اقتراح تعديل قانون الجنسية منعًا للتحايل: استهداف الأم اللبنانيّة ورابط الرحم مجدّدًا
16/06/2026
ناقش مجلس الوزراء في جلسة الأمس اقتراح قانون يرمي إلى تعديل المواد 1 و2 و 5 من قانون الجنسية اللبناني المُنظّم بالقرار رقم 15 الصادر بتاريخ 19/1/1925، والذي قدّمه النائب جورج عطالله في 19 حزيران 2025. وفيما لم يعلن مجلس الوزراء عما توصّل إليه، علمت المفكرة أنّه تمّ رفض مضمون الاقتراح، وإحالته كما مجمل الاقتراحات المتصلة بالجنسية إلى وزارة الداخلية بهدف إعداد مبادرة حكومية في هذا الشأن.
ويرمي هذا الاقتراح إلى تعديل المادة الأولى من القرار رقم 15 بحيث يحذف حالتين[1] من الحالات التي يعدّ فيها الشخص لبنانيًا، وهما حالتا المولود في لبنان الذي لم يثبت اكتسابه بالبنوة عند الولادة أي جنسية أجنبية أو كان والداه مجهولين أو مجهولي الجنسيّة، ليحصرها فقط ب "كلّ شخص مولود من أب لبناني".
كما يلغي الاقتراح المادة الثانية كاملة، وهي المادة التي تتيح للولد غير الشرعي الذي تثبت بنوته وهو قاصر اتخاذ التبعية اللبنانية إذا كان أحد والديه الذي ثبتت البنوة أولا بالنظر إليه لبنانيًا. كما يعدّل الاقتراح المادة الخامسة من القرار بهدف إطالة المدّة التي تجيز للمرأة المتزوجة من لبناني اكتساب الجنسية اللبنانية من سنة إلى 5 سنوات، مع حصر ذلك بالمرأة "معلومة الجنسية".
وتستند الأسباب الموجبة لهذا الاقتراح عمومًا على سدّ أبواب التحايل والاستغلال "خاصة في ظل ظروف اللجوء والنزوح والوجود غير الشرعي لجنسيات مختلفة"، ما يؤدي إلى "استحصال أعداد كبيرة على الجنسية اللبنانية عبر كتم هوية الوالد أو اعتبار الوالدين مجهولين أو مجهولي التابعية ما يشكل تحايلُا على القانون وتوطينًا مقنعًا". وقد انبنى الاقتراح على السبب نفسه لتمديد المدة المطلوبة لحصول المرأة الأجنبية "المعلومة الجنسية" المتزوجة من لبناني على الجنسيّة اللبنانية من سنة إلى خمس سنوات، حيث يتم وفق مقدم الاقتراح استغلال "مدّة السنة القصيرة للحصول على الجنسيّة وبعدها يتمّ الطلاق، فنكون أمام حالات تزاوج الهدف منها إعطاء الجنسية اللبنانية لقاء بدلات".
وقبل المضي في إبداء الملاحظات، من المهم أن نشير إلى أن هذا الاقتراح هو أحد الاقتراحات الأربعة المقدمة خلال ولاية مجلس النواب الحالية، والتي تهدف إلى تعديل قانون الجنسية. إذ كان قد تمّ تقديم الاقتراحات التالية: اقتراح القانون الرامي إلى تعديل قانون الجنسية اللبنانية والمقدّم من النائب عماد الحوت في 13/11/2025؛ اقتراح القانون الرامي إلى تعديل قانون الجنسية بهدف إزالة التمييز وتكريس الحقوق المتساوية في قانون الجنسية بين النساء والرجال في منح الجنسية لأولادهن المقدّم من النائبة سينتيا زرازير في 2/10/2025؛ اقتراح الجنسية اللبنانية المقدّم في 23/06/2025 من النواب أسامة سعد وبوليت يعقوبيان وسينتيا زرازير وحليمة القعقور وهو الاقتراح الذي تمّ إعداده بالتعاون مع جمعية رواد الحقوق ومجموعة من الخبراء، وهو يهدف إلى تعديل شامل لقانون الجنسية. ويستدعي طلب رأي الحكومة في هذه الاقتراحات منفصلة أسئلة حول منهجية التشريع وتحديدًا لجهة التواصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في خصوصه.
- استهدافٌ جديد لحقّ الأم اللبنانيّة في نقل جنسيّتها إلى أولادها
لا يكتفي الاقتراح بالإبقاء على الطابع التمييزيّ لقانون الجنسيّة اللبنانيّ، الذي يحرم النساء أصلًا من حقّ نقل جنسيتهنْ إلى أولادهنْ على قدم المساواة مع الرّجال، بل يعزّز هذا التّمييز ويوسّع آثاره ليشمل فئةً كانت تتمتّع بضمانة قانونية ولو محدودة. ففيما يبقى الطفل قادرًا على اكتساب الجنسية اللبنانية إذا ثبتت بنوّته لأبٍ لبنانيّ، ولو كان مولودًا خارج إطار الزواج، فإنّ الاقتراح يهدف إلى حرمان الطّفل المولود على هذا الوجه من اكتساب الجنسيّة في حال ثبتت بنوته فقط أو أولًا لأمّ لبنانية.
ويشكّل التعديل المقترح تراجعًا عن مبدأ المساواة المنصوص عليه في الدّستور (المادة 7) والمواثيق الدولية، ولا سيما الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل التي تؤكّد حق كلّ طفل في اكتساب جنسية منذ ولادته ووجوب حماية الأطفال من أيّ تمييز قائم على وضع والديهم أو جنسهم. بمعنى أنه بدلًا من أن يعمد المشرّع إلى إزالة التمييز، ها هو يتدخّل لتعميقِه مع ما يستتبع ذلك من زيادة مخاطر انعدام الجنسيّة خلافا لمبدأ خفض حالات انعدام الجنسية.
وإذ أشارت الأسباب المُوجبة إلى أنّها تهدف للحدّ من حالات التّحايل والاستغلال، فإنّ هذه الحجّة بقيتْ مجرّدة عن أيّة أرقام. هذا فضلًا عن أنّه على فرض حصول تحايُل من خلال تعمّد حصول الولادة خارج الزواج أو قبل الإعلان عنه وتسجيله رسميّا من أجل نقل جنسيّة الأمّ إلى ابنها، يبقى أنه تحايُلٌ إيجابيّ يؤدّي إلى الالتفاف على أحكام قانونية تمييزية غير دستورية تناقض مبدأ المساواة بهدف بلوغ غاية تتوافق على العكس من ذلك مع الدستور. بمعنى أنها "حيلة" تدفع الظلم واللامساواة وتصحّح النظام القانوني وتعيد له تناسقه، ولا تهدّده. ومن المهم تأكيدًا على ذلك العودة إلى الفقه الإسلامي الذي عمد صراحة إلى التمييز بين الحيلة المحرمة والحيلة المشروعة، وهي الحيلة التي "تتخذ للتخلص من المآثم للتوصل إلى الحلال أو إلى الحقوق، أو إلى دفع باطل، وهي الحيل التي لا تهدم أصلا مشروعا ولا تناقض مصلحة شرعية". القول بخلاف ذلك يؤدّي إلى نتيجة عبثية قوامها اعتبار رابط الرحم مجرّد حيلة لاكتساب الجنسيّة.
- تعديل يتعارض مع الحدّ من انعدام الجنسية
من جهة ثانية، تعرّض التعديلات المقترحة فئات من الأطفال (وهم الأطفال المولودون في لبنان من والدين مجهولين أو مجهولي الجنسية أو الذين لم يكتسبوا بالبنوة عند الولادة أي جنسية أجنبية) لخطر البقاء بلا جنسية، بحجّة مواجهة حالات تحايل محتملة، فيما كان من الأجدر إرساء آليات تحقيق لاكتساب الجنسية أكثر تشددًا عند الاقتضاء للوقاية من هذه المخاطر. إذ أن مواجهة أيّ حالات تحايل محتملة لا تستوجب إلغاء الضمانات القانونية الموضوعة لمنع انعدام الجنسية، وهو مبدأ كرسته المعايير الدولية لحماية الطفل والاتفاقية الدولية بشأن خفض حالات انعدام الجنسية. الذهاب خلاف ذلك إنما يؤدي عمليا إلى زيادة مخاطر الحرمان من الجنسية خلافا للمواثيق الدولية التي تهدف على العكس من ذلك إلى التقليل من هذه الحالات، ومن أهمها اتفاقية حقوق الطفل (مادة 8) واتفاقية خفض حالات انعدام الجنسية (مادة 6) والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (مادة 24).
ونكّر أنّ تقرير "الجنسية وعديمو الجنسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" الصادر عن المفكرة القانونية كان قد شدّد على مخاطر "انعدام الجنسية"، أيّ الحالات التي لا يكون فيها الشخص عديم الجنسية بعد، لكنه معرّض لذلك بسبب غياب التسجيل أو الثغرات القانونية أو فقدان الوالدين للجنسية. كما شدد التقرير على أهميّة ضمان حقّ الطفل في الجنسية بموجب الاتفاقيات الدولية والإقليمية، ومنها المواثيق المشار إليها أعلاه. وهذه النصوص لا تكتفي بحظر الحرمان التعسفيّ من الجنسيّة، بل تفرض على الدول اعتماد تدابير وقائيّة تحول دون انتقال انعدام الجنسيّة إلى الأطفال ودون نشوء حالات جديدة من انعدام الجنسية.
وعليه، إضافة إلى تعارض هذه التعديلات مع المعايير الدولية كما سبق بيانه، فهي تتعارض إيضًا مع مفهوم الجنسية بحدّ ذاته. فقد أكّد التقرير المذكور على أنّ الجنسية وفق القانون الدولي الحديث، ليست منحة من الدولة بل رابطة قانونية تؤسس لحقوق وواجبات متبادلة بين الفرد والدولة. وقد كرّس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هذا المبدأ في مادته الخامسة عشرة حين نصّ على حق كل شخص في التمتع بجنسية، وعدم جواز حرمانه منها تعسفًا.
- اكتساب الزوجة الأجنبية للجنسية
أخيرًا، ورغم إمكانية تفهم تشديد شروط اكتساب الزوجة الأجنبية للجنسية اللبنانية، إلّا أنّ الصياغة المقترحة تثير إشكاليات جديدة. إذ أنّ رفع المدة من سنة إلى خمس سنوات قد يبرر لغاية الحدّ من الزيجات الصورية، إلّا أن مدة خمس سنوات قد تبدو طويلة بالنسبة إلى الغاية المرجوة منها، وخصوصًا في الحالات التي يكون للزوجة فيها روابط أخرى مع لبنان غير رابط الزواج، كأن يكون لها أولاد لبنانيون أو أصل لبنانيّ أو مقيمة منذ فترة طويلة في لبنان. ولعلّ الأخطر هو اشتراط أن تكون المرأة "معلومة الجنسية" من أجل منحها الجنسية، بما يؤدي إلى استبعاد فئات من النساء عديمات الجنسية أو مكتومات القيد من إمكانية اكتساب الجنسية اللبنانية عبر الزواج، من دون تبرير واضح لهذا التمييز.
[1] كل شخص مولود في اراضي لبنان الكبير ولم يثبت أنه اكتسب بالبنوة عند الولادة تابعية اجنبية، وكل شخص يولد في اراضي لبنان الكبير من والدين مجهولين أو والدين مجهولي التابعية