تعديلات متأخّرة حول قانون الإعلام؟ الحريّة من دون مسؤولية

رنا صاغية

11/08/2026

انشر المقال

في الجلسة الصباحية الأولى لمجلس النوّاب اليوم، وزع نائب رئيس البرلمان الياس بوصعب 3 أوراق تضمنت مقترحًا بإجراء تعديلات على اقتراح قانون الإعلام، وهو الاقتراح الذي ستستكمل مناقشته في جلسة بعد الظهر. ولئن شملت التعديلات المقترحة حذف تجريم الخبر الكاذب، فقد طُرحت، في المقابل، تعديلات في اللحظة الأخيرة من شأنها إضعاف استقلالية الهيئة الناظمة للإعلام المزمع إنشاؤها وصلاحياتها في مواجهة الاحتكار ومساءلة وسائل الإعلام ومالكيها عن أي منفعة غير مشروعة أو تضارب في المصالح. وكأنّ المعادلة أصبحت: توسيع حرية التعبير، مقابل تقليص كلّ ما يضمن استقلالية الجهة الناظمة أو يفرض مسؤولية على وسائل الإعلام التي تمارس هذه الحرية. وعليه، نستعرض أبرز التعديلات التي أُسقطت، لما لها من أثر مباشر على حرية الإعلام واستقلالية الهيئة الناظمة وآليات المساءلة ومنع الاحتكار.

 

في التفاصيل: 

 

- إلغاء المادة 6 التي تشكّل الضمانة الأساسية للحدّ من تضارب المصالح في العمل الإعلامي وحظر الحصول على منافع غير مشروعة، ولا سيما عندما تكون المؤسسة الإعلامية أو مالكوها مرتبطين في الوقت نفسه بعقود أو امتيازات مع الدولة أو الجهات التي تدير المال العام. وما يلفت هنا أنّ أي إشكالية في المادة لم تُعالج بتضييق نطاق الحظر أو توضيحه أو إعادة صياغته، بل بإلغائها برمّتها.  

 

- إلغاء الضمانات للحدّ من احتكار وسائل الإعلام (الفقرة 2 من المادة 8): من خلال إلغاء النص الذي يمنع الشخص الطبيعي أو المعنوي من تملّك أسهم أو حصص في أكثر من مؤسسة إعلامية واحدة من الفئة عينها، بعد إلغاء الضمانة الأساسية للحدّ من تركّز الملكية الإعلامية، والمتمثّلة في حظر تملّك المساهم الواحد أو صاحب الحق الاقتصادي الواحد أكثر من 10% من رأسمال الشركة أو تمثيله بأكثر من 10% من أعضاء مجلس الإدارة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ويتيح إلغاء القيدين معًا عمليًا تركّز قدر كبير من الملكية والنفوذ الإعلامي في يد شخص أو مجموعة واحدة، بما يؤثر في التعددية الإعلامية واستقلالية وسائل الإعلام. وإذا كانت الذريعة لإلغاء سقف الـ10% هي عدم تناسبه مع الواقع، فإن إلغاء القيدين معًا دون إيجاد آلية بديلة فعالة لمنع التركّز المفرط وضمان التعددية لا يمكن فهمه إلا على أنه تماهٍ مع الممارسات الاحتكارية.   

 

- إلغاء الضمانات للحدّ من احتكار الإعلانات (الفقرة ب من المادة 66): من خلال إلغاء النصّ الذي يمنع المساهمين في شركات البث وشركات الإعلان المتعاقدة معها (الريجي) من المساهمة في أكثر من شركة واحدة، ويمنع العاملين بدوام كامل في الريجي من العمل في أكثر من شركة إعلان واحدة، ويحظر على الريجي تقديم خدماتها لأكثر من شركة تلفزيون واحدة من الفئات الخمس المنصوص عليها في القانون. ويأتي ذلك بعد إلغاء النص الذي كان يحظر على أقسام الإعلانات في شركات البث أو شركات الإعلان المتعاقدة معها ربط إعلاناتها حصريًا بوسيط إعلان واحد، بما يزيل الضمانات للحدّ من احتكار سوق الإعلانات ويعكسهنا أيضا نيّة مع احتكارسوق الإعلانات ومعها حيز واسع من فضاءات الرأي. 


- إلغاء المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام من خلال إلغاء التزامها بالترويج لتنوّع البرامج والإنتاج المحلي (الفقرتين الأخيرتين من المادة 44)، وإلغاء حق الظهور بصورة ممنهجة (البند 9 من الفقرة ب من المادة 89). 

 

- تُسجّل أيضًا مجموعة من التعديلات التي تضعف استقلالية الهيئة وصلاحياتها الرقابية: 

 

  • أهمها إلغاء صلاحية الهيئة في فرض الغرامات على مخالفات دفتر الشروط، والاكتفاء بإحالتها إلى الجهات القضائية المختصة. وبذلك، تفقد الهيئة أداة الجزاء الإداري المباشر، وتصبح قدرتها على فرض احترام دفتر الشروط والتدخل الفوري عند حصول المخالفة محدودة (الفقرة ب من المادة 90).

 

  • إلغاء حق الهيئة في تكليف مدقّقي حسابات للتحقق من صحة المعلومات الواردة في تصاريح مالكي وسائل الإعلام، واكتُفي بإمكان طلب حسابات مدققة. وبذلك، تنتقل الهيئة من صلاحية التحقق بكل الوسائل المتاحة، بما فيها التحقق من الملكية الفعلية وصحة المعلومات، إلى الاعتماد على مستندات تقدمها وسائل الإعلام (المادة 19). 

 

  • إلغاء الإطار الخاص الذي كان ينظّم العلاقة بين مورّدي خدمة البثّ ومورّدي خدمة توزيع البث، بما فيه قواعد التعامل المالي، والمفاوضات العادلة وغير التمييزية، ومنع الاحتكار، وصلاحية الهيئة في الفصل في النزاعات. ويترك ذلك العلاقة للقواعد العامة، من دون صلاحية خاصة للهيئة في التدخل أو ضمان عدم التمييز ومنع الاحتكار (المادة 54). 

 

  • استبدال شرط عدم وجود مصلحة مباشرة أو غير مباشرة لأعضاء الهيئة في أي مؤسسة إعلامية أو مؤسسة تقدم خدمات إعلانية أو تؤمّن تجهيزات تُستخدم في مجال الإعلام، بشرط أضيق يكتفي بألا يكون موظفًا فيها، بما يخرج مصالح وارتباطات مالية أو اقتصادية عديدة من الحظر (الفقرة 6 من المادة 73).  

 

  • كذلك، تم تخفيض عدد أعضاء الهيئة المنتخبين من 7 إلى 6 مقابل زيادة عدد الأعضاء المعينين من مجلس الوزراء من ثلاثة إلى أربعة. ومن شأن ذلك أن يعزز هامش السلطة السياسية في التحكم في أعمال الهيئة وقراراتها. ومن المهم هنا أن نشير إلى  أن جدول التعديلات لم يحدد الجهة التي ستحرم تبعا لذلك من انتخاب ممثلها في الهيئة (المادة 74).  

 

  • كما شُطب النص الذي يجعل الالتزام بجميع شروط طلب الترخيص، بما فيها مواعيد البرامج، شرطًا لمنح الترخيص (الفقرة 2 من المادة 47).