غادة أيوب تفضح ممارسات مناقشة الموازنة:مساءلة لجنة المال باتت أولى من مساءلة الحكومة

فادي إبراهيم

28/01/2026

انشر المقال

خلال اليوم الأول من مناقشة مشروع موازنة العام 2026، ركّز النواب في كلماتِهم على مواضيعَ ليس لها صلة بالموازنة، أبرزها المواضيع السياسية والعلاقات الخارجية إضافةً إلى قانون الفجوة المالية. إلّا أنّ الكلمة الأبرز في موضوع الموازنة كانت للنّائبة غادة أيّوب، والتي تطرّقت فيها إلى آلية مناقشة الموازنة والمخالفات التي حصلت في لجنة المال سواء لجهة آلية النقاش الحاصل فيها أو الإضافات التي وردت على المشروع في اللجنة من دون العودة إلى الحكومة. وعليه، تحوّلت كلمة النائبة أيّوب من مساءلة للحكومة ووزرائها، إلى مساءلة من باب أولى لزملائها في لجنة المال، علمًا أنّها عضْوة في هذه اللجنة. لا بل كانت كلمة أيّوب دفاعًا عن حكومة رضختْ على ما يبدو لإدخال لجنة المال ما يُشبه موازنة بديلة للموازنة التي أقرّتها الحكومة.

ونظرًا لأهمّية ما ورد في كلمة النائبة أيّوب، نُفرد في ما يلي توثيقًا لكلمتها في ما يتعلّق بالإشكاليات الحاصلة في لجنة المال، حيث وثّقت أيّوب بدورها ممارسات مخالفة للأصول الدستورية والمالية من رئيس لجنة المال والموازنة وأعضائها وعدد من الوزراء.

تذكير بالمبادئ الدستوريّة والقانونيّة

قبل تفنيد المخالفات التي ارتكبت عند مناقشة مشروع الموازنة، وضعت أيّوب المرتكزات التي انطلقت منها لتحديد هذه المخالفات، وذلك بطريقة منهجيّة تبعًا لتخصصها في المالية العامّة وتدريسها لهذه المواد في الجامعة اللبنانية. 

فقد ذكّرت أيوب بالمادة 65 من الدستور التي تعتبر الموازنة من المواضيع الأساسية التي لا يُمكن إقرارها إلّا بأكثرية ثلثيْ أعضاء الحكومة، وهو ما يفرض أنّ أيّ تعديل أو إضافة على هذه الموازنة الواردة من الحكومة يؤدّي إلى المسّ بصلاحيات الحكومة والتفافًا عليه. انطلاقًا من ذلك، أشارت أيّوب إلى المادة 84 من الدستور التي نصّت على عدم جواز زيادة المجلس النيابي للاعتمادات المقترحة عليه في مشروع الموازنة. وقد تعزّز ذلك من خلال المادة 19 من قانون المحاسبة العمومية التي أشارت إلى عدم جواز إدخال أي زيادة على مشروع الموازنة خلال المناقشة بها في اللجنة النيابية المختصة وفي الهيئة العامة لمجلس النواب، إلا بعد أخذ رأي وزارة المالية الخطي وموافقة مجلس الوزراء.

هذه النصوص التي تتعدّى الشكليّات الإجرائية لتكون ضوابط دستورية وقانونية لعدم إحلال الفوضى في المالية العامّة، خولفت جميعها في العديد من المحطّات في لجنة المال. فكيف حصلت هذه المخالفات؟

إدارة مافيوية للجنة المال لتهريب بعض المواد

في الجلسة الأخيرة للجنة المال والموازنة، وبعد أن انتهت اللجنة من إقرار عددٍ من المواد المعلّقة، أفادت أيّوب بظهور مفاجئ لملحق من وزارة المالية، مطبوع وموجود حصرًا مع رئيس اللجنة ابراهيم كنعان، ومقرّر اللجنة النائب علي فيّاض. لم ينفِ فيّاض الأمر، لا بل عزّزه بسردية تزيد من التأكيد على انعدام العمل المؤسساتي داخل اللجنة حيث أشار إلى أنّه حصل على الملحق بصفته الشخصية من الوزارة ولم يستلمْه بطريقة رسمية. علمًا أنّ هذا الملحق مؤلّف ممّا يزيد عن 20 مادّة وفق ما وثّقه المرصد البرلماني وأكّدت عليه أيّوب في كلمتها.

وعدا عن المخالفات القانونية والدستورية المتعلّقة بالتعديلات والإضافات على الموازنة بهذه الطريقة، وثّقت أيّوب بكلمتها الطريقة المافيوية التي تمّت فيها محاولة تهريب هذه المواد. فعدا عن عدم إرسال هذه المواد للنواب بشكل مسبق لدرسها قبل مناقشتها، رفض رئيس لجنة المال إطلاع النواب على هذا الملحق والإحالة التي ورد من خلالها من الحكومة. لا بل أكثر من ذلك، نقلت أيّوب أن كنعان عرض على التصويت المادّة الأولى من الملحق المتعلّقة بإرساء نظام ضريبيّ جديد تمامًا يتعلّق بالمستثمرين اللبنانيين غير المقيمين وبالأجانب، حيث تلا عنوان المادّة وعرضها على التصويت من دون تلاوة المادّة حتّى وإطلاع النواب عليها. علمًا أنّه بموجب النصّ المسرّب لهذه المادة، يُعفى هؤلاء من عددٍ كبيرٍ من الرسوم والضرائب مقابل استثمار يُحدّد قيمته وشروطه وزير المالية نفسه، على أن يكون هذا الاستثمار على شاكلة إيداع مصرفي بالدولار أو باليورو أو عن طريق شراء عقار أو أيّ استثمار آخر يحدّده الوزير. وهذا الأمر إنما يذكر بالنظام الريعي المعتمد قبل الأزمة لاجتذاب الرساميل وهي إغراءات لإنشاء ودائع مالية واستثمارات عقارية. واللافت في هذا الصدد، أنّ تلاوة العنوان والتصويت عليه حاز على موافقة 6 أعضاء من اللجنة مقابل اعتراض 4، بما يعكس تسويةً ما من تحت الطاولة كان يُحاول تمريرها. وإذ اعترضت أيّوب وعدد من النواب على ممارسة كنعان، رُفعت الجلسة لمدّة ساعتيْن أُرسل خلالها إلى النواب بريدٍ إلكتروني عرضته أيّوب خلال الجلسة، لا يتضمّن الملحق المطلوب إقراره من وزارة المالية بل يتضمّن حصرًا عنوان المادة التي تمّت تلاوتها.

موازنة بديلة من دون موافقة الحكومة ووزير المالية

أشارت النائبة أيّوب إلى إشكالية أخرى في الطرح الذي حاول رئيس لجنة المال والموازنة السير به. فالطرح مكوّن من أكثر من 20 مادّة، علمًا أنّ جلّ المشروع الذي أرسلته الحكومة مؤلّف من 44 مادّة، أي أنّ الملحق المطروح كان أشبه بنصف موازنة أو موازنة رديفة، من دون أن يكون موافقا عليه من الحكومة التي يُفترض أن تُرسل مشروع الموازنة بعد موافقة ثلثيْ أعضائها.

وما يزيد من قابلية ذلك للانتقاد هو ما أنّ من كان يُفترض فيه تمثيل الحكومة عند مناقشة الموازنة أي وزير المالية، لم يكن حاضرًا عند طرح هذا الملحق بل حضر ممثل عنه من موظفي وزارة المالية. ولم يُعرف بهذا الصدد إذا ما كان وزير المالية موافق على جميع الطروحات التي وردت في الملحق، إذ أنّ الملحق لم يصل ضمن الأطر الرسمية لمجلس النواب.

تخريجة تبنّي النواب للتعديلات مخالفة أيضًا

على طريقة الحلول التي يجترحها رئيس المجلس النيابي نبيه برّي، وُجدت تخريجةٌ قوامُها تبنّي نوّاب لمواد من هذا الملحق، على أساس أنّ ذلك يحلّ أزمة عدم موافقة ثلثيْ الحكومة على مشاريع الزيادة هذه. وبالفعل، علم المرصد البرلماني أنّ نوابًا قاموا بتبنّي هذه المواد، كعدنان طرابلسي الذي تبنّى موضوع تمديد تسويات البناء لمدّة سنة. ولا تتوقّف البهلوانيات عند هذا الحدّ: ففيما اقترح النائب مارك ضو تعديلات معيّنة على رسم الانتقال، تبيّن بحسب تقرير رئيس لجنة المال والموازنة أنّ مواد عدّة أُضيفت للمشروع تتعلّق برسم الانتقال أيضًا، (منها العفو عن رسم الانتقال ما قبل 2007) نُسبت إليه من دون علمه، على حد تصريحه للمرصد. 

ولا يُشكّل تبنّي نائب معيّن لهذه التعديلات حلًّا كافيًا لإشكالية عدم ورودها من الحكومة، إذ أن المادة 19 من قانون المحاسبة العمومية تفرض على أي تعديل نيابي أن يأخذ رأي وزير المالية الخطّي وموافقة مجلس الوزراء، وهو أمر لم يحصل.

أكثر من ذلك، فقد رتّبت هذه التعديلات إضافة اعتمادات بقيمة 4 آلاف مليار ليرة لبنانية، حيث ارتفعت الاعتمادات من 534 ألف مليار ليرة في المشروع الذي وصل إلى لجنة المال والموازنة، إلى 538 ألف مليار ليرة في المشروع الذي خرج منها. ويُشكّل ذلك مخالفة صريحة للمادة 84 من الدستور التي نصّت على عدم جواز زيادة المجلس النيابي للاعتمادات المقترحة عليه في مشروع الموازنة. علمًا أنّ رئيس لجنة المال ابراهيم كنعان في تقريره أكّد على عدم جواز زيادة الاعتمادات في المجلس النيابي.

بازار لجنة المال: من استدرج الوزراء؟

لفتت النائبة غادة أيّوب أيضًا إلى أحداثٍ حصلتْ بعد تحويل قسمٍ من احتياطي الموازنة لمصلحة المتضرّرين في الجنوب. فقد طالب عددٌ من الوزراء لجنة المال والموازنة بتحويل مبالغ من الاحتياطيّ لمصلحة وزاراتهم، بناء على ما اعتبرُوه توجيهات من وزير المال ياسين جابر. إلّا أنّ وزير المال أوضح بحسب أيّوب أنه لم يقم بذلك، بل طلب من الوزراء إرسال مشاريع فتح اعتمادات إضافية لاحقة بعد إقرار الموازنة. وقد كان لافتًا في هذا الصدد موافقة وزير المال على ما قالته أيّوب معتبرًا أنّه تمّ "استدراج" الوزراء لهذه المطالبات. ويفهم من ذلك أن كنعان هو الذي استدرجهم، على نحو يشكل إدانة لكنعان وأيضا للوزراء الذين وقعوا في فخّه خلافا لما كان يفرض عليهم مبدأ التضامن الحكومي.  

وقد أشارت أيّوب إلى أنّ هذه الطلبات أفرغت الاحتياطيّ بعدما تمّ نقل معظم محتواه إلى ميزانيات الوزارات ولم يعد من إمكانية للتدخّل عند أي طارئ، من دون أن يوزّع الجدول المعدّل على النواب الذي يوضح كيف عدّلت موازنات بعض الوزارات وما هي حالة احتياطي الموازنة الحالي. وقد وافق وزير المال ياسين جابر بحديث مع نائب رئيس المجلس النيابي الياس بو صعب على ما قالته أيّوب في هذا الصدد، معتبرًا أنّ "معها حق". وبالفعل لم يوزّع حتّى اللحظة على النواب الجدول المعروف ب "الجدول رقم 1" والذي يحدّد توزيع الاعتمادات على الوزارات والرئاسات والهيئات المستقلّة بالإضافة إلى احتياطي الموازنة، كما ويُعيد توزيعها على الوظائف الاقتصادية.

امتعاض وتشويش أعضاء لجنة المال

مُقابل مصارحة الرأي العام التي قامت بها أيّوب، يُلحظ توجّهات مُخالفة ممّن يُعتبرون صلب لجنة المال والموازنة. فقد فضّل النائب ابراهيم كنعان عدم المواجهة حيث همّ بالخروج من القاعة عند صعود النائبة أيّوب لتلاوة كلمتها. بالمقابل، قاطع مقرّر لجنة المال والموازنة النائب علي فيّاض النائبة أيّوب ثلاث مرّات أثناء كلمتها، مرّتيْن منهما "للتنكيت" محاولًا التشويش على أيّوب. أمّا النائب ألان عون عضو اللجنة، فقد قاطع أيّوب عند بدء استعراضها للمخالفات هذه معتبرًا كلامها تحويرًا للوقائع.

ختامًا، يؤمل أن يكون هناك ردّ واضح من وزير المالية والحكومة لتبيان موقفهما ممّا حصل في لجنة المال بهدف إعادة الأمور إلى نصابها الدستوري والمالي، علمًا أنّ المخالفات الحاصلة قد تُعرّض قانون الموازنة برمّته للطعن.