اقتراح إنشاء "الهيئة الوطنيّة للرقمنة": تفريغ الوزارات من مهامّها والخطط من فعاليّتها
15/08/2025
صدر عن فرعية اللجان المشتركة في مجلس نواب في تاريخ 13 آب 2025 نسخة معدّلة لاقتراح قانون كان قد تقدّم به النائب رازي الحاج منفردًا بتاريخ 22 كانون الأول 2023 تحت اسم "الوكالة الوطنيّة للتحوّل الرقميّ". وفيما كان هذا الاقتراح ينوي إنشاء مؤسسة عامّة تُعنى بتطبيق استراتيجيّة الدولة للتحوّل الرقمي تحت الرقابة الإداريّة لرئاسة الحكومة، استبدل الاقتراح في نسخته الأخيرة هذه الوكالة بهيئة وطنيّة تسمّى "الهيئة اللبنانيّة للرقمنة" تحمل الهدف نفسه وتحت الرقابة الإداريّة عينها.
تتولّى الهيئة، وفق نصّ المشروع مهامّ تنفيذ استراتيجيّة الرقمنة للدولة وتحديثها وتطويرها والعمل على تنفيذها بالتعاون مع مختلف الإدارات (المادة 4 – الفقرة أ)، وتشغيل التطبيقات وخدمات تقنية المعلومات، وتجهيز المنصّات والأجهزة الرقمية وصيانتها وتأمين استدامتها، بالتنسيق مع الوزارات والبلديّات والجهات العامّة والخاصّة التي تدير مرافق عامة (المادة 4 – الفقرة ب)، واقتراح التوجهات والسياسات الرقمية، وإعداد مشاريع رقمية ورفعها إلى مجلس الوزراء (المادة 4 – البنود 1 و6)، وتقديم الاستشارات الفنية وإبداء الرأي في المسائل الرقمية التي يحيلها مجلس الوزراء (المادة 4 – البند 2)، كما وضع المعايير التقنية المتعلقة بالخدمات الرقمية العامة، والسهر على حسن تطبيقها والتقيد بها (المادة 4 – البند 8)، وتنسيق الجهود مع القطاعين العام والخاص، ومواكبة الإدارات، وتشجيع البحث العلمي والتعاون الرقمي (المادة 4 – البنود 5 و9 و10)، بالإضافة إلى المشاركة في إبداء الرأي حول الرسوم والتكاليف المرتبطة بالخدمات الرقمية (المادة 4 – البند 11).
وينص الاقتراح على أن مجلس إدارة الهيئة يضم في عضويته ممثلين عن القطاعين العام والخاص (المادة 5)، ويمنح الهيئة صلاحيات واسعة في إعداد الموازنات، التعاقد، تحصيل رسوم مقابل خدمات رقمية، التملّك، الاقتراض، وقبول الهبات (المادة 8 – البنود 4 و6 و7 و11).
بالإضافة إلى ما تقدّم، فإنّ المادة الرابعة أيضًا تفرض موافقة الوزير المختص إلزاميًّا على دفاتر الشروط في حال تنفيذ مشاريع لصالح الوزارة أو أيّ إدارة تابعة له. بالمقابل، على أيّ وزير في حال قيامه بتنفيذ أي مشروع متعلّق بالرقمنة أن يلتزم بالموافقة المسبقة والشروط المعيّنة المحددة للهيئة.
وتعتبر الأسباب الموجبة أنّ الرقمنة بصفتها عمليّة تطال "مختلف الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة والهيئات التي تتولى مرفقًا عامًا أو حتى جهات القطاع الخاص التي هي على تماس مع الخدمات الحكومية والعامة"، فإنّ حسن إدارتها يتطلّب "ترتيبات مؤسساتية وإطارًا تشغيليًّا تنسيقيًّا مناسبًا يمكّن من تنفيذ متطلّبات عمليّة التحوّل الرقمي". وتشدّد الأسباب الموجبة أيضا على ضرورة "إيجاد هيكل تنظيمي يتمتع بالقدر الكافي من الاستقلال الإداري والمالي يضمن التطبيق الفعال للتحول الرقمي وإجراءاته وآلياته من قبل كافة الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة والجهات التي تتولى تسيير مرفق عام"، ما يبرّر إنشاء الهيئة الوطنيّة للرقمنة.
انطلاقًا ممّا تقدّم، لا بدّ من توضيح المسائل التالية :
اقتراح قانون ناقص
يتبيّن أنّ اقتراح القانون بالنسخة الصادرة عن فرعية اللجان المشتركة يعتريه نواقص قد تؤدّي إلى عرقلة تطبيقه، أهمّها غياب آليّة لتعيين مجلس إدارة الهيئة. فعلى الرغم من أنّ المادة الخامسة تنصّ على أنّ مجلس الإدارة مؤلّف من ستّة أعضاء وأنّ المؤهّلات المطلوبة لتعيينهم تحدّد بمرسوم يُتّخذ في مجلس الوزراء، لكنّ الاقتراح لا ينصّ على الجهة المكلّفة بتعيين هؤلاء.
كذلك لا بدّ من التنبيه أنّ الاقتراح يستخدم تارة تعبير "الوكالة" وطورًا تعبير "الهيئة" في دلالة على عدم التدقيق من قبل اللجنة بالتعديلات المطروحة على النصّ الأساسي للاقتراح.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الأسباب الموجبة تتحدّث عن إنشاء "هيئة عامة مستقلة" ترتبط إداريًّا برئاسة مجلس الوزراء ما يخضعها إلى وصاية هذا الأخير ويجعل منها أقرب إلى المؤسسات العامة منها إلى الهيئات الإداريّة المستقلّة مثال هيئة المفقوديين والمخفيين قسرًا على سبيل المثال. هذا فضلًا عن أن تحديد المواصفات التي يجري على أساسها تعيين أعضاء مجلس الإدارة في مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء لا في القانون نفسه يضعف من استقلالية الهيئة ويفقدها الضمانات الضرورية للحفاظ على هذه الاستقلالية كونه بإمكان الحكومة تعديل هذا المرسوم ساعة تشاء. وما يفاقم من هذا الخلل هو اكتفاء الاقتراح باشتراط تمتّع المعينين في مجلس الإدارة بالاختصاص والكفاءة وهو شرطٌ عامّ جدًا لا يشكّل قيدًا حقيقيًا على مجلس الوزراء.
هل يحتاج لبنان إلى هيئة مستقلّة للرقمنة؟ قراءة نقدية بين النص والممارسات الدولية
تتزايد في لبنان اقتراحات القوانين الهادفة إلى إنشاء هيئات مستقلة، غالبًا كردّ فعل على فشل الإدارات العامة في أداء وظائفها الأساسية. من بين هذه المبادرات، يأتي اقتراح قانون إنشاء "الوكالة الوطنيّة للتحول الرقمي" التي أصبحت بعد تعديلات فرعية اللجان المشتركة "الهيئة اللبنانية للرقمنة"، كمحاولة لإطلاق جهاز مؤسساتي جديد يتولّى مهام التخطيط والتنفيذ في مجال التحوّل الرقمي.
لكن هذا الاقتراح يُثير تساؤلات جوهريّة حول جدواه، فهل لبنان بحاجة فعليّة إلى هيئة جديدة؟ أم أنّ المطلوب إصلاح المنظومة القائمة؟ وهل ينسجم هذا النموذج مع التجارب الدولية في إدارة التحوّل الرقمي؟
غياب التنسيق لا يعني غياب المؤسسات
يُفترض أن تكون وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية (OMSAR) هي الجهة المسؤولة عن قيادة التحول الرقمي، بموجب صلاحياتها في تحديث الإدارة العامة وإطلاق الخدمات الإلكترونية. وقد وضعت الوزارة بالفعل استراتيجية وطنية للتحوّل الرقمي (2020–2030) بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي.
لكن هذه الوزارة تعاني من ضعف التمويل والدعم السياسي، كما تضارب الاختصاص مع وزارات أخرى (الاتّصالات، الماليّة، العدل)، بالإضافة إلى غياب وحدة تنفيذيّة قويّة تحت رئاسة الحكومة وعدم تفعيل التنسيق مع اللجنة الوطنية للأمن السيبراني التابعة لمجلس الوزراء وغياب مجلس وطني للحوكمة الرقمية.
وبدل إصلاح هذه الثغرات البنيويّة، يُقترح الآن إنشاء هيئة جديدة، ما قد يؤدي إلى إضعاف المؤسسات القائمة بدل تعزيزها، ويُكرّس مبدأ "الهروب إلى الأمام" عبر تكاثر الهياكل بدل إصلاحها.
التجربة الإماراتية : استنساخ مشوّه؟
يبدُو واضحًا أنّ اقتراح الهيئة اللبنانية متأثّر بالنموذج الإماراتي، حيث تمّ إنشاء هيئة الحكومة الرقمية (Digital Government Authority) في عام 2020، وربطها مباشرة برئاسة مجلس الوزراء، ضمن رؤية اتّحادية موحّدة.
كما أن الحكومة اللبنانية نفسها قامت في عام 2025 باستحداث "وزارة دولة للذكاء الاصطناعي" وأسندتْها إلى وزير المهجّرين، في خطوةٍ تعبّر عن محاولة شكليّة لاستنساخ التجربة الإماراتيّة التي خصّصت منذ عام 2017 وزيرًا لهذا القطاع ضمن وزارة الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، بقيادة مباشرة من نائب رئيس مجلس الوزراء.
لكن الفرق الجوهري هو أن الهيئة الإماراتية ليست مستقلة عن الحكومة، بل هي جهاز تنفيذي يتبع مباشرة لرئاسة مجلس الوزراء، ويمتلك دعمًا ماليًا وتقنيًا هائلًا. كما أنّ جميع المبادرات الرقمية (Smart Dubai، Dubai Now…) تتكامل ضمن رؤية وطنية واحدة يقودها مجلس التحول الرقمي.
وبالتالي فإنّ هذه التجربة حقّقت نجاحًا لأنها قائمة على مركزية القرار وتخطيط طويل المدى (استراتيجية 2031) وحوكمة واضحة بين القطاعين العام والخاص.
في المقابل، يقترح المشروع اللبنانيّ هيئة "هجينة" بتمثيل مزدوج عامّ وخاصّ، ما قد يفتح الباب أمام تضارب المصالح بدلاً من الشفافية.
بالتالي، لا يمكن للبنان ببنيته السياسية الطائفية والبيروقراطية أن ينسخ التجربة الإماراتية بشكل آلي، خصوصًا أن النجاح الإماراتي قائم على وحدة القرار وسرعة التنفيذ.
النماذج الأوروبية وتوصيات OECD – الإدارة الرقمية من داخل الدولة لا عبر هيئات مستقلة
في التجارب الأوروبية، لا يتم التعامل مع التحوّل الرقمي كملفّ خارج عن البنية الوزارية. بل غالبًا ما يُدار من خلال وزارة رقمية متخصصة كما في فرنسا (Direction interministérielle du numérique - DINUM)، ألمانيا (Federal Ministry for Digital and Transport)، أو بولندا (Ministry of Digital Affairs)، أو وحدة تنفيذية رقمية داخل وزارة قائمة، يقودها Chief Digital Officer (CDO)، على أن ترتبط مباشرة برئاسة الحكومة لضمان التنسيق العابر للوزارات.
منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، في تقريرها المعنون Digital Government in Lebanon الصادر في ديسمبر 2020، أوصت بوضوح بما يلي: ” تعزيز قدرات وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية (OMSAR) كمنسق مركزي للسياسات الرقمية الوطنية، وتوفير الإمكانيات اللازمة لتأدية دورها التنفيذي الكامل. “
كما اقترحت، ضمن المسارات الممكنة، إنشاء وحدة تنفيذية رقمية (”Digital Agency“) ضمن إطار OMSAR إذا كانت قدراتُها التنفيذية محدودة، وذلك بهدف ضمان وحدة القرار الرقمي والحفاظ على التنسيق المؤسسي بين مختلف الجهات المعنية.
وشدّدت المنظمة على أهمية تعيين منصب رسمي لقيادة التحوّل الرقمي، مثل Chief Digital Officer، يرتبط مباشرة برئاسة الحكومة، ويعمل على توحيد الرؤية بين الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة.
جاءت هذه التوصيات ضمن برنامج تعاون تقني مموّله من الاتحاد الأوروبي، بالتعاون مع وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية (OMSAR)، تؤكد أن إنشاء هياكل مستقلة أو موازية خارج الإطار الحكومي التنفيذي لا ينسجم مع أفضل الممارسات الدولية، وقد يؤدّي إلى تفكّك الحوكمة الرقميّة بدل توحيدِها.
تضارب الصلاحيات والمخاطر القانونية
إن إعطاء الهيئة المقترحة صلاحيات تنفيذية وتنظيمية واسعة، من دون تعديل القوانين اللبنانية القائمة، يُنتج تضاربًا حتميًا في الصلاحيات، وأبرز المخاطر هي: تجاوز الهيئة الناظمة للاتصالات (القانون 431/2002) التي تُعتبر المرجع التنظيمي فيما يتعلق بالتراخيص والمعايير الفنية، وتجاهل قانون المعاملات الإلكترونية وحماية البيانات (القانون 81/2018) حيث لا يتضمّن المشروع أي التزام بحماية الخصوصية أو معالجة البيانات ضمن المعايير الدولية لحماية البيانات (أهم هذه المعايير عالمياً هو ما يعرف باسم اللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي GDPR General Data Protection Regulation وهي سارية منذ 2018، وتنص على مبادئ إلزامية لكل جهة تقوم بمعالجة بيانات شخصية). بالإضافة إلى خطر عدم تحديد آليات للمساءلة والشفافية، مما يفتح الباب لتضارب المصالح، خصوصًا مع السماح للهيئة بتقديم خدمات مقابل رسوم (المادة 8 – البند 11).
مقترحات بديلة قابلة للتطبيق
إذا كانت الغاية الحقيقية هي تعزيز الأداء الرقمي، فهناك حلول أكثر واقعية وفاعلية، منها :
أوّلاً، تفعيل وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية (OMSAR)، ومنحها وحدة تنفيذية رقمية ضمن رئاسة الحكومة، مع تمويل مخصص. وثانيًا، إنشاء منصب "المفوّض الوطني للتحول الرقمي" أو "CDO"، يرتبط مباشرة برئيس الحكومة ويقود التنسيق بين الوزارات. وثالثًا، تحديث قانون 81/2018 ليشمل آليات الحوكمة الرقمية، ومبادئ حماية البيانات، وإلزام الإدارات والمؤسسات العامة بتوحيد المنصّات والخدمات الرقمية ضمن بوابة رقمية مركزية مترابطة، تراعي معايير الأمن والشفافية وتجربة المستخدم، كما هو معمول به في فرنسا (France Connect) أو المملكة المتحدة (gov.uk). ورابعًا، تشكيل "مجلس وطني للتحول الرقمي" يضم ممثلين عن الوزارات الأساسية، الهيئات الرقابية، شركات التكنولوجيا، والخبراء المستقلين، بصلاحيات استشارية فقط دون طابع تنفيذي أو تشريعي.
في الخلاصة، إنّ اقتراح "الهيئة اللبنانية للرقمنة" يعكس في ظاهره رغبةً بالتحديث، لكنّه في جوهره قد يُعيد إنتاج التشتّت المؤسساتيّ، ويعمّق الفوضى بدلًا من معالجتها. إنّ النماذج الدولية، من الإمارات إلى أوروبا، تُثبت أنّ النجاح لا يتحقّق بإنشاء هيئة جديدة، بل بقيادة مركزية ورؤية موحّدة ومأسسة العمل الرقمي من داخل الدولة لا من خارجها. بالتالي، إذا كان الهدف فعلاً هو بناء لبنان الرقمي، فالطريق يمر بإصلاح OMSAR، وتحديث القوانين، وتوحيد الحوكمة، لا بإنشاء هيئة إضافية في دولة باتت تعاني من تضخم في عدد الهيئات المستقلة مقابل ضعف الأداء المؤسسي.