بيان ائتلاف استقلال القضاء حول "تنظيم القضاء العدلي": وتستمرّ معركتُنا حتى تحقيق استقلالية القضاء الكاملة
13/08/2025
أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي في تاريخ 31 تموز الماضي إقرار قانون تنظيم القضاء العدلي، من دون أن يتسنى للنواب الاطلاع على صيغة القانون الذي أعلن إقراره أو مناقشته أو حتى التصويت عليه أصولا. وكان رئيس مجلس النواب أعلن في بداية الجلسة أن هذا القانون "مطلوب منّا" (يفهم دوليا) وأن على المجلس إقراره في النهار نفسه. وقد تعيّن انتظار أسبوع كامل لكي يفرج مجلس النواب عن صيغة القانون المحال إلى الحكومة ورئاسة الجمهورية لغاية إصداره.
يهمّ "ائتلاف استقلال القضاء" تسجيل المواقف الآتية:
أولًا، نُسجّل بقلقٍ كبير الفوضى في إدارة العملية التشريعيّة والتي يتحمّل مسؤوليتها أوّلا رئيس مجلس النواب ولكن أيضا أغلب النواب الذين يتعاملون مع هذه الفوضى وكأنها أمر اعتياديّ أو قدر لا يمكن تغييره ولا ينفع الاحتجاج ضده. فهل يعقل أن يتمّ إقرار قانون يهدف لتعزيز مكانة القضاء واستقلاليته من دون أن يعرف النواب مضمونه أو يتنسى لهم مناقشته؟ في عالم مثالي، كان يجدر التعامل مع إنجاز قانون كهذا على أنه إنجاز وطني مع ما يستحق ذلك من شفافية وتشاركية في مناقشته واحتفالية في إقراره.
ثانيًا، من ناحية المضمون، نسجّل إيجابًا أن القانون كرّس عددا من ضمانات استقلالية القضاء وإن بقيت هذه الضمانات في أغلب الحالات في حدّها الأدنى. أهمّها: (1) اشتراك جميع القضاة في انتخاب ممثلين عنهم في مجلس القضاء الأعلى وإن بقيت نسبة القضاة المنتخبين مباشرة من أقرانهم أقل من نصف أعضائه وهو الأمر الذي يضعف استقلاليته ويهددها ويؤمل معالجته على الأقل من خلال زيادة عدد المنتخبين إلى ستة، و(2) اعتماد مبدأ أن يتم تعيين كبار المسؤولين القضائيين على أساس قوائم يرفعها مجلس القضاء الأعلى، (3) تكريس مبدأ عدم نقل القاضي من دون رضاه للمرة الأولى في تاريخ لبنان وإن تمّ تحديد الضمانة بمدة قصيرة نسبيا وهي 4 سنوات، و(4) تكريس حقّ ترشح القضاة للمراكز القضائية والتنافس عليها، و(5) تمكين مجلس القضاء الأعلى من حسم التشكيلات القضائية بما يضع حدّا لممارسة إجهاض التشكيلات القضائية وإن اشترط توفر أكثرية معززة (7 من 10) من أجل ذلك، و(6) حق الطعن في مجمل قرارات مجلس القضاء الأعلى الفردية والتنظيمية أمام القاضي الطبيعي (مجلس شورى الدولة)، وإن تمّ حرمان القضاة من الطعن أمامه في القرارات التأديبية، و(7) تكريس استقلالية هيئة التفتيش القضائي عن وزارة العدل وحصر هامش السلطة التنفيذية في تعيين أعضائها على أساس لائحة يضعها مجلس القضاء الأعلى، (8) إعادة تعريف الخطأ التأديبي وضبطه وإدخال مبدأ علنية المحاكمة التأديبية وتجريد وزير العدل من أي صلاحية في وقف قاض عن العمل، و(9) تكريس مبدأ حرية القضاة في التّعبير والتجمع من خلال اعتماد قواعد بنغالور حرفيّا في هذا الخصوص، و(10) تكريس مبدأ الشفافية الداخلية والخارجية في مجمل الهيئات القضائية، و(11) إدخال نظام تقييمي للقضاة يتم بإشراف مجلس القضاء الأعلى، و(12) تكريس مبدأ المساواة بين القضاة وعدم التمييز بينهم على أساس المذهب أو أي صفة أخرى، وهو مبدأ يؤمل أن يقود إلى وقف ممارسة قوامها تخصيص مراكز لطوائف معينة خلال للمادة 95 من الدستور و(13) اعتماد مبدأ التأهيل المستمر في معهد الدروس القضائية.
يبقى أن القانون سجّل تراجعين كبيرين على صعيد استقلالية القضاء وحسن تنظيمه، هما الآتيين:
منح النائب العامّ التمييزيّ صلاحيّة خارقة قوامها إعطاء تعليمات لأعضاء النيابة العامة بكفّ التعقبات. واللافت أن هذه الصلاحيّة دُسّت في اللحظة الأخيرة وفي مادة وضعت بهدف التخفيف من حدّة الهرمية داخل النيابات العامة، من خلال فرض أن تكون جميع التعليمات المتصلة بملف معين خطية ومعلّلة وتاليا قانونية وأن توضع فيه. ويخشى أن تفتح هذه الصلاحية الخارقة مجالًا لضرب مبدأ المساواة أمام القانون وتوسيع مجال الإفلات من العقاب،
فرض شروط معقدة للمشاركة في مباراة الدخول معهد الدروس القضائية، وهو المدخل الوحيد إلى القضاء، أخطرها فرض سنة تحضيرية إضافية وتمكين القيمين على القضاء استبعاد راغبين في المشاركة في المباراة في أكثر من مرحلة بصورة استنسابية أو لأسباب غير موضوعية.
وإذ يُسجّل الائتلاف تطوّرا تشريعيّا في أسس تنظيم القضاء العدليّ، يهمّه تسجيل الخلاصات الآتيّة:
أنّ ضمانات استقلاليّة القضاء المُعتمدة في القانون ما تزال في حدّها الأدنى وبعضها غير كافٍ من أجل تحقيق استقلاليّة الهيئات القضائية وفق المعايير الدولية. وعليه، يتعهد الائتلاف استكمال الجهد بالتنسيق مع مجمل المعنيين وفي مقدمتهم نادي قضاة لبنان حتى الوصول إلى المحطة الأخيرة، وبخاصة بما يتّصل بتكوين مجلس القضاء الأعلى وقدرته على حسم التشكيلات القضائية،
ندعو المراجع والسلطات الدستورية كافة إلى المبادرة إلى تصحيح الهنات الكبرى في هذا القانون وأهمها (1) إلغاء الصلاحية الخارقة الممنوحة للنائب العام التمييزي بإعطاء تعليمات لكفّ التعقبات، و(2) إلغاء إلزاميّة السنة التحضيرية وأي شروط غير موضوعية تحد من مبدأ المساواة في المشاركة في مباراة الدخول إلى معهد الدروس القضائية، و(3) تمكين القضاة من الطعن في القرارات التأديبية أمام مجلس شورى الدولة،
إننا نذكر في الآن نفسه الحكومة ومعها رئاسة الجمهورية ومجلس النواب بتعهداتهم بوجوب إنجاز استقلالية القضاءيْن الإداري والمالي، إلى جانب القضاء العدلي.
نشكر أخيرًا من عميق القلب كل قاضٍ صمد مع المحافظة على مناقبيّته واستقلاليته في أحلك الأزمات التي عبر بها القضاء، مذكرين أن استقلالية القضاء هي أولا مكافأة هؤلاء وتمكينهم من إشغال المراكز التي يستحقون. كما نشكر بشكل خاص القضاة الذين خاضوا معارك شديدة الصعوبة ضمانا لحقوق الناس بقضاء فاعل وعادل.