مذكّرة حقوقية بشأن قانون العفو العامّ: مسعى للنفاذ ولو من باب ضيّق

المفكرة القانونية

26/09/2026

انشر المقال

تبعا لإعلان المفكرة القانونية عن تقديم مذكرتها بشأن قانون العفو العام إلى المجلس الدستوري، وردتنا أسئلة عدة حول الصفة التي تملكها لتقديم مذكّرات من هذا النوع، وخصوصًا أن الدستور حصر الطعن أمام المجلس الدستوري بالرؤساء والنواب (10 على الأقل) من دون أن يكون للمواطنين أو للمنظّمات أيّ صفة لذلك. وفي الواقع، كانت المفكرة قد نشرت مبرراتها لتقديم مذكرات مماثلة منذ أكثر من عشر سنوات بعد تقدمها بمذكّرتها الأولى أمام المجلس الدستوريّ (2015)، وذلك في سياق الطّعن المقدّم بشأن قانون استعادة الجنسية اللبنانية. 

وعليه، ومع الإحالة مجدّدا إلى هذا المقال المذكور للباحثين ميريام مهنا وجنى بكار، يهمنا أن نوضح الآتي: 

أولا، ممارسة تسعى "المفكرة" إلى إرسائها منذ 2015

أول ما يجدر التنبيه إليه هو أنها ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها "المفكرة" إلى تقديم مذكرة إلى المجلس الدستوري في مناسبة الطعون في دستورية القوانين المقدمة إليه. 

وبالفعل، قدمت حتى الآن المفكرة مذكرات مماثلة في 3 مناسبات مختلفة وذلك سعيا للإضاءة على مسائل دستورية بالغة الأهمية من وجهة نظرها. هذه المذكرات هي على التوالي:

  • مذكرة حول قانون استعادة الجنسية اللبنانية وقد قدمتها بمعية جمعية مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل على التنوع (المبادرة لإطلاق حملة جنسيتي حقّ لي ولأسرتي الإقليمية) في 28/12/2015، وذلك بمناسبة الطعن الذي قدمه نواب اللقاء الديمقراطي على هذا القانون. وقد دعتْ فيها المجلس الدستوري إلى إعمال رقابته على مسألة لم يذكرها الطعن إطلاقا، وهي استعادة التمييز ضد النساء من خلال منح إمكانية استعادة الجنسية للمتحدرين من الذكور اللبنانيين حصرا. 
  • ومذكرة ثانية حول قانون متعلّق بتسوية مخالفات الأملاك البحرية وقد قدمت في 11/9/2017. وقد تقدم حينذاك عشرة نواب بطعن أمام المجلس الدستوري بالقانون رقم 45، تطرّق إلى مسائل ضريبية  من دون أيّ إشارة إلى المواد المتّصلة بتسوية المخالفات البحرية، وهي المواد الأكثر خطورة والتي تطرح مسائل دستورية بالغة الأهمية. وعليه، رأت المفكرة ضرورة في لفت نظر المجلس الدستوري إلى المخاطر التي يرشح عنها هذا القانون.  
  • ومذكرة ثالثة حول قانون الموازنة العامة 2018 وقد قدمت في 9/5/2018. في هذا المجال، وتبعًا لتقديم طعن في قانون الموازنة، عمدت المفكرة أيضًا إلى تقديم مذكرة إلى المجلس الدستوري للفت أنظار المجلس إلى عدد من المخالفات الدستورية بقيت هامشية أو مكتومة في الطعن بالأخصّ لناحية المسّ بمبادئ المساواة الضريبية والعدالة الاجتماعية.

آنذاك، وإذ قصد خبراء المفكرة القانونية المجلس الدستوري لتقديم هذه المراجعات، جوبهوا برفض استلامها بحجة أن أصول عمل المجلس الدستوري لا تفتح الباب أمام هذه الإمكانية، مع دعوتهم إلى نشرها على موقعها. وهذا ما تمّ وما وجد طريقه إلى قرارات المجلس أو على الأقلّ الآراء المخالفة لأعضائه في هذه الطعون وفق ما نعود إليه أدناه.  

الجديد هذه المرة، أن رئيس المجلس الدستوري قد أمر بتوريد المذكرة المقدّمة من المفكرة القانونيّة رسميًّا على نحو يعكس تحولًا لدى المجلس نحو الانفتاح على تلقّي آراء من المنظمات الحقوقيّة وبشكل أعمّ الكيانات المعنيّة بشأن الطعون المقدمة لديه.

ثانيا: الباب الضيق كتعويض عن إغلاق الباب الواسع  

ثاني ما يجدر التّركيز عليه، هو أنّ تقديم مذكرات المفكرة القانونية إلى المجلس الدستوري في السّنوات السّابقة كما في سياق الطّعن المقدّم ضد قانون العفو العامّ، إنّما أتى تبعا لتسجيل طعون في دستورية القوانين لدى هذا المجلس، أي بعد انعقاد اختصاصه للنظر في دستورية القانون المطعون فيه. فلو لم يطعن هؤلاء في القانون، لما كان انعقد اختصاص المجلس ولما كان للمفكرة أو لأي كان إبداء أي رأي أمامه. أما وأن الطعن قد حصل، فإنه يكون للمجلس الدستوري صلاحيّة شاملة في فحص دستورية أي بند ورد في القانون المطعون فيه حتى ولو لم يشر الطعن إليه. بمعنى أنّ المجلس الدستوري لا يتقيّد في هذه الحالة بما أثارتْه الجهة الطاعنة، بل يبقى معنيّا بأي مسألة جدّية حول دستورية القانون، أيّا كان مصدرها، كون المراقبة الدستورية تهدف إلى تحقيق مصلحة عامة. ومن شأن ذلك بحدّ ذاته أن يخول المجلس الدستوري التوسع والتحري في هذا الشأن وضمنًا الاستماع إلى كل من يراه مناسبا لهذه الغاية، "الكيانات الإجتماعية التي ترمي إلى حماية مصالح جماعية ومتشعبة، والتي تتضمن بالطبع الجمعيات التمثيلية لمصالح فئة ما (مهنية) أو لحقوق أقلّية ما (...)، وكذلك الجمعيات التي تروّج لقضية ما وتدافع عن حقوق الإنسان (…)". كما من شأن ذلك أن يعطي مشروعية لأيّ من هذه الكيانات (ومنها المفكرة) في "المساهمة في أهداف الرقابة الدستورية". 

وعليه، فإن تقديم المذكرة لا يشكّل خروجًا عن النصّ الدستوريّ الذي يحصر ملكة الطّعن في الرؤساء والنوّاب، إنما يشكّل عملًا مكمّلًا لهذه الطعون، يستمد مشروعيته من انعقاد اختصاص المجلس الدستوري وشمولية رقابته. وبكلمة أخرى، هو مسعى للتّعويض عن إغلاق باب الطّعن في القوانين في وجه غير الرؤساء والنواب، من خلال فتح كوّة صغيرة تجيز للقوى الاجتماعية وأصحاب الشأن والاختصاص الاستفادة من وجود الطعون لإبداء آرائهم. بمعنى أنه تعويض يؤدي إلى فتح كوة أو أبواب ضيقة في نظام ما زال يوصد الأبواب الواسعة أمام الطعون الدستورية.         

وهذا ما كان ذهب إليه المجلس الدستوري في فرنسا من خلال قبوله للمذكّرات المقدّمة من منظمات حقوقية ونقابات مهنية رغم صمت النصوص المنشئة له في أوائل الثمانينات؛ وهو الاتجاه الذي وصفه الفقهاء الفرنسيون ب "سياسة الأبواب الضيقة"، بمعنى أن للمواطنين والهيئات المدنية تقديم مذكرات حول دستورية أو عدم دستورية القوانين المطعون فيها، وإن منع عليهم الطعن في دستورية القانون مباشرة. وفي سياق تعليقه، أجاب العلامة الدستوري والعضو السابق في المجلس الدستوري الفرنسي Georges Vedel على التساؤلات المطروحة حول قبول المجلس تلك المذكرات بغياب أي نص قانوني يجيزه، وهي نفس التساؤلات التي تطرح اليوم بعد توريد المجلس مذكرة المفكرة القانونية بقوله: "إن رفض هذه المذكرات كان ليكون خطأً ولغطاً. خطأً لأنه كان ليعني التخليّ عن إمكانية الاجتهاد وتأمين الظروف الملائمة لإجراء تحقيق وجاهي لم يلحظه القانون دون أن يمنعه". 

ثالثا: المذكرات تثري عمل المجلس الدستوري وتعزز مشروعيته

أخيرًا، تجدر الإشارة إلى النتائج الإيجابية لقبول تقديم مذكرات من أصحاب الشأن والاختصاص على صعيد انفتاح المجلس الدستوري على المجتمع وإثراء عمله وتعزيز مشروعيته، وهي إيجابيات تتجاوز بكثير ما قد ينشأ عن هذه الممارسة من سلبيات، وبخاصة لجهة خطر إغراقه بكمّ كبير من المذكّرات، من دون أن تكون لديه موارد بشرية كافية لتقييم مضمونها. 

وهذا ما أكد عليه فيديل في معرض تعداده منافع فتح الباب على هذا الوجه وفضائله: 

فعدا عن أنه يرشح عنه من تحفيز للمواطنين على بلورة آرائهم بشأن دستورية القانون، فإن من شأنه أن يعزز قدرة المجلس في الإحاطة بعدم دستورية أحكام لم تتمّ إثارتها في الطعن. إذ غالبا ما تكون الهيئات المتخصّصة هي الوحيدة القادرة بما تملكه من معطيات اقتصادية وتقنية ومعرفة على تقديم "مساهمة شاملة ومتكاملة في تعليل القاضي، من خلال المعلومات والوقائع والمعطيات المتصلة بالمصالح التي تدافع عنها (…)". وهذا ما ينطبق تماما على حالة المذكرة المقدمة في إطار الطعن في قانون العفو العام، حيث تجمع المفكرة القانونية إلى جانب معرفتها الحقوقية، خبرتها في مراقبة العمل البرلماني ورصده. وهذا ما تمثل بشكل خاص في كونها الجهة الوحيدة التي تمكنت بفعل رصدها من الكشف عن حصول تزوير في ستّ مواد من قانون العفو العام. 

فضلا عن ذلك، فإنّ فتح الأبواب يهدف وفق فيديل إلى تعزيز مشروعية القرار، كون مشاركة الهيئات المدافعة عن المصالح العامة في المراجعات الدستورية تعطي شرعية وقبولًا أكبر لقرار المجلس من قبل المجتمع، خاصة في الأنظمة الديموقراطية. إذ "إن وصول الجمعيات والمجموعات إلى القضاء الدستوري يلبي أيضًا حاجة في الديمقراطية التعددية، بإعطاء الصوت لمختلف الحقوق والمصالح التي تشكل المجتمع، في المكان المكرّس لحماية الدستور (…). إن هذه المكونات الاجتماعية تشكل بالفعل الوسيط للمواطنين للمشاركة في الحياة العامة. فمن خلال تلك المكونات، يحصل المواطنون على المعلومة ويعلمون الرأي العام، ويروّجون لقضية ما أو لحقوق جديدة، ويدافعون عن حقوقهم الشخصية بوجه التعديات المحتملة من السلطة العامة". بمعنى أن من شأن إعطاء الصوت لهؤلاء أن يضمن حرص المحاكم الدستورية عند تفسير الدستور "على عدم سحق مصالح وحقوق الأقليات ذات القيمة الدستورية، بفعل خيارات سياسية تم تبنيها شرعياً من قبل الأكثرية".  وقد تجلى ذلك تبعا في نجاح المفكرة في تنبيه المجلس الدستوري في إطار نظره في الطعن في قانون استعادة الجنسية على خطورة إعادة إنتاج التمييز بحق النساء (وهو تمييز لم تتطرق إليه الجهة الطاعنة)؛ وهو الأمر الذي تجلى في الرأي المخالف الذي أصدره العضو الراحل طارق زيادة بوجوب إبطال القانون على خلفية المس بمبدأ المساواة بين المواطنين. كما أنه تجلى أيضا في نجاح المفكرة في تنبيه المجلس الدستوري في إطار نظره في الطعن في القانون رقم 45/2017 (استحداث ضرائب من أجل تمويل الزيادات على سلسلة الرتب والرواتب) إلى مسألة معالجة التعديات على الأملاك البحرية (وهي مسألة لم تثرها قط الجهة الطاعنة)، وهو الأمر الذي تجلى في قرار المجلس بإبطال القانون برمته لأسباب عدة، من بينها عدم دستورية النص المتصل بمعالجة التعديات على الأملاك البحرية.