ضمن آليات تطبيقية تحدّد بمراسيم تتخذ في مجلس الوزراء بناءً لاقتراح وزير العدل، وذلك خلال مهلة سنة من تاريخ صدور المراسيم التطبيقية.”
وهكذا يتبين أن هذا النص الأخير يتناول أشخاصًا محدّدين، أي أنه يسمح لأفراد عائلة عناصر الميليشيا التي كانت تأتمر بالأوامر الإسرائيلية من العودة إلى لبنان. وبالتالي يمكن القول أن قانون العفو بعطفه على قانون الصادر سنة 2011 يكون قد قضى بمنح عفو إلى أشخاص معروفين ولم يتناول جرائم محدّدة.
لكن منح عفو لأشخاص محدّدين يخالف القاعدة القانونية التي شرحها “أوجين بيار” إذ اعتبر أن العفو العام يجب أن يتعلق بالجرائم التي وقعت وليس بالأشخاص[1]. فالعفو العام (أو الشامل وفقا للنص الدستوري) يطاول جرائم محددة ولا يمكن له أن يتعلق بالأشخاص وهذا هو الاختلاف الأساسي الذي يسمح بالتمييز بين العفو العام الذي يقره مجلس النواب والعفو الخاص الذي يمنحه رئيس الجمهورية والذي يستهدف شخصا محددا.
وقد شهد لبنان سابقةً معبّرة جدا حول هذا الموضوع تحديدا. ففي جلسة 2 شباط 1954 طرح النائبان رؤوف حنا وبشير العثمان اقتراح قانون نص على التالي: ” يعفى المحكومون من قبل المحاكم العسكرية الفرنسية من العقوبات المحكوم بها عليهم من أي نوع كانت وسواء كانت قد نفذت أو لم تنفّذ حتى بدء أعمال المحاكم العسكرية اللبنانية”.
وقد تم تبرير هذا الاقتراح من خلال سؤال تم توجيهه إلى الحكومة بتاريخ 13 تشرين الأول 1953 جاء فيه حرفيا: “بما أن المحكومين من قبل المحاكم العسكرية الفرنسية بأكثريتهم الساحقة قد نفذوا العقوبات التي قضي عليهم بها. ولما كان بقاء العقوبات المذكورة على سجلات المحكومين العدلية يضطرهم لتقديم طلبات إعادة اعتبار إلى قضاة الإحالة وتكبد نفقات ومعاملات. ولما كانت المدة المعينة لإعادة الاعتبار قد مرّت، فقد أصبح إصدار عفو عام عن الأحكام العسكرية الفرنسية ليس أمراً سهلاً فحسب بل من الضرورة بمكان لمصالح المحكومين دون أن يوقع ضرراً ما بمصلحة العدالة في لبنان”.
لكن حكومة الرئيس عبد الله اليافي انتبهت إلى أن هذا العفو يستهدف أفراداً معيّنين فأجابت في 26 كانون التالي بموجب الكتاب التالي الذي تلي أمام النواب: “إن الحكومة توافق مبدئياً على مشروع القانون المذكور أعلاه وتقترح تعديل نصه على الصورة التالية: «يمنح عفو عام عن الجرائم التي كانت من اختصاص المحاكم العسكرية الفرنسية المرتكبة قبل إنشاء المحاكم العسكرية اللبنانية». وذلك لأن العفو العام يمنح عن الجرائم وليس عن الأشخاص”.
وبالفعل سيأخذ مجلس النواب بمشروع الحكومة وسيقر القانون الذي سيصدره رئيس الجمهورية بتاريخ 23 شباط 1954 مكرسا بذلك هذا المبدأ القانوني المهم الذي يرفض أن يستهدف العفو العام شخصا معينا بل يتوجب عليه أن يتعلق فقط بالجرائم والأحداث وليس بالأفراد.
فالعفو العام بالصيغة التي أقر بها يمنح أفراد تلك العائلات عفوا عاما ليس عن جرائم محددة بل لأشخاصهم ما قد يفسر بأن جميع الجرائم التي ارتكبها هؤلاء منذ عام 2000 ستصبح مشمولة بالعفو حتى لو لم تكن مرتبطة بفرارهم إلى إسرائيل.
ولا شك أن هذا الأمر يعيد التذكير بقانون العفو العام الذي صدر سنة 2005 والذي استفاد منه رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع إذ نص على التالي: “يمنح عفو عام عن جميع الجرائم موضوع الأحكام الصادرة عن المجلس العدلي رقم 5/95 و2/97، 2/99، و4/46 والحكم الصادر عن محكمة جنايات بيروت تحت رقم 380/96 وتتوقف جميع الملاحقات وتسقط جميع مذكرات التوقيف وإلقاء القبض المتعلقة بالقضايا المشمولة بهذا القانون. كما تسقط حكما جميع الأحكام الصادرة بموجبها وكل العقوبات المقضى بها من جرائها أكانت أصلية أو فرعية أو تدابير احترازية ويطلق سراح جميع الموقوفين بموجبها فورا، وتتوقف أيضا جميع الملاحقات في غير ما ذكر أعلاه من قضايا والتي يمكن أن تستهدف المشمولين بهذا العفو العام لغاية 30/12/1994 يحظر إحالة أي من الدعاوى المشمولة بأحكام هذا القانون على أي مرجع قضائي “.
وهكذا يتبين أن قانون العفو العام 2005 قد شمل أيضا أشخاصا بعينهم على غرار ما فعله القانون الحالي، ما يعزز التساؤل حول التوفيق بين الطبيعة العامة والموضوعية للعفو العام وإحالة القانون على أحكام في قضية بذاتها كي تستفيد من هذا العفو. ويلحظ أن “أوجين بيار” كان قد عالج أيضا نقطة العفو العام في القضايا التي صدرت فيها قرارات قضائية، معتبراً أن استهداف قضية معينة صدر فيها قرار قضائي يجعل من العفو العام أشبه بالعفو الخاص الذي يصدره رئيس الجمهورية وهو أمر لا يجوز[2].
ومن الثابت أن وجود سابقة لا يكفي من أجل تبرير العفو عن أشخاص محددين لا سيما وأن هذه السوابق تطغى عليها الاعتبارات السياسية وهي لا يمكن أن تشكل معيارا من أجل احترام الأصول التي يجب أن تراعى في قوانين العفو العام. بل أن وجود هذه السابقة إنما يشكل على العكس من ذلك مدعاة إضافية للتعامل الجدي والمسؤول مع هذه الإشكالية منعا لتحولها إلى توجه تشريعي مؤداه نسف مبدأ المساواة أمام القانون بصورة تامة.
إشكاليات تخفيض العقوبات
نصت المادة الثالثة من قانون العفو العام على التالي:
“خلافاً لأي نص آخر في الجرائم التي صدرت أو لم يصدر فيها أحكام التي حصلت في تاريخ نفاذ هذا القانون، ولم يشملها العفو تستبدل مدة العقوبات على الشكل الآتي:
١- عقوبة الإعدام تصبح 28 سنة سجنية.
٢- الأشغال الشاقة المؤبدة تصبح 17 سنة سجنية.
٣- سائر العقوبات المتبقية يخفض ثلثها”.
ولا شك أن هذا النص يثير الدهشة من الناحية الدستورية إذ لا يمكن تصنيفه. فمن المعلوم أن العفو العام يؤدي إلى إسقاط للجريمة بجميع مفاعيلها أي أنه يؤدي إلى محو الجريمة وإزالة ذكرها حتى من السجل العدلي ويعيد للمحكوم عليه جميع حقوقه المدنية التي قد يكون فقدها بعد إدانته خلافا للعفو الخاص الذي يصدره رئيس الجمهورية والذي يتناول شخصا محددا ويكتفي بإسقاط العقوبة أو تخفيفها أو استبدالها لكنه لا يزيل الصفة الجرمية عن الفعل الذي ارتكبه الشخص المحكوم.
فمن خلال استبدال العقوبة أو تخفيفها يصبح العفو العام الحالي شبيها بالعفو الخاص لرئيس الجمهورية، أي أن العفو العام لا يهدف إلى محو الجريمة وإزالة الصفة الجرمية عن المحكوم لكن فقط تخفيف عقوبته. ولا شك أن هذا الأمر يثير إشكاليات دستورية كبيرة كون مجلس النواب يكون في الحقيقة قد مارس صلاحية العفو الخاص التي تعود لرئيس الجمهورية وليس العفو العام الذي يمنحه الدستور للبرلمان.
وقد تنبه “أوجين بيار” مجدّدا لهذه النقطة فأعلن أن البرلمان لا يحقّ له إزالة العقوبة كليّا أو جزئيّا فقط كون ذلك يدخل في مفهوم العفو الخاصّ الذي يعود حصراً لرئيس الجمهورية، مضيفاً أن بإمكان البرلمان أن يمحو الإدانة عبر وسيلة العفو العام، أي من خلال قانون يستهدف جرائم محددة تكون نتيجته إزالة الصفة الجرمية عن الأفعال المرتكبة ومحوها كليا، وليس عبر تخفيف العقوبة مع استمرار اعتبار المحكوم متسما بالصفة الجرمية[3]. وعلى الرغم من أن لبنان عرف في الماضي قوانين عفو عام تضمنت إسقاطا جزئيا للعقوبات، لكن العفو العام لا يجب أن يكون انطلاقا من التحليل أعلاه جزئيا، ما يعني أن المادة الثالثة تتداخل في حقيقتها مع صلاحيات رئيس الجمهورية بمنح العفو الخاص، الأمر الذي قد يجعلها مخالفة للدستور ما يشكل مدخلا لإبطالها في حال تم الطعن بالقانون أمام المجلس الدستوري.
جرّاء ما تقدم، يمكن القول أن العفو العام الذي أقره مجلس النواب مؤخرا يطرح إشكاليات دستورية كبيرة وهو تجاهل الأصول القانونية التي يجب أن ترعى كيفية منح العفو العام ما يؤكد على مطالبة رئيس الجمهورية برده لا سيما وأن هكذا أمرا حدث سابقا إذ قام الرئيس شارل حلو بموجب المرسوم رقم 11619 بتاريخ 4 كانون الثاني 1969 برد قانون أقره مجلس النواب بمنح عفو عام عن مجموعة كبيرة من الجرائم. وقد برر الرئيس حلو رده للقانون بالتالي: “وبما أن هذا القانون يأتي في ظروف تحتاج فيها العمليات الاقتصادية أكثر من أي زمن آخر إلى الثقة، وتستدعي تطبيق مبادئ الاستقامة والقوانين التي ترعى هذه المبادئ. ومن جهة اخرى بما أن بعض أحكام هذا القانون لاقت معارضة في داخل المجلس النيابي عند مناقشتها، بينما نال البعض الآخر منها إجماعا. وبما انه يخشى ان يساعد العفو عن الجرائم الشائنة على التكرار”.
فالرغبة بعدم إضعاف الثقة بمؤسسات الدولة دفعت الرئيس شارل حلو إلى رد قانون العفو العام في 1969 على خلفية أن الظروف آنذاك تستدعي تعزيز مبادئ الاستقامة ومكانة القوانين الضامنة لهذه المبادئ. فهل يقدم الرئيس جوزاف عون على الأمر نفسه من أجل الحفاظ قدر الإمكان على ما تبقى من ثقة في مؤسسات الدولة وقدرتها على محاسبة من عمل على إفقار المجتمع اللبناني ومصادرة حقوقه خلال كل هذه السنوات المنصرمة؟ إذ أن سيادة الدولة لا تتجلى فقط في سيطرتها على كامل أراضيها واحتكارها للسلاح الشرعي، لكن أيضا من خلال الدفاع عن دولة القانون التي تجعل من المحاسبة وسيلة لتحقيق العدالة وصون المصلحة العامة ما يساهم بتعزيز الثقة بين أفراد المجتمع ويدفعهم إلى التمسك أكثر بدولتهم.
[1] “l’amnistie vise des faits, non des personne” (Eugène Pierre, Traité de droit politique électoral et parlementaire, Supplément, Librairies-Imprimeries Réunies, Paris, 1919, p. 770)
[2] “L’amnistie n’a pas forcément, nécessairement, un caractère général et absolu; le Pouvoir législatif peut créer des catégories d’individus, accorder l’amnistie aux uns, la refuser aux autres, mais la question peut se poser de savoir s’il serait permis, dans une demande d’amnistie, de viser un jugement déterminé; cette difficulté ne s’est pas produite à la tribune, mais il a été reconnu, après examen, que l’amnistie perdrait son caractère et se confondrait avec la grâce si elle était limitée à une série d’individus condamnés en vertu d’un même arrêt” ((Eugène Pierre, Traité de droit politique électoral et parlementaire, Paris, p. 654).
[3] “Les Chambres ne peuvent effacer les condamnations prononcées que dans la forme de l’amnistie ; il ne leur appartiendrait pas de décider des remises totales ou partielles de peines encourues, car ces suppressions ou réductions sont dans le domaine de la grâce qui est réservée au Président de la République” (Eugène Pierre, Traité de droit politique électoral et parlementaire, Supplément, Librairies-Imprimeries Réunies, Paris, 1919, p. 768).