اقتراح قانون الإعلام أمام مجلس النواب: اختبار التوازن بين حرية التعبير ووظيفة الإعلام الاجتماعية

رنا صاغية

09/02/2026

انشر المقال

بعد مسارٍ طويل شمل 53 جلسة ضمن اللجان منذ حزيران 2010، و19 جلسة عقدتها لجنة فرعية برئاسة النائب جورج عقيص و10 جلسات عقدتها لجنة الإدارة والعدل خلال عامَي 2024 و2025[1]، وصل اقتراح قانون الإعلام أخيرًا إلى الهيئة العامّة لمجلس النواب.

وعليه، نستعيد هنا بعض الملاحظات التي سجّلناها على الاقتراح في صيغته السابقة[2]، مع إضافة ملاحظات جديدة فرضتها التعديلات الأخيرة عليها، وذلك في إطار تقييمٍ شامل لمسار الاقتراح ومدى انسجامه مع الضمانات القانونية لحرية الإعلام والتعبير.

وقبل المضي في إبداء الملاحظات، يهمّنا التّأكيد على أنّ هذا الاقتراح يشكّل خطوةً إيجابيّة نحو حماية الصحافيين وضمان إطار قانوني أكثر توازنًا ووضوحًا، رغم بعض المخاوف الملحّة والحاجة لتصويب بعض مواده قبل إقراره.

إلغاء المقاربة الجزائيّة ولكن …

يحيل الاقتراح الجزء الأكبر من جرائم المطبوعات إلى المحاكم المدنية، ويحصر المقاربة الجزائية بالأفعال الأكثر مساسًا بالمصلحة العامة، وهي جرائم التحريض على الكراهية والتمييز، مع ربطها بمعايير مبررة تمّ صياغتها بدقّة بهدف تفادي التعسّف في استخدام هذا التجريم.

إلا أنّ إلغاء المقاربة الجزائية لا يشمل جميع المنشورات، إذ تبقى أفعال الذم والقدح والتحقير خاضعة للعقوبة الجزائية إذا نُشرت عبر وسائل غير مشمولة بأحكام هذا القانون.

يُشار أيضا إلى أنّ إلغاء المقاربة الجزائية لجرائم المطبوعات يبدو مهدّدًا في ضوء الفقرتين (هـ) و(و) من المادة 106، لما تنطويان عليه من إعادة توسيع نطاق الملاحقة الجزائية بصورة قد تفرغ هذا التوجّه من مضمونه. إذ تنصّ الفقرة (هـ) من المادة 106 على تشديد العقوبة في حال التكرار أو التعسّف في استعمال الحق، رغم أنّ الفعل بحد ذاته لا يشكّل جرمًا. كما تنصّ الفقرة (و) من المادة نفسها، وهي الأخطر، على أنّ اختصاص القضاء الجزائي للنظر في الدعوى "لا ينعقد ما لم يثبت المدّعي أنّ خلفية النشر تستند إلى مضمون إعلاميّ كاذب أو تشهيرّيّ أو ابتزازيّ، أو تنسب أفعالًا جرميّة تضرّ بالمدّعي المتضرّر". ومؤدّى هذا النص هو أن اختصاص القضاء الجزائي ينعقد كلما أثبت المدّعي أن النشر يستند إلى مضمون إعلاميّ كاذب أو تشهيرّيّ أو ابتزازيّ، أو ينسب أفعالًا جرميّة تضرّ بالمدّعي المتضرّر؛ وهو أمر من شأنه أن يسوّغ للمدّعي تحريك الدّعوى العامّة وجرجرة المدعى عليه أمام المرجع الجزائي مجدّدًا بانتظار النظر في مدى توفر الإثبات المحدد في هذه المادة.

ويبدو التوجه التشريعي هنا موضع انتقاد من زاويتين على الأقل:

أولًا، إنه يؤدي إلى تصنيف القول على أنه جرم أو ليس كذلك، وفق الوسيلة التي يتمّ التعبير عنه من خلالها، بحيث يشكّل جرمًا جزائيًّا في حال حصل ذلك من خلال وسائل التواصل الاجتماعيّ ولا يكون من حيث المبدأ كذلك في حال حصل من خلال وسائل الإعلام المشمولة بالقانون. ومن شأن ذلك أن يشكّل إخلالًا بمبدأ المساواة في الحماية القانونية، بحيث يبدو أنّ الوسائل الإعلامية المشمولة بالقانون تتمتّع بهامش حريّة أوسع من تلك المتاحة للأفراد الذين لا يملكون سوى وسائل التواصل أو هواتفهم للتعبير عن آرائهم.

ثانيًا، إنّ من شأن فتح إمكانيّة إثبات الطابع الجزائي أمام المدّعي أن يضعف الهدف المرجو من إلغاء تجريم جرائم المطبوعات، خصوصًا أنّ المادة كما تمت صياغتها مفعمة بالغموض، ما قد يفسح المجال أمام تفسيرات واسعة تقوّض الضمانات المرتبطة بحرية التعبير.

إلغاء المسؤولية القانونية عن بعض الأفعال

يلغي الاقتراح الجرائم المتصلة بإثارة النعرات وتعريض البلاد للمخاطر المنصوص عليها في القانون الحالي. رغم ذلك، ثمة مخاوف من استعادتها من خلال التوسع في تطبيق المواد المتعلقة بالتحريض على الكراهية أو التمييز. من هنا، تبرز أهمية الالتزام الصارم بمعايير التحريض لضمان عدم استغلال هذه المواد لإعادة إدخال الجرائم الملغاة، والحفاظ على الضمانات المرتبطة بحرية التعبير.

كذلك ينصّ الاقتراح على أن بعض مواد قانون العقوبات لا تنطبق على الوسائل الإعلامية الخاضعة لأحكامه، مما يوفّر حماية إضافية للصحافيين والنشر الإعلامي. من بينها: جرائم القدح والذم الواقعة على الأشخاص، والتحقير الواقع على السلطة العامة ونشر الأنباء الكاذبة والمسّ بالشعور الديني والوطني. إلّا أنّ الموادّ 385 إلى 387 من قانون العقوبات، المتّصلة بجرائم القدح والذمّ الواقعة على السّلطة العامّة، تبقى محلّ التباس لعدم ذكرها صراحةً في النصّ. ويطرح ذلك تساؤلًا مشروعًا عمّا إذا كان هذا الغموض ناجمًا عن خطأ مادي أم أنّ المقصود منه الإبقاء على إمكانية الملاحقة الجزائية في هذه الحالات.

فضلًا عن ذلك، يُلغي الاقتراح الامتيازات الخاصّة بالرؤساء والموظّفين العامين، كما يوسع حدود النقد المباح، ليس فقط من خلال إزالة الصفة الجزائية عن الذم والقدح، وإنما أيضًا عبر تمكين المدعى عليه من إثبات صحة الخبر المتعلق بالوظيفة أو المصلحة العامة للشخصيات العامة (وليس الموظفين العامين فحسب)، والاكتفاء بتقديم بيّنة أو قرائن على صحة المعلومات المنسوبة. على أن تستكمل المحكمة هذه البيّنات والقرائن بما يثبتها إذا أمكن، من خلال إلزام الإدارات أو الجهات المختصة، وكذلك المدعي، بتقديم ما لديهم من معلومات أو مستندات.

كذلك يخفّف من عدد الأمور المحظور نشرها على ضوء التوسع في حرية النشر والنقد المباح، لاسيما الرسائل والاوراق والملفات او شيئا من الملفات العائدة لإحدى الإدارات العامة والموسومة بطابع عبارة "سري"، والتقارير والكتب والرسائل والمقالات والصور والأنباء المنافية للأخلاق والآداب العامة. كذلك يسعى لحماية القاصرين الذين أقدموا على الانتحار وضحايا جرائم الاغتصاب، إلا في حال الحصول على موافقة مسبقة من الضحية أو قاضي الأحداث.

يسجّل أيضا للاقتراح التمييز بين المسائل التي يحميها الحقّ في الخصوصيّة، والتي يجب عدم انتهاكها، وتلك التي تخرج عن نطاق هذا الحق، وبالتالي تبقى خاضعة للنشر والمساءلة. كذلك جواز التداول في قضايا لا تزال قيد التحقيق أمام القضاء، شرط أن تكون تلك القضايا متصلة بالرأي العام أو المصلحة العامة.

في المقابل، لا يزال الاقتراح يحظر نشر "وقائع جلسات مجلس الوزراء ووقائع الجلسات السرّية التي يعقدها المجلس النيابي أو لجانه". كما يحظر نشر معلومات عن مداولات مجلس القضاء الأعلى باستثناء ما يسمح به رئيس المجلس، أي أن الاقتراح يمنح رئيس المجلس حق رفع السرية من دون نص قانوني واضح يجيز ذلك، وهو أمر يتضارب مع التوجه الآيل إلى تعزيز الشفافية في التنظيم القضائي منعاً لثقافة التدخل في أعمال القضاة. هذا فضلا عن النص الجديد الذي يحظر نشر المعلومات العسكرية غير الصادرة عن الجهات الرسمية المختصة، دون أن يأخذ بعين الاعتبار أهمية الموازنة بين حماية الأمن العام وحق المجتمع بالمعرفة.  

من المآخذ أيضًا أنّ الاقتراح يمنح أي متضرر من النشر حق طلب إزالة المادة الإعلامية المشكو منها، دون أن يراعي أيّ تدرج في الإجراءات (فعلى سبيل المثال، جاز اعتبار أن رفض التصحيح يفتح الباب أمام طلب الإزالة)، أو يحدد أسبابًا تسمح للمؤسسة الإعلامية برفض طلب الإزالة، على غرار ما هو معمول به في حالات رفض نشر الرد أو التصحيح.

حماية الصحافيين

يقدّم الاقتراح موادّ هامّة ومفصلية تهدف إلى حماية الصحافيين، لا سيما من حيث حماية المصادر الصحافية والحرية النقابية واستقلالية التحرير والحماية من الاعتداءات واحترام مبدأ الضمير المهني وحق الوصول إلى المعلومات. ويكتسب هذا الأمر أهمية بالغة، خصوصًا أنّ حرية الإعلام ترتبط بشكل وثيق بضمان سلامة الصّحافيين، فلا يمكن الحديث عن حرية الإعلام في ظلّ غياب الحدّ الأدنى من الحماية القانونية للعاملين في هذا المجال.

في المقابل، لم ينصّ الاقتراح صراحة على حظر التحقيق في القضايا الجزائية أمام جهات أمنية أو قضائية غير مختصة، أو على منع التوقيف الاحتياطي في قضايا النشر غير الخاضعة لأحكام هذا القانون. كما لم يتطرق الاقتراح إلى الباب الرابع من القانون الحالي الخاص باتحاد الصحافة اللبنانية، رغم أن هذا الباب يعاني من قصور في مراعاة التعددية المهنية والإعلامية والحرية النقابية، فضلاً عن التطور المتسارع للإعلام الرقمي والمستقل. ومن المفيد أيضًا حصر التفتيش أو أي إجراءات قضائية أخرى متخذة بحق مصادر الصحافيين بالحد الأدنى الضروري، وبما يتوافق مع الهدف الذي صدر من أجله قرار التفتيش.

تعديل أصول الاستدعاء والتحقيق والمحاكمة على نحو يراعي حرية التعبير

من تلك التدابير الإيجابية إنشاء غرفة مدنية ابتدائية في مراكز المحافظات والتقاضي على 3 درجات وتطبيق أصول المحاكمة الموجزة في كل مراحل المحاكمة وإلغاء صلاحية المحكمة العسكرية وتعزيز مبدأ عدم جواز التوقيف الاحتياطي في القضايا الخاضعة لهذا القانون.

في المقابل، يبقى معيار الحماية، لاسيما المتصل بعدم جواز التوقيف الاحتياطي، متوقفا على المنصة المستخدمة وما إذا كانت خاضعة لأحكام هذا القانون أم لا. 

ضمان التعدّدية الإعلامية

يسعى الاقتراح لضمان قدر أكبر من التعددية الإعلامية من خلال عدة مواد، أهمها: النص في أهدافه إلى منع الاحتكارات في تملّك وسائل الإعلام وتعزيز المنافسة الحرّة العادلة بما يتناسب مع حجم السوق وحاجاته، لا سيما في تأسيس وسائل الإعلام الخاضعة للترخيص. كذلك التأكيد على حرية الإعلام الإلكتروني، وعدم إخضاع إنشاء المنصات والمواقع الإلكترونية الاعلامية لأي موافقة أو ترخيص مسبق، وإدراج المواقع الإلكترونية ضمن أحكام قانون الإعلام، وإلغاء عدد المطبوعات الدورية السياسية، وإلغاء رقابة الأمن العام المسبقة على طباعة وإصدار ونشر المنشورات غير الدورية، وجواز إنشاء المؤسسات التي تعتمد البث والنشر عبر وسائط الإنترنت والأقمار الصناعية وغيرها من التقنيات اللامحدودة وفق أصول العلم والخبر.

في المقابل، يُخشى على التعددية إذا كان القانون يسمح لكل شركة إعلام بامتلاك مؤسسة تلفزيونية واحدة ومؤسسة إذاعية واحدة عن كل فئة من الفئات المحددة في هذا القانون، بخاصة أن عدد المؤسسات التي تعتمد على شبكة البث التلفزيوني والإذاعي الترددي الأرضي من قنوات وموجات تملكها الدولة اللبنانية محدود ولا يمكن تجاوزه حتى تاريخه. فضلا عن ذلك، يسمح القانون للأجانب تملك كامل المؤسسات الإعلامية غير السياسية، بينما يسمح لهم بامتلاك 20% من رأس المال في المؤسسات الإعلامية السياسية، من دون تحديد عدد المؤسسات الإعلامية التي يمكن أن يتملك فيها الأجانب. كما أنه لا يتضمن تحديدا قانونيا لمن يعتبر شخصا واحدا، وهو ما يترك مجالا للتلاعب.

استقلالية الرقابة على الإعلام وفعاليتها

يسعى الاقتراح لضمان استقلالية الهيئة الوطنية للإعلام من خلال النص على انتخاب 7 من أصل 10 أعضاء من قبل جهات مختلفة، منها الهيئات القضائية ومجالس نقابتي المحامين ونقابتي المهندسين... كما تسمّي هذه الجهات عددا من المرشحين ليعيّن مجلس الوزراء 3 منهم إلى عضوية الهيئة وفقا للأصول المحددة. كذلك يمنح الاقتراح الهيئة عددًا من الحصانات، لا سيّما لجهة عدم جواز إنهاء عضوية إلا ضمن آلية وحالات محددة، وعدم جواز اتخاذ قرار بتعليق أو وقف عمل الهيئة في أيّ ظرف من الظروف من قبل السلطة التنفيذية. كذلك يخوّل الاقتراح الهيئة صلاحيات مهمة في الرقابة على الإعلام بمعرض ممارستها لمهامّها المحددة في القانون وبالتدرّج بالنسبة للمخالفات القانونية ومخالفات دفاتر الشروط ومخالفات قواعد السلوك المهني، ووجوب العمل على ضمان حرية التعبير والإعلام والنشر وفق المبادئ العامة التي ينص عليها الدستور والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية ذات الصلة.

في المقابل، لا يتضمن الاقتراح أيّة آلية لضمان منع التعطيل في تشكيل الهيئة أو ضمان شفافية ونزاهة العملية الانتخابية داخل تلك الهيئات. نسجّل أيضا إقصاء الصحافيين عن عضوية الهيئة والاكتفاء بانتخاب خبير إعلاميّ من قبل عميد ومدراء كليات الإعلام في الجامعة اللبنانية ونقيب الصحافة ونقيب محرّري الصحافة اللبنانية ونقيب العاملين في المرئي والمسموع ونقيب المصورين وسائر نقباء النقابات المرتبطة بالإعلام. فضلا عن الغموض في المعايير المعتمدة مثل تحديد الحد الأقصى لعمر الأعضاء بـ 69 سنة، وحصر الانتخاب بمجالس النقابات عوضًا عن مجموع الجسم القضائي أو النقابي.

فضلا عن ذلك، قد يكون مناسبا التفكير بآليات تعزز فعالية عمل الهيئة. مثال على ذلك إحالة المخالفات الجسيمة المتعلّقة بالتحريض على الكراهية والتمييز، في حالات معينة مثل الحروب، إلى القضاء المستعجل لاتخاذ تدابير تحدّ من تفاقم الضرر لحين صدور قرار قضائي في الأساس. كما نقترح التأكيد على موجب النشر للشكاوى (وليس فقط التقرير السنوي) التي ترد الهيئة والقرارات المتصلة بها والمراجعات التي تحصل على أساسها، وإخضاع النزاعات التي تنشأ بين الهيئة وموظّفيها والمتعاقدين معها إلى القضاء الإداري وليس العدلي.

تطوير الإعلام العامّ

ينص الاقتراح على أهداف مهمة للإعلام العام والتي تميّزه فعليا عن الإعلام الخاص، أهمها ضمان حق الناس بالحصول على المعلومات الصحيحة والتصدي للتضليل الإعلامي وبخاصة أثناء الأزمات والإضاءة على قضايا الفساد وإساءة استخدام السلطة واحترام تعددية المعلومات والمساواة في الظهور..  

إلا أن الاقتراح ينص على خصخصة "شركة الإعلام العامة" من خلال منح الدولة جواز التفرغ عن 49% من أسهمها، بموجب مراسيم في مجلس الوزراء، للأشخاص الطبيعيين والمعنويين اللبنانيين، على ألا يجوز لأي شخص أن يتملك أكثر من 2% من رأسمال الشركة، وعلى أن يكون لكل 10% من الأسهم عضو إضافي في مجلس الإدارة. إلا أن هذه الآلية، بمعزل عن الملاحظات المتصلة بالخصخصة والقوانين الخاصة بها، قد تؤدي عمليا إلى تمركز تلك الأسهم بيد قلة من المتنفذين، مما يهدد التعددية أو ينذر بشلل عمله أو تعطيله. كما قد تؤدي عمليا إلى إلغاء الأهداف المقررة للإعلام العام في الاقتراح نفسه. 

كذلك تلغي النسخة الحديثة المادة المتصلة بعدم جواز إقالة أعضاء مجلس الإدارة من قبل مجلس الوزراء.

النزاهة الإعلامية والالتزام بالوظيفة الاجتماعية للإعلام

يتضمن الاقتراح عددًا من الموادّ التي قد تسهم في تعزيز النزاهة الإعلامية والتزام المؤسسات الإعلامية بالمسؤولية الاجتماعية المترتبة عليها. أبرز تلك البنود:

1- تكليف الهيئة الوطنية للإعلام بصياغة مدونات السلوك وإقرارها وفق آلية تشارك بين الفئات المعنية ومنها المؤسسات الإعلامية والصحافيين والنقابات والجمعيات المعنية بحرية الإعلام.

في هذا الصدد، نسجّل ملاحظتين: الأولى، ضرورة صياغة مدوّنات السلوك كأدوات توازن بين حرية التعبير ووظيفة الإعلام الاجتماعية، لا مجرد تكرار للقوانين أو مراعاة الحساسيات، وتشمل الواجبات، وتشديدًا على البحث عن الحقيقة، والدفاع عن استقلالية الإعلام، والتضامن مع الصحافيين، إضافةً إلى قواعد خاصة لفترات الأزمات والتدريب عليها.

الملاحظة الثانية، الحفاظ على فاعلية آلية التشاور دون تحويلها إلى نصوص تجمّدها أو تفتح الباب للطعن فيها، عبر الإبقاء على مبدأ التشاور والنشر على الموقع الإلكتروني مع إتاحة مشاركة الأطراف المعنية دون فرض التزام شامل قد يعطل الآلية.

2- منع وسائل الإعلام ومالكيها من الاستحصال على أية منفعة بطريقة غير مشروعة أو الانخراط في أنشطة قد تُعدّ تضاربًا في المصالح. كذلك حظر على المؤسسات الإعلامية ومالكيها الحصول على امتيازات أو إبرام عقود مع الدولة أو المؤسسات العامة أو البلديات أو أي جهة تتعامل بالأموال العامة. رغم أن هذه المادة تسعى ظاهريا للحد من التدخل في الإعلام والحفاظ على نزاهته، إلا أنّها لا تزال غير واضحة، وثمة احتمال لاستغلالها إذا لم تُوضّح حدودها وصلاحيات تطبيقها.

3- تكريس موجب التمييز بين الإعلام والإعلان ضمن أهداف الاقتراح، وإلزام جميع وسائل الإعلام أن تفصل بشكل كامل وواضح بين المحتوى الإعلامي والمحتوى الإعلاني بما يضمن نزاهة الإعلام واستقلالية التحرير عن الإعلانات وحق الجمهور في المعرفة وعدم استغلال ثقة الجمهور بالمحتوى الإعلامي لتمرير رسائل تجارية أو سياسية مبطّنة.

موجب احترام مبدأ التناسب بين الجرم والعقوبة

يحدّد الاقتراح عقوبة الحبس في حال ثبوت جرم التحريض بين 3 أشهر و3 سنوات، والغرامة بين 5 و15 ضعف الحد الأدنى للأجور، أو بإحدى هاتين العقوبتين. وتشدد العقوبة لتصل إلى الحبس من ثلاث سنوات إلى عشر سنوات، إذا أدّت هذه الأفعال إلى القتل أو الإيذاء أو التعطيل الكلي أو الجزئي أو تدمير كبير في الممتلكات العامة والخاصة. إن تشديد العقوبة مفهوم، إلا أن اعتبار عقوبة التحريض مستقلة عن النتائج الفعلية للأفعال قد يبعدها عن مبدأ التناسب بين الفعل والعقوبة.

أما الغرامات على مخالفات معينة، مثل عدم التقيد بشروط الترخيص أو الإعلانات أو استطلاعات الرأي أو الحصول على منفعة غير مشروعة، فقد تصل إلى 100 ضعف الحد الأدنى للأجور. ويحق الإقفال في حالتين فقط: إذا كان المالك يحمل جنسية دولة عدوة، أو في حال تكرار الحصول على منافع غير مشروعة.

ختاما، يبقى تحديد قيمة التعويض أمرًا حساسًا، إذ قد يشكّل عبئا مفرطًا يهدّد حرية التعبير إذا تجاوز الضرر الفعلي أو لم يُراعَ فيه مبدأ التناسب بين الفعل والتعويض المالي.


[1] المرصد البرلماني

[2] اقتراح قانون الإعلام بحلّة جديدة: نحو إنهاء المقاربة العقابية وتعزيز حماية الصحافيين؟، رنا صاغية، المفكرة القانونية، 8/8/2025.