قانون الصّيد المائيّ، اقتصاد أزرق أم تقمّص "بروتيين"؟
20/10/2026
فتح ردّ رئيس الجمهورية جوزاف عون قانون الصيد المائي وتربية الأحياء المائيّة في لبنان بتاريخ 7 آب 2026، أي بعد 21 يومًا على إقراره بمادة وحيدة في مجلس النواب في 15 و16 تمّوز المنصرم، "طاقة أمل" قد تؤدي لإعادة النظر بهذا القانون، كما يأمل نحو 10000 صياد يخرجون يوميًا بحثًا عن رزقهم على متن أكثر من 3000 مركب صيد على طول الشاطئ اللبناني الممتد بين الناقورة جنوبًا، والعبدة والعريضة شمالًا.
وبعد نحو شهر ونصف على ردّ الرئيس عون للقانون، أعلن الصيادون عن جمع تواقيع عشرة نواب على اقتراح تعديل قانوني جديد، قدّم الى المجلس النيابي في تاريخ 29 أيلول 2026، وهو يعكس هواجسهم واحتياجاتهم وتطلعاتهم بعد 97 سنة على تشريع قانون الصيد الأول بصيغة الانتداب الفرنسي، كما يؤكّد الصيادون أنه "حان الوقت لإنصاف الصياد"، أو "الحارس اليومي للبحر"، إذ لا يجوز تخطّيه في رسم سياسات الصيد أو إدارة البحر. ويأمل الصيادون والنواب الموقعون أن يؤسّس هذا الاقتراح الخطوة الأولى لإعادة البحث بالقانون برمّته وليس فقط بالمادة التي استند عليها رئيس الجمهورية لرده، والأهم إعادة البحر إلى أهله.
صحيح أن رئيس الجمهورية لم يردّ القانون إلى المجلس النيابيّ بسبب أصوات الصيادين والمعترضين عليه، بل لأنّ نص المادة 124 منه يقتطع من عائدات الغرامات وبيوع المزادات العلنية للأشياء المصادرة نسبة 20% لموظفي دائرة الصيد المائي والبري. وهو ما اعتبره الرئيس "يخالف المبادئ العامّة التي تقوم عليها المالية العامّة، لجهة خلق تمييز بين موظفي الإدارة". ومع ذلك، يتعامل المعترضون مع وقف تنفيذ القانون كفرصة يجب الإفادة منها لتصحيح ما شُرِّع بـ"غفلة" عن الصيادين.
في الإطار عينه، يتخوّف النائب أسامة سعد من أن: "تحصر هيئة مكتب مجلس النواب النقاش القانوني في المادة التي اعترض عليها الرئيس فقط"، داعيًا إلى إعادة النظر في القانون برمّته.
جاء اقتراح القانون، الذي صاغه الصيادون بعد سلسلة اعتراضات على القانون المقرّ منتصف تموز المنصرم. اعتراضات تبدأ من عدم إشراك الصيّادين في المراحل التشريعيّة ونقاش القانون قبل إقراره، إلى التخوّف من خصخصة استثمار الشاطئ وموائل مراعي الأسماك عبر شركات الاستزراع (تربية السمك)، ورفض فتح المجال للشركات الأجنبية للصيد في المنطقة الاقتصادية الخالصة التي تقع خلف المياه الإقليمية للبنان. كما يثير بند تنظيم ما يسمى بـ"الجرف القاعي" هواجس الصيادين من إلحاق الضرر بالتنوع البيولوجي والنباتي البحري وضمنه مراعي الأسماك.
وتشمل مطالب الصيادين التخفيف من الآليات الإجرائية الجديدة في القانون والتي ترهق الصياد البلدي أو الحرفي الصغير وتفرض عليه رسومًا وإجراءات شبيهة بتلك الخاصة بالشركات، إضافة إلى عقوبات قاسية من بينها مصادرة قاربه، أي أداة مصدر رزقه.
" … خلونا نتطلّع أبعد من هـ الشختورة الصغيرة!"

نبدأ من العبارة التي وجّهها وزير الزراعة نزار هاني للصيادين في اجتماع جمعه معهم عقب صدور القانون، في محاولة لاحتواء غضبهم والاستماع إليه، وتقديم وعود قال أنها ستدرج كضمانات في المراسيم التطبيقية المرتقبة.
لكن "الشختورة الصغيرة"، التي دعاهم الوزير إلى النظر أبعد منها، ليست تفصيلا، إذ تختصر حياة صيادي لبنان. وعليه، من داخلها تحديدا، ينظر الصيّادون إلى القانون الذي ردّه رئيس الجمهورية، متفحّصين مدّ أحكامه وجزرها، وما قد ترتّبه على علاقتهم ببحرهم وحقوقهم، وعلى أوضاع مراكبهم ومناطق صيدهم التقليدية الآمنة "حتى الساعة"، والأهم لقمة عيشهم المالحة والشاقة.
نحن نتحدّث هنا عن 10000 صياد بحري، (عدا عن آلاف العاملين في المهن المرتبطة بهذا القطاع)، هم في الواقع سكّان المناطق الساحلية وأبناء البحر الذين توارثوا حرفة الصيد أبًا عن جد، عن جد الجد. وهم المحاصرون بين عدوان إسرائيلي مستمر منذ 8 تشرين الأول 2023 لغاية اليوم، احتل البحر بالنار والحصار والقتل والتفجير من المنصوري جنوب مدينة صور إلى الناقورة، ومنع خروج الصيادين جنوب صور نفسها، إضافة إلى تحديد مدى توغّل مراكبهم بنحو ستة أميال فقط باتجاه عرض البحر منذ القرار 1701/2006.
على خط نهاية الحدود عند بوابة سوريا شمالًا، فقد صيادو عكار، ومنذ بداية الأحداث السورية في 2011، ميزة ممارسة الصيد في المياه السورية، حيث كانوا يُعاملون معاملة الصياد السوري، وكانت مضارب مراكب بعضهم تصل إلى جزيرة أرواد مقابل طرطوس، وهو ما استمرّ، أي المنع، حتى بعد سقوط النظام في 2024.
ومع تحدّيات الحدود مع فلسطين المحتلّة جنوبًا ومع سوريا شمالًا بسبب عدم إنجاز ترسيم الحدود بين البلدين، يجذّف الصيادون في متاهات خريطة الشاطئ اللبناني المستباح والمُشرذم بين التعديات على الأملاك البحرية، ومصبّات الصرف الصحي المباشر، ومصبّات الأنهار التي تأتي مجاريها بمخلّفات الصرف الصحي والنفايات الصلبة لمناطق أحواض الأنهار، وكل ما تتركه هذه التعديات على غنى الثروة السمكية وتعدّد أصنافها حيث فُقدت أصناف من الأسماك البلدية. تُضاف إلى كل هذه التعديات والردميات، الواجهات البحرية والممرّات الملاحيّة (موانئ ومرافئ سواء شرعية أم مخالفة)، ثكنات عسكرية ومنشآت نفطية ومحميات ومناطق الأعماق وأخرى صخرية وعرة وغيرها.. حيث لا يتبقّى للصيادين، وفق ما يؤكد حسان العنان، ممثّل تجمّع صيادي لبنان ومن مؤسسي تعاونية ونقابة صيادي الأسماك في الأوزاعي، أكثر من نحو 25% من مساحة الشاطئ البالغة 220 كيلومترًا جرّ. هذا قبل أن يشرّع القانون الجديد الاستزراع بشروط يعجز عنها الصيّاد.
وللمفارقة، ورغم ردّ القانون، يحتفي وزير الزراعة نزار هاني بما يسمّيه "حماس المستثمرين للاستزراع"، كاشفًا للمفكّرة عن تقديم ملفيّن أنجز فيهما دراسة الأثر البيئي، ليؤكّد أنّه لم يتمّ البتّ فيهما بعد. وهنا يسأل الصيادون: "هل كان المستثمرون يعرفون بالقانون قبلنا؟ وبالتالي حضّروا ملفاتهم بهذه السرعة؟ علمًا أن لا أحد يعرف حتى الساعة عدد المواقع التي سيسمح فيها بالاستزراع وتوزّعها على الشاطئ ومساحاتها، فعن أي دراسة أثر بيئي نتحدث هنا؟"
ويتساءل صيّادون إن كان وزير الزراعة قد بدأ فعليّا بممارسة صلاحيّاته الواسعة التي منحه إيّاها القانون المردود، وهي صلاحيّات تحرّره من أيّ تشاركية في صياغة القرارات، كما في وضع الخطط العامة للقطاع، ومنح التراخيص وغيرها، والتي تشكّل أساسًا إضافيًّا لرفض المعترضين. ويضع الصيادون اعتراضهم على الصلاحيات الواسعة الممنوحة لوزير الزراعة في رأس لائحة هواجسهم، وصولًا إلى وصف بعضهم للحال بأن القانون يجعل من وزير الزراعة "حاكمًا بأمره" في كثير من مفاصل هذا القطاع.
كل هذا، والصيادون الخائفون على "لقمة عيش" عائلاتهم، لا يتمتّعون بأيّ ضمانٍ صحي، ولا يستفيدون من أي منح مدرسية لتعليم أولادهم، وطبعًا ليس لهم تعويض نهاية خدمة أو راتب تقاعديّ، ولا موانئ آمنة تحمي مراكبهم من الموج العاتي، فيما شرذمت التدخلات السياسية النقابات والتجمعات التي فرّخت كالفطر، كما حصل في كامل العمل النقابي على يد السلطة في لبنان في جمهورية ما بعد الطائف.
كل ما يحدث قذف بأمواج هواجس الصيادين إلى التاريخ البعيد لكنه قريب بحضوره، إلى الوعي الجمعي المسكون بنضال أسلافهم ومواجهتهم شركة "بروتيين" والتي انتهت باغتيال معروف سعد (1975)، رفضا لاحتكار البحر. "ما رح نخلّي تجربة بروتيين تتكرر"، بهذه العبارة يستهل محمد سمرا، أمين سر نقابة الصيادين في صيدا، حديثه للمفكرة. للتذكير، تأسّست هذه الشركة بفعل المرسوم رقم 2456 الصادر في 17 كانون الأول 1971، الذي منحها مجالات واسعة للصيد بالمراكب والأجهزة الحديثة، وحفظ الأسماك وتبريدها وتوزيعها وبيعها واستيرادها وتصديرها، وإنشاء صناعات تعليب السردين والطون ومسحوق السمك والسماد، فضلا عن إنشاء مرافئ صيد مجهزة. ورغم فرض المرسوم آنذاك لشروط روّجت على أنها تشكل ضمانة للصيادين كفرض ابتعاد الشركة لأكثر من كيلومترين عن الشاطئ وعدم مزاحمة الصيادين وشراء كامل إنتاجهم بطلب من وزارة الاقتصاد، وتشغيل من يرغب بشروط محددة.. إلا أن هذا الامتياز سلب صيادي صيدا بحرهم وجعلهم أسرى شباك الاحتكار وحوّل موارد رزقهم البحرية الى أصحاب رأس مال الشركة.
أمام كل هذا، تحرص المفكّرة في هذا التحقيق على عرض هواجس الصّيادين في معركة الدفاع عن لقمة عيشهم وعيش أطفالهم وضمان التوفيق بين مصالحهم كما حماية البيئة مع أي مشروع تنموي، وكل ذلك إزاء ما تقدّمه وزارة الزراعة على لسان وزيرها نزار هاني على أنه: "Momentum"، محطة مفصلية في مسار تحديث أنظمة الصيد المائي والاقتصاد الأزرق وزيادة الإنتاج. وهي رؤية دفعت بالصيّادين الحرفيّين التقليديّين إلى التساؤل: هل يُخطّط لكل ذلك على حساب رزقنا؟
توقيت مقلق في ظلّ السّيادة المنتهكة
"هلق وقت قوانين؟ مخنوقين نحنا.." يوجز سامي رزق، نائب رئيس نقابة صيادي الجنوب الوضع القاتم. وفي السياق نفسه، تستنكر د. لارا خطّاب الخبيرة في الاقتصاد السياسي والباحثة في قطاع الصيد في لبنان أن يأتي القانون في وقت لا يزال فيه أهالي الجنوب نازحين، بعد أن دُمّرت بيوتهم منذ ثلاث سنوات، وسط ما تصفه بجرائم حرب وإبادة طالت المزارعين والصيادين على حدّ سواء. وتطرح سؤالاً بديلاً حول أولويّة الدولة الفعليّة في هذه المرحلة: تعويض الصيادين المتضررين من الاحتلال، من مُنعوا من الإبحار، ومن تضررت مراكبهم، ومن قُتلوا أو خُطفوا، مشيرة إلى أعداد من قُتلوا في الناقورة، وتدمير المرفأ هناك بالكامل، إضافة إلى أوضاع صيادي صور العاملين تحت حصار بحري رغم كل الظروف. وتخلص إلى أن مسؤولية الدولة في هذه اللحظة هي تقديم التعويضات والدعم، لا تمرير قانون يحمي رأس مال "مجهول الهوية". وتربط خطّاب توقيت القانون بلحظةٍ أوسع تتعلّق بانتهاك سيادة لبنان في البر والبحر والجو في ظل استمرار الاحتلال، معتبرةً أن تمرير قانون من هذا النوع في هذا التّوقيت أمرٌ بالغ الخطورة.
القانون حلقة من سلسلة مثيرة للقلق
تدعو خطّاب، في حديثها مع المفكّرة، إلى قراءة القانون ضمن سياق تشريعات أقرت مؤخّرًا وتثير القلق، فالاقتصاد السياسي اللبناني، في رأيها، قائم على فكر نيوليبرالي يدمّر القطاعات المنتجة بدل أن يحفّزها، والصيد كالزراعة والصناعة، من القطاعات التي دُمّرت تدريجيا لمصلحة الريع والعائدات الخارجية والقطاع المصرفي.
وتعدّد خطاب ما تسمّيه تعدّيات بنيوية على القطاع: التعدّي على الأملاك البحرية، ردم البحر، تغيير واجهته بإنشاء الكورنيشات.. وأزمة التلوث.. وكلها عوامل ضيقت مساحات الصيد واحتلها، وتخلص خطاب إلى أن السلطة السياسية" ما كانت يوما معنية فعليًّا بمصلحة الصياد وحقوقه"، وأنها دعمت بصورة غير مباشرة قطاع الاستيراد، ما تعده مؤشر إضافي على غياب الاهتمام الفعلي بأوضاع الصيادين.
وبناء عليه، عمدت المفكّرة إلى تفنيد هواجس الصيادين واعتراضاتهم ضمن سلسلة محاور أساسية لاستعراض الملاحظات والثغرات الجوهرية.
1- هكذا صنع القانون من دون الصيادين: شبح "بروتيين" يلوح في الأفق وتشاركيّة "فلكلوريّة"
بداية، تشمل خارطة القوى المعترضة والمتحفّظة على القانون المردود: تجمع الصيّادين وتعاونياتهم ونقاباتهم، أكثر من 10 نواب، جمعيات بيئية كالحركة الزراعية والجنوبيون الخضر وخبراء مختصّون في القانون وقضايا البيئة والمناخ والإقتصاد السياسي. حيث نستعرض تباعا التقاطعات العمودية والأفقية فيما بين هذه الفئات، في إضاءة على أبرز الهواجس والتساؤلات الجدية والتي رصدناها إثر مقابلاتنا التي أجريناها من عكار إلى طرابلس والأوزاعي فصيدا وصور…
وإن كان قانون اليوم لا يعود بالبنود نفسها أو بامتياز لشركة واحدة كما حصل مع تأسيس شركة بروتيين، إلا أنه يسمح للشركات الأجنبية الصيد في المنطقة الاقتصادية الخالصة بترخيص من الوزير، كما يسمح لِمشاريع تربية الأحياء المائيّة (أي الاستزراع) بقضم مساحات غير معروفة الحجم وغير مُعلن عن أماكنها حتى الساعة، من أمام مراكب الصيد البلدي الحرفي.
ورغم ما تحمله هذه المحطة النضالية الاستثنائية في تاريخ لبنان (مواجهة شركة بروتيين)، من ذكريات أليمة لدى النائب أسامة سعد، ليس على الصعيد الوطني وحسب وإنما الشخصي على حد سواء، إلا أنه يقول للمفكّرة بأن الظروف التي تمرّ بها البلاد اليوم مختلفة بطبيعتها عن تلك اللحظة التاريخية التي شكّلت إحدى شرارات اندلاع أحداث جسيمة مأساوية أدمت البلاد لـمدة 15 عام: يوم شدّت البحرية همتها ورصّت صفوفها وإن تحت المظلات، حول القضية ومعروف سعد، في ذلك اليوم الممطر الذي انتهى باغتياله.
يأسف سعد كون "قانون اليوم يجترّ احتكار القطاع نفسه وإن اختلفت الظروف"، مُشيرًا الى أنّ نبض الحركة النقابية والشعبية قد خفّت مع تراجع المشروع الوطني ككل جرّاء التموضعات الطائفية والمذهبية الفئوية والتي أضاعت الكثير من حقوق الصيادين، كما سائر القطاعات الكادحة بالبلد. يستعيد سعد تلك اللحظة وما أعقبها من تظاهرات عمّت شوارع العاصمة ومناطق عديدة، بوجه "بروتيين" واستنكارا للاستهداف السياسي المباشر لمعروف سعد وما يمثله من حركة نضاليّة بل من مشروع وطني. ومع الإشارة إلى حقّ كل اللبنانيين والعائلة بمعرفة من يقف خلف الاغتيال، يوضح سعد أن ملف التحقيق باغتيال والده موجود اليوم في المجلس العدلي إلا أنه نائم، ويرجّح أن تنويم ملف بروتيين حتى الساعة، قد تمّ خشية من أنّ أي حركة في مكاتب الشركة المغضوب عليها شعبيا قد توقظ التحقيق بالاغتيال من سباته. فيما لا يستبعد عدد من الصيادين أن السلطة السياسية قد قررت دفن ملف بروتيين لا تكريما لحقوقهم أو وفاء لسعد بل استعدادًا لفتح البحر أمام شركات جديدة. وهنا يتساءل بعض الصيادين إن كانت الشركات الجديدة هي مجرد أقنعة لبروتيين أخرى تطل برأسها عبر القانون الجديد.
وباسم صيادي الجنوب، يحذّر سامي رزق،، من إعادة إنتاج احتكار بروتيين، وإن بصيغة مختلفة. ويرى أن رد الوزير عليهم بالقول: "أن الأمور لن تصل الى هنا." لم يبدد هواجسهم، ليؤكد: "ندرك تماما أننا كنا أمام شركة واحدة محتكرة أما اليوم فنجد أنفسنا أمام شركات عدّة".
من يملك حق رسم مستقبل البحر وناسه عندما يُغيّب الصياد؟
- من يقف خلف هذا القانون؟
طرحنا السؤال على وزير الزراعة نزار هاني، الذي أشار إلى منظمة الأغذية العالمية والزراعة للأمم المتحدة، الفاو، وتحديدا الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط GFCM: "كون الفاو، كما قال، تعنى، بحكم مهامها، بالأمن الغذائي، وترى أنه من دون تربية الأسماك نساهم في القضاء على الحياة المائية والنظم الإيكولوجية البحرية". ويستند هاني إلى الأرقام العالمية ليؤكد "أن أكثر من 50% من السمك المستهلك في العالم يُنتج من خلال المزارع والتربية، سواء في الأنهار أو البحار". هنا نسأل أين كان الصيادون من الورشة مع الفاو؟
يستنكر تجمّع الصيادين إقصاءَهم عن نقاش تشريع القانون المردود، لينفوا نفيًا قاطعًا ما أعلنته وزارة الزراعة من أن اجتماعاتها "اللاحقة لصدور القانون" مع الصيادين تأتي "استكمالًا لمسار طويل من الحوار والتشاور معهم ومع نقاباتهم وتعاونياتهم".
في المقابل، يؤكد العنان للمفكرة، أن الوزارة لم تعقد مع الصيادين أي اجتماع لمناقشة القانون قبل صدوره، وأنهم لم يُدعوا الى أي من اجتماعات اللجان النيابية. بل لم يحصلوا على نسخة من اقتراح القانون "إلا بعد إقراره، وبالصدفة عبر أحد النواب، وليس نتيجة أي مسار تشاوري مع وزارة الزراعة أو اللجان النيابية". ويستهجن العنان، تسمية ما حصل مسارا تشاركيا.
وفي المقلب الآخر، تقدّم وزارة الزراعة سرديّة مختلفة تماما، عنوانها "التشاركية والشفافية والحوار المسؤول". يصرّح هاني للمفكرة أن "جميع الجهات المعنية بالقطاع قد شاركت، من وزارات وصيادين وأكاديميين، إضافة إلى المنظمات الدولية كمنظمة الأغذية والزراعة وهيئة مصايد الأسماك في البحر الأبيض المتوسط." ويقول إن القانون ليس وليد البارحة، وإنّ الوزارة تعمل عليه منذ أكثر من 12 سنة، لافتا إلى عقد اجتماعات آنذاك مع ممثلين عن تعاونيات الصيادين ونقابات، جرى خلالها التباحث في أفكار القانون. ويشير هاني إلى لجنة شُكّلت في حينه وضمّت ممثلين عن الصيادين، قبل أن يُعاد إحياؤها وتوسيعها أخيرًا لتشمل مختلف الأطراف المعنية بالقطاع. موضحاً في الوقت نفسه، أنه لم يواكب الملف منذ بدايته. وينقل عن النائب إيهاب حمادة أن 47 جلسة تشاورية عقدت، وشارك في بعضها صيادون وتعاونيات ونقابات.
أما تيار الصيادين فمعاكس تماما، والرواية متناقضة. من صور يقول سامي رزق باسم نقابة صيّادي الجنوب: "نحنا القانون قريناه هونيك، باجتماع الوزير بعد إقراره. وأنا كنت طالب نسخة من موظفين الوزارة قبل، وما حدا بعتلي هي. ووعدنا الوزير يومها إنه رح يرجع يبعتها للكل، وبعده لليوم ما بعتها." ثم يسأل مستهجنا:"أي نهج تشاركي؟ هني فيهن يقولوا زي ما بدهن".
- ما يوثّقه المرصد البرلماني
نقرأ في أرشيف المرصد البرلماني، تسجّيل الاقتراح الذي تقدّم به النائب أيوب حميد في 14 نيسان 2021، ويوثّق المرصد، في 7 تشرين الثاني 2022 الاجتماع الأول للجان النيابية لدرس الاقتراح، والذي انتهى بإحالته إلى اللجنة الفرعية. وعقدت الأخيرة جلساتها في 14 كانون الأول 2022، ثم في 19 و 26 نيسان 2023، قبل أن تنهي دراسته وتوصي، في 9 آب 2023 بإقراره معدلا، وقد أقرّته اللجان المشتركة في 15 كانون الأول 2025، بظل غياب أي دعوة للصيادين.
قد لا يكفي هذا المسار، بمفرده، لإثبات العبارة التي ترددت في الهيئة العامة يوم إقرار القانون، ومفادها أن الاقتراح أمضى 12 عاما في اللجان وأنه "أشبع درسا". وقد تكون عُقدت اجتماعات فعلا على امتداد هذه السنوات، إلا أن المرصد يوثّق بداية رحلة هذا القانون بنسخة ما قبل التعديل المردود، منذ عام 2021. والأهم من ذلك أن القول بطول مدة الدرس لا يطعّم المسار بالصفة التشاركية. كما أن مجرّد عقد اجتماعات لا يجيب عن مدى احترام مطالب الصيادين والتوقّف عند ملاحظاتهم.
- تشاركية فلكلورية
السؤال الأصح هنا: "هل وُضع النص الكامل، مع أسبابه الموجبة وآثاره الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، على طاولة نقابات الصيادين وتعاونيّاتها؟ وقبل طرحه على الهيئة العامة للمجلس؟ هنا يلفت العنان أن الصيادين استندوا إلى ما ورد في تقرير اللجنة الفرعية، لإثبات تغييّبهم التام عن جلسات مناقشة القانون، والتي اقتصرت على أعضاء اللجنة النيابية وممثلي الحكومة.
وتكشف جلسة الهيئة العامة، كما وثّقها المرصد البرلماني، أن الخلاف حول مفهوم التشاركية لا يقتصر على الصيادين والوزارة، بل يمتد إلى النواب أنفسهم. فالنائب إيهاب حمادة نفى عدم استشارة النقابات، مؤكدا أن رأي الصيادين أخذ في الاعتبار. وتحدّث النائب أشرف بيضون عن توافق على معالجة الإشكاليات وتحقيق التوازن بين كبار الصيادين وصغارهم وضبط تراخيص الشركات الأجنبية.
لكن النائبة بولا يعقوبيان تؤكد أن نقابات الصيادين لم تُدع الى الاجتماعات، وإن تعريف الصيد الحرفي، الذي أدخل في اللحظات الأخيرة، لا يمنح أصحابه حقوقًا، لتطالب بمناقشة القانون، رافضةً تمريره بمادة واحدة.
- حين يتكلّم صيادو لبنان .. بصوت واحد
يقدّم العنان واقعة تختصر تجربته مع ما سمي تشاورًا. فقد دخل اجتماع الوزارة، بعد إقرار القانون، مكلفًا عرض الموقف الموحد باسم عشرات النقابات والتعاونيات واللجان، منعا لتشتت المطالب. وحين بدأ بإعلان موقفهم، سئل إن كان سيقرأ الورقة كاملة. فأجاب وفق روايته: «أنا أمثّل 45 تعاونية ونقابة ولجان صيادين وصيادين غير منتسبين، بصوت واحد». بالنسبة إلى العنان، لا تقاس المشاركة بفتح باب القاعة، بل بتمكين ممثلي القطاع من عرض موقفهم، وإتاحة الصيغة موضوع المناقشة. وبحسب قوله، لم يتمكّن من قراءة القانون للمرة الأولى إلاّ بعد إقراره، وفي الاجتماع نفسه الذي عقد بوصفه "اجتماعا تشاورياً".
بعد إقراره بمادة وحيدة… عُدّل القانون دون علم النواب بصيغته النهائية
"129 مادة أقرّت بمادة وحيدة وبرفع الأيدي… وبعدها أنا أكيد أنه تم تعديل بعض البنود.. النواب أنفسهم ما عرفوا بالنسخة التي تم إرسالها لرئيس الجمهورية بعد التصويت" يصرّح حسان العنان لـ"المفكرة". وهذا ما يؤكده النائب سعد بقوله: "عملوا تعديل بعد إقراره، اسألوا في نواب كتير ما بيعرفوا أنو تمت تعديلات.. لأن صار التعديل بعد الإقرار". ويستنكر سعد أن يقرّ قانون بهذه الأهمية، بتداعياته على آلاف العائلات ومساسه بالبحر وحقوق ناسه وثراوته ومستقبلهم المعيشي، بمادة واحدة. ويرى في ذلك مؤشّرا إضافيًا على أن مجلس نواب يمثل القوى الرأسمالية الكبرى في البلد. ويعلّق آسفًا أن يكون قانون قد "أشبع درسا"، وفق أبرز حجج الكتل النيابية المؤيدة، لتقرّ صيغته بهذا الشكل: "12 سنة باللجان ما حدا خطر بباله الصياد المحترف..أدخل في اللحظات الأخيرة". ويوضح سعد أن الصيغة الأساسية التي أقرّت لم تتضمّن تعريفًا للصيد الحرفي الصغير النطاق، بل أدخل بوصفه تعديلا باقتراح أعدّته النائبة عناية عز الدين ووافق عليه الوزير هاني، من دون أن يُقرأ بوضوح أمام النواب أو يصوّت عليه. ويضيف: "لو وقّعه رئيس الجمهورية، كان سيصدر القانون بالجريدة الرسمية مع التعديلات.. وشو التعديلات؟ ما حدا من النواب كان عارف أو منتبه كيف مرقت".
وبالعودة إلى تقرير المرصد البرلماني حول نتائج جلسة 15 تمّوز، يتبيّن أنه يوثّق هذا الخطأ التشريعي: "تمّ التصديق على الاقتراح بمادة وحيدة برفع الأيدي وبمناداة شكليّة مع إعلان الرئاسة الأخذ بالتعديلات المقترحة دون أن يتسنّى معرفة صياغتها بشكل واضح". ويثير التعديل على أساس ورقة مكتوبة لم توزع على النواب ولم تناقش إشكالات تشريعيّة واضحة، علما أنها شملت أكثر من 10 بنود من القانون وفق مقارنة المرصد البرلماني للنص الأصلي والنص المرسل إلى رئيس الجمهورية، اتصلت في أغلبها بتعريف الصيد الحرفي وصغار الصيادين.
- تصديق من دون تصويت وفي ظل فقدان النصاب
ورغم اعتراض بعض النواب، ومنهم النائبة بولا يعقوبيان، ورغم توصية سعد بتأجيل إقرار القانون وإعادته إلى اللجنة المختصة لاستكمال التشاور مع المعنيين، وإدخال تعديلات أساسية على النص، سارع رئيس مجلس النواب إلى إعلان رفع الجلسة والتصديق على خلاصة محضرها، حين لاحظ بدء بعض النواب بالخروج منها. علما أن التصديق تمّ من دون تصويت، وفي ظل فقدان النصاب، وفق ما يوثّقه المرصد البرلماني.
هكذا، تتجاوز مسألة التشاركية عدد الاجتماعات أو سنوات درس القانون، لتمسّ صلب التشريع ومنهجيته. واليوم بعد أن حمل الصيادون مطالبهم وهواجسهم إلى المجلس النيابي والتي سنخصص لها محاور خاصة تنشر لاحقا، يدخلون من جديد المسار الذين غيبوا عنه، مع فرصة إعادة درس القانون برمّته. ويبقى الرهان أن تسلك مطالبهم وملاحظاتهم طريقها الى نص القانون الذي ينظم مهنتهم وشروط بقائهم في البحر. فمن "الشختورة الصغيرة" يُرى ما قد يغيب عن طاولة التشريع: كل مساحة تغلق، وكل عبء يضاف، وكل ضمانة تبقى مفرغة من جوهرها، تمس قدرة الآلاف على العيش من البحر، وهذا ما يحرص الصيادون بأن يكرّس في أحكام القانون، قبل أن يصبح القانون حاضراً في تفاصيل حياتهم ورزقهم.
2. هواجس الصيادين
يعلن النائب أسامة سعد من دون مواربة رفضه القاطع لأيّ مزارع في البحر، صونًا لمصالح الصّيادين، ومنعًا لاحتكار القطاع من قبل أصحاب الرساميل الكبرى. وفيما يردّد بعض الصيّادين نفس الهواجس والمواقف المتشدّدة، على خلفية أن البحر بات يضيق بأهله، يركّز آخرون على ضرورة اعتماد ضوابط صارمة للاستزراع والحفاظ على مناطق الصيد التقليدية. من جهتها، وإذ تحذر الحركة الزراعية من مشاريع الاستزراع وخاصة في مناطق الصيد، فإنها لا ترى مانعا في إنشاء أقفاص عائمة التي "تكون لغاية إكثار أنواع أو مخزون بلدي معيّن".
استزراع أسماك أم استيلاء على ما تبقّى من البحر؟

"ما عاد عنا بحر بصور… كيف إذا جايي الاستزراع؟"، يقولها سامي رزق، نائب رئيس نقابة صيادي الجنوب، لـ "المفكرة"، مشيرًا إلى أن القانون "يفتح المياه اللبنانية أمام الاستزراع السمكي وتربية الأحياء المائية. فالاعتراض لا يبدأ من مادّة قانونيّة بعينها، بل من سؤال أبسط: "كم بقي أصلا من البحر للصياد؟"
- بحر قُضمت مساحاته
يعرض حسان العنان، باسم التجمّع الموحّد، موقفا لا يرفض الاستزراع إذا حصل بضوابط صارمة وبخطوط حمراء واضحة. ويرسم هذه الضوابط بـ: "شرط ألا يمسّ مناطق الصيد التقليدية"، وإلا سيواجه برفض الصيادين وأهالي المنطقة. وأن تُضبط أنواع بذور الأسماك وحماية البيئة والأعلاف والمنشآت، وتحت رقابة فعلية ودورية ومتشددة وضبط المخالفات. وهنا يتساءل عن قدرة وزارة الزراعة، بإمكاناتها وكوادرها على ذلك.
"ممنوع الاقتراب من مناطق صيدنا" يكرر العنان، ثم يعدّد ما جعل البحر يضيق على ناسه نتيجة التضييق شمالا وجنوبا، ويخلص إلى أن: "ما تبقّى للصيادين والهواة للتنافس عليه لا يتعدى مساحة 20 إلى 30% من إجمالي مساحة الصيد المسموحة، هذا إن وُجد فيها سمك بالأساس!". في وقت لا تملك وزارة الزراعة نسبة المساحات التي لا تزال متاحة للصيد.
- إثنا عشر ميلا حبرا لا بحرا
"حبر على ورق"، هكذا يرى الصيادون الحديث عن دعمهم، إذ لا يحرّك ساكنا في وصولهم إلى البحر. ويقول سامي رزق ابن الجنوب الذي ينزف: "أتحفنا الوزير أنهم سمحوا لنا بالتوغل لـ 6 ميل، وأنه هو جبلنا 12، نحنا مسموح لنا 12 بس ممنوع جنوبا، مع القرار 1701 نقرّب أكثر من 6، رح يغير معاليه الـ 1701؟".
وبين هذا المنع والمحميات الثلاث (محمية العباسية البقبوق، محمية صور الشاطئية، حمى المنصوري) والاحتلال الإسرائيلي لجنوب صور.. يستنكر رزق: بعد بدن يضيّقوا علينا ويجيبوا شركات تنافسنا؟ مش باقيلنا شي.." ويضيف بأسف: "شو تركولنا؟ منتصيّد بقلب الفلوكة؟ ما نحن تحت رحمة العدو الإسرائيلي منشتغل، بس بده يلحق الزوارق والصيادين، وبمزاجيّته بيطلق النّار عليهم..!"
وينتقل رزق إلى العاصمة، ويوضح: "حتى ببيروت وغير مناطق في أعماق مخيفة بس تبعدي عن الشاطئ، خطرة علينا". ويحسم: "همّهم فتح البحر للشركات الجاية أما الصياد فباق ضمن منطقته يلي ح تروح للاستزراع".
وعن تكبير حجم المركب، الذي يتيح للصياد الإبحار أبعد، يشرح رزق كيف تحوّل إلى عبء إضافي جرّاء الشروط والإجراءات والأذونات التي فرضت على: "الزوارق فوق الـ 10 أمتار بصير بدها أذن من الغرفة البحرية من صيدا.. وصار الصيادين ما يكبّروا الزورق بسبب إجراءات تسجيل دخول وخروج". ويستعيد زمنا آخر ويسرد: "أيام الحرب، كانوا الصيادين يوصلوا بمراكب 7 أمتار ع قبرص ويرجعوا، بس اليوم اختلفت الأمور، وصارت زوارقنا تحت مستوى الشغل.. ومنعونا بالشروط".
من هذا الواقع، يطالب العنان بفصل أحكام الاستزراع السمكيّ وتربية الأحياء في الأحواض والبرك والأنهار والمياه العذبة، عن أحكام الصيد البحري التقليدي، وبمنع تسليع أجزاء من المياه الساحلية وخصخصة استثمارها أو اقتطاعها لمصلحة مشاريع استثمارية خاصة.
من جهته، يؤكّد المحامي نجيب فرحات (المكلّف من قبل النائبين بولا يعقوبيان وأسامة سعد بدراسة القانون وتعديلاته) أن هواجس صغار الصيادين "محقة لناحية الخوف من أن تُهضَم حقوقهم لصالح الشركات الكبرى لجهة الاستزراع السمكي وتربية الأحياء المائية، والتي ستحدّ من قدرتهم على الصيد"، محذرًا من أن الجهات التي ستُمنح التراخيص ستدخل في منافسة حادّة مع الصيادين في مواقع صيدهم التقليدية المقضومة أصلا.
من جهتها، تشدد سارة سلوم، باسم الحركة الزراعية، على رفض الصيادين الاستزراع بالبحر بشدة، لما يرونه من مخاطر بيئية وتهديد للقمة عيش الآلاف من بينهم. وتتحدّث سلوم عن ضغوط سياسية ووعود بشراكات وفرص عمل تصفها بـ الواهية، تستخدم لدفع الصيادين إلى القبول بما يحاول القانون فرضه، أو على الأقل خفض سقف مطالبهم، كالمطالبة بوضع شروط وضوابط للاستزراع. وتفرّق سلوم بين مشاريع الاستزراع والأقفاص العائمة التي "تكون لغاية إكثار أنواع أو مخزون بلدي معيّن". فالحركة ليست ضد هذه الأقفاص إن كانت لخدمة الصياد، لكنها ترفض مشاريع الاستنسابية في منح التراخيص، والتي ستحرم الصياد من مساحة صيده وتحرّم عليه الاقتراب من مساحات سيُزرع فيها بيوض لها ملكية فكرية وحصرية بالاستثمار. وهنا يحذّر العنان: "ما يروحوا يجيبولنا سمكة غريبة تقضي على أصنافنا البلدية، مثلما حصل في العديد من دول العالم".
يرد وزير الزراعة نزار هاني على هواجس الصيادين من الاستزراع بالقول: "أن القانون لا يهدف الى قطع أرزاق الصيادين بل أنه يسعى الى تأمين استدامة المهنة وحمايتها عبر حزمة إجراءات وبدائل اقتصادية حقيقية". ويرى أنّ الأنشطة السياحيّة لا تتعارض مع تربية الأسماك وأن الأخيرة قد تصير جزءًا من الأنشطة السياحيّة المستقبليّة. ويرفض وصف القانون بخصخصة للبحر أو احتكار له، باعتباره "قراءة غير دقيقة". فالاستزراع، وفق ما يقول، ليس بديلا بل رديفا يُسهم في خفض كلفة الاستيراد، ويوضّح أن الأصناف التي ستُربى هي الأجاج والبراق، وكلاهما يستورد اليوم كليّا من الخارج.
ويرى وزير الزراعة أن القانون يجيز استعمال المياه البحريّة والنهريّة في لبنان بشكل أفضل ويفتح المجال أمام إنشاء مزارع لتربية الأسماك ما سيؤدّي إلى خفض استيراد المنتجات البحريّة وتلبية حاجات السوق اللبناني. واعتبر أن القانون بات يتطابق مع المعايير الدوليّة لا سيّما معايير منظمة الأغذية العالميّة (الفاو).
وبحسب هاني، إن المشاريع "ستخضع لموافقات صارمة، باشتراط مراعاة ممرّات إبحار الصيادين وعدم التأثير على مصائدهم التقليدية، إلى جانب التقيّد بمعايير بيئية كدراسة تقييم الأثر البيئي، وإشراك مجتمع الصيادين المحلي". كما ويلفت هاني إلى منح الأولوية لتعاونيات الصيادين في إنشاء مشاريع تربية الأحياء المائية، بما فيها الأقفاص العائمة، مباشرة أو بالشراكة مع القطاع الخاص، ليصيروا، وفق الرؤية أو الرواية الرسمية، شركاء في القطاع بدل أن يكونوا متضررين منه.
من سيد لمهنته الحرفية إلى حارس للأقفاص
"قد ينتهي الأمر بالصيادين للعمل حراس أقفاص الشركات"، ينبّه النائب أسامة سعد، محذّرا من الترويج للاستزراع بوصفه فرصة عمل أو دعمًا للصيادين، ومن محاولة إيهامهم بشراكات وهمية. ويؤكّد العنان عجز الصيادين وتعاونياتهم بإمكانياتها الراهنة، عن منافسة أصحاب رؤوس الأموال.
وإذ يعترف الوزير هاني "أن الوضع المادي المتردي للصياد الحِرفي قد يشكّل عائقاً أمام الاستثمار الفردي في قطاع الاستزراع المائي"، وعليه، يرى أن الشراكة المتوازنة بين الصيادين والمستثمرين هي السبيل لإنجاح هذا القطاع، حيث يقدم المستثمر رأس المال بينما يقدم الصياد خبرته". ويؤكد للمفكّرة أن: "جزءًا من الشروط التي ستفرض في المراسيم التطبيقية، هي الشراكة مع التعاونيات ومجموعات الصيادين".
هنا يستنكر العنان: "ماليًا ما منقدر! لا تعاونيات ولا صيادين.. أي صياد معه 100 دولار بجيبته؟ وموتور مركبه ما قادر يغيره؟ هيدي مزرعة سمك ممكن تكلف ملايين الدولارات أو مئات الآلاف؟"
ويضيف: "أي تعاونيات بدها تشارك؟ أغنى تعاونية اليوم معها 4000$ بصندوقها، أكواريوم بالبيت ما بتعمل!" لافتًا إلى أموال تعاونية الأوزاعي "الأغنى": "معنا 120 ألف دولار.. وينن؟ حاجزينهم بالبنك، وما عطتنا مديرية التعاونيات بالوزارة إفادة لنسحب منها 400$ بالشهر".
حذار من مصيدة القروض وشبكة الديون
لدى سؤال الوزير عن قدرة الصيادين والتعاونيات على الشراكة، يقترح هاني على الصيادين "عقد شراكات مع القطاع الخاص". إذ يرى أنهم "بخبرتهم، الأكفأ بالبحر لإدارة هذه المصايد، وتطوير قدراتهم لجهة تصنيع الأقفاص وربطها". ويشير إلى عقد اجتماع قريب لعرض التجربة التونسية في هذا المجال، وفي إنتاج بذور السمك والعلف، حيث الاعتماد شبه كامل على القدرات المحلية في تونس.
ويكّرر هاني بإمكانية إفادة الصياد من مشاريع كفالات وغيره. وفي خضم حماسه لما يسمّيه "لحظة مفصلية" لإدارة البحر والاقتصاد الأزرق، يطمح هاني إلى قفزة نوعية في حياة التعاونيات: "ما بدنا تضل التعاونيات أجسام ضعيفة وفقيرة وغير قادرة على الاستثمار وتطوير حالها وتطوير الصيادين وزيادة دخلها". ويأمل هاني أن تغدو التعاونيات اللاعب الأساسي في تربيّة الأسماك بالشراكة الكاملة مع القطاع الخاصّ". وينتهي بحسم النقاش: "بلا شراكات صعب أنها تتطور".
يستنكر العنان حلول الوزير، ملقّبًا إياه بوزير "الرفاه الفكري"، ليتساءل إن كان دخول الصياد مجال الاستثمار سيدفعه إلى مؤسسات الربا ويغرقه بالفوائد والديون... ويلفت العنان إلى أن أي جهة مقرضة ستطلب كفالة ورهنا: "شو منرهن لها؟ سمك ببحر؟ أو ولادنا؟". نحن نتحدث عن صياد يعجز عن سداد قرض 1500 دولار أحيانًا، فهو "لا يعمل أكثر من 250 يومًا من أصل 365".
ويضيف العنان إلى العائق المالي شروطا إدارية وقانونية "أشبه بـ التعجيزية". فالتعاونيات لم تدرج الاستزراع ضمن أهدافها التأسيسية عند إنشائها، وعليه ف "إن أي تعاونية أمامها عائق، ومتابعة الأصول التعديلية وإجرائية هي مرهقة لها وقد تتعذّر".
خطر استنزاف الشركات الأجنبية لـ "خميرة البحر"
يرفض الصيادون تمامًا الترخيص للشركات الأجنبية بالصيد في المنطقة الاقتصادية الخالصة واصفين إيّاها ب "خميرة البحر وبركته"، أو بالخراج العقاري المائي للمياه الإقليمية. وردًّا على اعتراضاتهم، يوضح هاني للمفكّرة، أنّ القانون لا يمنح "تلقائيّا" أيّ تراخيص لهذه الشركات في تلك المنطقة، بل يكرّس حقّ الدولة اللبنانية في تنظيمها وإدارتها وفقًا للقوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية، ويعزز قدرتها القانونية على ملاحقة أي جهة أجنبية تمارس الصيد غير المشروع أو تنتهك الحقوق السيادية للبنان في مياهه. أما التراخيص التي يمنحها الوزير للشركات الأجنبية، فحصريا خارج المياه الإقليمية اللبنانية التي خصصها القانون الجديد كاملة (12 ميلا) للصياد اللبناني، وفق ما تعلنه الوزارة، بعدما كانت محصورة بستة أميال في القانون السابق. ويلفت الوزير الذي كان وعد الصيادين بأنه لن يمنح أي إجازة للصيد الأجنبي، أن التصاريح تصدر بعد اقتراح الادارة وأنها تكون مبنية على دراسات علمية.
"دعهم يسرقون ولا تفتح لهم البحر بقانون"
يردّ مصطفى أنّوس ويقول: "أخطر ما ينص عليه القانون هو الجرف القاعي، نرفضه أكان من قبل شركات أجنبية أو لبنانية." ويضيف "لن نسمح للشركات الأجنبية بأن تصطاد بالمنطقة الاقتصادية الخالصة، يلي نحنا كصيادين منعتبره مخزون السمك تبعنا، وبس يخف السمك عنا بالمياه الإقليمية، مننطر التغيير بظروف الطقس، ليدخّل لنا البحر سمك من المياه الاقتصادية.. ونبّه: "إذا سمحوا للشركات أنو تتصيد هونيك أو تجرف، دمّرونا بهيدي الطريقة". ويختم: "نحنا اعتمادنا على هذا المخزون، عم يحرمونا ياه".
أما طلعت حرب، رئيس تعاونية صيادي الأسماك في الأوزاعي، فيقول: "دعهم يسرقون بالليل وحاسبهم ولا تفتح لهم البحر بقانون، ليجرفوا ويشيلوا الأطنان؟"، متسائلا عن إمكانيات الإدارة في مراقبة المنطقة الاقتصادية الخالصة. ويضيف حرب: هذا البحر، مثل كف إيدنا، نعرفه عن آبائنا وأجدادنا، عمرنا فيه من ثلاثة آلاف سنة، ولن نرضى بأن يجلبوا لنا أحدًا أجنبيًا يأخذ رزقنا." ويوضح حرب: "صحيح أنّ إمكاناتي اليوم لا تسمح لي بالذهاب 12 ميلًا، لكن بالتأكيد ابني سيكون عنده قارب ويستطيع أن يصطاد". ويروي سامي رزق للمفكرة: "قبل 2006، كان يطلع الصياد يصيد سمكة التونة.. يجيب 40 و50 سمكة وقت منعوهم ما عادوا جابوا.. بس يسمحوا اليوم لشركات غريبة تتصيد هيدي التونة من بحرنا، والصياد ابن هالبحر ممنوع يقيمها؟ ويرجع يشتريها منن بكرا؟" يحسم رزق: " ما حدا رح يقبل".
ويتساءل العنان بدوره، عن الأساس العلميّ لمنح التراخيص الجديدة في المنطقة الاقتصادية الخالصة: " في سمك لتعطوا تراخيص؟ هل تعلمون مخزون المنطقة الخالصة؟ في فائض عنا؟" ويلفت إلى خطورة التوقيت: "كل العالم عم يصرّخ إنو خفّ مخزون التونا اليوم وعم ينادوا بتشديد الحماية، جاي إنت تعطي رخص جديدة لما تعمل المنظمات الدولية والجمعيات على حمايته؟"
تهديد القانون للعدالة البيئية والإجتماعية
في تحليله للواقع الناتج عن قانون الصيد المائي والنقاش على ضفتي المعارضين والمؤيدين، يرى هشام يونس، الباحث في قضايا البيئة والمناخ والاستدامة ومؤسّس جمعية الجنوبيون الخضر، أنه لا يوجد مبرّر علميّ أو بيئيّ لإضافة قدرة صيد تجارية أجنبية قبل إثبات أن حالة المخزونات والنظام الإيكولوجي تسمح بجهد صيد إضافيّ من دون الإضرار بالمصايد المحلية". ويشدّد أن الأولوية في لبنان ينبغي أن تكون لحماية المورد وتعزيز فرص الصيادين المحليين واستدامة سبل عيشهم.
ويشير يونس إلى العدالة البيئية والاجتماعية. فالصياد الحرفي اللبناني يتحمل أصلاً، آثار تدهور البيئة البحرية والتلوّث وتغيّر المناخ وارتفاع تكاليف التشغيل، وسيُطلب منه أيضاً تحمّل جزء من كلفة حماية المورد، عبر القيود على جهده أو المواسم والمعدات أو متطلبات الامتثال والتحوّل إلى ممارسات أكثر استدامة.
ومن هنا، يطرح فتح المجال أمام قدرة صيد تجارية أكبر مسألة أساسية، تتعلّق بحسب يونس، بعدالة توزيع حقوق الوصول إلى المورد وأعباء حمايته، ومنافع استغلاله، وبضمان ألا تأتي زيادة القدرة الاستخراجية على حساب فرص الصيادين المحليين واستدامة سبل عيشهم. فلا يستقيم أن يُطلب من الصياد الحرفي خفض الضغط على المخزونات والمساهمة في كلفة حمايتها واستعادتها، فيما تُضاف إلى المصايد قدرة استخراجية تجارية أكبر.
كما أن الصياد الحرفيّ، برأي يونس ليس مجرد وحدة من جهد الصيد، بل جزء من الاقتصاد والمجتمع المحلي ويحمل معرفة إيكولوجية محليّة تراكمت من علاقته بالبحر. ولذلك فالعدالة هنا توزيعية وإجرائية ومعرفية أيضاً: تتعلق بحقّ الوصول إلى المورد، والمشاركة في القرار، والاعتراف بمعرفة الصيادين إلى جانب المعرفة العلمية.
ويخلص يونس إلى القول: "الأولوية، في تقديري، هي استعادة سلامة النظام الإيكولوجي، واستكمال المعرفة العلمية، وتعزيز ودعم الصيد الحرفي وقدرته على الصمود والتحول المستدام، قبل إضافة قدرة استخراجية تجارية جديدة، إذا سمح التقييم الايكولوجي البحري بذلك".
من حق الوصول إلى البحر إلى حق العيش منه
"علبة دوا للصياد ما قادرين نشتري.. "
يشير طلعت حرب، رئيس تعاونية صيادي الأسماك في الأوزاعي، إلى أنّ الصيادين "عم يموتوا ع أبواب المستشفيات، ما عم نقدر نعمل شي غير نبوس إيد هالوزير ونتصل بهالنائب.. "
ويقول مصطفى أنّوس، رئيس تعاونية ونقابة صيادي الشمال، "بسوريا في ضمان صحّي للصياد، وهيدي دولة ببلد صرلها 20 سنة بحرب، ونحنا عم نموت على باب المستشفى ومنتصل بفلان نبسله ايده لحتى نغطي التكاليف.."
وهنا يكشف العنان، معاناة الصيادين: "ولا شركة تأمين قابلة تأمن مراكبنا.." ويشير إلى أن التأمين جائز لمراكب النزهة فقط بحجة أن للتأمين شروط صارمة، ويتساءل بحرقة:" شو شروط صارمة؟ بدك جيب مركبي من قصر ماكرون؟ وإجي اشتغل فيه بالبحر ونحنا سترة نجاة ما معنا نشتري.."، ويقول:" ما منعرف شو عم يحكي هالوزير" ويدعوه إلى مناظرة علنية ليكوّن صورة حقيقية عن الواقع الذي يعيشه الصيادون. ويؤكد العنان رفض التجمع بتحويل الصيادين إلى عمال ومياومين لدى الشركات أو إلى حراس مزارع أسماك تحت رحمة الشركات وشروط استثمارها.
3- أي آثار أو مخاوف بيئية؟
بالإضافة إلى أثر القانون المُعاد إلى البرلمان على مصالح الصيّادين، فإنّ له أثر كبير على البيئة البحرية وعلى الثروة السمكية. ففيما يتضمن القانون وفق الباحث البيئي هشام يونس (مؤسس الجنوبيون الخضر) آليات لحماية المخزون والتنوع البيولوجي، لكنه ينظّم في الوقت عينه إمكانات أوسع للاستغلال: أقفاص استزراع على الشاطئ، وتراخيص لمراكب أجنبية بالصيد في المنطقة الاقتصادية الخالصة، فضلا عن أنه لم يحظّر الجرف القاعي بصورة مطلقة. من هنا، تثور أسئلة عدة منها: وما هي مخاطر هذا القانون على المخزون السمكي والبيئة البحرية؟ وما هي المفاعيل البيئية للاستزراع؟
مخاطر القانون على المخزون السمكي والبيئة البحرية
لدى سؤاله عن المخزون السمكي في لبنان، يوضح وزير الزراعة نزار هاني للمفكّرة أن الوزارة قد أجرت مسحًا على مدى 4 سنوات بالتعاون مع الفاو والمجلس الوطني للبحوث العلمية، عبر استقدام باخرة بحثية من تركيا، وهي بانتظار إعلان النتائج من المجلس. "ما حدا بيعرف قدّاي عم نستهلك سمك؟ منعرف قداي عم نستورد، قال الوزير 80% والثقل من تركيا وتركيا عندها استزراع" يختصر النائب أسامة سعد في حديثه للمفكّرة إشكالية الأرقام الغائبة، كما سبق أن أشار الى غياب معطيات دقيقة عن حجم المخزون. ويكرّر حكمه: "الحديث مثالي والقانون كله شوائب".
وهنا، يميّز د. هشام يونس، الباحث في قضايا البيئة والمناخ والاستدامة ومؤسّس جمعية الجنوبيون الخضر، بين وجود بيانات ومسوح علميّة وتقييمات لبعض المخزونات، وبين امتلاك تقييم شامل ومحدّث لمختلف المخزونات التي تقوم عليها المصايد اللبنانية. فلبنان، بحسب يونس، أصبح يمتلك قاعدة علميّة أفضل، وهناك تقييمات لمخزونات محدّدة، كما أن المسوحات البحرية الأربعة بين 2021 و2025 أضافت بيانات مهمة. ويلفت يونس: "بناءً على ما هو منشور، لا أستطيع تأكيد وجود تقييمات حديثة تغطّي مختلف المخزونات الرئيسية وتوفّر أساساً وطنياً متكاملاً لتحديد سقوف كمية دقيقة للصيد".
ويسارع يونس لتسجيل تحفّظ منهجي على اختزال إدارة المصايد في تقييم المخزون وحده. فإن المخزون ليس مجرد كتلة حيوية يحدد مقدار ما يمكن استخراجه منها، بل تعتمد استمراريته على الموائل ومناطق الحضانة والتكاثر والعلاقات الغذائية وحالة النظام الإيكولوجي الذي يدعمه.
لذلك يحتاج تحديد مستويات الاستغلال إلى معرفة بديناميات المخزون وجهد الصيد الفعلي، وفي الوقت نفسه بحالة النظام الإيكولوجي وقدرته على التجدد والصمود أمام الضغوط المتراكمة. ويوجز يونس المبدأ الحاسم: "نقص المعلومات لا يشكل دليلاً على وجود فائض مُتاح للاستغلال، بل يقتضي تأمين هامش أمان أكبر في تحديد جهد الصيد ومنح التراخيص".
وعن المخاطر الفعلية لمنح تراخيص صيد وتربية الأحياء المائية من دون معرفة دقيقة بحالة المخزون، يوضح يونس أن الخطر لا يقتصر على انخفاض كمية الأسماك المتاحة للصيد. فمن دون معرفة كافية بالكتلة الحيوية والبنية العمرية والتجنيد والقدرة على التكاثر والنفوق الناتج عن الصيد وجهد الصيد الفعلي، يصعب تحديد مقدار الضغط الإضافي الذي يمكن للمخزونات تحمله.
والاستنزاف، برأي يونس: "ليس مسألة كميّة فقط، فالأنواع جزء من شبكة غذائية مترابطة". ويضيف: "إن منح تراخيص إضافية من دون معرفة كافية بحالة المخزونات وجهد الصيد ووظائف الأنواع داخل النظام وقدرته على التجدد قد يؤدي ليس فقط إلى استنزاف بعض الأنواع، بل إلى إضعاف بنية النظام الإيكولوجي البحري ووظائفه وقدرته على تحمل الضغوط والتعافي منها".
الاستزراع ليس نشاطا محايدا
يقول الوزير هاني أن "الفاو" أجرت دراسة أولية في عام 2012 لاختيار بعض المواقع المحتملة من الناحية الفنية لوضع أقفاص في البحر لتربية الأسماك وتُستكمل هذه الدراسة حاليا لتحديد المواقع بدقة، بالتعاون مع عدد من الإدارات المعنية. وعن آلية اختيار هذه المواقع وأسسها، يلفت هاني إلى أنّ الوزارة هي في مرحلة جمع البيانات من الإدارات المعنية للحصول على إحداثيات المناطق التي لا يمكن استعمالها لوضع أقفاص التربية، ليتسنّى تحديد المواقع الصالحة فنيّا. وتوضح الدراسات الأولية التي أعدّت مع الجيش اللبناني والمجلس الوطني للبحوث العلمية والفاو، وفق هاني، تعذّر إقامة تربية أسماك على طول الشاطئ اللبناني؛ إذ تحتاج إلى عمق محدّد ولربط الأقفاص بالأرض لحمايتها من التيارات كي لا تجرفها، يوضح هاني للمفكّرة.
وتشير التقديرات الأولية، بحسب الوزير، إلى احتمال أن تشمل تربية الأسماك 10 إلى 20% من الشاطئ، لكنه يفضّل عدم الإعلان عن أرقام نهائية في هذه المرحلة، إذ يتطلب الأمر استكمال الدراسات والإجراءات الدقيقة. ويؤكد هاني أن الشاطئ لن يكون ممتلئا بتربية الأسماك بأي حال، بل ستقتصر على مواقع محدودة. وعليه، تثير هذه النسب، وإن كانت أولية، الهواجس من جديد، لدى مقارنتها بتلك التي ما زالت متاحة أمام الصياد الحرفي اليوم، ما يجعلنا أمام منافسة حقيقية تهدد حقهم في الوصول إلى الموارد والحق في إدارتها وحفظها للأجيال القادمة.
وعن منح حقّ الاستثمار وفيما سيكون على قاعدة "مين سبق شم الحبق" وعمّا هي الآليات القانونية والإدارية التي ستعتمد، يوضح هاني بأن كل ما يتعلّق بتحضير الملفّات ستشمله المراسيم التطبيقية، ويكشف أن: "ملفين قدّما إلى الوزارة حتى الآن، لم يبتّ فيهما بعد، ولكن هناك ناس "متحمّسة جدا"، على تربية الأحياء المائية في البحر، وقد أنجزوا تقييم الأثر البيئي، وصار لدى الوزارة ملف متقدّم عن الآخر. إضافة إلى "ناس جاهزين وحاضرين" لهذا النوع من الاستثمارات، يضيف هاني. وسرعان ما يستدرك أن على الوزارة أن تتأكّد من أن هذه المشاريع تتم بالشراكة الكاملة مع الصيادين، خصوصا من خلال تعاونياتهم، وأن تضمن استدامتها.
أما النائب أسامة سعد، فيقرأ هذا الحماس، على أنه "مؤشر خطير وينذر بكارثة"، ويقول: "محضرين حالن.. هناك حيتان متحفّزة"، مشيرًا الى وجود مستثمرين وقوى سياسيّة يسعون للإفادة من ثغرات القانون غبّ الطلب، بما قد يهدّد حقوق الصيادين اللبنانيين والثروة البحرية الوطنية.
وعن الخطر البيئي الفعلي لمزارع تربية الأحياء المائية على السواحل اللبنانية، يوضح يونس أن الاستزراع ليس نشاطاً محايداً إيكولوجياً؛ فأثره يتحدد بنظام الإنتاج وكثافته والنوع المستزرع وتصميم المنشأة وخصائص الموقع، وبصورة أساسية بقدرة النظام الإيكولوجي على استيعاب الضغط الإضافي.
وفي الاستزراع البحري المكثّف، وخصوصاً بالأقفاص، قد تؤدي الأعلاف والفضلات إلى زيادة المواد العضوية والمغذيات والتأثير في الرواسب والأوكسجين والمجتمعات القاعية، يشرح يونس. إضافة، إلى مخاطر الأمراض والطفيليات والأدوية والمواد الكيميائية وهروب الكائنات المستزرعة وتفاعلها مع الأنواع البرية. لكن المسألة الأهم في لبنان، وفق يونس، هي الأثر التراكمي: "نحن لا نضيف نشاطاً جديداً إلى ساحل سليم، بل إلى نظام يتعرّض أصلاً لضغوط من الصرف والتلوث والتوسع العمراني والردم وتدهور الموائل وتغير المناخ". ولذلك لا يكفي تقييم أثر كل مزرعة منفردة؛ بل يجب تقدير الضغط الإضافي في ضوء الحالة القائمة للنظام وقدرته الاستيعابية.
وتتساءل سارة سلوم، رئيسة الحركة الزراعية عن شروط إعداد دراسات الأثر البيئي وجدّيتها وقدرتها على تلافي مخاطر هذه المزارع على الموائل والحياة البحرية، محذّرة من مخلّفاتها وأدويتها وأعلافها على مياه البحر، ومن خطر تخالط الأسماك الغريبة بتلك البلدية، ابنة الأرض.. فيما يدفع الصياد، وهو الحلقة الأضعف، كلفة هذه المخاطر.
ولجلاء صحّة الهواجس، استطلعنا رأي يونس، الذي أوضح أن الاشكالية لا تكمن في إحالة التفاصيل إلى مرسوم تطبيقي، بل في مضمونه ومعاييره وآلياته: "توقيت تقييم الأثر البيئي ونطاقه، والجهة التي تعدّ دراسته وتلك التي تراجعها، ومدى استقلالية المراجعة، ومدى إلزام النتائج لقرار الترخيص، ثم آليات متابعة الالتزامات البيئية ومراقبة الامتثال والإنفاذ عند المخالفة".
ويستعيد يونس جوهر تحفظّه المنشور حول ممارسة تقييم الأثر البيئي في لبنان، ويقول: "التقييم ليس وثيقة لاستكمال ملف الترخيص، بل جزء من عملية اتخاذ القرار نفسها. ولذلك يجب أن يسبق أيّ ترخيص أو تدخّل مادي، وأن ينطلق من خط أساس بيئي سابق للتدخل، وأن يدرس البدائل الحقيقية، بما فيها الموقع البديل وبديل عدم تنفيذ المشروع، وأن يتناول الآثار المباشرة وغير المباشرة والتراكمية". والأهم وفق يونس، أن تكون لنتائجه قوة فعلية في القرار، بما يسمح بتعديل المشروع أو تغيير موقعه أو رفضه.. وإلا تحوّل التقييم من أداة وقائية إلى إدارة لضرر تقرر قبوله مسبقاً".
ويؤكّد يونس على أن التقييم لا ينبغي أن يعمل منفرداً في هذا القانون، بل ضمن تسلسلٍ واضح: تقييم بيئي استراتيجي للسياسة أو الخطة الوطنية، فتخطيطٌ مكانيّ بحريّ يحدّد ملاءمة المواقع وحساسيتها، ثم تقييم أثر بيئي مسبق لكل مشروع، يعقبه رصد ورقابة وإنفاذ أثناء التشغيل. فلئن يضع القانون ضمانة مهمة باشتراط تقييم الأثر البيئي، لكنه لا يضمن وحده ألا تصل مشاريع الاستزراع إلى مواقع كان ينبغي استبعادها بيئياً من الأصل. فاختيار المنطقة هو مستوى سابق على تقييم المشروع نفسه.
لذلك، يشدّد يونس على أن يسبق الترخيص تخطيط مكانيّ بحري يستند إلى خرائط الأهمية والحساسية الإيكولوجية والقدرة الاستيعابية، ويحدد المناطق المناسبة، وتلك التي تحتاج إلى شروط خاصة، والمناطق التي ينبغي استبعادها كلياً. ولا ينبغي حصر ذلك بالمحميات القانونية؛ إذ توجد موائل أساسية للحضانة والتكاثر ونظم هشّة تؤدّي وظائف إيكولوجية مهمة من دون أن تتمتّع بالضرورة بصفة حماية قانونية. ويوجز يونس المبدأ: "لا ينبغي استخدام تقييم الأثر البيئي لاختبار مقدار الضرر الذي يمكن قبوله في موقع كان ينبغي استبعاده من البداية."
ويثير كل ما تقدم أسئلة جدية حول كيفية إجراء الشركات "عملية دراسة تقييم" بما تفرضه من إجراءات علمية بيئية وتكاليف عالية، فيما أن القانون لم يصدر بعد، ولا وضعت آليات تطبيقه، وخصوصا بغياب نتائج نهائية دقيقة حول المخزون السمكي أو المواقع والمساحات القابلة لاستضافة هذا النشاط أو عدمه. وتزداد الإشكالية حدّة، إذ أن عملية تقييم الأثر البيئي تشتمل على ما يعرف بـ "سماع العامة" public hearing، للوقوف عند رأي المجتمع المحلي، وهو أمر لم يتحقق أبدًا.
الجرف القاعي: الصياغة الملتبسة تهدد مستقبل البحر
من الجرف القاعي، يحذّر تجمّع الصيادين، ويرى العنان، أنه "ليس مجرّد طريقة صيد، بل قضية تتعلق بمستقبل البحر والثروة السمكية". ويشرح العنان: "حين تجر سفينة معداتها على قاع البحر، فهي لا تصطاد الأسماك فقط، بل تدمّر الموائل البحرية وأعشاب البوزيدونيا والكائنات التي تحتاج سنوات طويلة حتى تتعافى".
وينقل العنان للمفكّرة أحدث الوقائع التي توجز حجم الخطر، ويروي أنه "في 22 آب 2026، سجّلت قوى الأمن مخالفة أمام السمرلاند باستخدام "جاروفة البر"، ما أدى إلى نفوق أعداد هائلة من الأسماك الصغيرة، حيث تم إيقاف الفاعل وإحالته الى القضاء. لكن عمليات الجرف، وفق العنان، لم تتوقف". مشيرًا أن على القوى الأمنية إيقاف الجرف في كل المناطق اللبنانية، لافتا إلى أن: "أصحاب الجواريف معروفون بالاسم من الوزارة وقوى الأمن بالإضافة للمخالفين بأساليب صيد مختلفة". ومن هنا يطرح سؤاله: هل حماية البحر تكون بنصوص القانون وحدها؟ أم باقترانه بالتطبيق الفعلي؟
ويصرّح العنان بأن قضية الجرف ليست لبنانية فقط. ويستعرض العديد من المنظمات الدولية والبيئية التي تخوض معارك ضد الجرف القاعي، منها Med Sea Alliance وOceana وClientEarth وBLOOM وGreenpeace وWWF.. ويشدد العنان: نحن لا نطالب بمنع الصيد، بل نطالب بحماية الثروة السمكية، وبأن تكون هناك أدوات صيد مستدامة، ورقابة حقيقية، ومساواة أمام القانون. لأن البحر إذا خسرناه اليوم، فلن نستطيع أن نعيده غداً. ويوجز الرسالة الأساسية بأن " … البحر ليس منجماً نستنزفه، بل ثروة للأجيال القادمة. وكل شي دون رقابة يغدو تشريعا للقرصنة."
من زاوية علمية، يعلن د. هشام يونس تحفّظه الجدّي، لأن الجرف القاعي "لا يضيف مجرد جهد صيد، بل يفرض ضغطاً مباشراً على القاع والموائل المرتبطة به". وقد تشمل آثاره اضطراب الرواسب وتغير المجتمعات القاعية والإضرار بالموائل والكائنات الثابتة أو بطيئة النمو، إضافة إلى الصيد العرضي والمصيد المرتجع. ويتحدد حجم الضرر بطبيعة الموئل وشدة الجرف وتكراره وقدرته على التعافي.
ويرى يونس أن المشكلة في القانون في أن: "الحماية لا تبدو متّسقة مكانياً: فالمادة 33 تحظر الشباك الجارفة داخل المياه الإقليمية اللبنانية، وتحظر استخدامها أيضاً على أعماق تزيد على ألف متر، لكنها لا تضع حظراً عاماً مماثلاً في الجزء من المنطقة الاقتصادية الخالصة الواقع خارج المياه الإقليمية وعلى أعماق تقل عن ألف متر". ويشدّد يونس على أن الألف متر ليست عتبة إيكولوجية يصبح الجرف دونها آمناً؛ إذ أنّ حساسيّة الموئل ووظيفته الإيكولوجية وشدة الجرف وتكراره عوامل أساسية أيضاً.
لذلك، قبل السماح بالجرف التجاري في المنطقة الاقتصادية الخالصة، ينبغي، بحسب يونس، تحديد طبيعة الموائل القاعية وتوزيعها وهشاشتها ووظائفها، وتحديد مناطق الحماية والاستبعاد على هذا الأساس. ويختتم: "حماية القاع يجب أن تستند إلى حساسية الموئل ووظيفته الإيكولوجية، لا إلى العمق وحده".
خلاصة: قانون يحمي البيئة البحرية أم يفتح الباب أمام مخاطر جديدة؟
"هو في الحقيقة يفعل الأمرين بدرجات مختلفة"، يحسم يونس موضحًا: "نظرياً، يمثّل القانون تحديثاً مهماً لإطار تشريعي قديم ومتفرّق، ويدخل أدوات ومقاربات أكثر حداثة في إدارة المصايد والاستزراع، ويعزّز دور المعرفة العلمية وحماية المخزون والتنوع البيولوجي والنظم البحرية والمتطلبات البيئية والرقابية". لكنه، في الوقت نفسه، ينظّم إمكانات أوسع للاستغلال، سواء عبر تطوير تربية الأحياء المائية أو إمكان الترخيص لمراكب أجنبية بالصيد في المنطقة الاقتصادية الخالصة.
ولذلك، برأي يونس، لا تكمن المسألة في وجود الضمانات البيئية في النص فحسب. بل يكمن الاختبار الحقيقي في النصوص التطبيقية لجهة "وضع حدود بيئية قابلة للقياس، والتخطيط المكاني، والرصد والإنفاذ والإدارة التكيفية. وهذا ينسجم مع الاتجاه الذي تعكسه أعمال GFCM الحديثة نحو تحويل المبادئ البيئية إلى أدوات تشغيلية قائمة على العلم والرصد والتكيّف."
وإذا كان المطلوب تحديد أولوية واحدة، فالاعتبار الحاسم لدى يونس: "ليس أثر المزرعة منفردة، بل مقدار النشاط الذي يستطيع النظام الساحلي تحمله.. من دون تدهور بنيته ووظائفه، خصوصاً في لبنان لأن أي نشاط جديد سيُضاف إلى ضغوط قائمة أصلاً".
وبناء على ما تقدّم، تتقاطع المعطيات عند نقطة واحدة جوهرية: بأن القانون قد سبق المعرفة. حيث أن مسح الوزارة بالتعاون مع المعنيين، الممتد على أربع سنوات لم تعلن نتائجه بعد، والأرقام والتقديرات الأولية تتحدّث عن 10 إلى 20% من الشاطئ قد تستضيف الأقفاص أو تخصّص للمزارع، من دون حسم مواقعها بعد، وملفان لدراسة الأثر البيئي سبق أن قدّما الى الوزارة قبل صدور المراسيم التطبيقية وقبل سماع رأي العامة في المجتمع المحلّي في جلسات علنية وهو شرط من شروط عملية تقييم الأثر البيئي.
وحين يلفت يونس إلى أن نقص المعلومات لا يدلّ على وجود فائض، يصبح الترخيص في المنطقة الاقتصادية الخالصة والسماح بالإستزراع قرارين يُتّخذان على بحر لم يقَس كاملا. كما يفتح الجرف القاعي بابا آخر، فالحظر الذي وُضِع على الشباك الجارفة في المياه الإقليمية وعلى الأعماق التي تتجاوز ألف متر، من دون حظرا عاما مماثلا خارج المياه الاقليمية على أعماق تقل عن ألف متر، فيما يروي العنان للمفكّرة أن جاروفة بر استعملت أمام السمرلاند في 22 آب وأن عمليات الجرف لم تتوقّف.
كل ذلك معلّق على نصوص تطبيقية لم تصدر، وعلى جهة تتمتّع بسلطة قرار وجهة تراقب صحة التنفيذ واحتكامه للقانون والمراسيم المرعية الإجراء. وعليه، من يملك سلطة القرار في قطاعٍ يطال مصلحة 10 آلاف صياد وفق تجمّع صيادي لبنان، سجّل منهم رسميا 6000 صياد في سجلّات وزارة الزراعة؟ وبأي وسيلة وآليات سيراقب؟
4- قانون دون حوكمة ولا رقابة: هواجس حيال القرصنة
سنحاول هنا تقييم الأحكام التي تضمّنها اقتراح القانون على صعيد الحوكمة، وخصوصًا في ظلّ نقص إمكانات الدّولة في مراقبة التزام الشّركات بالصّيد في أعالي البحار. وكان الصيادون قد حذّروا من أن يبقى البحر في عهدة شخص واحد، ومن تداعيات حبر قراراته على لقمة عيش آلاف الصيادين وعائلاتهم.
الوزير "الحاكم بأمره" وتهميش الصيادين
تمركّز الصلاحيات بيد الوزير وغياب مجلس تشاركي للصيد البحري
باسم الصيادين، يحذّر العنان، من "التمركز المفرط للصلاحيّات بيد وزير الزراعة"، إذ يمنحه القانون صلاحيات تقديرية واسعة جداً تمتدّ على أكثر من 60 من أصل 129 مادة، شاملة تحديد الكميّات ورخص الصيد وتصنيف المعدّات والحظر الموسميّ والرسوم. وهنا، يرى المحامي نجيب فرحات أن الخطورة تكمن في إفراغ مبدأ تسلسل القواعد القانونية وتراتبها من جوهره، إذ لا يصحّ أن يكون فرض الشروط وتطبيقها بيد مرجعية واحدة. ويشير فرحات إلى النقطة الأخطر: إذ انطوى القانون الذي تم ردّه على أحكام تمسّ بصلاحيات مجلس الوزراء، الذي أناطت به المادة 65 من الدستور وضع السياسة العامة للدولة في مختلف المجالات، ووضع المراسيم التنظيمية، واتخاذ القرارات اللازمة، وبذلك لا يجوز إناطة مثل هذه الصلاحيات بوزير الزراعة منفرداً.
"شغلة واحدة بدنا ياها توصل لمعالي الوزير: أكثر من 60 مادة بالقانون القرار فيهن إلك، منتمنى انو أي قرار بدّو يتّخذ على البحر، بدّو يطلع من أهله" يختصر مصطفى أنّوس، رئيس نقابة صيادي الشمال ورئيس التعاونية الشمالية لصيادي الأسماك، مطالب الصيادين. ويقول أنّوس: "أي قانون صيد بدو ينطرح، بدها تنجمع أهل البحر يلي هني البحر حقيقة.. وتوافق عليه"، ويوصي الوزير: "ما تطّلع على يلي شاري قصبة بـ 7 أو 8 آلاف $، وعم يتصيد ويصورها على فايسبوك.. الصياد ما بيتصيد وبنزل فايسبوك.. الصياد بس يشيل سمكة بخبيها حتى ما يلحقه صياد ثاني يوم.. يلي طالع يتباهى هيدا منّو بحاجة الصيد، ولا من أهل البحر".
عن تهميش تعاونيات الصيادين وإقصائهم عن المشاركة
نما إلينا أن الوزارة قد استبعدت تمثيل التعاونيات في اللجنة التي ستكلّف بمناقشة شؤون هذا القطاع، وللتحقّق من مدى دقة ذلك، توجّهنا بالسؤال إلى الوزير هاني، الذي أوضح أن لا وجود لأي قرار بإقصاء أو استبعاد التعاونيات، وأن ما جرى هو تنظيم إداري بحت، إذ من الصعب إدخال ممثلين عن كل التعاونيات التي يفوق عددها 30 تعاونية، بينما لا يتعدّى عدد النقابات الخمس. ويضيف أنهم على استعداد لإجراء أي تعديل على اللجنة من شأنه إغنائها بالخبرات.
أولوية قانونية للتعاونيات؟ أم معاملة موحّدة مع المستثمرين؟
لدى طرحنا هذا السؤال، يجيب هاني أن الأولوية لتعاونيات الصيادين في إنشاء مشاريع تربية الأحياء المائية، بما فيها الأقفاص العائمة لتربية الأسماك، سواء بصورة مباشرة أو بالشراكة مع القطاع الخاص، بما يتيح للصيادين الاستفادة من فرص الاستثمار والتنمية في هذا القطاع الواعد، ويجعلهم شركاء في تطويره، لا متضررين منه.
ويكشف الوزير أن هناك خطّة لدعم تعاونيات الصيادين، عبر ورش عمل ستبدأ قريبا بالتعاون مع الفاو تستهدف التعاونيات وكل المعنيين، لتطوير قدراتهم في موضوع تربية الأسماك وزيادة الوعي حوله.
منظومة تشريعية وتنظيمية تنسف حق مجتمع الصيد المحلي من إدارة بحره
"إلنا أكثر من 12 سنة ما إجا لعنا مندوب من وزارة الزراعة أو قلنا كيفكن، أي تنظيم وتنسيق عم يحكوا عنه؟.." ينقل مصطفى أنّوس، للمفكّرة ويوسّع شكواه لتطال المساعدات: "حتى تقديمات ومنح من جهات مانحة أو من منظمات، حتى من الفاو.. بس تجي المساعدة بتمشي على المرافئ كلها وبتوصل على القلمون، وبتنط من القلمون بتقطع عن المينا وبتنزل بالعبدة بعكار، ما بتمرق بطرابلس.." ويتابع أنّوس: "منسأل ليه نحنا استثنيتونا؟ بقولولنا عددكن كبير!".
ويوضح أنّوس للمفكرة: "نحنا 3280 منتسب لنقابة الشمال، و960 منتسب للتعاونية"، أما إزدواجية النقابة والتعاونية فيردّها إلى سياسة انتهجتها السلطات: "ليضَعفونا ويصير الصياد عندو 100 كلمة بدل واحدة، ولكننا موحّدين!" يؤكد أنّوس.
من جهته، يكشف حسان العنان للمفكّرة أن مديرية التعاونيات في وزارة الزراعة راسلت مؤخرا التعاونيات بتعميم مفاده كفّ يدها عن إدارة الموانئ. ويشرح العنان أن تعاونيات الصيادين تتولّى محليا ومنذ عشرات السنين، إدارة المرفأ، حرصا على قدرته الاستيعابية وتأمين مرابط المراكب، وحسن سير أمور الصيادين، وأعمال صيانته وتنظيفه وحراسته والسهر على أمنه وتغطيته بالكاميرات.. وذلك لأن وزارة الأشغال "شايلة إيدها.. ما حاطة قرش ع موانئ لبنان أو موظفين الخدمات التشغيلية فيه"، وفق العنان. لذلك تولّت التعاونيات إدارة الموانئ، بحيث تجمع من مراكب الهواة عادة إشتراكات بين 100 و200 $ سنويا لتغطية هذه النفقات، إضافة الى مساعدة الصياد عند الحاجة، إن توفّر فائض.
ويربط العنان توقيت هذا التعميم بقانون الصيد ودخول الشركات الأجنبية التي يبدو أنها ستأخذ مواقع لوجستية في المرافئ: "كَفّوا يد التعاونيات بالتزامن مع القانون.. لغاية في نفس يعقوب!" ويبدو غير متفائل بالقول: "لنشوف الوزارة.. يلي ما منشوفها إلا لمرافقة الوزير بزياراته التجولية، أو لوضع حجر الأساس، أو ليفرجونا بعض الإنجازات ببعض الموانئ حين تأتي جهة داعمة لتوزيع مساعدات عينية.. ".
وعليه، لا يدور الخلاف حول القانون الذي يجيز الاستزراع أو الاستثمار، بل حول المواقع التي سيتم احتلالها باسم القانون، ومن سيحرم منها، ومن سينال تراخيصها، وآثارها على الحياة البحرية وأهل البحر، وعلى قدرة الوزارة على مراقبتها بفعالية وبضوابط في بلد يغصّ بحره بالتعديات. والوزارة تقدم تربية الأحياء قطاعا رديفا والصيادون ينظرون إليه من بحر ضاقت مساحاته الآمنة، ويفتح اليوم ما تبقى منها لاستثمارات تزاحمهم في آخر مواقع رزقهم.
" انتوا الشط مش قادرين تراقبوه، وتزيلوا مخالفاته.. بدكن تراقبوا أعالي البحار؟"
علاوة على الانتقادات المتصلة بالحوكمة وتهميش الصيادين، يحذّر النائب أسامة سعد من الضّرر الكبير الناجم عن السماح للشركات الأجنبية من الصيد في المنطقة الخالصة، من دون أي رقابة وضوابط في القانون، كما يرفض استخدام هذه الشركات لأي أدوات مجحفة بحق البيئة البحرية، وفي طليعتها الجرف القاعي المدمّر.
وهنا، يطرح سعد سؤالا جوهريا: إذا كانت السلطة اليوم عاجزة عن ضبط الصيد الجائر والتعديات، فهل ستضبط أعالي البحار؟"، ويحسم سعد بلا تردد: "أكيد لا، بحجم كادرها الحالي وجهازها وأدواتها".
وهو سؤال طرحته المفكّرة على الوزير هاني، فأشار إلى أنه على الجيش اللبناني (القوات البحرية) مراقبة هذه المنطقة العميقة لحماية الأمن البحري وضبط أي سفن مخالفة.
وتشرح الوزارة، أن القانون القديم (الصادر عام 1929) كان يغطّي فقط المياه القريبة من الشاطئ، ولم يشمل مواد قانونية أو عقوبات تطبّق على السفن الأجنبية الكبرى التي تصطاد في المياه العميقة. وعليه، سابقا إن رصد الجيش سفينة أجنبية تصطاد في أعالي البحار، لم يكن يملك نصاً قانونياً يحدد قيمة الغرامة أو يسمح بمصادرة السفينة والأسماك، مما جعل المحاسبة مستحيلة على الصعيد الدولي.
لكن النائب سعد، إلى جانب الصيادين، يبدو غير مقتنع بالأسباب الموجبة لمنح الشركات الأجنبية حق الصيد في المياه الخالصة، وهم يتساءلون لماذا لا يدرج بند واضح وصريح يمنع أي جهة أجنبية من الصيد فيها، ما دامت التشريعات القديمة لم تلحظها، وعليه تصبح المحاسبة ممكنة.. فالإشكالية تكمن في ترك مفتاح باب التراخيص بيد الوزير، سواء أكان موصدا كما وعد الصيادين أم مفتوحا بحكم صلاحياته.
ردّا على هذه الهواجس يوضح الوزير هاني أن أي وسيلة صيد جارفة "ستقيّد بشكل صارم جدا، ولا يسمح بها إلا في نطاق ضيّق ومؤقت لمراكب الأبحاث العلمية.. وبموجب أذونات خاصة ومؤقتة". إلا أن ما نقله الوزير لم يمطئن المعنيين، الذين امتدّت هواجسهم لتشمل قدرة السلطة بما تملكه من كوادر وأدوات لمراقبة ما يتم الترخيص به.
عن جهوزية الإدارة للرقابة: "4 زوارق بحرية تم تأهيلها بدعم خارجي"
تكاد هذه العبارة توجز المشهدية بأكملها، إلا أننا نستعرض للقارئ الهواجس المثارة في هذا المجال.
يتساءل كل من قابلته المفكّرة عن قدرة الوزارة على تطبيق هذا القانون، وهنا يؤكد النائب سعد أن الوزارة بحجم أجهزتها وقدراتها اليوم، عاجزة عن ذلك: "الوزارة غير قادرة على احتواء حركة الصيادين ومتطلباتها، بالكادر البشريّ والتقنيّ الموجود والأدوات التي تملكها". ويستذكر سعد العديد من المخالفات التي تحصل بالنسبة للصيد الجائر والديناميت والوزارة تعجز عن ضبطها، ويقول: "كيف بدن يطوروا هالشي ما حدا بيعرف!".
أما الوزارة التي تعترف، على لسان هاني، بتحدّي نقص الكادر الرقابي، إلا أنه يعلن عن إمكانية تجاوزه حاليا، بعد صدور قرار تعيين نحو 90 حارس أحراج وصيد جددا، وأفادنا أنه قد بدأ العمل على دورات تدريبية لهم تشمل أيضا قطاع الصيد البحري. أما المعوقات المادية، وفق هاني، "فتبقى موجودة ولكن التعاون مع الجهات الداعمة يساعد في تذليلها".
ويذكّر الوزير، في هذا السياق، مساهمة الفاو بإعادة تأهيل أربعة مراكب لمراقبة الصيد البحري التابعة لوزارة الزراعة، والتي سيتم تفعيلها قريبا للقيام بالدوريات وقمع المخالفات البحرية. وكشف هاني أنه يحضّر حاليا لدورة "آمر زورق" بالتعاون مع وزارة الدفاع والفاو. ويوضح أن حراس الأحراج والصيد والأسماك يتولّون الرقابة في المرافئ والأسواق بالتعاون مع خفر الساحل والجيش في البحر.
وهنا، يشكّك مصطفى أنّوس في جدوى تشديد العقوبات إزاء الصيد الجائر، ما دامت الجهات المختصّة، وفق روايته، عاجزة عن ضبط مخالفات معروفة ومحددة. ويقول إنه زوّد وزارة الزراعة بأسماء نحو 12 شخصا يستخدمون الديناميت في الصيد، وبأسماء مراكبهم وأماكن نشاطهم ومواعيده، من دون أن يؤدّي ذلك إلى وقفهم أو ملاحقتهم. ويضيف أن موظفة الوزارة في طرابلس كانت قد طلبت منه أن يعمد إلى تصوير المخالفين بالفيديو، فردّ عليها بأن توثيق الجريمة وملاحقة مرتكبيها ليسا من مسؤولية الصياد بل من واجب الإدارة المكلّفة حماية البحر. وعلى ضوء تجربته الشخصية، يرى أنّوس أن الحديث عن ضبط البحر اللبناني بأكمله يبقى خياليا. ويذهب أنّوس أبعد من ذلك، ويقول: "ما بدن يضبطوهم.. هني يلي عم يغطوهم"، ويتّهم الجهات المعنية بالتغاضي عن مستخدمي الديناميت، معتبرا أن هذه السياسة ممنهجة هدفها دفع الصيادين الحرفيين إلى كره مهنتهم وهجر البحر وتركه لشبكة مصالح استثمارية أخرى.

5- اقتراح قانون مضاد للصيادين
رُدّ القانون "الهاجس" إلى مجلس النواب، لكن السؤال يتجاوز أحكام المادة 124 التي استند إليها الرئيس في ردّه: هل يحصر المجلس مراجعته بها، أم يعيد فتح القانون كاملا لتصويب الإشكاليات التي أسهبنا في الإضاءة عليها؟
مطلب الصيادين الأساسي، هو إعادة النظر في القانون وترجمة مطالبهم في قانون عصري وعادل ينسجم مع حقيقة أوضاعهم وتطلعات نقاباتهم وتعاونياتهم بوصفهم أصحاب المصلحة المباشرة، بما يضمن استدامة موارد البحر، لقمة عيشهم ورزق أولادهم.
" نحن أهل البحر وحراسه وما رح نكون ضيوف فيه"، يعلن حسان العنان باسم الصيادين، الذين يسعون للقاء رئيس الجمهورية، ويختصر المعركة المقبلة بفرض دراسة القانون مجددا على ضوء ملاحظاتهم، مؤكدا أن اعتراضهم لا يستهدف تنظيم القطاع، بل صيغة تسلب الناس بحرهم ولا تلبّي طموحاتهم ولا تعالج حقوق الصياد الحرفي. لذلك يرفضون التعامل مع القانون كأمر محسوم، أو الاكتفاء بإعادة إنتاج أحكام قانونية قديمة مستنسخة تحت عناوين جديدة.
وقد أثمرت نقاشات نقابات الصيادين وتعاونياتهم مع عدد من النواب اقتراح قانون جديد، اقتراح كُتب بحبر مدّده من العريضة والعبدة شمالا وحتى الناقورة، وحظي وفق مصادر المفكّرة بدعم مجموعة من النواب وتواقيع عشرة نواب وتأييد عدد آخر قد يمهرونه بتواقيعهم قريبًا. كما وحّد نبض البحر الصيادين بعريضة تذيّل بتواقيع ممثلي التعاونيات والنقابات من لبنان الجنوبي إلى شماله.
وفق المحامي نجيب فرحات الذي تولّى وتجمّع الصيادين صياغة اقتراح القانون المضاد، تشمل التعديلات المقترحة إعادة بناء هيكلية اتخاذ القرار في القطاع، وتنظيم آلية الرسوم، وإعادة صياغة العقوبات بما يتناسب مع حجم المخالفة، وتكريس الحقوق الاجتماعية للصيادين، فضلا عن تعديلات جوهرية تتصل بحظر الصيد الأجنبي وضوابط الاستزراع المائي. وفي طليعة هذه التعديلات إنشاء "مجلس أعلى للصيد المائي"، على غرار المجلس الأعلى للصيد البرّي، يتمثّل فيه صيادو الأسماك ومربو الأحياء المائية من خلال تعاونياتهم ونقاباتهم، على أن يشارك في القرارات المتعلقة بمهنتهم عبر اشتراط موافقته عليها واستطلاع رأيه في أي تشريع يمسّ القطاع.
كما تحدّ الصيغة المقترحة من تمركز الصلاحيات في يد الوزير، وتضع آليات واضحة للبتّ في طلبات "بطاقة صياد محترف" والتراخيص والطعن في القرارات المتعلقة بها، وتجعل تعاونيات الصيادين ونقاباتهم الجهة الصالحة لإثبات الصفة الاحترافية.
ومن أبرز بنود الصيغة المنشودة، منع الصيد الأجنبي في المياه الإقليمية كما في المنطقة الاقتصادية الخالصة، باستثناء أغراض البحث العلمي، وحظر الصيد بالجرف القاعي و رفع أضرارهما الكارثية على البيئة وقاع البحر والمخزون السمكي.
وفي مجال الاستزراع المائي، يشدد الاقتراح الضوابط العلمية والبيئية، ويفرض اعتماد الطاقة المتجددة، وألا تقل نسبة العمالة اللبنانية عن 50%، وألا تضيق مناطق الصيد التقليدية أو ممرات المراكب. وفي إطار تعديل آلية الرسوم والعقوبات، يتوقّف فرحات عند إلغاء أحكام حجز المركب، باعتباره أنه يحرم الصياد مصدر رزقه الوحيد، على أن يقتصر الحجز على المعدات المخالفة.
وإلى جانب إلغاء المادة 124، ينص الاقتراح على إفادة الصيادين من الضمان الاجتماعي وتأمين دعم مالي من الدولة، واقتطاع 20% من عوائد الغرامات والرسوم وحواصل المزادات، لمصلحة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، هذه المرة، وإنشاء صندوق تعاضد تتشارك تعاونيات الصيادين ونقاباتهم في إدارته. إضافة الى إرجاء تطبيق القانون الى ستة أشهر من نشره.
وعود الوزير غصّ بها البحر
يقول مصطفى أنّوس إن وزير الزراعة لدى الاجتماع بهم، قد أكّد أنه لن يستخدم صلاحياته وإن نص القانون على ذلك، لمنح التراخيص التي يخشونها في المنطقة الاقتصادية الخالصة، فكان ردّه: نحنا مش خيفانين منك، بس من كل يلي رح يجوا بعدك!". وطالبه أنّوس بتدوين الوعود التي يقدّمها في متن نص القانون، "لأن يلّي بينحَكى بينتَسى"، وفق أنّوس.
والتقاطع هنا مع موقف النائب سعد، الذي يرى أن المراسيم والوعود لا تكفي ما لم ترتكز على نصوص قانونية مكرّسة للحقوق. إلا أنّ سعد لا يبدي تفاؤلا كبيرًا لجهة إقرار التعديلات ويقول للمفكرة: "الحركة النقابية لا تزال خجولة وقدرة النواب الداعمين على تسويق الاقتراح غير محسومة، خصوصا أن الكتل الأساسية كانت قد وافقت على الصيغة التي أقرها المجلس وردّها الرئيس". ويدعو سعد الصيادين، لتفعيل نضالهم الميداني، معتبرا أن ضعف حركتهم هو ما يدفعهم الى التفاوض على شروط الاستزراع بدل رفضه رفضا قاطعا.
وبالعودة إلى مركب الصيادين، وخاصة بعد الضغوطات التي تمارس على الصيادين لغاية خفض سقف مطالبهم، تزداد النظرة إلى التشريع قتامة: "في بلدنا، إذا 127 نائب صوتوا معنا، وطرق الرئيس بري على الطاولة بعبارة "صدّق" يتم التصويت.. وبيمشي الحال"، يتوقّع سامي رزق ابن الجنوب، المسار الديمقراطي المنتظر، معتبرا أن الغبن اللاحق بالصياد ينفي أي تشاركية وأي ديمقراطية!
بالمقابل، يعوّل المعترضون كما أنّوس وهو رئيس تعاونية ونقابة صيادي الشمال على صيادي طرابلس، الذين يشكل البحر بالنسبة إلى معظمهم مصدر الرزق الوحيد، ويحذّرون من أن تمرير القانون "رغما عنهم" سيدفعهم إلى التصعيد، متعهدا بإخراج نحو 1700 مركب من بحر طرابلس ومرفئه، خلال 24 ساعة وإقفال البر بها. بدوره، يحذّر سعد: "هيك واقع البلد ولكن النضال لتغييره مستمر"، وعليه، وكي لا يعود "الجوع تحت المينا يحفر"، تأتي دعوة سعد للبحرية: "شدّوا الهمّة"، مزيجا من إنذار ونداء استنهاض أخيرين.
