رئيس الجمهورية يوقّع قانون الإعلام الجديد: تعزيز حرية التعبير في موازاة ضبط الفوضى الإعلامية
27/08/2026
وقّع رئيس الجمهورية اليوم قانون الإعلام الجديد بعد إقراره في مجلس النواب، عقب مسار طويل من النقاشات داخل اللجان. وقد أثار القانون جدلًا واسعًا قبل إقراره وبعده. وصدرت بشأنه مواقف وملاحظات متباينة من جهات عدّة، منها نقابة المحررين ونقابة الصحافة واتحاد الصحافيين/ت في لبنان ونقابة المحامين والمؤسسات الإعلامية ووزير الإعلام والأحزاب والجمعيات، حول مدى نجاحه في تحديث الإطار القانوني للإعلام وفي الوقت نفسه حماية حرية العمل الصحافي وتنظيم ممارسته. وكانت بعض هذه المواقف في محلّها، لاسيما ما يتصل بتجريم الخبر الكاذب وإلغاء الفصل المتعلق بتنظيم الإعلام العام، فيما بدا بعضها الآخر غير مبرر، بل متعارضًا مع أبرز مبادئ حرية التعبير، ولا سيما ما يتصل بالحرية النقابية والتعددية الإعلامية. كما أغفل البعض ذكر إيجابيات مهمّة للقانون. نسعى في هذا المقال إلى قراءة القانون الجديد من ثلاث زوايا: الحرية، والمسؤولية، والضمانات المؤسساتية والقانونية لتحقيق القانون غاياته. فالحرية تنطلق من حرية التعبير، ومن ضرورة تأمين مساحة واسعة للعمل الإعلامي الحرّ، لما للإعلام من دور أساسي في نقل المعلومات، وإنقاذ الأرواح، وفضح التجاوزات، وتعزيز مشاركة الرأي العام في المساحة العامة، وتوثيق الحروب والأزمات. أما المسؤولية، فتنطلق من الوظيفة الاجتماعية للإعلام وما يترتب عليها من واجبات مهنية وقانونية في ممارسة هذه الحرية. وتبقى الضمانات عنصرًا أساسيًا للتأكّد من أنّ الحقوق والحريات والمسؤوليات التي يكرّسها القانون ليست مجرّد نصوص، بل قابلة للتطبيق بعيدًا عن التعسّف.
ونسارع إلى القول أن القانون شكل خطوة متقدمة على جميع هذه الصعد، وهي خطوة يمكن البناء عليها وتطويرها في تشريعات مستقبلية أو بفعل العمل القضائي، بما يسهم في إيجاد بيئة أكثر ضمانا لحرية الإعلام مع توفير أدواتٍ للحدّ من تفلّت الإعلام بما يهدد في أحيان كثيرة بفقدان دوره.
- كيف يعزّز القانون الجديد حرّية الإعلام؟
أدخل القانون بنودًا واضحة لتعزيز حرية الإعلام وضمان سلامة الإعلاميين، وهذا الأمر في محله لمواكبة التطور في مجال حرية التعبير والإعلام، وللتأكيد على أن لا حرية حقيقية من دون ضمان سلامة الإعلاميين وصون حقوقهم أثناء ممارسة عملهم، بما يعزز بيئة إعلامية آمنة ومستقلة ومسؤولة.
- تعزيز حرية إنشاء وممارسة النشاط الإعلامي: ينصّ القانون على حرية إنشاء المواقع الإلكترونية من دون الحاجة إلى موافقة أو ترخيص مسبق، وإخضاعها لأحكام قانون الإعلام. كذلك ينصّ على إنشاء المطبوعات بموجب نظام العلم والخبر، وإلغاء تحديد عدد المطبوعات الدورية السياسية وما نشأ عنه من امتيازات فعلية، وإلغاء التمييز المضلّل بين المطبوعات السياسية وغير السياسية. كما يجيز إنشاء مؤسسات إعلامية تعتمد البث أو النشر عبر الإنترنت والأقمار الصناعية وغيرها من الوسائط والتقنيات الحديثة بموجب نظام العلم والخبر. فضلا عن إلغاء الرقابة المسبقة على طباعة وإصدار ونشر المنشورات غير الدورية.
- ترسيخ حماية الإعلاميين وضمان سلامتهم: يضمن القانون حماية الصحافيين من خلال تعزيز الحرية النقابية وحماية المصادر الصحافية وصون استقلالية التحرير والحماية من الاعتداءات واحترام مبدأ الضمير المهني وضمان حقّ الوصول إلى المعلومات. في هذا الصدد، من المؤسف أن تقوم نقابتا الصحافة والمحررين بحملة لشيطنة الحرية النقابية وتصويرها كأداة لإضعاف الصحافيين، في الوقت الذي تكرّس فيه حقهم في التنظيم بحرية، واختيار الإطار النقابي الذي يمثلهم، والدفاع بأفضل الوسائل عن حقوقهم ومصالحهم المهنية، من دون أن يكونوا أسرى أطر رسميّة. كما خفّف القانون الجديد شروط ممارسة العمل الإعلامي وتولّي منصب المدير المسؤول، إذ وسّع تعريف الإعلامي، وألغى الشروط المتعلقة بالخبرة والمؤهلات، مع الإبقاء على مسؤولية المدير المسؤول عن المحتوى المنشور. وفي هذا الصدد، يمكن العمل على تحسين القانون من خلال: النصّ صراحة على حظر التحقيق في القضايا الجزائية أمام جهات أمنية أو قضائية غير مختصة، وحصر التفتيش أو أي إجراءات قضائية أخرى متخذة بحق مصادر الصحافيين بالحدّ الأدنى الضروري، وبما يتوافق مع الهدف الذي صدر من أجله قرار التفتيش. كذلك تعديل الباب الرابع من القانون الحالي الخاص باتحاد الصحافة اللبنانية، نظرًا لقصوره عن مراعاة التعددية المهنية والإعلامية والحرية النقابية.
- إلغاء المسؤولية القانونية عن بعض الأفعال: يلغي القانون جرائم التحقير وإثارة النعرات وتعريض البلاد للمخاطر المنصوص عليها في القانون السابق، والمسّ بالشعور الديني والوطني المنصوص عليها في قانون العقوبات وقانون القضاء العسكري وقانون المطبوعات. ويشكّل إلغاء هذه الموادّ عاملا إيجابيا في ضمان حرية التعبير نظرا لاستخداماتها السابقة في قمعها. ومن دون التقليل من أهمية هذا النص، إلا أنه كان من الأفضل صياغة المادة 105 على نحو أكثر وضوحًا من خلال تعداد المواد القانونية التي تهدف إلى إلغائها وذلك تفاديًا لأي التباس وضمانًا لانسجام النصوص القانونية. ومن هذه المواد، المادة 157 من قانون القضاء العسكري والموادّ 385 إلى 387 من قانون العقوبات المتّصلة بجرائم القدح والذمّ الواقعة على السّلطة العامّة وغيرها من المواد المتصلة بنشر الأنباء الكاذبة والمس بالشعور الديني والوطني.
- إلغاء المقاربة الجزائية في قضايا القدح والذم والمحظور نشره: يُخرج القانون بعض الأفعال، مثل القدح والذم (المادة 107) وما يحظر نشره (المادة 109) من نطاق التجريم الجزائي، ويحيلها إلى المحاكم المدنية. كما يلغي الامتيازات الخاصّة بالرؤساء والموظّفين العامين. ويسري هذا الإلغاء في قضايا القدح والذم على أي شخص معنوي أو طبيعي من دون حصر. كذلك يوسّع حدود النقد المباح في قضايا القدح والذم الواقعة على الموظفين العامين والشخصيات العامة من خلال تمكين المدعى عليه من إثبات صحة الخبر المتعلق بالوظيفة (غير مسموح به في القانون السابق) أو بالمصلحة العامة للشخصيات العامة (مفهوم الشخصيات العامة لم يكن موجودا في القانون السابق)، والاكتفاء بتقديم بيّنات أو قرائن على صحة المعلومات المنسوبة. وتتولى المحكمة، عند الاقتضاء، استكمال هذه البيّنات والقرائن عبر إلزام الإدارات أو الجهات المختصة، وكذلك المدعي، بتقديم ما لديهم من معلومات أو مستندات.
إلا أنّ الحدّ من المقاربة الجزائيّة في قضايا القدح والذم قد انحسر بصورة محسوسة من خلال إعادة تجريم الخبر الكاذب في المراحل الأخيرة من مناقشة القانون. وما يفاقم من ذلك هو أن النص تضمّن تعابير مطاطة، مثل "اختلاق أضاليل" و"أخبار كاذبة" و"مؤذية"، من دون أن يبين المقصود بها أو الحدود الفاصلة بينها. فلا يتضح ما الذي تضيفه عبارة "اختلاق أضاليل" إلى مفهوم الخبر الكاذب، كما أن وصف الخبر بأنه "مؤذٍ" يظل معيارًا غير محدد، إذ لا يربط الأذى بمصلحة عامة معينة أو بخطر فعلي على الأمن أو السلم العام. وبذلك، لا يضع القانون أي قيد موضوعي يحصر نطاق التجريم في الحالات التي تستدعي تدخل القانون الجزائي، بل يفتح المجال لملاحقة أي خبر كاذب يُدّعى أنه ألحق ضررًا بأي شخص، بصرف النظر عن طبيعة الأذى أو جسامته. كذلك يتيح هذا التعديل الالتفاف على استبعاد قضايا القدح والذم من نطاق التجريم الجزائي. فالممارسة القضائية تُظهر تداخلًا واضحًا بين مفاهيم القدح والذم والخبر الكاذب، الأمر الذي قد يسمح بإعادة ملاحقة الصحافيين جزائيًا تحت أوصاف قانونية مختلفة، رغم نقل دعاوى القدح والذم إلى القضاء المدني.
وتزداد خطورة ذلك لأن القانون عزّز ضمانات حرية التعبير في قضايا القدح والذم، ولا سيما من خلال توسيع إمكان إثبات صحة الخبر، في حين لا يوفّر جرم الخبر الكاذب الضمانات نفسها. كما يلحظ في الاتجاه نفسه أن الخبر الكاذب أدرج في المادة نفسها التي تنظّم التحريض، ما يؤدي إلى إخضاعه أيضًا لأحكام الفقرة (ج) المتعلقة بتشديد العقوبة عند ترتّب نتائج على الفعل، رغم اختلاف طبيعة الجرمين. يبدو هذا التعديل غير مبرّر من الناحية التشريعية، إذ إن حالات النشر التي تنطوي على خطر فعلي يمكن ملاحقتها جزائيًا بموجب جرم التحريض، متى توافرت شروطه، ما يجعل إعادة إدراج جرم الخبر الكاذب أقرب إلى تراجع عن إلغاء المقاربة الجزائية ومحاولة الالتفاف على الإيجابيات التي كرّسها القانون، أكثر منها استجابة لحاجة تشريعية فعلية. وفي كل الأحوال، يجب إخضاعه للمسؤولية المدنية بدلًا من إعادة تجريمه جزائيًا. ومن المنتظر في حال الطعن بهذا القانون أمام المجلس الدستوري، أن يتمّ إبطال هذه المادة بالنظر إلى نصها الفضفاض والغامض والذي يتعارض مع مبدأ أن لا عقوبة من دون نص أو على الأقل حصر معناها من خلال التفسير التحفّظي. وليس أدلّ على النص الفضفاض من مقارنته بالنص الخاص بتجريم التحريض والذي حرص على نقيض ذلك على حصر المعنى منعا لأي تعسّف.
- كيف ينظّم القانون أبرز مسؤوليات الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية؟
لا تقتصر المسؤولية الإعلامية على المسؤولية عن مضمون النشر، بل تمتد إلى ضمان بيئة إعلامية تقوم على التعددية والاستقلالية والشفافية.
المسؤولية عن المضمون الذي يتجاوز حرية التعبير
أبقى القانون على مسؤولية جزائية في حالات محددة، حيث أدخل القانون جرم التحريض وربطه بــ 6 معايير، بما يفترض أن يحد من التوسع في التجريم كما سبق بيانه.
كذلك لا يؤدي إلغاء التجريم أو الحدّ من المقاربة الجزائية إلى إعفاء الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية من المسؤولية عن المحتوى المنشور. إذ تبقى عليهم، بحسب الحالات التي يحددها القانون، التزامات تتصل بالرد والإزالة والتصحيح والمسؤولية المدنية عن القدح والذم ونشر ما يحظر نشره.
كما يجب على المؤسسات الإعلامية التقيد بمعيار المصلحة العامة كمعيار فاصل بين ما يجوز نشره وما لا يجوز. وقد أورد القانون أمثلة على الحالات التي تُعد من قبيل المصلحة العامة، كمساءلة الأشخاص المكلَّفين بشؤون عامة، والكشف عن قضايا الفساد، وحماية الحريات العامة، والأمن العام، والصحة العامة. كما لم يُغلق الباب أمام نشر المعلومات المتعلقة بالحياة الخاصة للأفراد، متى كانت صحيحة ومرتبطة ارتباطًا مباشرًا وموضوعيًا بالمصلحة العامة. كذلك أجاز تداول القضايا التي لا تزال قيد التحقيق، إذا كانت تمثّل قضية رأي عام أو تتصل بالمصلحة العامة.
استقلاليّة التحرير
يضع القانون كذلك قيودًا على تضارب المصالح والمنافع غير المشروعة، فيحظر الاستحصال على منفعة بطريقة غير مشروعة أو الانخراط في أنشطة قد تعدّ تضاربًا في المصالح، كما يحظر على المؤسسات الإعلامية ومالكيها الحصول على امتيازات أو إبرام عقود مع الدولة والمؤسسات العامة والبلديات والجهات التي تتعامل بالأموال العامة.
ومن جهة أخرى، يفرض القانون الفصل الواضح بين الإعلام والإعلان، من خلال إلزام وسائل الإعلام بالتمييز الكامل والواضح بين المحتوى الإعلامي والمحتوى الإعلاني. وتكتسب هذه القاعدة أهمية تتجاوز تنظيم الإعلانات، إذ تهدف إلى حماية استقلالية القرار التحريري وحق الجمهور في معرفة طبيعة المحتوى الذي يتلقاه، والحؤول دون استغلال الثقة بالمحتوى الإعلامي لتمرير رسائل تجارية أو سياسية بصورة مبطّنة.
التعددية ومنع تركّز الملكية
يفرض القانون على المؤسسات الإعلامية الالتزام بشروط الترخيص ودفتر الشروط، بما في ذلك الترويج لأوسع تنوع ممكن في البرامج والإنتاج المحلي، واحترام التنوع والتعددية، ولا سيما في البرامج السياسية والاجتماعية والنشرات الإخبارية، وعدم الحجب أو التعتيم الممنهج على مواضيع أو أشخاص. كما يربط العمل الإعلامي بمدونات السلوك التي تضعها الهيئة الوطنية للإعلام، من خلال إشراك المؤسسات في إعدادها وإلزامها بالتقيد بها
كما يضع القانون قواعد تتعلق بملكية المؤسسات الإعلامية ومنع الاحتكار، إذ يمنع الشخص الطبيعي أو المعنوي من تملّك أسهم أو حصص في أكثر من مؤسسة إعلامية واحدة من الفئة نفسها.
إلا أن هذا التنظيم يثير في الوقت نفسه إشكالية تتعلق بمدى كفايته لضمان التعددية الإعلامية. فقد أُلغي القيد الذي كان يشكل ضمانة أساسية للحد من تركّز الملكية الإعلامية، والمتمثل في حظر تملّك المساهم الواحد أو صاحب الحق الاقتصادي الواحد أكثر من 10% من رأسمال الشركة، أو تمثيله بأكثر من 10% من أعضاء مجلس الإدارة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ويبرز الإشكال كذلك في السماح لكل شركة إعلامية بامتلاك مؤسسة تلفزيونية واحدة ومؤسسة إذاعية واحدة عن كل فئة من الفئات المحددة في القانون. ففي ظل محدودية عدد المؤسسات التي تعتمد على شبكة البث التلفزيوني والإذاعي الترددي الأرضي من القنوات والموجات التي تملكها الدولة اللبنانية، قد يؤدي هذا التنظيم إلى زيادة تركّز الملكية والنفوذ الإعلامي، بما ينعكس على التعددية الفعلية في المشهد الإعلامي.
وتطرح قواعد الملكية الأجنبية إشكالية إضافية، إذ يسمح القانون للأجانب بتملّك كامل المؤسسات الإعلامية غير السياسية، فيما يحدد ملكيتهم في المؤسسات الإعلامية السياسية بنسبة 20% من رأس المال، من دون تحديد عدد المؤسسات التي يمكنهم تملك حصص فيها. كما أن عدم وجود تحديد قانوني دقيق لمفهوم "الشخص الواحد" قد يفتح مجالًا للالتفاف على القيود المتعلقة بالملكية، ولا سيما من خلال الملكية المباشرة أو غير المباشرة.
الحدّ من احتكار الإعلانات
يمنع القانون المساهمين في شركات البث وشركات الإعلان المتعاقدة معها، بما فيها "الريجي"، من المساهمة في أكثر من شركة واحدة، كما يمنع العاملين بدوام كامل في "الريجي" من العمل في أكثر من شركة إعلان واحدة، ويحظر على "الريجي" تقديم خدماتها لأكثر من شركة تلفزيون واحدة من الفئات الخمس المنصوص عليها في القانون. في المقابل، تمّ إلغاء النص الذي كان يحظر على أقسام الإعلانات في شركات البث أو شركات الإعلان المتعاقدة معها ربط إعلاناتها حصريًا بوسيط إعلان واحد. كنا قد تحفظنا على إلغاء هذه الفقرة، لأنّ ذلك يفتح المجال أمام إبرام عقود حصرية تمنح وسيطًا إعلانيًا واحدًا للسيطرة على تسويق الإعلانات الخاصّة بوسيلة إعلام معينة، بما قد يؤدي إلى تركّز سوق الإعلانات والحد من المنافسة والإخلال بتكافؤ الفرص بين الوسطاء الإعلانيين، وينعكس كذلك على استقلالية وسائل الإعلام وتنوّعها، بما لا ينسجم مع أهداف القانون.
- ما هي أبرز الضمانات لحسن تطبيق الحريات والمسؤوليات؟
تتمثل أبرز الضمانات التي أقرّها القانون في إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم الإعلام، وتوفير ضمانات إجرائية للمتضررين من النشر والمؤسسات الإعلامية، وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة والتناسب بين الفعل والعقوبة.
إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم الإعلام
يشكّل إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم الإعلام ومراقبته إحدى أبرز الضمانات التي استحدثها القانون للحدّ من التدخّل السياسيّ في العمل الإعلامي، وضمان فعالية الرقابة في المجالات التي تستدعي ذلك.
- تشكيل الهيئة: نصّ القانون على انتخاب سبعة من أصل عشرة أعضاء من قبل جهات مختلفة، من بينها الهيئات القضائية ومجالس نقابتي المحامين ونقابتي المهندسين، على أن تسمّي هذه الجهات عددًا من المرشحين ليعيّن مجلس الوزراء ثلاثة منهم في عضوية الهيئة وفقًا للأصول المحددة في القانون.
في المقابل، تطرح آلية التشكيل عددًا من التساؤلات بشأن مدى قدرتها على ضمان استقلال الهيئة بصورة فعلية. فلا تتضمن، على سبيل المثال، آلية واضحة تحول دون تعطيل تشكيل الهيئة، كما لا تحدد ضمانات كافية لشفافية ونزاهة عملية الانتخاب داخل الجهات التي تتولى تسمية أعضائها. ويضاف إلى ذلك إقصاء الصحافيين عن عضوية الهيئة والاكتفاء بانتخاب خبير إعلامي، فضلًا عن بعض المعايير التي تفتقر إلى الوضوح الكافي، ومنها تحديد الحد الأقصى لسن الأعضاء بــ 69 عامًا، وحصر الانتخاب بمجالس النقابات بدلًا من الجسم القضائي أو النقابي المعني بصورة أوسع.
- حصانات الهيئة: ومنها عدم جواز إنهاء عضوية أعضائها إلا وفق آلية معينة وفي الحالات التي يحددها القانون، وعدم جواز تعليق عمل الهيئة من قبل السلطة التنفيذية أو وقفه تحت أي ظرف. وتشكل هذه الأحكام ضمانة مهمة في مواجهة إمكانية استخدام السلطة التنفيذية لصلاحياتها للتأثير في الهيئة أو تعطيل عملها.
- صلاحيات الهيئة الرقابية: تتمتّع الهيئة بصلاحيات مهمة تشمل وضع دفاتر الشروط ومنح التراخيص، ومراقبة الالتزام بالقانون ودفاتر الشروط وقواعد السلوك المهني، واتخاذ تدابير متدرجة في مواجهة المخالفات، تبدأ بالاستيضاح والتنبيه والإنذار، وقد تصل إلى إعداد التقارير والإحالة إلى القضاء، فضلًا عن فرض الغرامات بالنسبة إلى مخالفات دفاتر الشروط. وتضطلع الهيئة كذلك بدور في صياغة مدونات السلوك وإقرارها وفق آلية تشاركية تشمل المؤسسات الإعلامية والصحافيين والنقابات والجمعيات المعنية بحرية الإعلام. ويمكن أن تشكل هذه المدونات أداة مهمة لضبط الممارسة المهنية من دون اللجوء إلى التجريم، شرط ألا تتحول إلى مجرد إعادة صياغة للقوانين أو إلى وسيلة لمراعاة الحساسيات السياسية والاجتماعية.
في المقابل، يخلو القانون من آليات تتيح التصدّي السريع والفعّال لحالات التحريض على الكراهية والتمييز، ولا سيما في الظروف الاستثنائية، كالحروب والأزمات، حيث تبرز الحاجة إلى تدخّل عاجل للحد من انتشار هذا النوع من المحتوى، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الضمانات التي تحول دون استخدام مكافحة التحريض ذريعة لتقييد حرية التعبير المشروع. كما يُستحسن تعزيز متطلبات الشفافية في عمل الهيئة، من خلال النص صراحة على موجب نشر الشكاوى الواردة إليها، والقرارات الصادرة بشأنها، والمراجعات المقدمة في مواجهتها ونتائجها، وعدم الاكتفاء بنشر التقرير السنوي. ومن شأن ذلك أن يتيح مراقبة أداء الهيئة وتعزيز الثقة باستقلاليتها وآلية اتخاذها للقرارات.
خفض مدة الترخيص للمؤسسات التلفزيونية والإذاعية
يخفّض مدة الترخيص للمؤسسات التلفزيونية والإذاعية ما يمكن أن يتيح مراجعة دورية لمدى الالتزام بشروط الترخيص.
ضمانات الرقابة والمساءلة الفردية
يمنح القانون كل شخص الحق في التقدم بشكوى أمام الهيئة فيما يتعلق بأحكام القانون، فضلًا عن حق المتضرر في مراجعة الهيئة والقضاء. كذلك، يمنح القانون المتضرر من النشر حق طلب إزالة المادة الإعلامية المشكو منها. ويشكل هذا الحق ضمانة لحماية المتضررين من المحتوى الإعلامي، إلا أنه لا يراعي التدرّج في الإجراءات، كأن يكون رفض التصحيح أو الرد سابقًا على طلب الإزالة، كما لا يحدد أسبابًا واضحة تسمح للمؤسسة الإعلامية برفض طلب الإزالة، على غرار ما هو معمول به في حالات رفض نشر الرد أو التصحيح.
ضمانات المحاكمة العادلة
ينص القانون على إنشاء غرفة مدنية ابتدائية في مراكز المحافظات، واعتماد التقاضي على ثلاث درجات، وتطبيق أصول المحاكمة الموجزة في جميع مراحل المحاكمة. كذلك أقرّ مبدأ عدم التوقيف الاحتياطي في الجرائم كافة التي تتمّ بواسطة جميع وسائل الإعلام والوسائل الإلكترونية المنصوص عليها في هذا القانون، بما في ذلك المواقع الإعلامية غير المهنية، أيا كانت صفة أو مهنة الفاعل.
ختامًا، يسعى القانون إلى تحقيق توازن بين حرية الإعلام والمسؤولية، بما يتماشى مع مبادئ حرية التعبير وضماناتها. ومع ذلك، لا تزال هناك بعض الثغرات الخطيرة، ولا سيما تجريم "الخبر الكاذب"، إلى جانب بعض الالتباسات في تعريف عدد من المفاهيم، وإلغاء الضمانات المتصلة بتنظيم الإعلام العام وبعض الضمانات المتّصلة بالتعددية، فضلًا عن القلق من إمكانية تعطيل عمل الهيئة. ومع ذلك، يشكّل القانون خطوة كبرى إلى الأمام مقارنة بالقانون السابق، وهي خطوة يمكن البناء عليها وتطويرها بما يضمن مزيدًا من الحماية لحرية الإعلام واستقلاليته.