مجلس شورى الدولة يبطل مرسوم ردّ قانون الإيجارات: جرأة الاجتهاد تفتح الباب أمام أسئلة دستورية شائكة
04/09/2025
بعد طول انتظار، أصدر مجلس شورى الدولة القرار رقم 468 بتاريخ 12 آب 2025 الذي قضى بإبطال المرسوم رقم 12835 الصادر بتاريخ 12 كانون الثاني 2024 والذي أعاد بموجبه مجلس الوزراء وكالة عن رئيس الجمهورية قانون الإيجارات للأماكن غير السكنية إلى مجلس النواب لإعادة النظر فيه.
ويأتي هذا القرار بعد رحلةٍ غير مسبوقة في تاريخ لبنان الدستوريّ بدأت مع القرار الاعتباطي لرئيس مجلس الوزراء حينها نجيب ميقاتي بالتمنّع عن نشر هذا القانون الذي كان قد وافق مجلس الوزراء وكالة عن رئيس الجمهورية على إصداره، ومن ثم عاد بطلب من برّي عن هذا الإصدار كي يقرر ردّ القانون إلى مجلس النواب. وقد أدخل هذا التصرف القانون في متاهةٍ شديدة التّعقيد دستوريّا وأدّى إلى تفاقم النزاع بين المالكين والمستأجرين وخلق حالة من الفوضى التي لا يمكن الجزم حتى بأن قرار مجلس شورى الدولة الحالي قد حسمها بالكامل.
ولا بدّ من التّذكير أنّ مجلس شورى الدولة سبق له وأن اتّخذ قرارًا بوقف تنفيذ مرسوم الردّ. لكن القانون ظلّ عالقا في مجلس النواب ولم يتمّ نشره إلا بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية علما أن المجلس الدستوري أعلن في قرار أول له عدم نفاذه بسبب عدم احترام أصول الإصدار ومن ثم في قراره الثاني حول الموضوع نفسه أقر بدستورية القانون بعد نشره مجددا في الجريدة الرسمية.
جرّاء ما تقدم، لا بدّ من تحليل قرار مجلس شورى الدولة بإبطال مرسوم الردّ ودراسة تداعياته الدستورية علما أن هذا الأخير ميّز بين مرسوم الردّ وقرار رئيس الحكومة بالتمنّع عن نشر القانون، فاعتبر أن مرسوم ردّ القانون يدخل ضمن فئة الأعمال الحكومية التي لا تخضع لرقابة القضاء الإداري إلا إذا كانت "صادرة بجلاء عن سلطة غير صالحة أو مخالفة بشكلٍ فاضح لأحكام القانون"، بينما التمنع عن نشر القانون "يدخل ضمن فئة الأعمال المنفصلة التي يجوز إجراء الرقابة عليها من قبل القضاء المختص لأسباب تعيبها بحدّ ذاتها بمعزل عن عملية الإصدار أو الردّ التي هي مساهمة الحكومة في العمل التشريعي".
وهكذا ذهب مجلس شورى الدولة إلى اعتبار أنّ رفض رئيس الحكومة حينها إعطاء قرار مجلس الوزراء بإصدار القانون وكالة عن رئيس الجمهورية مفاعيله الدستورية الكاملة عبر نشره في الجريدة الرسمية يشكل عملا منفصلا عن مرسوم الردّ الذي يدخل في المبدأ ضمن فئة الأعمال الحكومية ما يعني "وجوب اعتبار مجلس شورى الدولة صالحاً للنظر في الطعن المقدم بشأن قرار رئيس الحكومة برفض نشر قانون إيجارات الأماكن غير السكنية، لكون القرار المذكور من القرارات الإدارية المنفصلة عن الأعمال الحكومية".
وتابع المجلس تحليله فاعتبر "أن عملية إصدار القوانين من قبل رئيس الجمهورية، وكذلك عملية ردّ القوانين وطلب اعادة النظر بشأنها، يعتبرها مجلس شورى الدولة من الأعمال الحكومية الخارجة عن رقابته القضائية، كونها تندرج ضمن أعمال السلطة التنفيذية المساهمة في الحقل التشريعي وأي رقابة عليها من قبل القضاء تعني التعرّض للعلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية"، وهو بذلك يكرّر الموقف التقليديّ للقضاء الإداريّ في كل من فرنسا ولبنان حول نظريّة الأعمال الحكومية لكنه يضيف "أنّ التحقّق ممّا إذا كانت القرارات المذكورة (قرار رفض توقيع مرسوم إصدار القانون، وقرار ومرسوم اعادة القانون الى مجلس النواب) مشوبة بعيوب فادحة" تسمح للمجلس بممارسة رقابته عليها يجب أن يتم بعد دراسة الأحكام الدستورية المتعلقة بإصدار ورد القوانين "أي في سياق البحث في أساس المراجعة" مما يوجب إعلان اختصاص المجلس للنظر في أساس النزاع كي يتمكن من تحديد ما إذا كان مرسوم الردّ قد صدر عن سلطة غير مختصّة بجلاء أو هو مشوب بعيب دستوريّ فادح، ما يبرّر إبطاله حتى لو كان يدخل ضمن فئة الأعمال الحكومية.
بعد استعراض المواد الدستورية، يعيد مجلس شورى الدولة التذكير بالشرح التقليدي لصلاحية رئيس الجمهورية بإصدار القانون أو ردّه فيعتبر أن تلك الصلاحية هي مقيّدة "لأن الدستور فرض ممارستها ضمن مهلة زمنيّة محدّدة (الشهر) ورتّب على تخلّف رئيس الجمهورية عن ممارسة هذا الموجب وحق اعادة النظر ضمن المهلة المذكورة نتيجةً حكمية تتمثل باعتبار القانون نافذاً حكماً وواجبٌ إصداره ونشره".
ولا بد من الإشارة إلى أن المجلس وفي معرض شرحه لمفهوم إصدار القوانين أخطأ عندما قال "أنه على رئيس الجمهورية إصدار القوانين التي تمّ إقرارها نهائياً من قبَل مجلس النواب، وذلك ضمن مهلة شهر من تاريخ إحالتها إليه من الحكومة" لأن مهلة الشهر تبدأ بالسريان من تاريخ إحالة القانون من مجلس النواب إلى الحكومة وليس إلى رئيس الجمهورية. فالقانون المقرّ في مجلس النواب يُحال أولا إلى رئاسة الحكومة التي تعمد إلى توقيعه ومن ثم تحيله إلى رئيس الجمهورية بغية إصداره ما يعني أن تأخّر رئيس مجلس الوزراء بالتّوقيع على القانون يقلّص فعليّا المهلة الدستوريّة المتبقية لرئيس الجمهورية كي يقرّر إصدار القانون أو إعادته، لا بل يمكن تخيّل انقضاء كلّ هذه المهلة من دون إحالة القانون إلى رئيس الجمهورية ما يعطّل صلاحياته الدستورية في هذا المجال بالكامل.
ويتابع المجلس استعراض التبريرات التقليدية لصلاحية رد القوانين فيعتبر أن ذلك يجد سنده في دور رئيس الجمهورية بالمحافظة على الدستور ما يسمح له بممارسة رقابة شائعة على القوانين إذ يعود له رفض إصدار القانون في حال اعتبر أنه ينطوي على مخالفات دستورية ما يوجب رده إلى البرلمان من أجل إعادة النظر به. كما يضيف أن هذه الصلاحية تستمدّ من عدم مشاركة رئيس الجمهورية، خلافا لأعضاء الحكومة، في المناقشات البرلمانية بحيث يصبح توقيع هذا الأخير بمثابة "مشاركة في المناقشات" وفقا لرأي رئيس مجلس النواب السابق حسين الحسيني الذي يستشهد به مجلس شورى الدولة، وهذا موقف مستغرب بعض الشيء كون رئيس الجمهورية لا يجوز له المشاركة في المناقشات بسبب عدم مسؤوليته السياسيّة ما يعني أن ردّه للقانون ليس مشاركة في المناقشة وإلا يكون إصرار مجلس النواب على القانون الذي رده رئيس الجمهورية من دون الأخذ بأسباب الردّ بمثابة تعرّض لمسؤوليته ونزع للثقة عنه، وهذا لا يستقيم إطلاقا في النظام البرلماني. إذ أنّ رد القانون هو نتيجة لمبدأ الفصل بين السّلطات وليس بسبب عدم مشاركة رئيس الجمهورية في النقاشات.
لكن المجلس يعود ويستشهد بالتجربة الفرنسية كي يستنتج منها "أن إصدار القانون وإعلان وجوده وإعطاءه بالتالي الصيغة التنفيذية يحول دون قيام رئيس الجمهوريّة لاحقاً وبعد فترة وجيزة بتجميده وتعليق نفاذه من خلال المطالبة بإعادة النظر به، وذلك لأنه من غير المنطقي أن يقوم المرجع نفسه الذي أعلن ولادة القانون ضمن الأطر والأحكام الدستورية، في معرض رقابته الشائعة على الدستور، أن ينازع في سياق الرقابة عينها، بعدم صحّة تلك الإجراءات".
ولا شك أن هذا الموقف لا يمكن فهمه إلا في السياق الفرنسي كون الطعن في القوانين أمام المجلس الدستوري الفرنسي يتمّ قبل إصدار القانون ما يعني أن رئيس الجمهورية يمكن له إمّا رد القانون أو الطعن به قبل أن يقوم بإصداره بينما في لبنان الأمر يختلف كليّا لأن الطعن بالقانون لا يتمّ إلا بعد إصدار القانون من قبل رئيس الجمهورية الأمر الذي يضع هذا الأخير في موقف مستغرب إذ يتوجب عليه إصدار القانون أولا ومن ثم الطعن به أي عليه أن يوقع القانون ويعلن موافقته عليه كي يطعن به لاحقًا مبديًا اعتراضه عليه. والحلّ الوحيد المتبقي لرئيس الجمهورية في لبنان هو التمنّع عن إصدار القانون ضمن المهلة الدستورية ما يجعله نافذا حكما بحيث يقوم رئيس الجمهورية بالطعن به بعد نشره خاليا من توقيعه.
ويجانب مجلس شورى الدولة الصواب في شرح المثل الفرنسي عندما يتكلم أن رئيس الجمهورية لا يحق له "تجميد" القانون بعد إصداره بفترة وجيزة من خلال "المطالبة بإعادة النظر فيه". فالقضية في فرنسا كانت تتعلق حينها بقانون حول المساواة في الفرص صدر سنة 2006 لكن رئيس الجمهورية جاك شيراك أعلن في خطاب رسمي بعد توقيعه على القانون أنه سيطلب العمل على تعديله فورا، وإلى حين تحقيق ذلك طلب من الحكومة الامتناع عن تطبيقه[1]. وبالتالي، فإن النصّ الفرنسي الذي يستشهد به المجلس يتكلم عن قانون صدر ويريد رئيس الجمهورية تعليق تطبيقه وليس ردّه إلى البرلمان لإعادة النظر به، ما يجعل كل تلك المقارنة في غير محلها الصحيح، لأن ردّ القانون لا يعتبر تعليقا للقانون كونه لم يصدر أصلا ولا يزال ضمن المسار التشريعي نفسه.
وفي معرض شرحه لوقائع القضية، اعتبر مجلس شورى أن مجلس الوزراء قرّر في جلسته المنعقدة بتاريخ 19/12/2023 إصدار قانون الإيجارات للأماكن غير السكنية، "إلا أنّ رئيس مجلس الوزراء امتنع عن توقيع مرسوم إصدار القانون المذكور، مع العلم أنّ توقيعه على المرسوم المذكور يتمّ مرتين، المرة الأولى بصفته ممثلاً لمجلس الوزراء الذي يمارس صلاحيات رئيس الجمهورية وكالةً، والمرة الثانية بصفته رئيس حكومة يشترك مع رئيس الجمهورية في توقيع مراسيم إصدار القوانين سنداً لأحكام 54 من الدستور اللبناني".
وهكذا يكون مجلس شورى الدولة قد كرس بهذه الإشارة العابرة الممارسة التي أطلقها الرئيس نجيب ميقاتي بعد خلو رئاسة الجمهورية حين أصدر تعميما اعتبر بموجبه أن المراسيم التي يصدرها مجلس الوزراء وكالة عن رئيس الجمهورية يجب أن تحمل توقيع رئيس الحكومة المعتاد وتوقيع الوزراء المختصين إضافة إلى توقيع ثان لرئيس الحكومة بوصفه ممثلا لمجلس الوزراء. وكان الرئيس ميقاتي أصدر هذا التعميم حينها رفضًا لمقولة الميثاقية التي روّج لها البعض والتي تعتبر أن المراسيم يجب أن تحمل توقيع جميع الوزراء في ظل الشغور الرئاسيّ.
الإشكاليات في رد قرارات مجلس الوزراء
ويركّز المجلس على موقف رئيس الحكومة الذي رفض توقيع مرسوم إصدار القانون بعد قرار مجلس الوزراء بإصداره فيعتبر أن ذلك "يشكل تجاوزاً واضحاً لإرادة مجلس الوزراء المعبّر عنها بموجب قراره رقم 5 تاريخ 19/12/2023، وأن قيامه بتاريخ 12/1/2024 مع عدد من الوزراء بالطلب الى مجلس الوزراء إعادة النظر بقراره الصادر بتاريخ 19/12/2023 يتعارض بشكلٍ جسيم مع أحكام المادة 56-2 من الدستور اللبناني التي أعطت لرئيس الجمهورية دون غيره هذا الحق على أن يمارسه ضمن مهلة خمسة عشر يوماً من تاريخ إيداع القرار رئاسة الجمهورية".
ولا شك أن هذا الموقف يظهر فداحة تصرف رئيس الحكومة حينها وهو أمر شددت عليه المفكرة القانونية في كل المقالات التي تناولت هذا الموضوع. لكن المجلس يتابع تحليله إذ هو لا يعالج فقط تمنع رئيس الحكومة عن التوقيع على القانون ورفض نشره لكنه يعالج بشكل دقيق مسألة رد قرار مجلس الوزراء بإصدار القانون فيعتبر أن "صلاحية طلب إعادة النظر بمقررات مجلس الوزراء التي أعطيت لرئيس الجمهورية هي صلاحية منفردة لا يصحّ أن تنتقل وكالةً الى مجلس الوزراء، انطلاقاً من الغاية التي من أجلها أعطي الرئيس هذه الصلاحية . وأنه على سبيل الجدل القانوني ، وعلى فرض التسليم بجواز انتقالها ، فانّ ممارستها وكالةً يجب أن تتمّ من قبل مجلس الوزراء بأجمعه وضمن المهلة المحدّدة دستوراً (أي ال15 يوماً وهي مهلة إسقاط)، الأمر غير الحاصل في القضية الحاضرة".
ولا شكّ أن هذا الموقف يشكّل اجتهادًا بارزًا إذ من نتائجه الاعتراف بأن مجلس الوزراء لا يحقّ له ممارسة جميع صلاحيات رئيس الجمهورية. لكن الأبرز في الأمر هو ذهاب مجلس شورى الدولة في التحليل القانوني إلى مداه الأقصى كونه يعتبر أن رئيس الحكومة لا يحق له ردّ قرار مجلس الوزراء كون تلك الصلاحيات في حال تم التسليم جدلا أنها انتقلت إلى مجلس الوزراء لا يمكن ممارستها إلا من قبل مجلس الوزراء نفسه لا رئيس الحكومة وهو الأمر الذي يخلق إشكاليات منطقية إذ على مجلس الوزراء أن يتخذ قرارا وكالة عن رئيس الجمهورية (لا نعلم من يحق له أن يقترحه عمليا) بردّ القرار وأن يتخذ من ثمّ قرارا ثانيا بوصفه مجلسا للوزراء بالموافقة على طلب الرد الذي اتخذه هو نفسه.
وكانت المفكرة القانونية في مقال قديم قد شرحت الإشكاليات المنطقية في ممارسة مجلس الوزراء لصلاحيات رئيس الجمهورية عند الشغور الرئاسي واعتبرت أن رد قرارات مجلس الوزراء يدخل في الصلاحيات التي من الممتنع انتقالها منطقيّا إلى مجلس الوزراء لأنها لا تحافظ على ثنائية الإرادة، أي إرادة رئيس الجمهورية المنفصلة عن إرادة مجلس الوزراء كونه يتعين على مجلس الوزراء أن يقترح الأمر على نفسه أولا، ومن ثم أن يوافق على ما اقترحه وهو أمر ممتنع منطقيا إذ أن الذي يقترح يكون قد سبق له وأن أبدى موافقته.
ومن نتائج موقف مجلس شورى الدولة الإضاءة على مسألة دستوريّة تتعلّق بطبيعة القرارات التي يردّها رئيس الجمهورية إذ لا بدّ من التمييز بين القرارات النافذة وتلك التي لم تكتمل عناصرها القانونية والتي لم تصبح نافذة بعد. إذ أن الدستور يمنح رئيس الجمهورية صلاحيّات ردّ المراسيم (والقرارات) التي لن تكون قد أصبحت نافذة لأن هذا الأخير لم يصدرها بعد، فهو قرّر ردّها وهي ما زالت دستوريّا تدخل في فئة مشاريع المراسيم. بينما المراسيم (والقرارات) النافذة، أي تلك التي أصدرها رئيس الجمهورية، فإن مجلس الوزراء يمكن له أن يلغيها أو أن يستردّها وفقًا للشروط التي يحددها القانون ويمكن بالتالي لرئيس الحكومة بناء على طلب الوزير المختص أن يضع على جدول أعمال مجلس الوزراء طلبا بإلغاء المراسيم والقرارات النافذة. وهكذا يتبين أن المراسيم والقرارات قبل اكتمال عناصرها الدستورية وإصدارها لا يمكن لأي جهة الطلب من مجلس الوزراء التراجع عنها إلا رئيس الجمهورية، وهو أمر قد يدعو إلى التفكير الدستوري إذ من شأنه منع مجلس الوزراء من التراجع عن أي قرار لم تكتمل عناصره القانونية إلا بطلب من رئيس الجمهورية خلال فترة الإصدار.
لكن النقطة التي لم يعالجها مجلس شورى الدولة هي اصلا استحالة وجود طلب لرد قرار بإصدار القانون كون رئيس الجمهورية هو الذي يقرر دستوريا إصدار القوانين وهو الذي يحقّ له ردّ قرارات مجلس الوزراء ما يعني أن رئيس الجمهورية ليس بإمكانه أن يردّ قرارا اتّخذه هو بنفسه، كونه لا يستطيع إلا أن يردّ قرارات اتّخذها مجلس الوزراء. وبالتالي، عندما يصدر مجلس الوزراء القانون وكالة عن رئيس الجمهورية فإنه يكون قد اتخذ قرارا لا يمكن له أن يردّه لأنّ صاحب الصلاحية الأصيل لا يمكن له أن يتراجع عن إصداره للقانون فكم بالحري الوكيل أي مجلس الوزراء الذي قطعًا لا يمكن له ذلك أيضا.
ويستكمل مجلس شورى الدولة تحليله فيشدّد على مدى خطورة تصرّف رئيس الحكومة بتخلّفه عن التوقيع على إصدار القانون "بصفته مشاركاً مع رئيس الجمهورية في التوقيع عليه سنداً لأحكام المادة 54 من الدستور اللبناني، وذلك بعد أن وافق رئيس الجمهورية – من خلال مجلس الوزراء الذي يمارس صلاحياته وكالةً – على مرسوم الإصدار ، يشكل تجاوزاً فاضحاً لأحكام الدستور لا سيما المادتين 56 و57 منه اللتين جعلتا رئيس الجمهورية – صاحب الصلاحية الأساسية بالإصدار – بموقع السلطة المقيدة في إصدار القانون في حال عدم ممارسته حقّ طلب إعادة النظر ضمن مهلة الشهر، ما يفيد وبحجّة أَولى صلاحية رئيس الحكومة المقيّدة بالتوقيع عند ممارسة رئيس الدولة لصلاحيّة الإصدار".
ولا شكّ أن وصف المجلس تصرّف رئيس الحكومة بالتجاوز الفاضح للدستور يقع كليّا في موقعه الدستوري السليم ويؤدي إلى "الاطاحة بالأحكام الدستورية والمبادئ المستقاة منها والأسس التي يقوم عليها تحديد مهام وصلاحيات أعضاء السلطة التنفيذية، إذ يؤدي فعلياً إلى إعطاء مجلس الوزراء – الذي يمارس صلاحيات رئيس الجمهورية وكالةً – صلاحيات لا تعود أصلاً للمرجع الأصيل – أي لرئيس الجمهورية – ذلك أنّ هذا المجلس بموافقته على الإصدار يكون قد تخلى حكماً عن حق طلب إعادة النظر".
هل تنتقل صلاحية رئيس الجمهورية في ردّ القوانين إلى الحكومة؟
وفي نقطة نهائية، يعتبر المجلس أن طلب اعادة النظر بالقوانين "هو حقّ خاصّ يتفرّد به رئيس الجمهورية ولا يجوز أن ينتقل لسواه من أعضاء السلطة الإجرائية الذين لم يمنحهم الدستور ما يُعرف بسلطة الرقابة الشائعة على دستورية القوانين"، ما يفهم منه أن صلاحية ردّ القوانين لا تنتقل إلى مجلس الوزراء عند شغور رئاسة الجمهورية، وهو اجتهاد يمكن انتقاده كونه يتجاهل تداعيات هكذا أمر على النظام البرلماني الذي أبدى مجلس الشورى حرصه عليه في القرار نفسه. فقد اعتبر هذا الأخير، موافقا بذلك قرارات المجلس الدستوري التي استشهد بها، أن التشريع جائز في ظل الفراغ في رئاسة الجمهورية أو عند وجود حكومة مستقيلة، ما يعني أن مجلس الوزراء يتوجب عليه إصدار القوانين وكالة عن رئيس الجمهورية. لكن القول بأن رد القوانين هي صلاحية منفردة تعود فقط لرئيس الجمهورية يؤدّي إلى الإخلال بمبدأ التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية المكرّس في مقدمة الدستور كون مجلس الوزراء سيصبح ملزمًا بإصدار كل القوانين من دون إمكانية طلب ردها، الأمر الذي من شأنه إضعاف السلطة التنفيذية كثيرا التي ستجد نفسها مكبلة اليدين ولا يمكن لها إلا الخضوع لإرادة مجلس النواب بمجرد إقرار القانون.
وفي حال وضعنا هذه النقطة جانبا، يخلص مجلس شورى الدولة بأن التمنّع عن التوقيع على مرسوم إصدار القانون ومن ثم اتّخاذ قرار ومرسوم بردّه هي قرارات تشكل "مخالفة لقواعد الاختصاص وأحكام الدستور بشكلٍ ساطع وجليّ، فإنه يقتضي إعلان بطلانها بعد ثبوت أنها مشوبة بعيوب فادحة" الأمر الذي يستتبع أيضا "اعتبار قرار عدم نشر القانون مستوجباً الإبطال، وذلك لأنّ عملية نشر القانون هي عملية إجرائية حكمية تتمّ بمجرد إصدار القانون".
مفاعيل إبطال مرسوم الردّ؟
وإذ يكتفي مجلس شورى الدولة بإبطال مرسوم الردّ لكنه لا يشرح تداعيات ذلك على تاريخ نفاذ القانون الذي عملا بالمادة 57 من الدستور يفترض أنه أصبح نافذا حكما بعد شهر من تاريخ إحالته إلى الحكومة الذي تمّ في 18 كانون الأول 2023. فهل أن إبطال مرسوم الرد يستوجب اعتبار أن القانون أصبح نافذا في كانون الثاني 2024؟ وفي الإيجاب ما هو مصير القانون نفسه الذي أصدره رئيس الجمهورية في 14 آب 2025 والذي أقر دستوريته المجلس الدستوري في قراره الثاني؟ وإذا كان القانون على الرغم من انقضاء مهلة إصداره لم يصبح نافذا حكما لعدم نشره ما هو جدوى قرار المجلس اليوم بإبطال القرار بعدم نشر القانون إذا كان ذلك لن يؤدي إلى اعتبار أنه اتخذ صفة النفاذ الحكمي في كانون الثاني من سنة 2024. كذلك الأمر بالنسبة لإبطال قرار رئيس الحكومة بعدم التوقيع على مرسوم إصدار القانون إذ لا يمكن فهم كيفية إرغام هذا الأخير على التوقيع بعد صدور قرار مجلس الشورى في حال افترضنا أن القرار صدر خلال المهلة الدستورية للإصدار.
خلاصة
في النهاية، يمكن القول أن قرار مجلس شورى الدولة غير مسبوق على صعد مختلفة إذ هو يتسم بالجرأة كونه وافق على النظر بمرسوم يدخل في فئة الأعمال الحكومية كما اجتهد في تعريف صلاحيات رئيس الجمهورية المنفردة هذا فضلا عن قراره بإبطال تصرف رئيس الحكومة برفض توقيع مرسوم الإصدار والتمنع عن نشر القانون ووصفه هذا التصرف بأنه قرار يفتح الباب في المستقبل للطعن بتمنع رئيس الحكومة أو أي وزير على التوقيع مثلا على مراسيم وافق عليها مجلس الوزراء الأمر الذي يطرح تساؤلات كبيرة حول تداعيات ذلك على النظام الدستوري في لبنان.
[1] Gicquel, J.-É. (2006). La promulgation-suspension de la loi. Revue du droit public, Mai(3), 568-574. https://droit.cairn.info/revue-revue-du-droit-public-2006-3-page-568?lang=fr.