سلام ومنسّى

إشكاليات دستورية في منع رئيس الحكومة وزير الدفاع من مخاطبة البرلمان

وسام اللحام

11/08/2026

انشر المقال

قبيل انعقاد مجلس النوّاب في جلسة اليوم الثلاثاء 11 آب تناقلت وسائل الإعلام خبرًا مفاده حصول خلاف حاد بين رئيس الحكومة نوّاف سلام ووزير الدفاع ميشال منسّى إذ أراد هذا الأخير إلقاء كلمة يتناول فيها موضوع العفو العام وتداعياته على الجيش اللبناني بينما رفض رئيس الحكومة هذا الأمر معتبرًا أنّه الوحيد المخوّل التعبير عن موقف الحكومة. وقد انتهى هذا الخلاف بانسحاب وزير الدفاع ومقاطعته للجلسة التشريعية.

 

وبغضّ النظر عن الظروف التي أحاطت بهذا الخلاف وأسبابه، كان لا بدّ من معالجة هذه المسألة نظرًا لأهميتها الدستورية إذ هي تطرح إشكاليات نظرية وتضع مجموعة من المبادئ التي يقوم عليها النظام البرلماني موضع اختبار.

 

تنصّ المادة 67 من الدستور اللبناني على التالي: "للوزراء أن يحضروا إلى المجلس أنّى شاؤوا وأن يسمعوا عندما يطلبون الكلام ولهم أن يستعينوا بمن يرون من عمال إدارتهم". ويجد هذا النص مصدره في المادة السادسة[1] من القانون الدستوري الصادر في 16 تموز 1875 خلال الجمهورية الثالثة في فرنسا.

 

ولا شكّ أنّ هذا النصّ لا يمكن فهمه إلّا انطلاقًا من طبيعة النظام البرلماني الذي يقوم على الفصل بين السلطات وتوازنها. فالحكومة يحقّ لها الدفاع عن سياستها أمام البرلمان وشرح وجهة نظرها في كل القوانين التي تتم مناقشتها. لذلك كان من الضروري تمكين الوزراء من الحضور والمشاركة في جلسات مجلس النوّاب ليس فقط لأنّهم يمثلون السلطة التنفيذية التي ستتولى تطبيق القوانين، لكن أيضًا بحكم مسؤوليتهم السياسية أمام أعضاء البرلمان إذ يحقّ للمجلس محاسبتهم وسحب الثقة منهم، ما يعني أنّ مسؤولية الحكومة تستتبع حكمًا حقها في الدفاع عن نفسها أمام ممثلي الشعب. وهذا لا يمكن أن يتم في حال تمّ منع الوزراء من الدخول إلى البرلمان.

 

وهكذا يقوم النظام البرلماني على الفصل المرن بين السلطات أي أن هذا الفصل لا يمنع التعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية بينما النظام الرئاسي يقوم على الفصل الجامد بين السلطات إذ يمنع مثلا في الولايات المتحدة الأمريكية دخول الوزراء بصفتهم تلك إلى مجلسي الشيوخ والممثلين.

 

جراء ما تقدم، يصبح جليًا أنّ المادة 67 تمنح الوزير حقا لا يمكن إنكاره لمخاطبة النواب؛ لكن هذا الحق يشكل قيدا على البرلمان الذي لا يمكن له منع الوزير من التعبير عن رأيه، أي أن المادة 67 تتعلق بمبدأ التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وهي لا تخص العلاقة بين الوزراء أي بين مختلف أعضاء السلطة التنفيذية. فالخلاف بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع لا يطرح في الحقيقة مسألة التوازن بين الحكومة ومجلس النواب بل هو يثير إشكالية مختلفة تختص بطبيعة العلاقة بين أركان السلطة التنفيذية.

 

وقد جرى تكريس مبدأ حرية الوزير في التكلم في النظام الداخلي القديم الصادر سنة 1930، وهو في الحقيقة يستعيد بغالبيته أحكام النظام الداخلي لمجلس النواب الفرنسي خلال الجمهورية الثالثة (1875-1940)، إذ نصت المادة 62 منه على شروط من أجل ترتيب الأسبقية في الكلام لطالبي الكلام لكن مع استثناء الوزراء وفقا للتالي: "وعلى كل حال فالوزراء والمتكلمون باسمهم من رؤساء الدوائر ورؤساء اللجان والمقررون المولجون بذلك من قبل اللجان غير مقيدين بهذا الترتيب فإن لهم الحق دائماً في أخذ الكلام اثناء المناقشة كلما طلبوا ذلك ولا يحق إلا لنائب واحد أن يتكلم بعد المتكلم باسم الحكومة أو بعد المتكلم باسم اللجنة التي نظرت في المشروع المطروح للمناقشة وذلك ليعارض أقوالها".

 

ويعلن "أوجين بيار" أن الوزير يمكن له متى شاء أن يخاطب البرلمان إذ يحق له عفويا أن يعتلي المنبر ويدلي بموقفه في جميع القضايا التي تهم الرأي العام، أي من دون الحاجة إلى تسجيل طلب مسبق برغبتهم بالتكلم.

 

لكن السؤال الأهم يتعلق بمدى جواز أن يخاطب الوزير مجلس النوّاب باسمه الشخصي. فهل أن مبدأ التضامن الوزاري المكرّس في المادة 66 من الدستور يمنع على هؤلاء مخاطبة النواب باسمهم الشخصي إذ لا يحق له إلّا التعبير عن موقف الحكومة في جميع المسائل؟ وقد أجاب "أوجين بيار" أيضًا على هذا السؤال فاعتبر أنّ مبدأ التضامن الوزاري لا يمنع الوزير من التكلّم باسمه الشخصي لأنّ هذا المبدأ لا يفترض وجود رأي مشترك لجميع الوزراء بخصوص جميع القضايا. لا بل أنّ الوزير يحقّ له الاختلاف علنًا أمام النوّاب ليس فقط مع وزير آخر لكن أيضًا مع غالبية الوزراء ومعارضتهم. والسبب وراء ذلك أنّ الحكومة تظل في هذه الحالة محايدة إذ هي لم تعبر رسميًا عن موقفها ما يعني أنّ موقف الوزير لا يمس بمبدأ التضامن الوزاري[2].

 

ولا شك أنّ هذه المقاربة هي سليمة لأن المسؤولية السياسية لا تتعلق بالحكومة فقط لكنها تشمل الوزراء إفراديًا، أي أن مجلس النواب يمكن له أن يطرح الثقة بوزير واحد فقط دون الحكومة برمتها. بالتالي، الوزير الذي يقرر أن يخاطب المجلس باسمه الشخصي يكون في الوقت نفسه يخاطر بمسؤوليته السياسية وهذا حق لا يمكن إنكاره عليه.

 

لكن هذه المقاربة تختلف في حال أراد الوزير أن يعارض موقف الحكومة الرسمي كون ذلك يشكل مخالفة لمبدأ التضامن الوزاري. وتنصّ المادة 64 من الدستور على أنّ رئيس الحكومة هو الذي يتكلّم باسم هذه الأخيرة ويعتبر مسؤولًا عن تنفيذ سياسة مجلس الوزراء. وهذا أمر بديهي في النظام البرلماني لكن ذلك لا يعني أنّ رئيس الحكومة يمكن له دستوريًا أن يمنع الوزير من التعبير عن رأيه أمام مجلس النوّاب. ففي حال قرر وزير ما معارضة موقف الحكومة يكون في الحقيقة قد عرّض نفسه للعقوبة السياسية التي تتمثل في إمكانية إقالته. ومن حق رئيس الحكومة المطالبة بإقالة الوزير لكن ذلك يتعلق باعتبارات سياسية لا يمكن التحكم بها لا سيما في لبنان إذ أصبحت آلية اقالة الوزراء بعد اتفاق الطائف صعبة جدا كونها تتطلب صدور مرسوم عن رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة لكن بعد الحصول على موافقة ثلثي الوزراء وهو شرط لا يمكن أن يتحقق بسهولة. 

 

فرئيس الحكومة هو في النظام البرلماني الرئيس السياسي للوزراء وليس رئيسهم الإداري، أي أنّه لا يحق له أن يوجّه لهم أوامر ملزمة من الناحية القانونية كتلك التي توجد في السلطة الهرمية بين الرئيس والمرؤوس. لذلك لا بد من التساؤل هنا: هل أنّ مجلس الوزراء قبل جلسة مجلس النواب اتخذ موقفًا رسميًا بخصوص قانون العفو؟ وهل أن رئيس الحكومة كان فقط يقوم بالتعبير عن هذا الموقف؟ فهذا الأخير يحق له التكلم باسم الحكومة لكن ليس عنها، أي أنه يعبر عن القرارات التي تتخذها الحكومة بعد التداول بشأنها ولا يحق له أن يحلّ مكان الحكومة في حال لم تكن قد اتخذت أي موقف في القضية. وما يزيد هذه الأسئلة إلحاحًا هو أنّ ما ورد على جدول أعمال الهيئة العامة هو اقتراح نيابي (مبادرة نيابية) وليس مشروعًا حكوميًا وأنّه لم يعلن في أي وقت من الأوقات أنّ الحكومة ناقشت اقتراح العفو العام أو وافقت عليه. 

 

في الخلاصة، إن إصرار وزير الدفاع على مخاطبة النواب يعرضه للمحاسبة السياسية في حال أراد أن يتخذ موقفا معارضا لسياسة الحكومة كونه يخالف مبدأ التضامن الوزاري ما يشكل خرقا لمبادئ النظام البرلماني المكرسة في الدستور. لكن رئيس الحكومة لا يحق له منع الوزير حتى لو أراد معارضة موقف الحكومة إذ جلّ ما يمكنه فعله هو الإعلان أن الوزير يخالف رأي الحكومة وأن يدعو مجلس النواب إلى تجاهل موقف الوزير أو حتى سحب الثقة منه. لا بل أن رئيس الحكومة يمكن أن يهدد بالاستقالة في حال رفض مجلس النواب سحب الثقة من الوزير المعني كما يعود له الاستقالة في حال رفض مجلس الوزراء طلبه باقالة هذا الوزير.   

 

[1] Les ministres ont leur entrée dans les deux chambres et doivent être entendus quand ils le demandent. Ils peuvent se faire assister par des commissaires désignés, pour la discussion d'un projet de loi déterminé, par décret du Président de la République.

 

[2] “Un ministre peut obtenir la parole en son nom personnel. Le principe de la solidarité ministérielle inscrit dans l’article 6 de la loi du 16 juillet 1875 n’oblige pas le cabinet à avoir une opinion commune sur toutes les questions soulevées ; l’un des ministres peut être autorisé à combattre à la tribune l’avis exprimé par quelques-uns de ses collègues, voire même par la majorité de ses collègues, le cabinet en ce cas restant neutre dans la question et ne donnant pas d’avis à la Chambre” (Eugène Pierre, Traité de droit politique électoral et parlementaire, p. 767).