اقتراح هامّ لتمكين النواب من درس مقترحات القوانين: نشر جدول أعمال الهيئة العامة قبل 72 بدل 24 ساعة
12/11/2025
تقدّم النواب بولا يعقوبيان وحليمة القعقور وياسين ياسين بتاريخ 23 تشرين الأول 2025 باقتراح لتعديل المادة الثامنة من النظام الداخلي لمجلس النواب.
وفيما ينص البند الثالث من هذه المادة على دور مكتب المجلس في "نشر جدول الأعمال المقرر في بهو المجلس وتبليغه إلى النواب مع نسخة عن المشاريع والاقتراحات والتقارير موضوع جدول الأعمال قبل انعقاد الجلسة بأربع وعشرين ساعة على الأقل"، يأتي الاقتراح ليجعل هذه المهلة 72 ساعة على أن يتم نشر جدول الأعمال بالوسائل الإلكترونية.
وتنص الأسباب الموجبة على أنّ النظام الداخلي لم يواكب التطور التكنولوجي الذي طرأ على عمل المجالس النيابيّة لا سيّما لناحية "اعتماد وسائل التبليغ الإلكتروني بدل التبليغ الورقي لجلسات المجلس ولجانه". كما استشهدت الأسباب الموجبة بالتجربة الفرنسيّة التي تستخدم وسائل التبليغ الإلكتروني بالإضافة إلى "تبليغ النواب جدول أعمال الجلسات قبل وقت معقول لتمكينهم من الاطلاع عليه ودرسه بشكل واف" ما أدّى إلى "تسهيل عمل النواب وإضافة المزيد من الشفافيّة والفعاليّة على الأداء البرلماني بما يمكّن المواطن من مساءلة ومحاسبة ممثليه عن أدائهم التشريعي والرقابي".
وبالتالي، أشارت الأسباب الموجبة إلى أنّ النظام الداخلي المعمول به حاليًّا والذي ينصّ على وجوب تبليغ النواب جدول الأعمال قبل 24 ساعة على الأقل من موعد الجلسة لا يعطي الوقت الكافي للنواب للاطلاع على المشاريع والاقتراحات ما يحتمّ تعديل المادة لناحية التبليغ قبل 72 ساعة على الأقل، على أنّ يكون ذلك بالوسائل الإلكترونية.
جراء ما تقدّم، لا بدّ من إبداء الملاحظات التالية تعليقًا على هذا الاقتراح:
كيف تعمل البرلمانات الحديثة والفعّالة؟
إنّ المجالس النيابيّة الفعّالة والمعاصرة، أي التي تعتمد على الوسائل التكنولوجيّة والتي تجتمع بشكل شبه يومي أو أسبوعي في هيئاتها العامة من أجل مناقشة المشاريع والاقتراحات والتصويت عليها، تحتوي في أنظمتها الداخليّة على شروط واضحة لناحية إعداد جدول أعمال الهيئة العامة والموافقة عليه وتبليغه، كما تتمتع بوسائل حديثة لجعل مضامين جداول الأعمال متاحة للعموم وليس فقط النواب، مع كامل تفاصيل مسارها داخل أروقة المجالس والتعديلات المقترحة عليها وغيرها من التفاصيل التي تساهم في فهم مسار النصوص وتحضيرها من قبل النواب ومن قبل متابعي الشأن النيابي تمهيدًا لمناقشتها والتصويت عليها في الهيئات العامة.
وفي مراجعة سريعة لعمل الجمعيّة الوطنيّة الفرنسيّة ومجلس الممثلين البلجيكي، يتبيّن مثلًا أنّ البند العاشر من المادة 48 من النظام الداخلي للجمعيّة الوطنيّة الفرنسيّة يحتّم عند وضع جدول الأعمال من قبل "مؤتمر الرؤساء" المؤلّف من رئيس الجمعية الوطنية ونوابه ورؤساء اللجان ورؤساء الكتل النيابيّة، نشره وإبلاغه إلى الحكومة ورؤساء الكتل النيابيّة ورؤساء اللجان النيابيّة على الفور، فيما النظام الداخلي في لبنان في مادته الثامنة يفرض تبليغه إلى النواب فقط "قبل انعقاد الجلسة بأربعة وعشرين ساعة على الأقل".
كما يحتّم نظام الجمعيّة الوطنيّة الفرنسيّة في البند السادس من المادة 48 على مؤتمر الرؤساء أن يضع في اجتماعه الأسبوعي جدول الأعمال للأسبوع الحالي والأسابيع الثلاثة القادمة، ما يعطي وضوحًًا للنواب حول مسار العمل التشريعي القادم. وفي المقارنة، فإنّ هيئة مكتب المجلس في لبنان تضع جدول أعمال لجلسة واحدة نظرًا إلى أنّ المجلس لا يجتمع بشكل دوري بل فقط عند بروز الحاجة وفقا للمعطيات السياسية، وفي كثير من الأحيان يُثقل جدول الأعمال بعدد كبير من البنود ما يصعّب مراجعتها من قبل النوّاب كما مناقشتها والتصويت عليها في الهيئة العامّة، كجدول أعمال جلسة 15 أيّار 2025 التي تضمنت 83 بندًا.
بالإضافة إلى ذلك فإنّ الموقع الإلكتروني للجمعيّة الوطنيّة الفرنسيّة ينشر كامل النصوص الموضوعة على جدول الأعمال مع مسارها التشريعي، كما جدول الأعمال للأيام والأسابيع القادمة وكامل التعديلات المقترحة على النصوص التي هي قيد المناقشة في الهيئة العامة.
أمّا في بلجيكا، فإنّ المجلس النيابي ينشر أيضًا جدول أعماله مع النصوص وكلّ التفاصيل المتعلّقة بها على موقع إلكتروني مخصص لذلك ومتاح للنواب والعموم وبشكل أسبوعي ومسبق، فيما ينصّ نظام مجلس الممثلين في مادته 40 على أنّ رئيس المجلس يعلن، عند ختام كلّ جلسة، موعد الجلسة المقبلة وجدول أعمالها.
التحسينات المقترحة على النظام الداخلي لمجلس النواب اللبناني
يرمي الاقتراح إلى تعديل المادة الثامنة من النظام الداخلي بغية زيادة المدّة الملزمة التي يجب أنّ تتركها إدارة المجلس بين تاريخ انعقاد الجلسة وتاريخ تبليغ النواب بجدول الأعمال. ففيما هذه المدة هي اليوم 24 ساعة، يهدف الاقتراح إلى جعلها تمتد إلى 72 ساعة على الأقل، تمكينًا للنواب من تمحيص جدول الأعمال بطريقة كافية ووافية، وهو أمر ضروريّ جدًا لكي تكون النقاشات داخل الهيئة العامة مفيدة وعلى بيّنة من مضمون البنود المطروحة، وإلّا فإنّ النقاشات معرّضة بأن تكون مرتجلة بينما قد يفقد تصويت النواب مصداقيته لا سيّما وأنّ إرباك النواب في اللحظات الأخيرة بفائض من البنود على جدول الأعمال قد يخفي من ورائه نيّة بتمرير أمور من دون أن يتسنّى لهم ملاحظتها.
وكان للنواب اعتراضات حول قصر المدّة الممنوحة في النظام الداخلي لتبلّغ جدول الأعمال مع النصوص، لا سيّما الاعتراض الذي سجّله المرصد البرلماني في جلسة 24 نيسان 2025 التشريعيّة. حيث اعتبرت حينها النائب حليمة القعقور "أنّ مدّة ال 24 ساعة التي وضعتها المادة كمهلة لتوزيع جدول الأعمال والاقتراحات على النواب غير كافية لاطّلاع النواب عليها جميعها". وفيما تضمّن جدول أعمال هذه الجلسة 23 بندًا من بينها 17 اقتراحًا معجلًا مكررًا، أي نسبة 74٪، ذكّرت القعقور أنّ هذه الاقتراحات "لم تعرض حتّى في اللجان النيابية من قبل"، ما يعني أنّه لم يتمكن النواب من الاطلاع عليها قبل الجلسة. وقد طالبت القعقور حينها "بتعديل المادة الثامنة من النظام الداخلي لتصبح أسبوعًا على الأقل من موعد الجلسة، لإتاحة المجال للنواب في دراسة جدول الأعمال بشكل وافٍ"، فيما سجّل المرصد موافقة النائبين فراس حمدان وياسين ياسين على مداخلة القعقور.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الاقتراح يطرح اعتماد وسيلة تبليغ إلكترونيّة لجدول الأعمال مع نسخة عن المشاريع والاقتراحات والتقارير، علمًا أنّ الاقتراح لم يحدد ما إذا كان هذا التبليغ سيتمّ عبر البريد الإلكتروني الخاص بكلّ نائب فقط أو أنّه قد يتم أيضا عبر نشر تلك الوثائق على الموقع الإلكتروني لمجلس النواب، ما يؤمّن أيضًا للعموم إمكانيّة الاطلاع على جدول الأعمال والمستندات المرفقة به، وبالتالي يوفّر فرصة أكبر للمواطنين بمتابعة أعمال المجلس ومحاسبة النواب على أدائهم.
ومن الملاحظ أن الاقتراح يحصر التبليغ بالوسائل الالكترونية ما يفهم منه أن طباعة تلك النصوص وتبليغها ورقيا إلى النواب لم يعد ضروريا، لذلك كان من الأفضل الإبقاء على خيار التبليغ الورقي أيضا في حال كان النائب من الذين يفضلون الحصول على القوانين بهذه الطريقة، أو من الذين لا يستخدمون البريد الإلكتروني شخصيا، وذلك لتجنب المشاكل التقنية التي قد تصيب الانترنت بحيث يعترض النواب على مناقشة جدول الأعمال في الجلسة بسبب عدم استلامهم للبريد الالكتروني.
في الخلاصة، لا شك أن وضوح النقاشات البرلمانية هو من أهمّ العناصر التي يجب أن يتّسم بها العمل التشريعي، ما يعني تمكين جميع النواب من تكوين صورة دقيقة عن كل القوانين المعروضة للتباحث في الهيئة العامة. فإذا كان يمكن الافتراض أن أعضاء اللجنة النيابية التي تولت درس القانون قد تمكنوا من الحصول على معلومات وافية لكن ذلك لا ينطبق على سائر النواب الذين لا ينتمون إلى تلك اللجنة ما يوجب منحهم الوقت الضروري لدراسة النص المعروض عليهم قبل الذهاب إلى الهيئة العامة.
لكن المراقب لمجلس النواب في لبنان سيكتشف أن عمل هذا الأخير هو النقيض التام للوضوح والشفافيّة. ومرد ذلك ليس فقط النظام الداخلي الذي يعتريه الكثير من العيوب والمشاكل، ليس أقلّها عدم تضمّنه أصول لتقديم التعديلات على النصوص ما يؤدّي إلى فوضى عارمة في هذا الخصوص في الجلسات التشريعيّة، بل إنّ سوء إدارة الجلسات التشريعية والخلل الدائم في كيفية التصويت واحتساب الأغلبية هما أيضًا نتيجة مباشرة لاعتباطيّة رئيس المجلس النيابي الحالي في ظلّ غياب لأي دور رقابي لمكتب المجلس على أداء رئيسه. فعقد جلسات تشريعية متباعدة ووضع جدول أعمال بطريقة ارتجالية من دون أي منطق في تحديد الأولويات أو احترام لمهل زمنية تحتم عرض القوانين تباعًا، كلها عوامل تؤدي في نهاية المطاف إلى حالة من الفوضى البرلمانية تضرب في الصميم معنى الديمقواطيّة التمثيليّة، وهي إشكالية لا يمكن معالجتها بتعديل النظام الداخلي لمجلس النواب بل بتغيير الذهنية المتحكمة بعمل تلك المؤسسة الدستورية.