الوكالة الوطنية للإعلام
اقتراح لرفع سنّ التعيين في الجمارك: هل هكذا يتم إنصاف الشباب؟
08/10/2026
تقدّم النائب ميشال ضاهر بتاريخ 8 أيلول 2026 باقتراح قانون معجّل مكرّر يرمي إلى تعديل شرط السنّ الأقصى للمتقدّمين إلى مباريات التعيين في وظيفة "مراقب مساعد" في المديرية العامة للجمارك. تفصيلاً، يعمد الاقتراح إلى رفع الحدّ الأقصى لسنّ المتقدمين إلى ثلاثين عامًا مكتملة بتاريخ إجراء المباراة، بدلًا من خمسة وعشرين عامًا، مع إلغاء جميع الأحكام والنصوص التشريعية والتنظيمية السابقة المخالفة لأحكامه أو غير المتوافقة مع مضمونه.
تشير الأسباب الموجبة إلى أن الهدف هو توسيع فرص التوظيف أمام الشباب الذين تجاوزوا سن الخامسة والعشرين، ولا سيّما في ظلّ تجميد التوظيف في الإدارات العامة خلال السّنوات الماضية ما أدى إلى حرمان آلاف الخريجين وحملة الشهادات من الفرصة للمنافسة بالجدارة والكفاءة بغية نجاحهم في مباريات التوظيف. وتضيف الأسباب الموجبة إلى أن رفع السنّ إلى ثلاثين عامًا لا يؤثّر في الكفاءة البدنيّة أو الإنتاجيّة المطلوبة لهذه الوظيفة، بل يتيح للإدارة الاستفادة من خبرات أكثر نضجًا ومؤهلات علميّة أعلى.
وعليه يمكن إبداء الملاحظات التالية:
تعديل عام من دون تحديد المادة المستهدفة
يهدف هذا الاقتراح إلى تعديل الفقرة الرّابعة من المادة 17 من المرسوم الاشتراعي رقم 123 تاريخ 12/6/1959، المتعلّق بتحديد الأحكام الخاصة بوزارة الماليّة وإدارة الجمارك ومديريّة اليانصيب الوطني، والتي تتضمّن أحكامًا خاصّة بتعيين موظفي إدارة الجمارك، ومن بينهم المراقب المساعد.
إلا أن الاقتراح، بحسب صيغته المقدّمة، لم يحدّد بصورة صريحة في متنه أو في أسبابه الموجبة المادة أو النصّ التشريعي الذي يرمي إلى تعديله، الأمر الذي يطرح ملاحظات من حيث وضوح الصياغة التشريعيّة وتحديد النصّ القائم المراد تعديله، ولا سيّما أن الاقتراح يتضمّن في فقرته الأخيرة إلغاءً عامًا للأحكام والنصوص التشريعية والتنظيمية المخالفة له أو غير المتوافقة مع مضمونه، ما يعني ضمنا إلغاء المادة 17 المذكورة لكن من دون ذكر ذلك بشكل صريح وفقا للأصول التشريعية السليمة.
مبررات غير كافية
تستند الأسباب الموجبة، في معرض تبرير الاقتراح، إلى القوانين الاستثنائية التي أقرّها مجلس النواب في السنوات الأخيرة، والتي تناولت مسألة رفع سن التطويع والتعيين في الأجهزة الأمنية والعسكرية لمراعاة سنوات الأزمة. إلا أن القوانين التي أقرت في المدى القريب لا تتعلّق برفع سن التطويع والتعيين، إنما تمديد سن التسريح في الأسلاك العسكرية، وهو ما يختلف من حيث الطبيعة القانونية والغاية عن تعديل شروط الدخول إلى الوظيفة العامة.
كما ننوّه أن شروط سنّ التطويع والتعيين تختلف بين سلك وآخر، تبعّا لطبيعة كل وظيفة وأحكام النظام القانوني الذي يرعاها. في الجيش، مثلًا، ووفقًا لقانون الدفاع الوطني، يشترط على الراغبين في التطوّع بصفة رتباء، أفراد أو تلامذة ضباط ألا يقلّ عمرهم عن 18 سنة وألا يزيد عن 25 سنة عند التثبيت في الخدمة، مع إجازة رفع سنّ التطوّع، في حالات استثنائية، إلى 30 سنة كحدّ أقصى بقرار من وزير الدفاع الوطني، بناءً على اقتراح قائد الجيش وفقّا المادة 30 من قانون الدفاع.
أما بالنسبة لقوى الأمن الداخلي، فتُحدّد المادة 33 من قانون تنظيم قوى الأمن الداخلي الصادر سنة 1990، بالنسبة للسن، أن يكون في 31 كانون الأول من سنة بدء المباراة قد أتم المتطوّع، الثامنة عشرة من عمره ولم يتجاوز الثلاثين فيما يتعلق بالمدنيين، والخامسة والثلاثين فيما يتعلّق بعسكريي الخدمة الفعلية في الجيش.
وبالتالي، فإن المقارنة مع هذه التشريعات تستوجب مراعاة اختلاف طبيعة الأسلاك والوظائف والأنظمة القانونية الناظمة لها، ولا يكفي الاستناد إلى مجرد وجود سقف عمري مختلف في سلك آخر لتبرير اعتماد السنّ ذاتها بالنسبة إلى وظيفة «مراقب مساعد» في إدارة الجمارك.
وعلى الرغم من أن مجلس النواب يحتفظ بحريته لتعديل شروط التطوع حتى لو كانت مبررات هذا الاقتراح غير مقنعة كون ذلك لا يشكل مخالفة لأي مبدأ دستوري، لكن قول الأسباب الموجبة بأن رفع سن التطوع والتعيين هو حاجة "لإنصاف المتقدمين للوظائف الجمركية كضرورة وطنية وشبابية ملحة" يتسم بالمبالغة إذ لا يعقل إدخال تعديلات دائمة على القوانين لأن السلطة السياسية قررت تجميد التوظيف.
من جهة أخرى، لم يستند الاقتراح، ولا أسبابه الموجبة إلى أي دراسة إحصائية أو تقييم موضوعي يبيّن عدد الأشخاص الذين تجاوزوا سن الخامسة والعشرين، والذين حالت القيود العمريّة دون تقدّمهم إلى مباريات التعيين، كما لم يبيّن مدى تأثير تجميد التوظيف في الإدارات العامة خلال السنوات الماضية على هذه الفئة تحديدًا.
كذلك، لم تتضمّن الأسباب الموجبة، بحسب ما هو معروض، معطيات حول الحاجة الفعلية إلى تعديل شرط السنّ في وظيفة «مراقب مساعد»، أو حول انعكاس رفع السنّ على مستوى المنافسة في المباراة، أو على نوعية المرشحين الذين يُمكن أن تستقطبهم هذه الإدارة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن الاقتراح لا يكتفي بمعالجة حالة استثنائية أو مؤقتة، بل يتجه إلى تعديل شرط عام يحكم التقدّم إلى مباريات هذه الوظيفة بشكل دائم.
وعليه، تبرز جملة من التساؤلات: هل يشكّل رفع السن الأقصى من 25 إلى 30 عامًا معالجة فعلية لمشكلة التوظيف في القطاع العام، أم أنه يقتصر على توسيع الفئة العمرية المؤهلة للتقدّم إلى المباراة المذكورة، من دون معالجة الأسباب البنيوية التي أدت إلى تراجع فرص التوظيف؟ وما هي المعايير الموضوعيّة التي استند إليها الاقتراح لتحديد سن الثلاثين حدّا أقصى بدلًا من سن أخرى؟ وهل يستند هذا التحديد إلى دراسة تتعلّق بطبيعة الوظيفة ومتطلباتها البدنية والمهنيّة؟ وهل أُجريت دراسة لحاجات إدارة الجمارك الفعلية إلى الموارد البشرية، ولعدد الشواغر المتاحة، قبل اقتراح تعديل شرط السنّ؟ كل هذه الأسئلة تبقى دون إجابة لا سيما وأن الاقتراح تقدم به نائب ولم يكن بمبادرة من الحكومة التي تملك طبعا معطيات أوفر بكثير حول واقع إدارة الجمارك التي تخضع لسلطتها.
الحلول مكان السلطة التنفيذية
يشكل هذا الاقتراح أحد أوجه التدخّل المتزايد للسلطة التشريعية في عمل ومهام السلطة التنفيذية في تنظيم شؤون الإدارة العامة. وكنا قد شرحنا في مقالٍ سابق عن هذا المنحى المتزايد نحو استخدام التشريع كأداة لتسوية أوضاع وظيفية خاصّة وفئوية، بدل اعتماد مقاربات إصلاحيّة شاملة تعالج الاختلالات البنيوية في الإدارة العامة.
ويظهر ذلك جليا في الأسباب الموجبة التي أعلنت التالي: "ولما كان مشروع المرسوم الخاص بهذه المباراة يمرّ حالياً في القنوات الإدارية التنفيذية (بين وزارة المالية ومجلس الخدمة المدنية ومجلس شورى الدولة) تمهيداً لإصداره، مما يضع مجلسكم الكريم أمام مهلة زمنية وجيزة وحاسمة لإقرار هذا التعديل التشريعي استباقياً، وقبل إغلاق باب تقديم الطلبات رسمياً، تلافياً لضياع الفرصة الأخيرة لإنقاذ مستقبل هؤلاء الشباب".
فالاقتراح يهدف فعليا إلى استباق صدور المرسوم عبر تعديل شروط التطوع، ما يعني أنه يستهدف حالة معينة ولا يتسم بالتجرد والطبيعة العامة التي يجب أن تكون الصفة الملازمة لكل القوانين التي توضع في المبدأ من أجل المستقبل، بينما يترك تطبيقها للحكومة.
في الخلاصة، يمكن القول أن هذا الاقتراح يتبنى حلا ترقيعيا لأزمة البطالة المتفاقمة لدى الشباب، وهو يعكس الطبيعة المشرذمة لعمل النواب الذين يعمدون إلى تقديم تعديلات جزئية للقوانين في ظل غياب رؤية شاملة عن حاجات الإدارة وكيفية تطويرها، وهو أمر لا يمكن موضوعيا أن تضطلع به إلا الحكومة التي يقع على عاتقها دستوريا تحديد السياسة العامة للدولة.