الدستوريّ يشرعن "المباراة الحصريّة" في الجامعة اللّبنانية: الوضع الشاذّ يبرّر الاستثناء مجدّدًا
09/07/2025
أصدر المجلس الدستوري بالإجماع القرار رقم 14 بتاريخ الأول من تموز 2025 والذي قضى برد الطعن بالقانون الذي أجاز للجامعة اللبنانية إجراء مباراة محصورة لملء المراكز الشاغرة في ملاكها الإداري. وقد اكتفى القرار بإبطال القانون جزئيا عبر حرمان مجلس الجامعة من استحداث وظائف جديدة في ملاك الجامعة الإداري لكن مع الإبقاء على جوهر القانون ما يوجب التعليق على أبرز النقاط التي تناولها.
مكافأة السلطة على الحالة الاستثنائية التي أوجدتها
خوّل القانون الجامعة اللبنانية ملء الشواغر خلال فترة سنة من تاريخ العمل به عن طريق مباراة يجريها مجلس الخدمة المدنية، يشارك فيها فقط العاملون في الجامعة أيا كانت طبيعة علاقتهم بها سواء كانوا موظفين أو متعاقدين أو أجراء أو مدربين، وسواء كانت عقودهم نظامية أو عقود مصالحة أو كانوا مياومين.
وهكذا يتبين أن القانون حصر المباراة بالعاملين في الجامعة اللبنانية ما يشكل استثناء على النظام العام الذي يرعى الأصول القانونية للمباراة وهو الأمر الذي تنبه له المجلس الدستوري الذي اعتبر أن القانون المطعون فيه "يعفي المتقدمين إلى المباراة المحصورة من بعض الشروط المفترض توافرها في المتقدمين إلى وظائف إدارية بحسب أحكام قانون الموظفين العام الذي يرعى مثل هذه الحالات" ما يشكل "استثناءً، وإن لم ينص القانون المطعون فيه على الاستثناء صراحة".
وبما أن القوانين التي تنص على أحكام استثنائية تكون مخالفة للدستور في حال لم تكن مبررة بالمصلحة العامة وتأمين استمرارية المرفق العام، اعتبر المجلس الدستوري أن الشغور في الملاك الإداري للجامعة اللبنانية "يفرض ملء جميع المراكز في الجامعة، وشغل جميع الوظائف الإدارية وغير الإدارية، وعدم بقاء أي مركز منها شاغراً" تحقيقا للمصلحة العامة.
ويتابع المجلس الدستوري تبريره الطبيعة الاستثنائية للقانون الذي يعفي المتقدمين إلى المباراة من الشروط القانونية العامة فيقول بأن "شغل الوظائف الشاغرة، سواءً في الجامعة اللبنانية أو في غيرها من المؤسسات والإدارات العامة، ليس متاحاً بنتيجة صدور قوانين تمنع التوظيف في مختلف الإدارات العامة ومنها الجامعة اللبنانية، الأمر الذي نجم عنه حصول شغور كبير فيها، ما انعكس سلباً على استمرارية عمل المرافق العامة المعنية وضرراً على المصلحة العامة"، لذلك يصبح الاستثناء الذي يحصر المباراة بالعاملين في الجامعة ويعفيهم من بعض الشروط "مبرراً بالمصلحة العامة تأميناً لاستمرارية العمل في المرفق العام أي الجامعة اللبنانية، وبالتالي لا يكون مخالفاً للدستور".
ولا شك أن مقاربة المجلس الدستوري هذه يمكن انتقادها لأنها تقرن المصلحة العامة بشغور في ملاك الجامعة لم ينتج عن ظروف استثنائية خارجة عن إرادة المشترع، لكن عن قانون استثنائي أقرّ منع التوظيف في الإدارات والمؤسسات العامة (المادة 80 من موازنة عام 2019)، أي أن الشغور هو نتيجة قرار متعمد وسياسة عامة انتهجتها السلطة وبالتالي لا يمكن لهذه الأخيرة أن تتذرع بضرورة ملء الوظائف الشاغرة كي تعمد إلى تبني استثناء يعفي المتقدمين إلى المباراة إلى أي ادارة أو مؤسسة عامة من مؤسسات الدولة من الشروط القانونية العادية أو يحصرها في العاملين ضمن إدارة أو مؤسسة محددة.
علاوة على ذلك، يمكن لمجلس النواب الذي أقر منع التوظيف إلى حين إجراء مسح وظيفي شامل في كل المؤسسات التابعة للدولة (وهو مسح تم من قبل مجلس الخدمة المدنية الذي أبلغ نتيجته إلى رئاسة مجلس الوزراء في 31 آب 2021) أن يتراجع عن موقفه هذا، في حال افترضنا أن هذا المنع لا يزال قائما، وذلك عبر إقرار قانون جديد يجيز التوظيف في الجامعة اللبنانية وغيرها من الإدارات والمؤسسات العامة، ما يعني أن معالجة الشغور لا تتمّ بقانون استثنائي يبنى على أحكام هي بدورها استثنائية تقضي بمنع التوظيف، لكن عبر إلغاء المنع والسماح للجامعة اللبنانية بإجراء مباراة وفقا للشروط العامة.
إن موقف المجلس الدستوري بقبول الاستثناء كونه يؤدي إلى تحقيق المصلحة العامة يذكرنا بمفهوم "الحالة الشاذة" الذي لجأ إليه المجلس أكثر من مرة لتبرير تأجيل الانتخابات النيابية والبلدية أو إقرار موازنات من دون قطع حساب. فكما أن فقدان الانتظام المالي للدولة لسنوات طويلة بسبب غياب قطع الحساب وعدم إجراء الانتخابات النيابية والبلدية في موعدها كان نتيجة تقاعس السلطة السياسية عن القيام بواجباتها الدستورية، كذلك الأمر بالنسبة للتعطيل الذي ضرب العديد من مؤسسات الدولة التي وجدت نفسها عاجزة عن القيام بدورها بسبب ضعف الموارد البشرية والمادية. فالشغور كان حالة متوقعة تتحكم بها السلطة السياسية ما يعني أن القانون المطعون فيه لا يهدف إلى تدارك حالة استثنائية من أجل الحفاظ على المصلحة العامة بل هو يستفيد من الشغور كي يكرس ممارسة استثنائية لا يمكن تبريرها من الناحية الدستورية.
وما يفاقم من الخلل في قرار المجلس الدستوري هو انفصاله كليّا عن الاعتبارات الواقعية التي تشرح حقيقة المباراة المحصورة كون العديد من العاملين الحاليين في الجامعة اللبنانية يدخلون في فئة المتدربين والمتعاقدين الذين حصلوا على وظائفهم عبر الزبائنية والمحاصصة بين الجهات السياسية المهيمنة على قرار ليس فقط الجامعة اللبنانية بل مختلف إدارات ومؤسسات الدولة. فالمباراة المحصورة لا تؤدي فقط إلى إقصاء اللبنانيين الذين تتوفر فيهم الشروط القانونية لكنها أيضا تؤدي فعليا إلى مكافأة الذين دخلوا بقرار سياسي إلى الجامعة اللبنانية من دون إجراء مباراة عبر التعاقد معهم بقرار إداري يفتقر إلى الضمانات التي يمنحها القانون، ما يؤدي إلى تعزيز نفوذ الأحزاب الحاكمة داخل الجامعة الرسمية.
إن الانطلاق من الاعتبارات الواقعية التي تكشف المعنى الحقيقي للمباراة المحصورة تؤدي أيضا إلى تعطيل المنطق الذي استند إليه المجلس الدستوري من أجل القول أن القانون المطعون فيه لا يخرق مبدأ المساواة لأنه "يساوي في المعاملة بين جميع العاملين في الجامعة اللبنانية لجهة حصر المشاركة في المباراة بهم دون أي تمييز على أي أساس غير الكفاءة والجدارة، والصفات العلمية والخلقية، فيكونون في الوضع القانوني ذاته كمرشحين للوظائف نفسها ويكون الإدلاء بمخالفة مبدأ المساواة في غير محله ويقتضي بالتالي رده".
فالمساواة مبدأ يكرسه الدستور صراحة لكن المشترع يمكن له "أن يشذ عنه ويميز بالتالي في المعاملة بين المواطنين إذا كان هذا التمييز ناشئا عن الدستور أو إذا وجد المواطنون في أوضاع قانونية مختلفة أو إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، حفاظا على النظام العام شرط أن يكون هذا التمييز في المعاملة متوافقا مع غاية القانون" (قرار رقم 2 بتاريخ 24/11/1999).
وهكذا يصبح جليا أن المباراة المحصورة لا يمكن طبعا تبريرها بأي نص دستوري، ولا يمكن التذرع بالمصلحة العامة كما تبين معنا، ولا يمكن القبول بها بحجة أن العاملين في الجامعة اللبنانية يوجدون في أوضاع قانونية مختلفة عن باقي المواطنين. صحيح أن مبدأ المساواة يطبق على الأفراد المنضوين تحت أوضاع قانونية واحدة لكن التمييز في المعاملة يجب أن ينطلق دائما من الغاية التي يهدف القانون إلى تحقيقها. وبما أن الغاية من القانون المطعون به هي ملء الشغور في مؤسسة من مؤسسات الدولة فإن المساواة يجب تقديرها عملا بمقاصد القانون وهي تعيين موظفين في الملاك الإداري للجامعة. ولما كان جميع اللبنانيين الذين تتوفر فيهم الشروط يمكن تعيينهم في هذا الملاك بعد اجراء المبارة فإنهم يوجدون حكما في الوضع القانوني نفسه مع العاملين في الجامعة، لا سيما أولئك الذين يمارسون وظيفتهم بالتعاقد أي من دون مباراة، أي أن المباراة المحصورة تؤدي إلى خرق المساواة تحديدا بين لبنانيين يوجدون في الوضعية القانونية ذاتها أي وضعية المواطن الحائز على الشروط التي تؤهله للتعيين بعد إجراء المباراة وهي الغاية التي يسعى القانون إلى تحقيقها.
من جهة أخرى، كيف يمكن القول أن مبدأ المساواة جرى احترامه في حين أن العديد من العاملين في الجامعة اللبنانية وغيرها استفادوا من علاقاتهم السياسية كي يتم توظيفهم بينما المواطنين الذين لا يملكون تلك العلاقات أو الذين لا يرغبون بمنح ولائهم لجهة سياسية نافذة ظلوا خارج الجامعة نتيجة ذلك. فالتمييز الحقيقي الذي يتبناه القانون المطعون فيه ليس بين العاملين في الجامعة والآخرين لكن بين المرتبطين سياسيا وأولئك الذين لم تشملهم "نعمة" عطف حزب الزعيم.
الالتباس بتحديد مفهوم المجال التنظيمي
يعتبر المجلس الدستوري في قراره أن القانون لا يخالف مبدأ الفصل بين السلطات كونه "وضع أحكاماً عامة مجردة تتعلق بالمشاركين فيها وبطريقة إجرائها، والشواغر والشروط المطلوبة لكل وظيفة وكذلك طريقة تعيين الفائض من الناجحين في المباراة، لفترة سنة من تاريخ العمل به". ولا شك أن موقف المجلس هذا لا يمكن انتقاده لأن القانون لم يفرض تعيين أو ترقية موظفين محددين، وهو ما ينسجم مع اجتهاد المجلس الذي كرره في أكثر من قرار له. إذ اعتبر مثلا "أن صلاحية تعيين الموظفين في الدولة وصرفهم وقبول استقالتهم تتضمن أيضاً صلاحية ترقيتهم وفق القانون، وكذلك تسوية أوضاعهم الوظيفية" وهي صلاحية تعود بموجب الدستور إلى السلطة التنفيذية ما يعني "أن ترقية عدد محدد ومعروف من الموظفين (...)، لا يدخل في اختصاص السلطة الاشتراعية، وتكون هذه السلطة بإقرارها الترقية بموجب القانون المطعون فيه، قد تعدّت على صلاحيات السلطة التنفيذية وخالفت مبدأ الفصل بين السلطات إضافة الى مخالفة مبدأ شمول التشريع وتجرده، ما يوجب إبطال القانون المطعون فيه" (قرار رقم 12 تاريخ 13 حزيران 2025).
لكن المجلس الدستوري في معرض مناقشته لحدود اختصاص مجلس النواب وكيفية تمييز صلاحيات هذا الأخير عن السلطة التنظيمية التي يمنحها الدستور إلى مجلس الوزراء اعتبر أن المادة 12 من الدستور"تحفظ صراحة للسلطة المشترعة تحديد شروط تولي الوظائف العامة" ما يعني أن تخلي المشترع عن هذه الصلاحية" إنّما هو إجراء غير دستوري معرض للإبطال". ويضيف المجلس أن اجتهاده "مستقر على أن شروط التوظيف العامة في الإدارات العامة وفي ما يماثلها من المؤسسات العامة هي مادة محفوظة للسلطة الاشتراعية، وأن شروط التوظيف الخاصة في الإدارات العامة وفي ما يماثلها في المؤسسات العامة هي مادة تنظيمية" مستشهدا بقرار سابق له صدر سنة 2020.
وهكذا يمكن استنتاج أن المجلس الدستوري يعترف بوجود مجال تنظيمي (domaine règlementaire) مستقل عن المجال التشريعي وهو أمر لا يستقيم كون الدستور اللبناني لا يعترف بوجود مادة تنظيمية مستقلة خلافا لدستور الجمهورية الخامسة في فرنسا (1958) الذي أدخل لأول مرة تمييزا بين المجال التشريعي الذي يدخل في صلاحيات البرلمان والمجال التنظيمي المستقل الذي يدخل حصريا في صلاحيات السلطة التنفيذية (وتحديدا رئيس الحكومة). فالنظام الدستوري اللبناني هو شبيه بالجمهورية الثالثة الفرنسية (1875-1940) إذ يحق لمجلس النواب التدخل في أي مجال يريد وتحويل أي مادة بمجرد إقرارها من قبله إلى مادة تشريعية شريطة عدم مخالفة الدستور[1]. فالمجال التنظيمي بوصفه مجموعة من المواضيع العامة التي تدخل حصرا في اختصاص مجلس الوزراء لا وجود له في لبنان من الناحية الدستورية ولا يمكن بالتالي إبطال قانون مثلا لأنه تدخل في مادة كانت توجد في مراسيم تنظيمية لأن القانون بكل بساطة يستطيع دستوريا أن يجعل من أي مادة تنظيمية تدخل في المجال التشريعي في حال أقرها مجلس النواب.
وبالتالي، فإنّ الإشكالية لا تتعلق في الحدود الفاصلة بين المادة التشريعية والمادة التنظيمية لكنها تطرح جديا في حال منح القانون السلطة التنظيمية لجهة أخرى غير مجلس الوزراء. وهذا هو الموقف الذي خلص إليه المجلس الدستوري في قراره الصادر سنة 2020 عندما اعتبر أن "تحديد شروط التوظيف الخاصة في الإدارات العامة، وتحديداً في وظائف الفئة الأولى منها، وأيضاً في ما يماثلها من وظائف في المؤسسات العامة، كرئيس وأعضاء مجلس الإدارة، وبصورة خاصة تحديد مواصفات وشروط التعيين لتلك الوظائف، يشكل مادةً إجرائية (Domaine Règlementaire) تدخل حكماً في دائرة اختصاص السلطة الإجرائية ممثلة بمجلس الوزراء مجتمعاً سنداً للمادة 65 معطوفة على المادة 54 من الدستور، ولا تدخل مطلقاً في دائرة مهام واختصاص أي هيئة أو لجنة إدارية أو إدارية-وزارية" (قرار رقم 4 تاريخ 22 تموز 2020)، ما دفع بالمجلس حينها إلى إبطال القانون المتعلق بتحديد آلية التعيين في الفئة الأولى في الإدارات العامة وفي المراكز العليا في المؤسسات العامة برمته وذلك لحده من السلطة التنظيمية لمجلس الوزراء.
وعلى الرغم من أن المجلس الدستوري سنة 2020 وقع في الخطأ نفسه الذي كرره المجلس الدستوري اليوم إذ أعلن "أن شروط التوظيف العامة في الإدارات العامة وفي ما يماثلها في المؤسسات العامة هي مادة تشريعية (Domaine Législatif) تدخل في دائرة اختصاص السلطة الاشتراعية، بينما شروط التوظيف الخاصة في الإدارات العامة وفي ما يماثلها في المؤسسات العامة هي مادة تنظيمية (Domaine Règlementaire) تدخل في دائرة اختصاص السلطة الإجرائية، أي مجلس الوزراء، بحسب المادة 65 من الدستور" لكنه قضى بإبطال القانون لأنه أولى السلطة التنظيمية إلى لجنة خاصة تقوم بتحديد شروط التعيين الخاصة ما يخالف السلطة التنظيمية لمجلس الوزراء.
لكن هذا الالتباس بتحديد مفهوم المجال التنظيمي لم ينعكس على القرار الذي توصل إليه المجلس الدستوري كون الخلاف كان يدور على منح القانون المطعون فيه رئيس الجامعة بعد موافقة مجلس الجامعة صلاحية تحديد بقرار منه شروط التوظيف في الملاك الإداري إذ أعلن المجلس عملا بتقنية التحفظات التفسيرية أن صلاحية رئيس الجامعة يجب أن "تفسر ويجب أن تطبق على أنها تتناول فقط شروط التوظيف الخاصة دون شروط التوظيف العامة التي تبقى محددة في نظام الموظفين" وقوانين الجامعة.
وهكذا يتبين أن المجلس الدستوري وافق على منح السلطة التنظيمية إلى رئيس الجامعة عبر تخويله حق تحديد شروط التوظيف الخاصة لكنه سنة 2020 أنكرها على اللجنة الخاصة بحجة تعديها على السلطة التنظيمية لمجلس الوزراء. ولا شك أن استقلالية الجامعة اللبنانية كمؤسسة عامة قد تبرر تمتع الجامعة بهكذا سلطة تنظيمية لكن هذا المبدأ لا يتمتع بالقيمة الدستورية، كما أن المجلس الدستوري لم يشرح لنا التناقض في مواقفه بين 2020 واليوم بل ترك الأمور ملتبسة ومتناقضة خلافا للمجلس الدستوري الفرنسي الذي عالج مثلا مسألة منح الهيئات الإدارية المستقلة سلطات تنظيمية إذ وافق على ذلك شرط أن تكون التدابير المتخذة محدودة النتائج لجهة مجال تطبيقها ومضمونها[2].
من جهة أخرى وفي الموضوع نفسه يسجل للمجلس الدستوري أنه بادر من تلقاء نفسه إلى التصدي لفقرة في القانون المطعون فيه تجيز لمجلس الجامعة إيجاد وظائف في كليات الصحة والهندسة والعلوم والزراعة والطب وطب الأسنان "غير مدرجة في مراسيم الكليات المذكورة واقتضتها تطورات علمية وأكاديمية". وخلص المجلس إلى اعتبار أن السماح لمجلس الجامعة "بخلق وظائف جديدة غير مدرجة أساساً في مراسيم هذه الكليات"، يؤدي إلى "تعديل المراسيم التي تحدد ملاك هذه الكليات والوحدات الجامعية بموجب قرار يصدر عن مجلس الجامعة، الأمر الذي يعتبر مخالفة لأحكام الدستور ولمبدأ تسلسل النصوص" ما يوجب إبطال هذا النص.
وإذا كان المجلس الدستوري محقّا بإبطال هذا النص لكن التعليل الذي استند إليه يحتمل النقاش. إذ أن منح مجلس الجامعة صلاحية تعديل الملاك الإداري للجامعة يشكل مخالفة للسلطة التنظيمية التي يمارسها رئيس الجمهورية عبر إصداره للمراسيم بعد موافقة مجلس الوزراء. وعليه كان على المجلس الدستوري إبطال النص انطلاقا من الشرح الذي تبناه هو في القرار نفسه حول السلطة التنظيمية لكنه لم يفعل ذلك بسبب التناقض الذي أشرنا إليه أعلاه، إذ كيف له ان يرفض السلطة التنظيمية لمجلس الجامعة بخصوص تعديل الملاك الإداري في حين أنه وافق على منح رئيس الجامعة صلاحية تحديد الشروط الخاصة للتوظيف وهي أيضا من المفترض أن تكون داخلة في صلاحية مجلس الوزراء التنظيمية؟
من جهة ثانية، إن إبطال المجلس الدستوري للنص المذكور انطلاقا من مبدأ تسلسل النصوص يحتمل الجدال. فالمجلس يعتبر أن تعديل المراسيم بموجب قرارات صادرة عن مجلس الجامعة لا يجوز عملا بمبدأ هرمية النصوص وتسلسلها. وهذا أمر صحيح في حال قرّر مجلس الجامعة تعديل المرسوم من تلقاء نفسه لكنه يصبح جائزا في حال كان هذا التعديل عملا بتفويض منحه إياه القانون. فكما بإمكان الحكومة تعديل القوانين بمراسيم تشريعية تصدر بناء على تفويض تشريعي من مجلس النواب، كذلك يمكن لسلطة إدارية أن تعدل قرار سلطة إدارية أعلى في حال أجاز القانون ذلك، علما أن هذا الأمر قد يصطدم بمسألة حصرية السلطة التنظيمية بمجلس الوزراء وهو الموضوع تحديدا الذي لم يعالجه المجلس الدستوري.
وقد عرف لبنان سوابق في هذا المجال إذ نصت المادة 40 مثلا من قانون الانتخابات الصادر سنة 2017 على أن تعيين لجان القيد يتم بمرسوم بناء على اقتراح وزيري العدل والداخلية ومن ثم سنة 2021 جرى تعديل هذا النص استثنائيا كي يصبح تعيين لجان القيد يتم بقرار منفرد لوزير الداخلية ما يعني أن القانون نقل هذه الصلاحية من رئيس الجمهورية وهو أعلى سلطة إدارية في البلاد إلى وزير أي إلى سلطة إدارية أدنى. فمبدأ تسلسل القواعد هو مبدأ دستوري بديهي لكنه مبدأ شكلي يتعلق بالجهة التي تمارس اختصاصاتها ولا يتعلق بمضمون هذه الاختصاصات إلا إذا كان هذا المضمون محددا دستوريا. فبإمكان القانون مثلا أن ينقل صلاحية معينة من جهة إدارية عليا إلى جهة إدارية أدنى مرتبة، كما بإمكان المراسيم التنظيمية أن تنقل صلاحيات الوزير الإدارية إلى المدير العام. ولا شك أن الالتباس الذي وقع فيه المجلس الدستوري في هذه النقطة هو نتيجة التباسه الأساسي حول التمييز بين المجال التشريعي والمجال التنظيمي إذ هو يعتقد بوجود مجال تنظيمي مستقل يكون حكرا على مجلس الوزراء وهو أمر كما تبين معنا لا يستقيم في لبنان. فتحديد الملاك الإداري للجامعة اللبنانية لا يعتبر مادة تنظيمية من الناحية الدستورية وبالتالي يعود لمجلس النواب تحديد هذا الملاك بنفسه بغض النظر عن مدى صوابية هذا الأمر من الناحية العملية، كما يعود له منح تلك الصلاحية إلى سلطة غير مجلس الوزراء في حال اعتبرنا أن ذلك يجوز دستوريا كما شرحنا أعلاه وهي النقطة الأهم التي لم يعالجها المجلس الدستوري بوضوح.
في الخلاصة، يتبيّن أن المجلس الدستوري أقر الطبيعية الاستثنائية للقانون بسبب الشغور الناجم عن "موانع واقعية وقانونية" أوجدتها السلطة السياسية التي تمكنت من مكافأة المحسوبين عليها عبر تعزيز نفوذهم داخل الجامعة الوطنية. كما وقع المجلس الدستوري في التباس حول التمييز بين المجالين التشريعي والتنظيمي وهو التباس دقيق جدا لكنه قد يؤدي إلى تناقضات مهمة كما ظهر ليس فقط بين قرارات مختلفة للمجلس الدستوري لكن أيضا في القرار الواحد نفسه.
[1] “En toute hypothèse, le règlement était subordonné à la loi et, comme le domaine de la loi était illimité, le législateur pouvait, même dans les matières où s'exerçait le pouvoir réglementaire autonome, intervenir par des lois que l’autorité réglementaire ne pouvait abroger ni contredire” (André de Laubadère, Traité de droit administratif général, Tome 1, LGDJ, 2001, p. 549).
[2] Les dispositions constitutionnelles « ne font cependant pas obstacle à ce que le législateur confie à une autorité de l’État autre que le Premier ministre, le soin de fixer, dans un domaine déterminé et dans le cadre défini par les lois et règlements, des normes permettant de mettre en œuvre une loi » (décision n° 86-217 du 18 septembre 1986).