محطة قطار الكارنتيا (تصوير لمياء الساحلي)

اقتراح لحماية عقارات سكك الحديد: كيف نحفظ حقّ المجتمع بـ"القطار" مستقبلا؟

لين أيوب

08/08/2026

انشر المقال

أعادت قضية بيع عقار في المدوّر، تدّعي مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك أنّه استُملك لمصلحتها، تسليط الضوء على واقع التعديات التي تطال عقارات سكك الحديد، وعلى هشاشة الضمانات القانونية المحيطة بها. ففيما كشف قرار ديوان المحاسبة في هذه القضية عن ممارسات فساد أفضت إلى تجريد عقار يُعتقد أنه كان مخصّصا للمصلحة من صفته كملكٍ عامّ وصولاً إلى بيعه بوصفه "فضلة"، برز اقتراح القانون المقدّم من النائبين ياسين ياسين وبولا يعقوبيان في 27/5/2025، بالتعاون مع جمعية "تران تران"، في محاولة لتوفير حماية تشريعية أشدّ لهذه العقارات.

وللتذكير، كان ديوان المحاسبة قد أصدر في 12/2/2026 قرارًا نهائيًا ثبّت فيه مخالفات ماليّة بحقّ القيّمين على بلدية بيروت على خلفية بيع العقار إلى شركة مملوكة من بنك بيروت، قبل أن يصدر مجلس شورى الدولة، بعد أسبوع، قرارًا في المراجعة المقدّمة من مصلحة سكك الحديد توصّل فيه، خلافًا للديوان، إلى تثبيت ملكية بلدية بيروت للعقار، من دون أن يتناول المخالفات التي شابت عملية إسقاطه من الأملاك العامة وبيعه، والتي اعتبرها الديوان هدرًا للمال العام.

وفي هذا السّياق، يسعى الاقتراح إلى اعتبار عقارات السّكك الحديديّة من الأملاك العامّة غير القابلة للبيع أو التنازل أو الحجز ومنع أي تملّك مكتسب أو استيلاء بالتقادم عليها، إضافةً إلى تمكين البلديات والجمعيات الأهلية من الإشغال المؤقت المضبوط للعقارات غير المستغلّة لمدّة تصل إلى 5 سنوات وفقط بهدف تشييد حدائق عامّة، بشكل يخدم المصلحة العامّة من دون التأثير على حقّ الدولة في إعادة تشغيل القطاع. هذا ويلزم الاقتراح وزارة الأشغال عبر مصلحة سكك الحديد بإجراء مسحٍ وطنيّ شامل لعقارات ومنشآت المصلحة وإنشاء سجل وطني علني يُحدَّث دوريًا، ويستحدث لجنة رقابية لمتابعة تطبيق أحكام القانون، إلى جانب تنظيم شروط الإشغال المؤقت وفرض عقوبات تصل إلى 3 سنوات حبس على أي "مخالفة:، وذلك بهدف تعزيز الرقابة والمحاسبة البرلمانية والإدارية وحماية ما تبقّى من هذا المرفق العام.

وبحسب الأسباب الموجبة، ينطلق الاقتراح من اعتبار شبكات السكك الحديدية، بما تضمّه من عقارات ومنشآت، مرفقًا عامًا ذا طابع استراتيجي وأحد المقومات الأساسية للبنية التحتية للنقل في لبنان. إلا أنّ عقودًا من الحرب والإهمال المؤسسي، إلى جانب التعديات المتكررة والاستخدامات غير القانونية لهذه العقارات، أدّت إلى تقويض هذا المرفق وعرقلة إمكان إعادة تشغيله مستقبلًا. ومن هذا المنطلق، يستلهم الاقتراح تجربة "الاحتفاظ بخطوط السكك الحديدية" (Railbanking) المعتمدة في الولايات المتحدة الأميركية، والتي تقوم على الحفاظ على ممرات السكك الحديدية من خلال تجميد استخدامها مؤقتًا مع ضمان إمكانية إعادة تشغيلها مستقبلاً.

وبعد أكثر من سنة على تقديم الاقتراح، وضعت الحكومة وتحديدًا وزارتي المالية والداخلية ملاحظاتها عليه مرفقة إيّاها برأي هيئة الاستشارات والتشريع. وقد اعترضت وزارة الماليّة على إنشاء سجل عقاري وطني مستقل لعقارات السكك الحديدية، معتبرةً أنه يرتّب أعباءً مالية غير مبرّرة، وقد ارفقت رأيها برأي مطابق لمديرية الشؤون العقارية تضمن قائمة كاملة للعقارات المملوكة من مصلحة السكك الحديدية. أما وزارة الداخلية فقد اكتفت بالإشارة إلى أن الاقتراح لا يرتبط مباشرة بصلاحيات البلديات، مقترحة تعديل آلية احتساب الغرامات وربطها بمساحة التعدّي.

ومن جهتها، خلصت هيئة الاستشارات والتشريع إلى أنه لا توجد حاجة فعليّة إلى هذا الاقتراح، على خلفيّة أنّ معظم الأحكام التي يتضمّنها ليست سوى إعادة تأكيد للقواعد القانونية التي ترعى الأملاك العامة وتتمتع بها عقارات السكك الحديدية أصلًا. 

إلا أنّ قضية المدور تفرض مقاربة مختلفة. فإذا كانت هذه الحماية قائمة بالفعل، فكيف أمكن التصرّف بعقار تدّعي مصلحة سكك الحديد أنّه استُملك لمصلحتها؟ وهل تكمن المشكلة في غياب النصوص، أم في وجود ثغرات تسمح بإخراج بعض هذه العقارات من نطاق الحماية المقررة للأملاك العامة؟

وعليه، يستدعي الاقتراح الملاحظات الآتية:

حدود الضمانات القانونية على ضوء التجربة

للوهلة الأولى، يبدو رأي هيئة الاستشارات والتشريع صائبًا لجهة أنّ غايات الاقتراح مؤمّنة بمعظمها بموجب عدد من النصوص القانونية. إذّ أنّ عقارات مصلحة سكك الحديد تُعدّ صراحة من الأملاك العامة بموجب القرار رقم 144/1925، وهي تتمتع بذلك، كسائر الأملاك العامة، بحماية قانونية تحول دون إمكانية اكتساب أيّ حقّ عيني عليها وبالتالي لا يجوز بيعها أو الحجز عليها أو اكتسابها بمرور الزمن أو التصرف بها. وقد أعاد رأي هيئة الاستشارات والتشريع التأكيد على أنّ عدم إمكانية الدولة أو أي شخص معنوي من القانون العامّة إن كانت مؤسسة عامّة أو بلدية نقل ملكية الأملاك العامّة، وضمنها سكك الحديد، بل فقط الترخيص باستعمالها لفترة زمنية محددة (سنة كحدّ أقصى) من خلال عقود إدارية خاصّة مثل الإشغال المؤقت. وعليه، فإنّ إعادة النص على هذه المبادئ في المادة الثانية من الاقتراح لا تضيف ضمانات قانونية جديدة. 

إلا أنّ هذا النقاش يغفل الإشكالية التي كشفتها قضية المدوّر. إذ أن الخطر على سكك الحديد لا يكمن في إمكانية بيع الملك العام بصفته هذه، بالأخصّ أنّ القانون يمنع ذلك أصلًا، بل في إمكانية تجريده من صفته كملك عام، تمهيدًا للتصرّف به باعتباره ملكًا خاصًا، كما حصل عند إسقاط عقار المدور إلى ملك خاص وبيعه باعتباره "فضلة". ومن هذه الزاوية، تبرز حاجة فعلية وحقيقية إلى منع إعادة النظر في طبيعة أملاك المصلحة وتاليا الالتفاف على الأحكام الناظمة للأملاك العامة، وتحديدا منع إسقاط أي من أملاكها من الملك العام إلى الملك الخاص، وذلك حفظًا لمقومات إعادة تسيير مرفق السكك الحديدية.  

وتنسحب الملاحظة نفسها على موضوع تنظيم الإشغال المؤقت. ففيما اعتبرت هيئة الاستشارات والتشريع أنّ النص على خضوع الإشغال لقانون الشراء العام هو تكرار للقواعد العامّة، تكشف الممارسات على أرض الواقع عن التفاف منتظم حول هذه القواعد. فقد سبق للمفكرة القانونية أن وثّقت اعتماد مصلحة سكك الحديد مسارًا مختلفًا يقوم على منح "إشغالات مؤقتة لقاء بدل" استنادًا إلى قانون إنشاء المؤسسة العامة، من دون الحاجة للذهاب إلى قانون الشراء العام، بخاصة عند تقديمها الخدمات للمواطنين لقاء بدل أو تعرفة ثابتة، باعتبارها "خدمات" لا عقودًا خاضعة للمنافسة. وقد أثار هذا التوجه اعتراضات حقوقية وقضائية واسعة، اعتبرت أنّ أي إشغال لملك عام لقاء بدل يخضع بطبيعته لقانون الشراء العام، مهما اختلفت التسميّة المُعتمدة له. ومن هذه الزاوية، لا تكمن المشكلة في الإشارة إلى قانون الشراء العام، بل في استمرار وجود تفسير إداري ينازع أصلًا في ضرورة تطبيقه وبالأخصّ لدى مصلحة سكك الحديد. وعليه، كان يجدر العمل على حسم هذا الجدل صراحة عبر منع أي استعمال للإشغال المؤقت أو "الخدمة لقاء بدل" كوسيلة للالتفاف على قواعد الشفافية والمنافسة. 

أمر آخر يثير الاهتمام وقوامه حصر غاية الإشغال المؤقت للعقارات بإنشاء حدائق عامة. ففيما يكتسي هذا الحصر أهمية فائقة في المدن المكتظة والتي تقل فيها المساحات العامة وخصوصا الخضراء، إلا أنه قد لا يكون دوما الاستخدام الأفضل في المناطق الريفية أو سواها. وكان من الحريّ بمقدّمي الاقتراح أن يشترطوا تخصيص الإشغال لمشروعٍ ذي صفة عامّة أو نفع عامّ.     

إلا أنه يلحظ بالمقابل أنّ الاقتراح يذهب بصورة غير مفهومة في بعض موادّه إلى إضعاف الحماية القانونية لعقارات المصلحة، من خلال تسويغ اتفاقات على إشغالها لمدة تصل إلى خمس سنوات (فيما أن القرار 144 لا يسمح بأي تعاقد لمدة تتجاوز سنة). 

الشفافية الواجبة درءًا لسوء التصرّف 

في المقابل، لا تبدو ملاحظات وزارة الماليّة مُقنعة في ما يتعلق برفض إنشاء سجل وطني لعقارات سكك الحديد بحجة أن المعلومات العقارية متوافرة أصلًا لدى أمانات السجل العقاري، وأنه يمكن الاستحصال على إفادات عقارية عند الحاجة. ففي الواقع، الإفادات العقارية لا تحلّ محلّ جردة وطنية شاملة للعقارات التابعة لسكك الحديد، ولا توفر قاعدة بيانات موحدة وعلانية تضم جميع العقارات والمنشآت التابعة للمصلحة، ولا تسمح بتتبع أوضاعها بصورة دورية وبالأخصّ تلك المشغولة منها. 

وقد أظهرت قضية المدوّر، كما سواها من ملفات التعديات على أملاك السكك الحديدية، أن غياب قاعدة معلومات علنية ومحدثة يسهل ضياع المعطيات المتعلقة بهذه الأملاك ويضعف الرقابة عليها. ومن المهمّ التذكير أنّ مجلس شورى الدولة أصدر قراره في قضيّة عقار المدوّر بإعلان أحقيّة بلديّة بيروت في التصرّف به من دون أن تكتمل المعلومات لديه بشأن وضعيّته القانونية، بفعل سوء توثيق المعلومات والنقص في الشفافية والتعاون مع الهيئات القضائية. وليس أدلّ على ذلك من أن الدولة امتنعت عن تنفيذ قراره بإبراز الملف الإداري للاستملاك الحاصل في 1949 ومشتملاته، وأن مصلحة سكة الحديد امتنعت عن تقديم الخرائط والمستندات المطلوبة لإثبات ادّعائها. إذ أن عدم تزويد شورى الدولة بالخرائط أو ضياعها أو تعذّر الوصول إليها لا يبدو تفصيلًا تقنيًا محايدًا، بل قد يشكّل بحد ذاته واقعة تستوجب التحقيق والمعالجة. إذ أنّ إباحة الاستيلاء على الملك العام لا يختزل ببيع العقار أو التعدي عليه، إنما قد يبدأ أحيانًا في مراحل سابقة من خلال عدم حفظ السجلات أصولًا، أو تعمد إخفاء الخرائط وما شابه من وثائق، مما يفتح المجال للمنازعة والتأويل ويترك غالبا الإدارات أو المؤسسات العامة عاجزة عن إثبات حقوقها. 

من جهة ثانية، لا تقتصر الشفافية المطلوبة على نشر لائحة بالعقارات في حين تلجأ مصلحة سكك الحديد إلى منح إشغالات مؤقتة أو استعمالات مختلفة لعقاراتها. ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري إلزامها بنشر جميع عقود الإشغال، ومدتها، والجهات المستفيدة منها، وقيمة البدلات المالية المستوفاة، وأي تعديلات أو تمديدات تطرأ عليها، والتأكيد على خضوع هذه المعلومات لأحكام قانون الحق في الوصول إلى المعلومات. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ضوء ما سبق أن وثقته المفكرة القانونية من امتناع المصلحة عن الاستجابة لطلبات الحصول على المعلومات المتعلقة بإدارة هذه العقارات، بما يحول دون ممارسة أي رقابة فعلية على كيفية استثمارها.

العقوبات: خلل في الصياغة وقصور في الردع

كما سبق بيانه، استحدث الاقتراح جريمة جديدة هي جريمة التعدي على عقارات سكك الحديد أو إشغالھا دون ترخيص قانوني أو عقد إشغال مؤقت؛ وإقامة منشآت أو تغییرات على أي من العقارات دون إذن مسبق من الوزارة المختصة؛ والامتناع عن إخلاء العقار رغم انتھاء مدة الإشغال المؤقت أو رغم صدور قرار بالإخلاء؛ والإخلال بشروط الصیانة أو السلامة أو البیئة المنصوص علیھا في عقود الإشغال المؤقت. وقد نص على عقوبة لهذه "المخالفة" تصل إلى 3 سنوات حبس. وقد هدف من خلال ذلك إلى تشديد العقوبة بما يتناسب مع خطورة الإضرار بمرفق يكتسي أهمية استراتيجية فائقة. 

والاقتراح كما ورد يقبل النقد لأسباب عدة أشارت وزارة المالية كما هيئة الاستشارات والتشريع إلى عدد منها، ومنها أنه وصّف الجريمة بالمخالفة (وهي الجريمة الأخف) فيما أنه هدف إلى تشديد العقوبة من خلال وضع عقوبات جنحية تصل إلى 3 سنوات حبس. كما ذكّرت هيئة الاستشارات والتشريع بأن المادة 737 من قانون العقوبات تشدّد أصلًا العقوبة في حال حصل التعدي على أملاك أو  طرق عامة بحيث تصل إلى سنة ونصف السنة حبس. 

وفي الواقع، قد يكون من الأفضل إعادة النظر في تناسب العقوبة المعتمدة في المادة 737 من قانون العقوبات مع خطورة التعدي المنتظم على الأملاك العامة والسكك الحديدية في اتّجاه تشديد العقوبة ودرس احتمال تحويلها إلى عقوبات جنائية، بما يعيد الاعتبار للملك العام. فالتعدي على الملك العام هو ليس تعديا على عقار وحسب بل أيضا وقبل كل شيء على الخدمة العامة أو الغاية التي يخصص لها هذا العقار.  

خلاصة

في المحصّلة، يسهم اقتراح القانون في التذكير بالأهمية الاستراتيجية في الحفاظ على مقوّمات إعادة تفعيل السكك الحديدية وفي القطع مع اللامبالاة إزاء تبديد هذه المقوّمات. إلا أنه يحتاج إلى مراجعة وتدقيق بهدف تعزيز الضمانات القانونية لحماية أملاك مصلحة سكك الحديد مثل أيّ ملك عامّ والحؤول دون أيّ التفاف عليها. ويؤمل أن يُحفّز النقاش حول هذا الاقتراح إدارات الدولة في اتجاه بلورة استراتجيّتها ورؤاها المستقبلية في شأن توفير شبكة متكاملة للنقل العامّ.