علاقة الحب السّامة بين النائب اللبناني وتشريع الاستعراض الجزائي: يعقوبيان تعيد تدوير قانون التحرّش بعيوبه الأساسية

كريم نمّور

26/11/2025

انشر المقال

هي أشبه بعلاقة حب سّامة، عيوبها ظاهرة للعلن وتداعياتها مدمّرة للغاية. لكنّك تتشبّث بها وتتوهّم أن إشكاليّاتها قابلة للحلّ بالرّغم من ثبوت العكس مراراً وتكراراً. فهي ما تعرفه، والتخلّي عنها يخيفك لأنه يدخلك في مسار تظنّه أصعب وأكثر تعقيداً، فتستسهل البقاء وشراب السمّ وكأنّ سمّاً تعرفه خيرٌ من ألف داء لا تعرفه. هذه هي مقاربة المشرّع اللبناني ومعها العديد من الجمعيات العاملة في المجال الإنساني في السنوات الأخيرة لمعظم الإشكاليات الاجتماعية في لبنان: تُنشر دراسة ما حول جانب من جوانب إشكالية اجتماعية معينّة، فيُصاغ نصّ تشريعي بالكامل، غالباً ما يكون ذات طابع جزائي، لمعالجة هذا الجانب تحديداً من الإشكالية (أو لتعميم الأمر على الإشكالية برمّتها)، بمعزل عن أيّ نظرة أو مقاربة شاملة لها، وبمعزل عن أيّ تفكير جدّي بأسباب وجود الإشكالية أساساً وسبل علاجها بشكل مستدام، وكذلك بمدى ضرورة تبنّي المنحى الجزائي- العقابي تحديداً لمعالجتها، وما يعنيه هذا الأمر على صعيد فعاليّة إنصاف الضحايا والناجيات. كما يتّم اعتماد هذه المقاربة بمعزل عمّا لها من تداعيات على صعيد الكلفة الاجتماعية والكلفة على خزينة الدولة، لا سيما في ظلّ واقع اكتظاظ السجون والحياة فيها (أو انعدامها)، وهو واقع مغيّب تماماً من النقاش العام. هذا تحديداً ما قامت به النائبة بولا يعقوبيان عندما قررت إعادة تدوير نص قانون التحرّش الصادر سنة 2020 (القانون رقم 205) بنسخة مستجدّة ولكن بعيوبه الأساسية العديدة.

ينطلق اقتراح يعقوبيان (وفق أسبابه الموجبة) من النتائج التي توصّلت إليها دراسة هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة (UN Women) الصادرة سنة 2021 تحت عنوان: "تجارب لنساء تعرضن لتحرش في سيارات الأجرة – دراسة حالة: مدينة طرابلس، لبنان"، والمبنيّة بشكل أساسي على "استطلاع رأي عشوائي في الشارع شاركت فيه 540 امرأة عابرة في المينا والتل وأحياء القبة في طرابلس". وعليه، تقترح يعقوبيان تعديل القانون 205/2020 لسدّ "الثغرات التشريعيّة والإجرائيّة [وضمان] بيئة آمنة لجميع أفراد المجتمع، لا سيما النساء، بما يتوافق مع التزامات لبنان الدستورية والدولية إلخ." مسترشدة حتى باتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190 بشأن القضاء على العنف والتحرّش في عالم العمل (بالرغم من عدم انضمام لبنان اليها). وهو اقتراح وُضع بناءً على مبادرة من جمعية "عمل تنمويّ لكلّ النّاس - مساواة" ضمن مشروع "حماية النساء والفتيات من التحرّش الجنسي في التاكسي". بالتالي، يتّضح من العنوان أن الاقتراح مبني على أساس نتائج دراسة (مهما كانت قيّمة) تتطرّق الى زاوية ضمن جانب من جوانب إشكالية التّحرش (التحرّش في سيارات الأجرة تحديداً ضمن مدينة طرابلس أكثر تحديداً إلخ.)، ما قد يفسّر تقاعس اقتراح يعقوبيان عن معالجة العديد من الثغرات الأخرى في القانون رقم 205/2020 والتي سبق لي أن فنّدها في مقالة سابقة لي سنة 2020.

في حين يدخل اقتراح يعقوبيان بعض التحسينات الطفيفة على قانون التحرّش (مثل تعريفه الأشمل لفعل التحرّش ومكان العمل)، فمن المخيّب بالمقابل، أنّه يعيد تدوير معظم عيوبه. فالاقتراح يشكّل امتداداً لظاهرة مقاربة المشرّع اللبناني للإشكاليات الاجتماعية في السنوات الأخيرة، والتي تحوّلت الى مقاربة استعراضيّة تملأ عناوين الصحف وتزيّن سيرة النائب الذاتية (وتقدّم، في أحسن الأحوال، حلولاً مجتزأة)، متجاهلة أرض الواقع والمنهجية التجريبية المبنية على خبرات الماضي ومستخرجاته. ومن المؤسف حقاً أنّ معدّي الاقتراح الراهن لم يستفيدوا من الكمّ الكبير من الدراسات والأبحاث والمشورات الحقوقية والقانونية التي صدرت منذ إقرار قانون التحرش سنة 2020 حتى تاريخه لتصويب أخطائه بدل تكرارها. 

فيما يلي أبرز الملاحظات على الاقتراح الراهن:

1- حصر إشكاليّة التحرّش وتحجيمها بخانة المنطق الجزائي

على غرار النصوص والاقتراحات السابقة (مثل قانون التحرش أو اقتراح قانون تجريم التنمّر)، يحصر اقتراح يعقوبيان مقاربته لإشكالية التحرّش الجنسي في خانة المنطق الجزائيّ. وهو بذلك يمعن في نهج المشرّع اللبناني المعاصر الآيل إلى معالجة إشكاليات اجتماعية حساسة ومعقّدة من منظار المنطق الجزائي الذي يحجّم الإشكالية على مقياس مكافحة الجريمة، مجرّداً إياها من سائر تشعّباتها الأخرى التي غالباً ما تشكل أسباب وجود الإشكالية أساساً (وبالتالي مدخلاً إلى حلّها). لا بل أن أصحاب الاقتراح ذهبوا حدّ المزايدة على أسلافهم في المنطق العقابي، في حماسة مفرطة، مبتكرين بدعة "الظروف المشدّدة جداً"[1] (بالإضافة إلى "الظروف المشددة" العادية)، وهي بدعة لم يلحظها قانون العقوبات اللبناني (أو أيّ قانون عقوبات آخر في القانون المقارن). وعند التمعّن في نص الاقتراح، سرعان ما يتبيّن للقارئ أن معظم أفعال التحرّش المعاقب عليها (كي لا نقول كلها) تندرج تحت خانة بدعة "الظروف المشددة جدّاً"، إذ تشمل الحالات التي استخدم فيها المتحرّش التهديد أو الابتزاز أو الضغط النفسي أو المعنوي أو المادي، وهذه، تشكّل عملياً الغالبية الكبرى من حالات التحرّش على أرض الواقع، نظراً لكونها غالباً من المكوّنات الأساسيّة للفعل نفسه ولارتباط وقوعها الوثيق بموازين القوّة في العلاقات الاجتماعية.

إنّ تشبّث أصحاب الاقتراح في المضي مجدداً بالمنحى الجزائي-العقابي لمعالجة إشكالية التحرّش الجنسي يدّل على أن مشرّع اليوم لم يتعلّم من أخطاء مشرّع الماضي ولا يزال يتجاهل أنّ تلك المقاربة لا تتلاءم مع إشكالية اجتماعية مزمنة غالباً ما تنطوي على علاقات هرمية مترابطة. فالاقتراح لا يزال لا يُعطي أي دور للقضاء المدني أو لمجالس العمل التحكيمية أو للوساطة في قضايا حساسة كهذه (على عكس ما تنص عليه اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190 بشأن القضاء على العنف والتحرّش في عالم العمل التي يدّعي الاقتراح الاسترشاد بها). ومن المهمّ التنويه بأهمية اللجوء إلى وسائل بديلة (وقائية) لحلّ هذه الإشكالية قبل اللجوء إلى القضاء (ولا سيما الجزائي منه)، نظراً لأهمية المساحة التي تحتلّها وجهة نظر الناجية للفعل المقترف من ناحية أولى (فما قد يُعدّ تحرّشاً لشخص ما قد لا يُعدّ كذلك لآخر)، ونظراً لأهمية الحفاظ على استقرار العلاقات الاجتماعية، خصوصاً داخل المؤسسات أو في مكان العمل. فاللجوء إلى القضاء الجزائيّ مباشرة (مع ما يستتبع ذلك من علنية وتوقيف وعقوبة مقيّدة للحرية) قد يغيّب عملياً أيّ فرضية للمحافظة على بيئة اجتماعية أو بيئة عمل سليمة (أو حتى استمرارية العمل بحد ذاتها). لا بل إنّ حصر سبل التصدّي للتحرّش بالطريق الجزائي الحصري يشكّل عاملاً رادعاً أمام الناجيات، بدلاً من أن يكون حافزاً لهنّ على اللجوء إلى القضاء. وقد ازداد تبيان هذا الواقع في السنوات التي أعقبتْ إقرار قانون التحرّش الجنسيّ في لبنان عام 2020، في ظلّ الضآلة الملحوظة في عدد القضايا التي تمّ تداولها إعلامياً، وتلك التي وصلت فعلياً إلى القضاء اللبناني، وما ترتّب على ذلك من ندرة في الأحكام القضائية الصادرة بهذا الشأن وفق ما ظهر في الإعلام. فما الذي قد يشجّع الناجيات على التقدّم بدعوى وسط هذا الواقع؟ وما هي حظوظ الحفاظ على بيئة اجتماعيّة سليمة في ظلّ نشوء دعوى جزائيّة بين زملاء مثلاً، أو بين أجير وصاحب عمل؟ إنّ هذا الأمر قد يؤدّي إلى جعل الاقتراح، إن تمّ إقراره، حبراً على ورق يصعب تطبيقه.

فضلاً عن ذلك، فالاقتراح أعاد تدوير المقاربة التي تهمّش الناجية وتجرّدها من أي دور أو تحكّم على قضيتها هي. فالمادة 3 من الاقتراح تنص على إمكانية مباشرة الملاحقة "عفواً بصورة تلقائية" بمعزل عن توفّر شكوى من "الضحية أو المتضرر" (وتالياً بالرغم من ارادتها) في حالتين:

  1. "إذا اقترن الجرم بأي من الظروف المشددة أو المشددة جداً" (أي معظم حالات التحرّش وفق ما أسلفته)؛
  2. "إذا اقتضت المصلحة العامة أو حماية الضحية تحريك الدعوى تلقائياً".

بمعنى آخر، لم يترك الاقتراح أيّ هامش للناجية بالتحكم بمآل الدعوى وتالياً بإمكانية استخدامها كورقة تفاوض والعدول عنها متى تشاء، فألزمها بالتوصيف الجزائي مع ما يتبعه من تحريك لدعوى الحقّ العام ومن أصول للمحاكمات، والتي قد تردع جميعها الناجية عن التقّدم بشكواها وملاحقة من اعتدى عليها. وإن هذا الأمر يدلّ أيضاً ان أصحاب الاقتراح تجاهلوا موقع الضحية وهمّشوها من قلب فلسفة النصّ وأنهم قاربوا الأمر من زاوية أخلاقية تهدف إلى حماية المجتمع والحق العام أكثر مما هي تهدف إلى حماية الناجيات وضحايا التحرّش.

2- تغييب المقاربة الشاملة لمعالجة التحرّش

على الرغم من أنّ الاقتراح يدّعي في أسبابه الموجبة استرشاده باتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190 بشأن القضاء على العنف والتحرّش في عالم العمل، إلّا أنّه في الواقع لم يستلهم منها سوى بعض الأحكام المحدودة، مثل تعريفه لمكان العمل. والواقع أنّ أيّ مكافحة فعّالة للتحرّش تستوجب مقاربةً شاملةً ضمن إطار خطّة وطنية متكاملة تهدف إلى معالجة الأسباب البنيويّة التي تساهم في تفشّي ظاهرة التحرّش في المجتمع. وليس هذا الطرح نظريّاً، إذ إنّ الاتفاقية رقم 190 نفسها تصلح لتشكّل نموذجاً أو مسوّدة لخارطة طريق تُبيّن سبل تحقيق مكافحة فعّالة للتحرّش. فالتحرّش هو ناتج بشكل أساسي عن انعدام في موازين القوة بين الأطراف، واستغلالاً لهذا الانعدام. تالياً، فان أي خطّة لمكافحة التحرّش تفرض معالجة أسبابه البنيوية الأساسية.

على هذا الأساس، تضع الاتفاقية رقم 190 مثلاً على عاتق الدولة ضمان احترام وتعزيز وتحقيق المبادئ والحقوق الأساسية في العمل، وعلى رأسها الحرّية النقابية (مادة 5) ضمن إطار مكافحة العنف والتحرّش في مكان العمل. فالنقابات العمّالية المستقلّة تلعب دوراً أساسياً في قلب موازين القوة في علاقات العمل الهرمية، ولها أن تمثّل وتدافع وحتى أن تلعب دور الوسيط أحياناً في عالم العمل. وهنا من المهمّ الإشارة إلى أن لبنان ما يزال متخلّفًا عن المصادقة على اتّفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي، التي تضمن للعاملين وأصحاب العمل الحقّ في تكوين والانضمام إلى نقابات ومنظمات يختارونها بحرّية من دون تدخّل حكوميّ وتالياً من دون ترخيص مسبق، على عكس ما هو منصوص عليه حالياً في المادة 86 من قانون العمل اللبناني وما يسفر عن هذا الأمر من عوائق بوجه تأسيس نقابات عمّالية مستقلّة.

من ناحية أخرى، فإن إحدى ركائز مكافحة التحرّش الأساسية تتمثّل في ضمان الدولة للحق في المساواة وعدم التمييز في الاستخدام (المادة 6 من الاتفاقية)، لا سيما إزاء الأشخاص الذين ينتمون الى مجموعة أو أكثر من المجموعات المستضعفة أو المهمّشة التي تكون عموماً أكثر عرضة للعنف والتحرّش في عالم العمل من غيرها. وهنا تجدر الإشارة إلى أن القانون اللبنانيّ ضعيف جداً في ضمان هذه الحقوق بشكل فعّال (باستثناء بعض أحكامه اليتيمة مثل المادة 26 من قانون العمل المحدودة جدّاً[2])، والتي غالباً ما تبقى نظرية من دون أن تترجم على أرض الواقع بخطوات عمليّة تضمن وصول الفئات المهمّشة إلى الفرص والمراكز المهنية. والواقع هو أن السوق اللبنانية لا تزال تخضع لهيمنة من الذكور النمطيين. فعلى سبيل المثال، إن عدد النساء اللواتي وصلن إلى مراكز سلطة داخل المؤسسات في لبنان لا يزال محدوداً جدّاً (أقل من 6%)، وقد احتل لبنان المرتبة 136 عالمياً في 2025 في مؤشر الفجوة العالمية بين الجنسين و130 في مؤشر المشاركة والفرص الاقتصادية، ما يعكس فجوة هائلة ما زالت قائمة في مجالات المشاركة الاقتصادية والفرص السياسية والتعليم والصحة، ويضع لبنان في الأسوأ أداءً ضمن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفقاً للتقرير الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي. وهذا الواقع ينعكس مباشرة في ثقافة إدارة الأعمال في لبنان وآثارها على تجارب المرأة وسلامتها ومدى فعاليّة اندماجها في عالم الأعمال وتالياً مدى تعرّضها للتحرّش والعنف في عالم العمل. ولا يجوز الردّ على ذلك أن هذه الأرقام مرتبطة بالثقافة الذكورية المهيمنة في البلد وكأن الأمر من الحتميات الطبيعية في رقعة هذه الأرض (وهو تهرّب من المسؤولية)، بل يتوجّب على المشرّع اللبناني مواجهة هذا الواقع وإيجاد حلول عمليّة له بدل نشر اقتراحات قوانين استعراضية لا تؤدي أي مفعول ذات شأن.

فضلاً عما تقدّم، وعلى عكس ما تنصّ عليه الاتفاقية رقم 190 وروحها، فقد أغفل الاقتراح أيضاً التطرّق إلى العنف والتحرّش المعنوي، لا سيما في إطار علاقات العمل. إذ يبقى أن ثمّة جوانب لا تُحصى من العنف والتحرّش المعنوي من شأنها أن تؤثّر مباشرة على التدريب المهني أو على الاستمرارية في الوظيفة أو على الترقي فيها أو على الأجر أو أن تحدث بيئة عمل عنيفة أو تخويفية أو عدائية أو ضاغطة أو مذلة. وإن أهمية إدراج مثل هذه الأحكام تكمن في إمكانية التصدّي إذ ذاك لمختلف أنواع العنف والتعسف والترهيب والتسلّط الذي يعاني منها عدد هائل من الأجراء اليوم في لبنان وهم غالباً ما يخضعون لها بسبب حالة التبعية المهنية والمالية الملاصقة لعلاقات العمل في اقتصادنا النيوليبرالي.

3- مسؤولية نيوليبيرالية-استعراضية على أصحاب العمل

على عكس قانون التحرّش الحالي الذي يتقاعس عن إيجاد أي موجبات على أصحاب العمل بالذات بشأن التحرّش الجنسي داخل مكان العمل، تنصّ المادة السابعة من الاقتراح (التي تضيف مادة تاسعة على القانون الحالي) على موجب على أصحاب العمل (والإدارات العامة) بوضع سياسات مكتوبة لمنع التحرّش، تشمل على سبيل المثال لا الحصر:

  1. قنوات آمنة وسرية للإبلاغ،
  2. إجراءات تحقيق شفافة وعادلة؛
  3. برامج تدريبية دورية للعاملين والطلاب.

وفي حين أمكن تسجيل هذا الأمر كأحد التحسينات التي يدخلها الاقتراح على قانون التحرّش، يبقى أن أصحاب الاقتراح تجاهلوا واقع حجم المؤسسات في لبنان، ما قد ينعكس سلباً على فعاليّة اقتراحهم هذا في حال اقراره. فالأكثرية الكاسحة من المؤسسات في لبنان (أكثر من 70%) هي مؤسسات صغيرة الحجم جداً (micro enterprises) لا يتعدّى عدد أجرائها العشرة (ومعظمها لا يتعدّى الخمسة). بالتالي فإن رمي هذه المسؤولية على أصحاب العمل (على غرار ما تقوم به بعض مؤسسات التمويل الأجنبية في لبنان) من دون التمييز بين المؤسسات وفق حجمها، قد يؤدّي الى تكبيد المؤسسات الصغيرة جداً أعباء تفوق طاقاتها وقدراتها المالية والبشرية وتالياً قد يؤدي بها في نهاية المطاف إلى تجاهل هذه الأحكام وتغييبها في الممارسة (لا سيما نظراً لمحدودية قدرة وزارة العمل على المراقبة والمتابعة). إذ كان من الأجدى توفيق هذا الأمر مع أحكام قانون العمل اللبناني، لا سيما المادة 66 منه التي تفرض على صاحب العمل الذي يستخدم خمسة عشر أجيراً فأكثر أن يضع نظاماً للأجراء ولتنظيم العمل في مؤسسته. وهو أمر يجب أن يقترن بمصادقة وزير العمل، وتالياً يخضع لرقابة الوزارة البنيوية. 

فضلاً عن ذلك، وفي حين يشير الاقتراح في مادته الرابعة (التي تعدل المادة الخامسة من قانون التحرّش) إلى عقوبات تأديبية محتملة (ومنها الصرف) على المتحرّش، فهو لم يذكر ماهية عقوبة صاحب العمل المتحرّش أو الذي أخلّ بموجبه في حماية أجرائه من التحرّش. لا بل أنه لا يميّز في تعريفه لفعل التحرّش، بين أجير وصاحب عمل في حال وقع التحرّش في إطار العمل، ما يستدعي التساؤل عن مدى فعالية النصّ هنا. فهذا الأمر يفتح باباً واسعاً أمام أصحاب العمل لاستغلال هذا النصّ ضدّ أجرائهم. فالاقتراح لم يأخذ بعين الاعتبار طبيعة علاقات العمل غير المتساوية في لبنان (ومن البديهي التذكير بأن صاحب العمل يتمتع بسلطة مهنية ومالية على أجير يجد نفسه غالباً بوضعية تابعة له)، وساوى حيث لا يجب، ما قد يؤدي الى إفراغ اقتراح القانون من غايته المُعلنة. والواقع أن تشريعات مماثلة للتحرش (والمُشار إليها بالـ"عمودية التصاعدية") هي جدّ نادرة في القانون المقارن، وهي تتطلّب طبيعة غير هرمية لعلاقات العمل، الأمر المغيّب تماماً عن الاقتصاد اللبناني اليوم.

وعليه، كان من الأجدى أن يعتمد أصحاب الاقتراح مقاربةً أكثر تكاملاً للتحرّش، تلحظ مكانته الخاصة في علاقات العمل، وتالياً وضع تعديلات على قوانين العمل نفسها، أكان على صعيد حقوق الأجراء وموجبات صاحب العمل، وصولاً حدّ إدراج التحرش أيضاً ضمن أحكام قوانين طوارئ العمل والأمراض المهنية، على غرار ما تنص عليه اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190 بشأن القضاء على العنف والتحرّش في عالم العمل الذي استرشد بها أصحاب الاقتراح (لا سيما في مادتها 9 فقرة "ب").

4- إعادة تدوير إشكالية عبء الاثبات

على غرار ما قام به قانون التحرّش الحالي في هذا المجال، لم يخفّف الاقتراح الراهن من عبء الإثبات على الناجيات. فقد أوجب هذا الاقتراح أيضاً إثبات تداعيات التحرّش على الناجية، لتكوين الجرم، إذ استخدم صيغة النتيجة الحاصلة بدل النتيجة الممكنة أو المتوقعة، مثل: "سلوك أو فعل… يشكّل انتهاكاً لكرامة الانسان أو جسده أو مشاعره" بدلاً من استخدام صيغة التوقّع مثل "قد يُشكّل…". وهذا الأمر إنما يحتّم على الناجية إثبات الضرر، وهو أمر غالباً ما يصعب إثباته في قضايا التحرّش. ولهذا السبب خفّف المشرّع من عدد من القوانين المقارنة عبء الإثبات على الناجية معتمداً إذ ذاك أحرف التوقع (مثل "قد") في توصيفه لنتائج الفعل المقترف، وهذا أيضاً ما اعتمدته الاتفاقية رقم 190 ("تهدف أو تؤدي أو يحتمل أن تؤدي إلى إلحاق ضرر..."). وكان من الأجدى أن يتبنى الاقتراح الراهن نفس الأسلوب.

5- إعادة تدوير سياسة الصناديق الفارغة

تنصّ المادة الخامسة من الاقتراح (وهي تعدل المادة السادسة من القانون) على إنشاء صندوق خاص يتمتّع بالاستقلال المالي ويخضع لوصاية وزارة الشؤون الاجتماعية، يتولّى تمويل برامج الدعم النفسي والاجتماعي والتأهيلي والقانوني المجاني للضحايا ودعم إعادة ادماج الضحايا في المجتمع وسوق العمل والتعليم وتنظيم حملات وطنية وتمويل برامج إعادة تأهيل مرتكبي جرائم التحرش الخ.، على أن تُوضع أنظمة الصندوق بمراسيم تُتّخذ في مجلس الوزراء بناء لاقتراح وزير الشؤون الاجتماعية. 

إن استمهال الاقتراح تفعيل هذا الصندوق إلى حين صدور مرسوم تنظيمي خاص له، يشكّل امتدادًا لسياسة الصناديق الفارغة التي سبق أن شهدناها في قوانين أخرى (مثل قانون تحرير الإيجارات القديمة المعقودة قبل سنة 1992 وقانون حماية أفراد الأسرة من العنف الأسري وقانون مكافحة جرائم الإتجار بالبشر... إلخ). سياسات هدفت إلى إيجاد حلول قانونية لإشكاليات اجتماعية، لكن سرعان ما يعلق نفاذ هذه الحلول من خلال الإحالة إلى قرارات أو مراسيم تنظيمية أو تطبيقية لاحقة غالباً ما لا تصدر أو تستغرق سنوات للصدور، فتُوجد بالمقابل فراغات قانونية تشكّل بدورها عوائق بوجه تنفيذ أهداف القانون الأساسي بشكل متكامل وشامل. وهذا ما أسمته المفكرة القانونية في عدد من مقالاتها بسياسة الصناديق الفارغة

 


[1] المادة الثانية "ثالثاً" من الاقتراح.

[2]  تنص المادة 26 من قانون العمل على الآتي: "يحظر على صاحب العمل التفرقة بسبب الجنس بين العامل والعاملة في ما يخص نوع العمل، مقدار الاجر، التوظيف، الترقية، الترفيع، التأهيل المهني والملبس".