كيف نواجه انتهاك الحقّ بالتعليم؟ إلغاء الامتحانات بعد إلغاء الانتخابات تمهيدا لنسف الثواب والعقاب
20/07/2026
ليست المرة الأولى التي يعمد بها المجلس النيابي والسلطة التنفيذية إلى انتهاك حقوق الإنسان في لبنان. الواضح أن ما يعتمده المجلس لحل خلاف أو نزاع ما تظهر فيها تناقضات مصالح التكتلات السياسية وأو الطائفية يكون الطرح الغالب فيها إما عدم إقرار القوانين أو المراسيم أو منع إنفاها ودوما بصورة شمولية، من دون إيلاء أي اعتبار للحقوق المكتسبة للأفراد والشعب. أبرز مثالين هما التمديد للانتخابات النيابية وهو حق من الحقوق المدنية الذي أقره الدستور والمواثيق الدولية، ومؤخراً ربط التصويت على اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام باتفاق مسبق على توسيع دائرة العفو العام على حساب الضحايا.
وتعزو السلطات التشريعية أو التنفيذية الانتهاكات إلى أسباب مختلفة لم تكن بمعظمها حقيقية بل ذات طابع سياسي أو كيدي أو مصلحي كقرار وزير التربية الأسبق الياس بوصعب إلغاء البكالوريا نكاية بهيئة التنسيق. المسألة هنا ليس فقط "النكاية" بل استسهال انتهاك حق أساسي كفله الدستور والقانون واتفاقية حقوق الطفل. هو فرصة التقدم في التعلم إلى مرحلة جامعية مما يعنيه أيضاً "البلوغ" والتي تعني نهاية مرحلة الطفولة والانتقال إلى المسؤولية المدنية المباشرة. قانون إلغاء البكالوريا الاستثنائي ليس أمراً بسيطاً بل هو طعن وانتهاك لسلة من الحقوق التي نص عليها القانون من الدستور ومواثيق حقوق الإنسان إلى القوانين الوطنية إلى حق التعلم، إلى العدالة والنماء الذهني وغيره.
لكن، خلال الأزمة الصحية، اتخذت الحكومة ومعظم دول العالم إجراءات استثنائية وأعفت الطلاب من التقدم لشهادات البكالوريا. كان هذا الأمر مبرراً، حيث تساوى إلى حدّ كبير الطلاب في ضعف اكتساب المعارف والمهارات المطلوبة. إلغاء البكالوريا بقانون من المجلس النيابي هذا العام ليس مشابها لوضع الطلاب خلال الحجر الصحي، حيث أن جزءاً كبيراً نسبيا من الطلاب تعطلت دراستهم أما البقية فلم تتعطل كلياً، وبإمكانهم التقدم للبكالوريا. الحل الذي تقدم به المجلس النيابي هو إعفاء الجميع من دون شروط (باستثناء الطلبات الحرة). هذا النمط يحيلنا فوراً إلى قانون العفو العام حيث يسقط القانون حقوق الضحايا – في حال قانون إلغاء البكالوريا الضحايا هم من استكملوا التعليم – وينتهك حقهم المعترف به بالدستور والقانون اللبناني ومواثيق حقوق الإنسان من خلال إقرار قانون استثنائي في المجلس النيابي يحرمهم من هذا الحق. السيناريو المقابل، أي عدم إقرار إلغاء البكالوريا وإجراء الامتحانات الرسمية، يكون الضحايا، نسبة لا بأس بها من الطلاب، ممن لم يتمكنوا بسبب الحرب والنزوح متابعة تعليمهم.
في الحالتين هناك مجموعة متضررة، عمليا يجب الأخذ بمصالح المجموعتين، والسعي لتيسير وتحقيق أكبر حيّز من المساواة والعدالة بينهما. كما يجب الأخذ بما هو محميّ ومشرّع بالحق والقانون، فالعدالة أولا يجب أن تحتمي بالقانون ، فلا ينقضها أحد أو هيئة أو سلطة دون أسباب قاهرة وشاملة مثل الحجر الصحي أو الحرب الشاملة. أما ضحايا الحرب والنزوح فيجب أختيار حلول استثنائية لهم مع تقديمات وتسهيلات للتعويض، فإذا تمكنوا من اللحاق بأندادهم كان الأمر ممتازاً وإذا تعذر يكون لهم تسهيلات إضافية وهذا ليس إنتقاصا لمفهوم المساواة بل هو الإنصاف.
ما أقره المجلس النيابي بإعفاء طلاب لبنان من الإمتحانات الرسمية لا يحقق العدالة والإنصاف فالمجموعة الكبرى ممن تابع تعليمه سلب حقهم في التقدم للامتحانات تحت مسمى المساواة بين جميع الطلاب، وبالتالي لم تتحقق العدالة بين من تابع ودرس وبين المهدد الذي أجبرته الظروف على النزوح، وكلاهما ضحايا الظلم في قانون إلغاء الامتحانات الرسمية، هنا تحققت "المساواة باللاعدالة". المجموعة الكبرى التي تابعت التعليم ستنتقل إلى الجامعات بإفادة تقلل من مستواهم الأكاديمي ولا تعطي أي مؤشر لكفاءتهم ومعارفهم، بينما المجموعة الأخرى المتأثرة بالحرب والنزوح لم يحصّلوا المعارف الكافية تؤهلهم لاختيار اختصاصات مساوية لأندادهم أو حتى تمكنهم دخول السنة الأولى الجامعية بمؤهلات مشابهة لأندادهم.
قانون إلغاء الامتحانات الرسمية الاستثنائي هو قانون غير عادل ويظلم جميع الطلاب، يفضل المجلس النيابي عقاب عموم الناس على أن يفكر بعمق ويدرس الأثر التربوي والاجتماعي لقوانينه، التلامذة (وعموم الشعب) جميعا ضحايا قصور المجلس النيابي في إيجاد حل ورفض الحلول المقترحة من الوزارة ولا حتى المحاولة في تحسينها وهو بعيد كل البعد عن دراسة الآثار الاجتماعية والاقتصادية والتربوية .. لأي قانون.
وللحدّ من أيّ التباس، الخطأ الذي قام به بعض التغييرين هو اقتراح هكذا قانون، دون البحث في أوجه التشابه بينه وبين قانون تأجيل الانتخابات النيابية لمدة سنتين. يقع استحقاق تنظيم الانتخابات النيابية على وزارة الداخلية التي أعلنت المواعيد، وصادق المجلس النيابي على قانون التأجيل، عارض التغييريون أو لم يعارضوا، فالأكثرية كانت مع التأجيل وصار القانون نافذاً، لكن معظم النواب لم يروا في التأجيل انتهاكًا للحقوق المدنية للشعب اللبناني أجمع، بأيّ حق يتمّ التأجيل سنتين وهو حتما ليس بتأجيل تقني. أصلا الانتخابات النيابية هي لإعادة انتخاب مجلس نيابي فكيف يقوم المجلس بتمديد الولاية لنفسه لسنتين؟
وبقراءة مشابهة، على وزارة التربية تحديد مواعيد للامتحانات الرسمية مهما كانت الظروف، فهذا استحقاق أيضاً، لكن المجلس النيابي أصدر قانونا ألغى به الامتحانات الرسمية لهذا العام، أي أنه ألغى استحقاقاً قانونياً كما أجّل استحقاقا دستوريّا بتأجيل الانتخابات النيابية.
لكن السؤال هل يمكن الطعن بقانون إلغاء الامتحانات الرسمية أمام المجلس الدستوري؟ هل نستسهل إيجاد حلول تؤجل أو تلغي استحقاقات أساسية وتنتهك المواثيق والعهود الدولية لحقوق الإنسان كحق التعلم والعدالة والإنصاف والحقوق المدنية من قبل المجلس النيابي المفترض أنه حام لهذه الحقوق؟ ألا يفترض أن يطعن النواب وكل ذي صفة بقرارات وقوانين السلطات اللبنانية التي تنتهك مواثيق حقوق الإنسان التي نص عليها الدستور والحقوق المكتسبة بالقانون مثل حقّ الطلبة بالتقدم لامتحانات رسمية أو إجراء إنتخابات نيابية أو بلدية في مواعيدها؟