استقلالية ملتبسة لمصرف لبنان يروج لها الحاكم سعيد
28/07/2026
يرى رينيه سيديو المؤرخ الشهير للأحداث النقدية والمصرفية “أن الأوقات المأزومة تفرز عادةً ممارسات مذمومة”. من الأمثلة العديدة على ذلك، يشير سيديو إلى ما كشفتْه سجلات المصرف المركزي الإنكليزي لجهة أن النقاش الأساسي للقيّمين عليه صبيحة يوم تعرّض العاصمة البريطانية للقصف من قبل الطيران النازي كان محوره زيادة مخصصاتهم لمستويات فضلى. وأيضا ما تحفظه سجلات المصرف المركزي الفرنسيّ من تفتق لعبقرية مسؤوليه عن حلّ طريف بداية أربعينات القرن الماضي لمشكلة تجاوز عدد من الفرنسيين للقانون الذي صدر ومنع التعامل بالذهب وحصره بالفرنك الورقيّ، فكان لجوؤهم إلى أنواع معينة من المجوهرات الذهبية لاستعمالها في تعاملاتهم مستفيدين من عدم سريان قيود المنع بالتعامل على تجارة المجوهرات. وكان الحلّ عند حاكم مصرف فرنسا دعوة تجّار المجوهرات إلى جلب مجوهراتهم إلى مصرف فرنسا حيث تنظم اجتماعات لمسؤوليه بعد انتهاء ساعات العمل تستدعى إليها عارضات جميلات يتزينّ بهذه المجوهرات ويتنقلن بين الحاضرين، حيث يتم التصويت من قبلهم على ما يتقرر اعتباره من قبيل المجوهرات فتترك لأصحابها وما يتقرر اعتبارها من قبيل النقد القابل للتداول فتصادر وتدفع قيمتها إلى أصحابها بالفرنك الفرنسي بسعره الرسمي تجاه الذهب.
لبنان سجل من بعد اندلاع أزمته في 17 تشرين الاول 2019 لائحة قياسية بعدد وبتنوع الممارسات المذمومة التي أشار إليها المؤرّخ الفرنسي سيديو. آخرها وليس أخيرتها الجدال الذي طغى خلال الفترة الأخيرة بين وزارة المال ومصرف لبنان من جهة وإدارة صندوق النقد الدولي من جهة اخرى بشأن مشروع تعديل ثانٍ للقانون رقم 23 الذي أقر العام الماضي لإصلاح وضع المصارف بالتحديد ما يتعلّق بتعديل المادتين 3 و13 من هذا القانون.
فعلى مشارف السنة الثامنة للأزمة اللبنانيّة، وهي مدة نجحت بمثيلتها إيسلندا بالتعافي كليّا من أزمتها المالية وانتقلت إلى تسجيل أعلى درجة نسبة نمو عالميّ في الناتح المحليّ الإجماليّ، ما زال المسؤولون اللبنانيون يتحفون مواطنيهم بنقاشات أكاديمية وتقنية عقيمة لا تفيد ولا تثمن في استردادهم ودائعهم، آخرها ما أثاره الحاكم سعيد في كتابه الموجّه إلى وزير المالية تحت رقم 387/1 تاريخ 23 حزيران 2026 بخصوص المادتين 3 و13 آنفتي الذكر من (1) ضرورة عدم الاكتفاء في المشروع الثاني لتعديل القانون 23 (إصلاح وضع المصارف) بمراعاة هدف القانون، لقانون النقد والتسليف بشكل عام، بل بوجوب الإشارة الى المادة 70 من الاخير على وجه التحديد و(2) ضرورة استبدال كلمة “الطلب” الممكن للهيئة المصرفية العليا (الغرفة الثانية) توجيهه لمصرف لبنان لإصدار “تعميم” بتعبير آخر مثل “تقديم مراجعة” أو “رفع توصية أو اقتراح” لإصدار” تعميم” أو “تعليمات”. وقد استند سعيد فيما أثار إلى دراسة أعدها د. نصري انطوان دياب والأستاذ بديع مكرزل عن استقلالية مصرف لبنان ومبدأ تجانس التشريع المصرفي. وانتقد سعيد في كتابه إلى وزير المالية التشدّد الذي يبديه صندوق النقد الدولي في رفضه لاقتراحيه السابقين اللذين يتناولان بتقديره”مسائل ذات طبيعة قانونية ودستورية وإدارية خالصة تخضع حصرا للقانون اللبناني ولا تدخل ضمن اختصاص الصندوق وتتناقض مع ما تم الاتفاق عليه داخل مجلس الوزراء وبين الحكومة ومصرف لبنان” .
وحصل موقف سعيد على دعم مصرفي عبر عنه نقولا شماس نائب رئيس مجلس إدارة سيدرز بنك في مقابلة مع إحدى الشاشات اللبنانية بالقول “من غير المقبول مجاراة صندوق النقد دائما، وتحية للجنة المال والموازنة التي أخذت بقرار مصرف لبنان بوجه الصندوق، فهذا الأخير موجود لمساعدة لبنان وليس للتدخل في اتخاذ القرارات داخل مصرف لبنان” .
المادتان 3 و13 من القانون رقم 23
تنصّ المادة 3 من القانون 23 على أن هدف الأخير وضع إطار قانونيّ يتلاقى مع المعايير الدولية لأجل استقرار النظام المالي ومعالجة حالة التعثر المصرفي وحماية الودائع في عملية التصفية والإصلاح والحدّ من استخدام الأموال العامة في عملية إصلاح اي مصرف متعثر، كل ذلك في إطار الالتزام بقانون النقد والتسليف. وقد اقترح الحاكم سعيد إضافة توضيح، لم يوافق عليه صندوق النقد، يشير صراحة إلى المادة 70 من القانون الأخير التي تعدد مهامّ مصرف لبنان بالمحافظة على سلامة النقد والاستقرار الاقتصادي وسلامة أوضاع النظام المصرفي وتطوير السوق النقدية والمالية، أو يستعيد على الأقل من مضمونها.
والغاية التي رمى إليها سعيد من طلب الإشارة إلى المادة 70 نقد وتسليف، تحديد نطاق صلاحيات الهيئة المصرفية العليا (الغرفة الثانية) بمنع تحوّلها إلى مرجعيّة جديدة في عمليّة تنظيم أوضاع القطاع المصرفي بما يحد من الدور المنوط أساساً بالمجلس المركزي لمصرف لبنان.
جدير بالذكر أن الجدال لم يتعرض إلى ما ورد في المادة 3 من القانون 23 من إشارة إلى أمور مهمة أخرى وردت فيها كضرورة مراعاة القانون الأخير للمعايير الدولية المتبعة وهو أمر أظهرت الفترة السابقة وجود خلاف آخر في وجهة النظر بين صندوق النقد الدولي من جهة الذي يصرّ على تحميل المساهمين خسائر المصرف قبل البدء بأية عملية اعادة هيكلة للمصرف ومن جهة أخرى مصرف لبنان ومن ورائه المصارف اللذين يريان ان الاساس هو تنقية الحسابات المصرفية من العمليات والقيود غير المنتظمة و”أن الملاحظات والاقتراحات الصادرة عن جهات خارجية، والمقصود هنا صندوق النقد، يجب أن تبقى في إطار الرأي الاستشاري غير الملزم ولا يمكن أن تتحوّل إلى شرط مسبق لإملاء خيارات تشريعية تتعلق بتنظيم السلطات والصلاحيات المقررة بموجب قانون النقد والتسليف أو غيره من القوانين”.
أيضا لم يتناول الجدال الذي احتدم بالنسبة للمادة 3 من القانون 23 توضيح أمر في منتهى الأهمية هو ما المقصود بما ورد فيها “بالحدّ من استخدام الأموال العامة في إصلاح أي مصرف”: هل هو المنع القاطع لاستعمال الاموال العامة في دعم المصرف المتعثر؟ أم السماح بهذا الاستعمال لكن من دون تحديد السقف او ضمن سقف معين؟ وما هو الموقف الواجب اعتماده في حال توصل احد المودعين او بعضهم الى استصدار قرارقضائي يؤكد على وجود خطأ جسيم ارتكب من قبل مصرف لبنان أو الدولة وسبب التعثّر المصرفي، ما يفضي إلى إلزام المعني أو الاثنين بالتعويض كما قضى بذلك مجلس الدولة الفرنسي ومحكمة العدل الاوروبية، هل ينفذ هذا القرار القضائي أم يحتج بعدم امكانية تنفيذه سندا للمادة 3 من القانون 23؟ جدير بالذكر أن شرط عدم جواز أو تقييد استخدام الأموال العامة في إصلاح أي مصرف قد وضع في لبنان لحماية حقوق أصحاب سندات اليوروبوندز.
وفيما خصّ المادة 13 من القانون 23 والمتعلقة بأدوات معالجة أوضاع المصرف المتعثر، أعطت هذه المادة الهيئة المصرفية العليا (الغرفة الثانية) بموافقة أكثرية ثلثي أعضائها “حق الطلب” من مصرف لبنان إصدار “التعاميم” الناظمة لعمليّة معالجة أوضاع المصرف المتعثر. وقد تحفظ الحاكم سعيد أيضا على هذا الأمر معتبرا إيّاه مساًسا بصلاحيّات المجلس المركزي لمصرف لبنان ومقترحا استبدال تعبير “التعاميم” بتعابير أخرى مثل “الأوامر” أو “القرارات” أو “التدابير التنفيذية“. وقد تم التوصل في نقاشات لجنة المال والموازنة إلى تسوية تبقي جميع الصلاحيات التي يمنحها قانون إصلاح أوضاع المصارف للهيئة (الغرفة الثانية)، إنما مع إمكانيّة “التوصية أو الاقتراح” من قبلها على مصرف لبنان إصدار “التعاميم أو التعليمات” لأجل تنظيم إجراءات تنفيذ القانون 23 بدلا من “توجيه الطلب” إليه بذلك.
حجة الحاكم: الحفاظ على استقلالية مصرف لبنان
أوضح الحاكم سعيد في كتابه إلى رئيس وأعضاء لجنة المال والموازنة النيابية رقم 406/1 تاريخ 6 تموز 2026 انه في ﺃعقاب كلّ انهيـار مصـرفي كبير تجد الدول نفسها امام مفترق طرق حاسم. فإما أن تعتبر الأزمة دليلا على تمركز السـلطة بصـورة مفرطـة، فتسارع إلى تفتيتهـا بين لجان وهينـات ومجـالس متعـددة مـن دون أن يتحمـل أحـد المسـؤولية النهائية عن النتائج. وإما أن ترى أن جـوهر المشـكلة لم يكن فى تمرڭزالسلطة، بل في غياب المساءلة، فتبقي السلطة موحدة، لكن يتم إخضاعها لاليـات مؤسساتية وقضائية فعالة تضمن المحاسبة.
ولبنان يقف أمام ذات الخيار مع مشروع قانون إصلاح المصارف . فهناك رأي يرفع شعار الحوكمة الحديثة وتوزيـع الصـلاحيات وهي أهداف مشروعة خصوصأ بعـدما شهد مصرف لبنان، لسنوات طويلة، ضعفأ في المسـاءلة الداخلية، وتحوّل المجلس المركزي في كثير من الأحيان إلى هيئة تصادق أكثر مما تحكم. لكن العلاج المطـروح لا يعالج الخلل، ﯦل يستبدله بخلل أكثرخطورة إذ يؤدي إلى إفراغ المجلس المركـزي مـن صـلاحياته، وإنشـاء مراكز قـرار متنافسة داخـل مصرف لبنان تخضع كـل منهـا لتوازنـات وضـغوط مختلفـة. في وقت يحتاج فيه لبنان إلى مؤسسة قادرة علـى اتخـاذ أصـعب القرارات بشأن إعـادة هيكلة المصارف وحماية الاستقرار النقدي.
والنظر إلى تجارب الآخرين يقود بنظر سعيد إلى اعتماد توجّه يحافظ على سلطة مصرف لبنان وتماسكها. فبعد الأزمة المالية العالمية، لم تلجأ منطقة اليورو إلى تفتيـت السلطة النقديّة بين هيئات وطنية متنافسة. بـل أنشـأت هيئة واحدة مسـتقلّة لمعالجـة أوضـاع المصارف المتعثرة، هى مجلـس التسوية الأوروبـي Resolution Single Board ومنحتــه ولايــة واضـحة ومحــددة لاتخـاذ القــراربشــأن إعــادة هيكلة المصـارف أو تصـفيتها، بعيـدٱ عـن التدخلات ما خلا مراجعات محدودة ومقيدة من قبل المفوضـية الاوروبية ومجلس الاتحاد الأوروبي. المهم أن الفلسفة الأوروبية كانت واضـحة: لا اسـتقلالية تقـوم علـى توزيـع السـلطة بـين هيئـات متداخلة بحيث تضيع المسؤولية ويصبح الجميع شركاء في القرار، من دون أن يكون أحد مسؤولأ عنه. وفيما خص لبنان، لو أراد المشرع استلهام التجربة الأوروبية فعلأ لكان أنشـأ هيئة مسـتقلة ذات ولايـة قانونيـة واضـحة وخبـرة متخصصـة لاتخــاذ قـرارات إعادة الهيكلـة. أمـا إنشــاء هيئـات داخـل مصـرف لبنـان، لكـل منهـا صـلاحيات متقاطعـة وقـادرة على تعطيل الأخرى، فلا يمت بصلة إلى النموذج الأوروبي، بل يؤسس لحالة من الشل المؤسسيّ.
وأحدث دليل على قيمة استقلالية المصارف المركزية جاء مؤخّرا، حسب سعيد، من الولايات المتحدة. فعنـدما حـاول الـرئيس ترامب إقالة محافظـة الاحتيـاطى الفيـدرالى ليـزا كـوك، تدخلت المحكمة العليا لحمايـة اسـتقلالية المؤسسة النقديـة وأكـد رئـيسها أن الاستقلالية ومظهرها يشكلان ركنأ أساسيأ فى البنية الدستورية.
وخلص سعيد في كتابه إلى أن المودعين لن يسـتعيدوا حقـوقهم عبر إعادة رسـم الهيكل التنظيمي لمصـرف لبنان بإضعافه من خلال تشتيت سلطة اتخاذ القرار بين هيئات متداخلـة لا يجمعها إطار موحـد للمسـؤولية ومحاسبة الأشخاص الذين أساؤوا استخدام سلطاتهم.
مناقشة حجة الحاكم سعيد
الحجة التي استند إليها الحاكم سعيد والتي وردت في المطالعة المشار إليها أعلاه، وخلاصتها ضرورة المحافظة على استقلالية مصرف لبنان وضروة حفظه من مشاريع تمس تماسكه ووحدته المؤسساتية كالتعديلين المقترحين للمادتين 3 و13 من القانون 23 تتضمن مغالطات وتناقضات متعددة ومتنوعة.
- فقد أشار سعيد في كتابيه إلى وزير المالية ورئيس وأعضاء لجنة المال والموازنة إلى وجود “استقلالية دستورية” لمصرف لبنان . كلام غير صحيح فهذا الأخير يتمتع باستقلالية محدودة وهي ذات طبيعة مالية حسب المادة 13 من قانون النقد والتسليف. وهي لا ترتقي الى مستوى الاستقلالية الدستورية إذ لا إشارة البتة إليها في الدستور اللبناني كما هو الأمر في الدول التي تشير بنص صريح وواضح إلى استقلالية مصارفها المركزيه في دساتيرها ومنها: سويسرا (المادة 99) وتشيلي (المادة 108) وكولومبيا (المادة 371) وجمهورية الدومينيكان (المادة 229 ) وأفغانستان (المادة 12) وأرمينيا (المادة 200 ) وغيرها .
- معروف أن استقلالية المصرف المركزي ترسخت تاريخيا بهدف تحقيق أمرين اثنين هما حمايته من محاولة السلطة إملاء قرارتها عليه في موضوع إقراضه لها ما تحتاجه من أموال وأيضا فيما خصّ استعماله أدوات السياسة النقدية لتحقيق الاستقرار في أسعار الصرف كما الاستقرار الاقتصادي. ومن أهم هذه الادوات، اعتماد أسعار فائدة تلجم التضخم وتحقق النمو والعمالة. واستئناس الحاكم سعيد بموقف المحكمة العليا الاميركية بالتصدي لمحاولة الرئيس ترامب إقالة محافظـة الاحتيـاطى الفيـدرالى ليـزا كـوك المعارضة لضغوطاته لتخفيض معدل الفائدة للقول باستقلالية مصرف لبنان فيما يطرح من أمور مصرفية هو بالحقيقة استناس غير موفّق. إذ أن موضوع تحديد الفائدة يدخل في صلب مهام وصلاحيات مصرف لبنان الاساسية بعكس الأمور التي تتعلق بالمصارف والتي هي موضوع النقاش الجاري بينه ووزارة المال من جهة وصندوق النقد من جهة أخرى.
فالاستقلالية التي ترسخت تاريخيا للمصرف المركزي لا تنسب إلى المهام الأخرى التي قد يكلف بها كتنظيم النشاط المصرفي ورقابته . فالـمر الأخير يمكن ان يعهد به كليا الى هيئات مستقلة عن المصرف المركزي كما هي الحال مع الـ FINMA السويسرية والـ BAFIN الألمانية وغيرهما . كما يمكن إلحاقه بدائرة صلاحيات المصرف المركزي. وفي الحالة الأخيرة، لا يمكن اعتبار أيّ تدخل للمشرع في تعديل إطار صلاحية المصرف المركزي بموضوع المصارف مسّا باستقلالية المصرف المركزي. تأكيدا لذلك، يمكن الرجوع الى الكلمة الشهيرة للعميد ريمون إدّه تحت قبة المجلس النيابي خلال احدى جلساته لمعالجة أزمة مصرف إنترا: فقد رفع الصوت بأن مصرف لبنان كان عند تأسيسه يملك كل الصلاحيات لرقابة عمليات هذا المصرف لكنه لم يحسن الرقابة وعليه يجب فصل رقابة المصارف من صلاحيات مصرف لبنان ومنحها لهيئة مستقلة عنه هي لجنة الرقابة على المصارف فكان له ما أراد. ولم يعترض على الأمر أحد بحجة استقلالية مصرف لبنان أو أن الأمر يمسّ بالتماسـك المؤسســي للأخير وبوحدته على النحو الذي يحتج به راهنا كل من الحاكم سعيد والمحاميين نصري دياب وبديع مكرزل.
- من جهة اخرى يرى الخبير الاقتصادي ميشيل أغليتا ان استقلالية المصرف المركزي هي بالحقيقة مزيج من “استقلالية عن independence de” تحفظه من تدخّل الآخرين في قراراته مثل قرارات الاقراض للدولة ولعب دور المقرض الأخير في الحالات الطارئة last resort وتحديد معدل الفائدة وغير ذلك من أدوات التدخل في السياسة النقدية، و”استقلالية مع independence avec” تحفظ للمصرف المركزي تعاونه الوثيق مع الآخرين كالحكومة وهيئات الإنقاذ المصرفي وصندوق النقد الدولي وغيرهم. ومن الممكن له في الحالة الأخيرة، حالة “الاستقلالية مع“، أن يتبنّى اقتراحات هذه الهيئات وينفّذ توجيهاتها من دون أن يكون في ذلك افتئات على استقلاليته.
ففي حالة تولي هيئات محددة مسؤولية إنقاذ المصارف المتعثرة يكون على المصرف المركزي أن ينسق إجراءاته مع هذه الهيئات، فيواكب ويتابع خطط الإنقاذ التي تضعها (إعادة الهيكلة والتصفية وإعادة الرسملة وغيره …). واذا استدعى الأمر عند حصول أزمة نظامية طلب المساعدات المالية من المؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، مقابل إجراء إصلاحات هيكلية، يكون للمصرف المركزي قبول توصيات أو شروط هذه المؤسسات لإعادة هيكلة القطاع المالي مع احتفاظه بدور محوري في تنفيذها من دون اعتبار كل ما سبق بمثابة تعدٍّ على استقلالية المصرف المركزيّ.
وعليه، فإن أيّ طلب أو توصية قد ياتي من الهيئة المصرفية العليا (الغرفة الثانية)، المعنية باصلاح التعثر المصرفي، إلى مصرف لبنان لا يمكن وصفه بأنه مساس باستقلالية الأخير كما يدّعي الحاكم سعيد لأنه لا يندرج مبدئيا ضمن إطار “الاستقلالية عن” بل ضمن “الاستقلالية مع“. ففي أزمة الكريدي سويس التي اندلعت بداية عام 2023 وعد المصرف الوطني السويسري بتوفير سيولة ضخمة لدعم استحواذه من قبل بنك يو بي إس ضمن اتفاق طارئ حصل خلال نهاية الاسبوع في 19 آذار 2023 مع هيئة الإشراف على الأسواق المالية السويسرية FINMA وبضمان الحكومة الفيدرالية ضمن سقف معين للقروض التي ستمنح . ولم ينازع أحد بأن وعد المصرف الوطني السويسري في هذا الاتفاق يعتبر مساسا باستقلاليته المنصوص عليها في الدستور، مع أن ضخّه السيولة يعتبر من ضمن العمليات التي تدخل في إطار “الاستقلالية عن” والتي لا يتعين عليه من حيث المبدأ الانصياع لأيّ رأي خارجي بشأنها.
- واللافت في موضوع تشدد الحاكم سعيد بالتمسك باستقلالية مصرف لبنان تركيزه على هذه الاستقلالية تجاه السلطة العامة فقط. علمًا أن الاسباب الموجبة لقانون النقد والتسليف تتحدث بوضوح عن ضرورة “تنحية القطاع الخاص أيضا، ولا سيما المصارف، عن الإسهام في الإدارة وفي قرارات المصرف المركزي. فالأخير يستوحي في عمله المصلحة العامة التي تستوجب غالبا الاهتمام بالاعتبارات البعيدة المدى، بينما يكون من الطبيعي أن تهتم المؤسسات الخاصة أولا بمصالحها ألشخصية والفورية· فالمهمّ إذا ألاّ يتسنّى لهذه المؤسسات أن تؤثر على قرارات المصرف المركزي …… إن ما ينبغي تجنبه هو أن يكون لذوي المصالح صوت في اتخاذ القرارات المعدّة لأن تطبّق عليهم او أن يكون لهم حق علم بها قبل وضعها موضع التطبيق”·
جدير بالذكر أن سعيد كان لأشهر معدودة قبل تعيينه حاكما لمصرف لبنان عضوا في مجلس إدارة أحد المصارف اللبنانية الذي احتجز كالمصارف الأخرى ودائع عملائه. واستقالته المبكرة قبل اعلان ترشيحه للحاكمية غير منتجة للأثر المتوخّى منها، وهي تذكر، للتماثل، بالاعتراض الذي أثير في فرنسا عند طرح اسم فرانسوا فيليروي دي غالهو حاكما للمصرف المركزي الفرنسي في عام 2015، بسبب عمله السابق كمدير عام لبنك BNP Paribas. فقد وقع ما يقرب من مائة وخمسين من خبراء الاقتصاد والأكاديميين الفرنسيين المشهورين مقال رأي مشترك نُشر يوم الثلاثاء في 15 أيلول 2015 في صحيفة اللوموند انتقدوا فيه الترشيح ذاكرين “أنه رغم أن الصفات الشخصية للمرشح الذي طرحه رئيس الدولة لا تقبل الجدل، فإن خلفيته كمصرفي تجعله غير مؤهل لقيادة المؤسسة المسؤولة عن الإشراف على القطاع المصرفي ووضع السياسة النقدية والإشراف على تنفيذها“. وأشاروا بصراحة إلى أن ماضيه يعرّضه “لمشكلة خطيرة تتعلق بتضارب المصالح“. وهذا “ليس هجوماً شخصياً فمعايير الخبرة متوافرة لكن ليس معايير الاستقلالية“.
بالنسبة للبنان، يظهر التدقيق في الأمور أن هدر استقلالية مصرف لبنان لصالح المصارف ليست بالحقيقة طارئة وحصلت بايصال كريم سعيد إلى سدة ولاية حاكمية مصرف لبنان. فقد سبق أن تقلد الشيخ ميشال الخوري الحاكمية مرتين وصدر قرار التعيين في الأولى وهو نائب لرئيس مجلس إدارة أحد المصارف اللبنانية وفي الثانية رئيسا لمجلس إدارة مصرف آخر. وكان تغلغل البنكوقراطية في الهيئات المشرفة على القطاع المصرفي قد بدأ قبل ذلك أيام بيار إدّه الذي تراس جمعية مصارف لبنان مدة من الوقت وشغل أيضا منصب وزير العدل وقاد التغييرات التي أفضت إلى دخول ممثل عن جمعية المصارف في لجنة الرقابة على المصارف وفي الهيئة المصرفية العليا.
الخلاصة
اللبناني ينتابه راهنا خجل وغضب جامحان من تخبط القيمين على أموره ولأكثر من سبع سنوات في تعاطيهم مع اخطر أزمة تتعرض لها البلاد ومن دون نتيجة. فبداية، أصدر مصرف لبنان بعد حوالي العشرة أشهر من اندلاع أزمة 17 تشرين الأول 2019 وبهدف علاج التعثر الذي اعترى القطاع لمصرفي، التعميم الاساسي رقم 154 تاريخ 27 آب 2020 حيث طالب فيه كل مصرف بوضع خطة لإعادة تكوين مراكزه واستعادة نشاطاته ما قبل 17 تشرين الأول 2019 ويعرضها على المجلس المركزي لمصرف لبنان لأخذ موافقته عليها. ويحال المصرف الذي يفشل في ذلك إلى الهيئة المصرفية العليا لاتخاذ القرار المناسب بحقه بما فيه إحالته الى المحكمة المختصة لتصفيته. وبعد شغور منصب الحاكم بانتهاء مدة ولاية سلامه، رفع القائم بمهام الحاكم د وسيم منصوري وزملاؤه شعارا أن ليس باستطاعتهم التقرير بشأن المصارف المتعثرة وهم ينتظرون تدخل المشرع بالأمر، بالرغم من أنهم كانوا مشاركين بإعداد التعميم 154. وتطلب الأمر بعد ذلك السعي من حكومتي الرئيسين ميقاتي وسلام لإخراج القانون رقم 23 لإصلاح وضع المصارف. وبعد صدوره في آب 2025، أبطل المجلس الدستوري عددا من مواده واعترض على أخرى صندوق النقد الدولي. فكان مشروع أول لتعديل القانون 23 تم الرجوع عنه. ويرجح أن تنهي لجنة المال والموازنة اليوم اجتماعاتها للبتّ في مشروع تعديل ثان نجح الحاكم سعيد بإدخال تعديلات لغوية على صياغة المادتين 3 و13 منه، بهدف معلن هو ترسيخ استقلالية مصرف لبنان وحمايته من الشرذمة التشريعية بمعرض معالجة الوضع المصرفي المتعثر، لكن بهدف مضمر هو ترسيخ سلطة مطلقة للحاكم في مصرف لبنان أوسع من تلك التي كانت تعود لسلفه سلامه وهي سلطة لا يتمتع بها أي حاكم مصرف مركزي في العالم في الوقت الراهن. توجه يتناقض مع توصيات صندوق النقد الدولي الواردة في تقرير تقني أصدره في تشرين الأول 2025 عن “الحوكمة والفساد” في لبنان أشار فيه إلى وجود ثغرات كبيرة في حوكمة مصرف لبنان مثل تركيز السلطة والاستقلالية المتفلتة من دون شفافية ومساءلة ورقابة مقابلة. وبدلا من أن يأخذ القيّمون على الأمور بتوصيات صندوق النقد التقنية حصل العكس باعتماد نصوص تكرّس الانحرافات في حوكمة مصرف لبنان وتعمقها.
وكانت المفكرة القانونية السباقة في نشر مقالين في 11 اب 2025 و 6 حزيران 2026 عن قانون إصلاح وضع المصارف ، اولهما يعود لما قبل صدور تقرير صندوق النقد، ضمنتهما اقتراحا يتماشى مع توجهات الأخير إذ يدعو إلى فصل الأنشطة المتعلقة بالمصارف عن مصرف لبنان وحصر مهامّ الأخير بشؤون النقد على النحو المعمول به في بلدين رائدين بالاستقرار المصرفي هما ألمانيا وسويسرا. والحجّة الاولى أن الأزمة ما كانت لتحصل لو كان هذا الفصل قائما لأن السلطة المصرفية ما كانت لتسمح لحاكم مصرف لبنان أن يستجلب دولارات المودعين لدى المصارف إلى صناديقه تحت أيّ عذر من الأعذار ولو من خلال تشويه تفسير النصوص القانونية كما حصل، والحجة الثانية عدم ملاءمة تولي حاكم مصرف لبنان أي منصب قيادي يتعلق بالبت بموضوع إصلاح المصارف المتعثرة باعتبار أن لمصرف لبنان دور اساسي في هذا التعثر، وهو امر لم يشهد تاريخ العثرات المصرفية مثيلا له، وتجاوز هذا الامر يكون كمن يثبت لأحد المتخاصمين صفة الخصم والحكم بآن واحد.