الدستوري ينسف مكسب المصارف في شورى الدولة: الموازنة الضرورية بين حماية الودائع واستعادة الانتظام المالي
05/10/2025
أصدر مجلس الدستوري في تاريخ 3 تشرين الأول 2025 قراره بإبطال قانون إصلاح وضع المصارف جزئيًّا، وذلك تبعًا للطّعن الذي قدّمته كتلة لبنان القوي النيابيّة. وأهمّ ما تضمّنه القرار، ردّ ما أثارته الجهة الطاعنة لجهة قدسيّة الملكية الخاصة ووجوب تضمين القانون ما يؤكّد عدم جواز تخفيض أو تحويل الالتزامات تجاه المودعين عملًا بالمادة 15 من الدستور و"تنفيذًا للتعهّدات والوعود التي أطلقت من قبل المسؤولين عن حماية الودائع وقدسيّتها" (العبارة مأخوذة من الطعن).
وقد بنى المجلس الدستوريّ موقفه في ردّ هذه الحجّة على المعطيات الآتيّة:
- إذ ذكّر بداية بوجود جدل في شأن توصيف حقوق المودعين، وتحديدًا فيما إذا كانت تعدّ ملكية محمية دستوريا أم مجرّد دين، اعتبر أنّ حسم هذا الجدل ليس ضروريّا في إطار النظر في الطعن المقدّم إليه. لماذا؟ لأنه حتى ولو افترضنا أنّ حقّ المودع هو حقّ ملكية، فإنه "ليس حقّا مطلقًا، ويعود للمشرّع تقييده حفاظًا على المصلحة العامّة، شرط أن لا بفرغه من جوهره".
- عمد المجلس بعدئذ إلى تفسير أهداف القانون. فلئن نصّت المادة الثالثة منه على أنه يهدف إلى "تعزيز الاستقرار المالي ومعالجة التعثّر وحماية الودائع في عملية التصفيّة والإصلاح والحدّ من استخدام الأموال العامة في عمليّة إصلاح أي مصرف متعثر"، استنتج من ذلك أنّ القانون يهدف إلى "الموازنة بين الحفاظ على الانتظام العام الاقتصادي والمالي للدولة من جهة وحماية الودائع من جهة أخرى".
- خلص المجلس تبعا لذلك إلى أنّ تقييد حقوق المودعين يعدّ مبرّرا بالأهداف المتمثلة في الحفاظ على النظام العامّ الماليّ الذي حدّده المشرّع، طالما أنه يبقى متناسبا مع هذه الغاية. وقد رأى المجلس الدستوري أن التناسب متحقق في القانون طالما أنه أدرج أصحاب الودائع في أسفل سلمّ تراتبيّة توزيع المسؤوليّات وتحمّل الخسائر.
يستدعي القرار في هذا الخصوص إبداء 3 ملاحظات عدة.
أولا: نزع القدسية عن حقّ الملكية
كما سبق بيانه، برّر المجلس الدستوريّ امتناعه عن حسم الجدل حول طبيعة حقوق المودعين، بأنّه أيّا كانت طبيعة هذه الحقوق، فإنها حقوق غير مطلقة، لكن تبقى قابلة للتقييد انطلاقا من مستلزمات المصلحة العامة شرط عدم إفراغها من جوهرها. وبذلك، جاء موقف المجلس الدستوري ليضع حدًّا لخطاب مهيمن تطوّر منذ بداية الأزمة المالية وتعثر المصارف، قوامه أنّ حقوق المودعين هي حقوق ملكيّة مقدّسة وأنّه لا يجوز للسّلطات العامّة المسّ بها بأيّ صورة من الصور. وقد ذكرت الجهة الطاعنة بهذا الخطاب من خلال التأكيد على ضرورة التزام القانون ب "التعهّدات والوعود التي أطلقت من قبل المسؤولين عن حماية الودائع وقدسيّتها" كما سبق بيانه.
وبمعزل عن الطابع الشعبويّ لهذه "التعهّدات والوعود"، نلحظ أنّها أدّت في أغلب هذه الحالات، عن قصد أو غير قصد، إلى تعطيل أيّ مسعى جدّي لإيجاد حلّ للأزمة وتمكين القطاع المصرفي ومعه الاقتصاد من التعافي، طالما أن القدسية تفرض وضع آلية لردّ الودائع بأكملها من دون انتقاص، بمعزل عن مقتضيات المصلحة العامة أو الانتظام العام المالي. وبفعل ذلك، يصبح من غير المتخيّل تجاوز الفجوة المالية الهائلة، وخصوصًا في ظلّ توقف الدولة وعجزها عن تسديد ديونها، مما يؤدّي إلى إطالة أمد الأزمة وربما إلى تأبيدها.
وقد ترافق الإعلان عن هذه القدسية في أغلب الحالات مع إرادة معلنة في تحقيق غايات محددة، مثل إجهاض المساعي إلى وضع "قانون الكابيتال كونترول" أو إلى وضع أيّ تشريع جديّ لمعالجة أوضاع المصارف أو أيضًا التأسيس لمبادرات تشريعية قوامها بيع الدولة ممتلكاتها لإيفاء حقوق المودعين، وهو ما أسمتْه المفكرة "تسليع لبنان". لكن سرعان ما تبدّت باطنيّة هذا الخطاب، طالما أن مصرف لبنان أسهم من خلال تعاميمه في عمليات "قصّ الشعر" المقنع من خلال اعتماد سعر صرف متدنّ ما يزال معمولًا به لسحب الودائع، من دون أن تحرّك أيّ من أجهزة الدّولة ساكنًا لفرض احترام القدسيّة المزعومة. كما تبدّت الباطنيّة واضحة في نجاح النافذين وحدهم في تهريب ودائعهم إلى الخارج مستفيدين من غياب الكابيتال كونترول، بمعنى أن ودائعهم وحدها حظيت بامتياز القداسة وإن كان يشتبه أن تكون هذه الودائع بالتحديد من مصادر غير مشروعة وعلى قدر كبير من النجاسة. وقد بلغ سوء استخدام "القدسية" أوجّه حين تبنتها جمعية المصارف في معرض دفاعها عن ودائعها لدى مصرف لبنان، وهي الودائع التي تكوّنت في إطار الهندسات المالية لقاء فوائد خيالية وهي الهندسات التي كان لها الدور الأكبر في الانهيار الشامل. وقد تجلى ذلك بشكل خاص في المراجعة التي قدمتها جمعية المصارف ضد الدولة من أجل إبطال أحد بنود الاستراتيجية المالية للحكومة والذي تمثّل في شطب جزء من ودائع المصارف لدى مصرف لبنان، وهي المراجعة التي التحق بفعلها مجلس شورى الدولة بشعائر تقديس الودائع في قراره الشهير الصادر في تاريخ 6 شباط 2024.
ومن هذه الزوايا كافة، يجدر التسليم أن الدستوري عبّر في قراره عن موقف شجاع وضروري، وهو موقف يتجاوز من حيث أبعاده مسألة حقوق المودعين ليشمل مجمل حقوق الملكية، والتي تصبح كلها خاضعة بدرجة أو بأخرى لمقتضيات المصلحة العامة التي تعود لتحتل المرتبة العليا في سلم القيم. وهو موقف ينسجم إلى حدّ كبير مع التوجّه الحديث للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في اتّجاه تمكين المشرّع من الموازنة بين حماية الودائع والحفاظ على النظام العام المالي. وقد تمثل هذا التوجه بشكل خاص في قضيّة "ماماتاس وآخرون ضد اليونان" (2016) وفي الدليلٍ الذي نشرتْه هذه المحكمة في عام 2022 حيث جاء صراحةً "أنّ تدخّل الدولة عبر فرض تدابير مقيّدة للملكيّة وترمي إلى تخفيض الدين العام، مبرّر طالما أنّها تسعى إلى هدف مشروع قوامه الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وإعادة هيكلة الدين العام في سياق أزمة اقتصادية خطيرة" (بند 442 من الدليل).
ثانيا: انقلاب على قرار شورى الدولة بشأن شطب ديون المصارف
الأمر الثاني الذي يجدر التوقّف عنده، هو تكريس المجلس موقفا مناقضا تماما للقرار الذي كان انتهى إليه مجلس شورى الدولة والمشار إليه أعلاه وهو القرار الذي أسال الكثير من الحبر بين مؤيّد ومعارض، وشكّل سندا قويّا لجمعية المصارف لتكرار سرديّتها عن مسببات الأزمة المالية وقوامها أنها جزء من المودعين (لدى مصرف لبنان) وتاليا من ضحايا الأزمة المالية وليس من المتورّطين فيها أو المتسبّبين بها والمستفيدين منها.
وعدا عن أنّ من شأن هذا القرار أن يُضعف حجج جمعيّة المصارف، يؤمل منه أيضا أن يسهم في تركيز الجهود في اتجاه بدء نقاش حقيقي حول الحلول المنطقية والعادلة لمسألة الودائع وكيفية توزيع الخسائر وذلك في إطار مشروع القانون المنتظر بشأن "الانتظام المالي واسترداد الودائع" بعيدًا عن لغة التّقديس والتشويش. وهذا ما كان أخفق مجلس شورى الدولة فيه بحيث حصر قراره في رفض "شطب ودائع المصارف" عملا بقدسية الملكية من دون ممارسة أي رقابة على نجاعة الاستراتيجية التي أقرتها الحكومة بشأن التعافي والنهوض الاقتصادي في 2022 والحلول التي انبنت عليها.
ثالثا: وجوب التأكيد على ترتيب الودائع من حيث مدى جدارتها للحماية
اكتفى القانون بتصنيف الودائع ضمن فئات واسعة منها: "ودائع كبار المساهمين وأعضاء مجالس الإدارة..." (فئة 5) و"الودائع الائتمانيّة من مؤسسات مالية" (فئة 6) وسائر الودائع المحمية وغير المحمية (فئتي 7 و8)، وصولا إلى ترتيبها وفق مسؤوليّتها في تحمّل الخسائر. ولئن أقرّ المجلس الدستوري إمكانية اعتماد التراتبية في حماية الودائع القديمة "غير الجديدة"، اعتبر أن التراتبية المعتمدة في القانون المطعون فيه تتناسب مع الغاية منه والتي هي وفق ما جاء في القرار "الموازنة بين الحفاظ على الانتظام العام الاقتصادي والمالي للدولة من جهة وحماية الودائع من جهة أخرى". وفيما أن تفاصيل هذا التّرتيب ومفاعيله ستتبلور أكثر عند وضع مشروع قانون "الانتظام المالي واسترداد الودائع"، فإنّه كان بإمكان المجلس الدستوريّ أن يستبق صياغة مشروع القانون هذا من خلال وضع تحفظات تفسيرية على الترتيب الحاصل على نحو يؤكّد على وجوب إيلاء حماية أكبر لفئات من الودائع، بالنظر إلى وضعية المودع أو قيمة الوديعة أو الغاية منها. وهذا ما كانت المفكرة القانونية دعت مرارًا إليه مبرزة أهمية النظر ليس فقط في كيفية إجراء توزيع عادل للخسائر، بل أيضا في مدى جدارة الودائع بالحماية، بما يمهّد لمنح الوضعية الفضلى للودائع الأكثر جدارة بالحماية، ومنها الودائع المخصصة لضمان حقوق أساسية كصناديق الضمان الصحي.