النائبة حليمة القعقور في لقاء مع نواب بلجيكيّين في نيسان 2026
الدبلوماسية البرلمانية في لبنان: محاولة للإحاطة بممارسةٍ قلّما نسمّيها
30/04/2026
من المعلوم أنّ مجلس النواب اللبناني يمارس وفقا للدستور مجموعة من الاختصاصات أهمّها السلطة التشريعية عبر سنّ القوانين ومراقبة عمل الحكومة كونها مسؤولة سياسيا أمامه. إلّا أنّ المراقب للعمل البرلماني سرعان ما يتبيّن له أن هذا الأخير بات يؤدي دورا إضافيا لا يلحظه الدستور بشكل صريح عبر شبكة العلاقات التي يقيمها النواب مع أقرانهم في الدول الأجنبية وهو ما بات يعرف بالدبلوماسية البرلمانية. لا بل أن هذا الدور المستجدّ في مسائل العلاقات الدوليّة أصبح نهجًا معتمدًا لدى الأغلبيّة السّاحقة من البرلمانات في الدول.
وقد قامت الجمعية البرلمانية التابعة لمجلس أوروبا (Conseil de l'Europe) من خلال القرار رقم 1773 الصادر سنة 2010 برسم الخطوط العريضة لهذه الدبلوماسيّة، فعرّفتها على أنّها "وسيلة مكمّلة للدبلوماسيّة التقليديّة" وأنّ "مشاركة البرلمانيين في الشؤون الخارجيّة هو وجه أساسي من التعاون الدولي وتنمية الديمقراطيّة، في أوروبا وباقي العالم". واعتبر القرار أنّ دور البرلمانات الوطنيّة لا يجبّ أن يتوقّف عند الموافقة على المعاهدات قبل إبرامها بل يجب أن يتعدّاه ليكون هناك تبادل أكبر للمعلومات وتعاون أفضل بين البرلمانيين والحكومات الوطنيّة. وأضاف القرار أنّ وسائل الدبلوماسيّة البرلمانيّة تؤدي أحيانًا إلى نتائج يصعب الوصول إليها بالوسائل التقليديّة، معتبرًا أنّ التواصل بين البرلمانات يعزّز تبادل الخبرات والتعارف والتفاهم بين قيادات مختلف الدول وبناء علاقات ثقة بين الأشخاص لأن الحوار والتعاون يشكّلان روحيّة الدبلوماسيّة البرلمانيّة.
انطلاقًا ممّا تقدّم، من المفيد التوسّع في شرح وسائل الدبلوماسيّة البرلمانيّة في لبنان، علما أن بعض تلك الوسائل موجودة أصلًا من ضمن صلاحيّات المجلس النيابي المنصوص عليها في الدستور، وبعضها الأخر نشأ عبر الممارسة من خلال لعب هذا الأخير سواء كمؤسسة أو كنواب لأدوار تدخل في مفهوم الدبلوماسية البرلمانية. لذلك كان من المفيد الإضاءة على بعض التطبيقات العمليّة لهذه الدبلوماسيّة البرلمانيّة في لبنان وتجلياتها لا سيما في ظروف الحرب التي بات لبنان يشهدها مؤخرا.
الدبلوماسيّة البرلمانيّة عبر الصلاحيات الدستورية التقليدية
تمنح الصلاحيات المعطاة للمجلس النيابي من قبل الدستور إمكانيّة للتأثير على العلاقات الدوليّة للبنان وبالتالي منحه دورًا في صياغتها وإدارتها. يتجلّى هذا الدور أوّلًا عبر وجوب موافقة مجلس النوّاب المسبقة على إبرام المعاهدات التي عددتها المادة 52 من الدستور وهي التي "تنطوي على شروط تتعلق بماليّة الدولة والمعاهدات التجاريّة وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة".
يحتّم بالتالي الدستور على الحكومة أن تشرك المجلس النيابي في قرار ربط لبنان بمعاهدات واتفاقيات دوليّة تكون هي قد فاوضت عليها واتفقت على بنودها مع الجهات الأجنبية. لذلك يمكن القول أن البرلمان يمارس هنا تأثيرا تقليديا على العلاقات الدولية كونه عبر إجازته إبرام تلك المعاهدات يكون قد شارك السلطة التنفيذية بتحديد الخيارات الكبرى للدولة في سياستها الخارجية.
وعلى الرغم من أن دور مجلس النواب يقتصر دستوريّا على إبداء الموافقة أو رفضها من دون أن يكون له الحقّ في تعديل هذه المعاهدات، لكن إشراكه يعبّر في الحقيقة عن الطبيعة الديمقراطية للنظام البرلماني الحديث الذي يفرض الحصول على موافقة ممثلي الشعب قبل ربط مصير الدولة بمعاهدات قد تكون لها تداعيات كبرى.
بالإضافة إلى ذلك، تبرز أيضًا مسألة التصويت على الموازنة العامّة، وهي في صلب عمل المجلس النيابي، إذ يمكن اعتبارها وسيلة تمنح المجلس امكانيّة التدقيق في الإنفاق الحكومي على الدفاع وعلى البعثات الدبلوماسيّة والتعاون الدولي. ولا شكّ أنّ هذه المراقبة تمتدّ أيضًا إلى نقاش البيان الوزاري للحكومات والتصويت على منح الثقة، ما يفتح المجال أمام مناقشة الحكومة حول سيّاستها الخارجيّة وصولًا إلى حجب الثقة عنها في حال رأى المجلس أنّ التوجهات الحكوميّة مناقضة لرأي الأكثريّة. وهذا أيضًا حال جلسات مساءلة الحكومة كما الأسئلة الخطيّة الموجّهة للحكومة من قبل النواب والتي قد تتناول مسائل دبلوماسيّة، على غرار الأسئلة الموجّهة مؤخّرًا حول المفاوضات التي تنوي الحكومة القيام بها مع اسرائيل، وقد تصل هذه المُساءلات إلى حدّ التصويت على سحب الثقة من الحكومة.
ومن الوسائل المستخدمة أيضًا في الدبلوماسيّة البرلمانيّة هي إصدار التوصيات. إذ إنّ المادة 87 من النظام الداخليّ تنصّ على أنّه يمكن للمجلس تبنّي توصيات في شتى الميادين. وقد دأب المجلس النيابيّ في لبنان على إصدار توصيات تتناول قضايا خارجية مثل تلك التي صدّق عليها المجلس بالإجماع من أجل إعلان سروره بعودة الرئيس جمال عبد الناصر عن استقالته عام 1967، أو التوصية التي تليت في نهاية جلسة مجلس النواب المجتمع في بنت جبيل إبّان انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب عام 2000، والتي وجّهت في جزء منها إلى "الشقيقة سوريا" من أجل شكرها على "دعمها للبنانيين ولوحدتهم ولنهوض دولتهم وقيام مقاومتهم" ما كان له "أبرز الأثر في صناعة هذا النصر الذي نعتبره ثمرة للجهود المشتركة". إلّا أنّ آخر توصية صدرت عن المجلس كانت في 2014 تضامنًا مع قطاع غزّة من دون أن يكون للمجلس موقف مماثل بعد 7 تشرين الأول 2023 رغم المنحى الإباديّ الذي أخذته العملية العسكرية الإسرائيليّة.
يبقى أنّ مسألة إعلان الحرب هي أيضا من الوسائل التي يمارس فيها مجلس النواب دورًا في تحديد سياسة الدولة الخارجية. وعلى الرغم من أنّ الدستور لا ينص صراحةً على صلاحية مجلس النواب في مجال إعلان الحرب، لكن لبنان عملا بتجربة الجمهورية الثالثة الفرنسية تبنّى ممارسة تقتضي الحصول على الموافقة المسبقة لمجلس النواب قبل إعلان الحكومة للحرب وهذا ما حصل سنة 1945 خلال الحرب العالمية الثانية عندما أعلن لبنان الحرب على ألمانيا واليابان. ولا شك أن إشراك مجلس النواب في اتخاذ هكذا قرار خطير بجد ما يبرره في الطبيعة الديمقراطية للنظام البرلماني إذ يتوجب الحصول على موافقة ممثلي الشعب عبر مؤسساتهم الدستورية قبل انخراط الدولة والمجتمع في نزاع مسلح ستكون تداعياته كبيرة جدا على صعيد الخسائر البشرية والمادية، هذا فضلا عن نتائجه السياسية.
الدبلوماسيّة البرلمانيّة خارج إطار الوظائف التقليدية لمجلس النواب
قام مجلس النّواب على غرار المجالس النيابيّة في العالم باستحداث وسائل تُمكّنه من الانخراط مباشرةً في العمل الدبلوماسيّ بدلًا من الاكتفاء بالتّأثير عليه عبر صلاحيّاته الدستورية التقليدية. وهنا لا بدّ من التّشديد على أنّ العديد من المراجع[1] تشير إلى أن الدبلوماسيّة البرلمانية هي مكمّلة للدبلوماسيّة الرسميّة التي تقودها الحكومة كون الدستور يمنح السلطة التنفيذية صلاحيّات المفاوضة في عقد المعاهدات الدوليّة وإبرامِها، ما يعني أن البرلمان في ممارسته لدوره الدبلوماسيّ المستجدّ الذي لا يلحظه الدّستور لا يمكن له بأيّ شكل من الأشكال أن يتعارض مع السيّاسة الخارجيّة للدولة كون ذلك يخرق مبدأ وحدة موقف الدولة التي يجب أن تتكلم مع الجهات الأجنبية بصوت واحد دائمًا.
وقد عرف لبنان سابقةً تاريخية بالغة الأهميّة وإن كانت منسيّة اليوم لمثال ناجح عن الدبلوماسية البرلمانية خلال الانتداب الفرنسي سنة 1936 عندما كان رئيس الجمهورية إميل إدّه يتولّى مفاوضة السلطات الفرنسية من أجل التوقيع على اتفاقية تكرس استقلال لبنان. فقد أصدر رئيس الجمهورية المرسوم رقم 1034 بتاريخ 15 تشرين الأول 1936 والذي قضى بعودة مجلس النواب إلى عقد استثنائي من أجل "تعيين لجنة برلمانية لتنضمّ وتشترك في مفاوضات المعاهدة الفرنساوية اللبنانية التي يُراد عقدُها"، علمًا أن المرسوم أشار في بناءاته أن "أعضاء مجلس النواب أعربوا عن رغبتهم في توسيع نطاق معاونتهم للحكومة في المفاوضات". وبالفعل، سيقوم مجلس النواب بانتخاب لجنة برئاسة بشارة الخوري الذي كان من أبرز المعارضين للرئيس إده من أجل التأكيد على وحدة الموقف السياسيّ للبنانيّين خلال تلك المفاوضات المصيريّة.
ومن أبرز الأمثلة على التطبيق الخاطئ للدبلوماسيّة البرلمانيّة، الاقتراح الذي تقدم به النائب أسامة سعد حول كيفية التفاوض مع اسرائيل الذي انطوى على مخالفة دستورية كونه يقيّد حرية السلطة التنفيذية في توجيه السياسة الخارجية للدولة، كذلك النزاع الذي نشب عند طرد وزارة الخارجية للسفير الإيراني ورفض هذا الأخير الامتثال بذريعة تلقّيه طلبًا من رئيس مجلس النواب نبيه برّي من أجل عدم مغادرة الأراضي اللبنانية.
وقد قام مجلس النواب بمأسسة الدبلوماسيّة البرلمانيّة عبر تكريسها في القرار الذي أصدره رئيس المجلس سنة 2005 المتعلق بالتنظيم الإداريّ لمجلس النواب. إذ نصّ الفصل السّادس منه على إنشاء مديريّة عامّة للشؤون الخارجيّة تتولّى جميع الأعمال المتعلّقة بالعلاقات العربيّة والدوليّة لمجلس النواب، لا سيّما العلاقات مع البرلمانات العربيّة والدوليّة والاتحادات البرلمانيّة والإشراف على تنظيم مؤتمرات برلمانيّة عربيّة ودوليّة واستقبال الوفود. ونصّ التنظيم في مادته 72 على تولّي مصلحة العلاقات البرلمانيّة مهمّة "تطوير علاقات الصّداقة مع البرلمانات العربيّة والأجنبيّة من خلال لجان الصداقة البرلمانيّة" و"الاهتمام ببرامج التعاون البرلماني القائمة بين المجلس والبرلمانات الأخرى". وقد خصّ التنظيم الإداري كلّ فئة من وسائل التعاون أكانت لجان الصداقة أو الاتحادات العربيّة والإسلاميّة أو الدوليّة أو الفركوفونيّة، بجهاز إداري يهتمّ بشؤونه.
وقد نشر موقع مجلس النواب قوائم برؤساء لجان الصداقة موزّعين على مجموعات، وهي البلدان الأوروبية والبلدان العربية والبلدان الآسيوية وأستراليا وبلدان أميركا اللاتينيّة وكندا والبلدان الأفريقيّة. وفيما تتمحور لجان الصداقة بين البرلمانات عادة على إقامة الندوات والزيارات المتبادلة وإقامة شبكة علاقات بين الدول، إلّا أنّ نشاط هذه اللجان في لبنان غير واضح المعالم والمنشور منه ضئيل، حيث تبرز بعض الزيارات للجان الصداقة مع فرنسا وأوكرانيا وتركيا وكندا وبريطانيا من دون أن يتّضح مضمون عملها. فيما في فرنسا ينتج عن هذه اللجان تقارير وقد أحصي منها تسعون تقريرًا بين عامي 1995 و2010 على موقع مجلس الشيوخ الفرنسي[2].
برز أيضًا دور مجلس النواب الدبلوماسي من خلال استقبال رؤساء دول ودعوتهم إلى إلقاء خطابات أمام النواب. وفي مراجعة لتاريخ المجلس، يتبيّن أنّ هذه الزيارات بدأت مع تولّي نبيه برّي رئاسة المجلس، حيث أنّ أوّل خطاب ألقاه رئيس دولة أجنبي كان في عام 1996 عندما حضر الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى المجلس كبادرة دعم للبنان الذي كان قد خرج من حرب قاسية وطويلة ولا يزال الجيش الإسرائيلي يحتلّ جزءًا من أرضه. أمّا الزيارة الثانية من هذا النوع، فقد كانت للرئيس الإيطالي أوسكار سكالفارو عام 1997 ومن ثم أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عام 1999 حيث قام أيضًا بإلقاء خطاب أمام النواب أعرب فيه عن وقوف بلاده إلى جانب لبنان. أمّا في عام 2002، فكانت مجددًا زيارة للرئيس الفرنسي جاك شيراك بمناسبة افتتاح القمّة الفرنكوفونيّة في بيروت. وفي عام 2003، استقبل مجلس النواب واستمع إلى خطاب كلّ من رئيس جمهوريّة إيران محمد خاتمي ورئيس جمهوريّة البرازيل اينياسيو لولا دا سيلفا. وفي عام 2009، حضر أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون وألقى خطابًا بشأن الوضع الراهن بعد العدوان الإسرائيلي على غزة.
ومن أبرز المداخلات كانت تلك التي ألقاها أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في جلسة قسم رئيس الجمهوريّة ميشال سليمان سنة 2008 وذلك مباشرة عقب جلسة انتخابِه تبعًا لاتفاق الدوحة. وقد تمّ ذلك بحضور رئيس وزراء قطر الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وأمين عام الجامعة العربية عمرو موسى وعدد من وزراء خارجية الدول العربية والأجنبية وعدد من السفراء العرب والأجانب المعتمدين في لبنان.
بالإضافة إلى ما تقدّم، تنشط الدبلوماسيّة البرلمانية أيضًا في إطار اتّحادات البرلمانات، ولبنان جزء في عدد منها، بحسب ما جاء في موقع مجلس النواب. إذ إنّ لبنان جزء من الاتّحاد البرلماني العربي ومن البرلمان العربي، كما هو جزء من اتّحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي ويشارك أيضًا في الجمعية البرلمانية الآسيوية والجمعية البرلمانية الفرنكوفونية والاتّحاد البرلماني الدولي وغيرها من المنظّمات. ولا شك أن هذه الاتّحادات البرلمانية تقوم على قواسم مشتركة كاللغة أو العرق أو المنطقة الجغرافيّة أو الانتماء الديني. أمّا الاتحاد البرلماني الدولي فيشكل أقدم هذه الجمعيات: إذ تأسس عام 1889 وهو يعمل في سبيل حرية البرلمانيين الشخصية والفكرية والسياسية. تشكّل هذه الاتّحادات مساحات تلاقٍ بين النّواب تمكّنهم من التعارف وتشكيل شبكاتٍ من العلاقات والتعاون وتقريب وجهات النظر، وهي تؤدّي إلى إدخال الدبلوماسيّة إلى أروقة برلمانات العالم في حين أنّ ذلك قد يتعذّر فعلُه على السفراء كون علاقتهم مع الدولة المضيفة يجب أن تكون محصورة بالحكومة لا سيما وزارة الخارجية. وهكذا تتكامل الدبلوماسيّة البرلمانيّة مع الدبلوماسيّة الرسميّة كونها أكثر مرونة وتسمح بإيجاد قنوات متعددة للتواصل والحوار.
ولا بدّ من التّمييز بين الدبلوماسيّة البرلمانيّة التي تعمل على نقل موقف لبنان والدفاع عن مبادئ حقوقيّة مشروعة واللقاءات الشخصيّة التي يقوم بها النّواب مع جهات دوليّة من موفدين وغيرهم لتحقيق غايات سياسيّة شخصيّة والتي لا يمكن وضعها في خانة ممارسة الدبلوماسيّة البرلمانيّة. ولا شكّ أنّ العديد من السّفارات الأجنبيّة في لبنان تقوم بتنظيم لقاءات في أعيادها الوطنيّة تشارك فيها شخصيّات من مختلف أطياف المجتمع ومن ضمنهم النّواب. لكن دور بعض السّفارات لا ينحصر في لبنان بهذا الشقّ المعهود بل يتعدّاه إلى لعب دور سياسيّ مباشر، إذ تصبح عندها مثل تلك اللقاءات وسيلةً للتعبير عن دعم خيارات سياسيّة محدّدة تخرج عن موقف لبنان الرسميّ وتعبّر أكثر عن توجّهات النواب السياسيّة الموالية لتوجّهات هذه الدول، ما يخرجها عن الدبلوماسية البرلمانية ويضعها في خانة مختلفة كليًّا تؤدّي إلى الانتقاص من سيادة الدولة.
أخيرًا، لا بدّ من الإشارة إلى آخر تجلّيات الدبلوماسيّة البرلمانيّة في ظلّ الحرب الدائرة في لبنان حيث قامت النائبة حليمة القعقور بجولة في فرنسا حيث التقت بنواب من حزب فرنسا الأبيّة (La France insoumise) وكتل أخرى. وكان الحديث حول المطالبة بجهود دبلوماسيّة لوضع حدّ للعدوان الإسرائيلي على لبنان وتثبيت وقف إطلاق النار وعودة النازحين إلى قراهم. وكان أيضًا للنائبة القعقور لقاءٌ مع نواب بلجيكيّين ركّز على ضرورة احترام القانون الدوليّ في وضع حدّ لخرق السّيادة اللبنانيّة وللقانون الدوليّ الإنسانيّ ومسائل الانسحاب الإسرائيلي وتحرير الأرض وتوحيد السّلاح في لبنان.
في الخلاصة، تشكّل الدبلوماسيّة البرلمانيّة مساحةً مفيدة لإبراز موقف لبنان في العلاقات الخارجيّة وعنصرًا مساعدًا للدبلوماسيّة الرسميّة للوصول إلى المحافل الدوليّة كافّة والتأثير فيها. ولا شكّ أنّ هذه الدبلوماسيّة تستند أيضًا على دعامة ديمقراطيّة نظرًا إلى أنّ النوّاب هم الجهة الوحيدة المنتخبة مباشرة من الشعب صاحب السيادة في لبنان، وبالتالي يتمتعون بشرعيّة ديمقراطيّة يمكن الاستفادة منها أمام الجهات الدوليّة لتعزيز موقف لبنان في علاقاته الخارجيّة. إلّا أنّ الممارسة لهذه الدبلوماسيّة في لبنان تبقى مفتقرة للتنظيم والمبادرات الجديّة والفعّالة إذ لا يتم توثيق عملها عبر تقارير رسمية تتم مناقشتها في مجلس النواب. إذ أنّ العمل الدبلوماسي البرلماني يجب أن يهدف أولا إلى الدفاع عن مصالح الدولة وتعزيز منظومة الحقوق والمبادئ الديمقراطية ولا يمكن له أن يؤدّي إلى إضعاف وحدة موقف الدّولة في سياستها الخارجيّة ولا إلى استفادة النائب من وظيفته البرلمانية من أجل الدفاع عن مصالحه الخاصة أو خدمة مشروعه السياسي الضيق.
[1] “La diplomatie parlementaire.” Colloque organisé sous la présidence de Raymond Forni et Christian
Poncelet, Paris, Sénat, 2001, et
Péjo Philippe, “La diplomatie parlementaire, actrice émergente de communications diplomatiques démocratisées”, Hermès, La Revue, 2018/2 n.81, pp.73-81.
[2] Maus Didier, “Le cadre institutionnel de la diplomatie parlementaire”, Parlements, Revue d’histoire politique 2012/1 n.17, pp.14-36.