التحفظات التفسيرية للمجلس الدستوري: صلاحية بديهية ملزمة للجميع
22/10/2026
ما إن صدر قرار المجلس الدستوري حول العفو العام حتى انطلقت حملة ممنهجة من الانتقادات التي رأت في هذا القرار تجاوزًا لصلاحيّات المجلس الدستوريّ وتدخّلًا في عمل مجلس النواب. وقد وصل الأمر بالبعض إلى تهديد المجلس بتعيين أعضاء جدد ومطالبة المراجع القضائية المختصة بتجاهل هذا القرار.
ولا شكّ أن سبب هذه الحملة هو الموقف الشجاع الذي اتّخذه المجلس الدستوري عندما قرن قراره المذكور بمجموعة مهمّة من التحفظات التفسيرية التي هدفت إلى تضييق نطاق العفو قدر الإمكان نظرا لطبيعته الاستثنائية التي لا يجوز التوسع فيها. وبما أن قانون العفو تضمن أحكاما مبهمة وهو أيضا صيغ بشكل غير سليم وركيك، وجد المجلس الدستوري نفسه مضطرا إلى تطويق القانون بتحفظات تفسيرية من أجل تأمين حدّ أدنى من التناسب بين مبدأ العفو وحقوق الضحايا والمجتمع والدولة.
ومن دون الدخول في تفاصيل القرار مجدّدًا، كان لا بدّ من توضيح الصلاحيّات الدستوريّة للمجلس لناحية استخدامه تقنية التحفظات التفسيرية وذلك بهدف تبيان زيف مزاعم من يعتبر أن المجلس تخطى صلاحياته، وهو زعم خطير يعكس في الحقيقة جهل من يطلقه بالمنطق الدستوري وكيفية عمل المؤسسات.
ماهية التحفظات الدستوريّة
تنص المادة 22 من قانون إنشاء المجلس الدستوريّ الصادر سنة 1993 على التالي: “ﻴﻌﻠن اﻟﻤﺠﻠس اﻟدﺴﺘوري ﻓﻲ ﻗرارﻩ إن اﻟﻘﺎﻨـون ﻤطﺎﺒق أو ﻤﺨﺎﻟف ﻛﻠﻴﺎ ً أو ﺠزﺌﻴﺎ ً ﻟﻠدﺴﺘور. إذا ﻗرر اﻟﻤﺠﻠس اﻟدﺴﺘوري إن اﻟﻨصّ ﻤوﻀوع اﻟﻤراﺠﻌﺔ ﻤﺸوبٌ ﻛﻠﻴﺎ أو ﺠزﺌﻴﺎ ﺒﻌﻴب ﻋدم اﻟدﺴﺘورﻴﺔ ﻓﺎﻨّﻪ ﻴﻘﻀﻲ ﺒﺈﺒطﺎﻟﻪ ﻛﻠﻴّﺎ أو ﺠزﺌﻴّﺎ ﺒﻘرار ﻤﻌﻠّﻝ ﻴرﺴـم ﺤدود اﻟﺒطﻼن. إنّ اﻟﻨص اﻟذي ﺘﻘرر ﺒطﻼﻨﻪ ﻴﻌﺘﺒر، ﻓﻲ ﺤـدود ﻗرار المجلس كأنّه لم يصدر ولا يجوز لأيٍّ كان التذرّع به”.
يتبيّن من هذا النصّ أن المجلس الدستوريّ يوجد في المبدأ أمام وضعيّة تحتّم عليه إما إبطال القانون كليا أو جزئيا أو ردّ الطعن، ما يفهم منه للوهلة الأولى أنّ المجلس لا يحقّ له اتّخاذ أيّ قرار آخر. لكن المجلس سرعان ما توصّل إلى حلّ لا يتّسم بهذه الثنائية الحادّة (الإبطال أو ردّ الطعن) إذ وجد أنه يستطيع إنقاذ القانون عبر وضع تحفظات تفسيرية على نصوصه الإشكالية بحيث يتم تفسيرها بطريقة تصبح بموجبها متوافقة مع الدستور.
وعلى الرغم من أن القانون لا يولي المجلس الدستوري صراحةً صلاحية وضع التحفظات التفسيرية لكن هذا الأمر منطقي، لا بل هو ضروري إذ يمكن استنتاجه من طبيعة المجلس الدستوري نفسه. فالمادة 19 من الدستور منحت المجلس الدستوري صلاحيات الرقابة على دستورية القوانين من دون تحديد ما هو فحوى هذه الرقابة فعليا إذ هي لم تكرس بشكل صريح حق المجلس الدستوري بإبطال النص الذي يعتبره مخالفا للدستور. لكن ذلك لم يشكل في الحقيقة أي عائق أمام تولي المجلس لصلاحياته البديهية إذ ما هي قيمة رقابته في حال لم يتمكن من إبطال النصوص المخالفة للدستور كما يحصل في كل دول العالم التي تتبع النموذج الفرنسي للرقابة على دستورية القوانين، أي وجود جهة واحدة وحصرية مخولة القيام بتلك الرقابة.
وبما أن المجلس كي يتمكن من إبطال القانون يتوجب عليه تفسيره بالأول، فإن ذلك يعني أن المجلس يحق له في معرض نظره بالطعون تفسير ليس فقط الدستور لكن أيضا تفسير القانون من أجل تحديد ما إذا كان القانون المشكو منه مخالف للدستور. فالمجلس الدستوري لا يقوم فقط بتفسير الدستور بل هو أيضا يقوم بتفسير القوانين وهذا أمر بديهي إذ بمجرد أن يكون الدستور قد منحه صلاحية النظر في دستورية القوانين فإنه يكون قد منحه الحق بتفسير الدستور والقانون، لا بل منحه الحق بإعطاء التفسير الأصلي (intérpretation authentique) للدستور وفقا لتعبير “هانس كلسن” أي التفسير النهائي الذي يحسم النزاع القضائي بغض النظر عن القيمة العلمية لهذا التفسير أو موافقة الفقهاء عليه.
وبمجرّد أن يكون المجلس الدستوريّ مخولًا تطبيق العقوبة القصوى أي إبطال النصّ الذي يعتبره مخالفا للدستور، فإن ذلك يعني حكما أن المجلس يحقّ له إبطال معنى النصّ الذي يشكل مخالفة دستورية والإبقاء على المعنى الذي ينسجم مع الدستور عبر التحفظ التفسيري كون ذلك يشكل عقوبة أدنى. فالتحفظات التفسيرية ما هي بالحقيقة إلا إبطال لتأويل معين للنصّ كون النص الحرفي لأي قانون لا وجود له إلا عبر التفسيرات المختلفة التي قد يرتديها. وبما أن المجلس الدستوري عندما يبطل النص الحرفي لقانون ما فهو في الحقيقة يعتبر أن هذا النص لا يحتمل إلا تفسير واحد مخالف للدستور، وبالتالي فإن المجلس يفرض تفسيره للنص القانوني سواء كان ذلك من أجل إبطاله أو الابقاء عليه. وفي حال قرّر المجلس أنّ النص المطعون فيه يحتمل أكثر من تفسير فهو يبطل التفسير الذي يخالف الدستور ويبقي على النص لكن مع تأويله بشكل محدّد. وهذا ما يعرف بالتحفظات التفسيرية. فإذا كان الإبطال الجزئي هو إزالة النص الحرفي للقانون كونه لا يحتمل إلا تفسيرًا واحدًا، فإنّ التحفظ التفسيري ما هو إلا إبطال أحد معاني النص المحتملة مع الإبقاء على حرفيته.
وهكذا يتبيّن أنّ صلاحية إعطاء التحفظات التفسيريّة هي من صميم مهام المجلس الدستوري، وهي تنبع من حقّه بإبطال تفسير النصّ الذي يجد أنه يخالف الدستور ولا يمكن القول بأن ذلك يشكل تدخّلا في عمل السلطة التشريعية لأن الجهة التي منحها الدستور حقّ إبطال القانون الذي يقرّه مجلس النواب تكون حكمًا مخوّلة بإعطاء هذا النصّ التفسير الذي تجد أنّه يتوافق مع المبادئ الدستوريّة. لكن ذلك لا يعني أن التحفظات التفسيرية هي اعتباطية كون المجلس الدستوري، مثل أي سلطة قضائية، ملزم بتعليل قراراته عبر تبيان كيف يحتمل النص أكثر من تفسير. عندها لا يمكن لوم المجلس على موقفه لأن السلطة التشريعية تكون قد صاغت النص بشكل ركيك أو مبهم ما فتح الباب لتأويلات متعدّدة قد تكون مخالفة للدستور. فمن واجب البرلمان تبنّي تشريعات واضحة تحترم المبادئ الدستوريّة وكل تقاعس منه عن القيام بواجبه يعرّض النص لعقوبة الإبطال وما يستتبعها من إمكانية وضع التحفظات التفسيرية.
وقد كرس المجلس الدستوري الفرنسي حقّه بإعطاء التحفظات التفسيرية باكرًا سنة 1959 أي بعد سنة فقط على إنشائه، وقد تبنّتْ أيضا المحاكم الدستورية في إيطاليا وإلمانيا وإسبانيا هذه التقنية التي باتت مألوفة في المشهد الدستوري لتلك الدول. هذا وقد حذا المجلس الدستوري اللبناني حذو نظيره الفرنسي بموجب القرار رقم 3 الصادر في 15 تموز 2002 عندما أعلن التالي: “وبما ان رد الطعن لعدم مخالفة الدستور أو القواعد ذات القيمة الدستورية لا يعني أنه يمتنع على المجلس الدستوري أن يحصن القانون المطعون فيه بتحفظات تفسيرية يتعين التقيّد بها في مراحل تطبيقه وتنفيذه، إذ إنّه من المسلم به في اجتهاد القضاء الدستوريّ أن المجلس الدستوريّ في الحالات التي يردّ فيها الطعن ويقضي بدستورية القانون أن يفسر القانون المطعون فيه على النحو الذي يجعله أكثر اتّفاقا مع أحكام الدستور”.
وبالفعل وضع المجلس الدستوري في هذا القرار تحفظات تفسيريّة معلنًا في بناءات هذا الأخير أن بعض مواد القانون المطعون فيه “تفسّر ويجب أن تطبق” وفقا لاجتهاد المجلس، ومن ثم أشار في الفقرة الحكمية من القرار ردّ المراجعة “واعتبار القانون المطعون فيه غير مخالف لأحكام الدستور أو للمبادئ العامة ذات القيمة الدستورية بالتحفظات ثانيا التفسيرية الإلزامية المبينة صراحة في متن هذا القرار”.
وإذا كان المجلس الدستوري مقلّا في استخدام هذه التقنية لكن المجلس الحالي لجأ إليها بشكل متزايد منذ 2021 إذ يتبين أنه أصدر 14 قرارًا مع تحفظات تفسيرية (من بينها ثلاثة قرارات تتناول القانون نفسه سنة 2024). ولا شك أن ذلك بات يشكل ظاهرة لا يمكن تفسيرها إلا برغبة المجلس الدستوري عدم إبطال النص المطعون فيه والاكتفاء بوضع تحفظات تفسيرية. فإذا كان المجلس دأب على ذلك منذ خمس سنوات، لماذا قرر الذين اعترضوا على قرار المجلس حول قانون العفو إبداء تبرّمهم الان من المجلس الدستوري واتهامه بالتدخل في عمل مجلس النواب؟
أنواع التحفظات التفسيرية
لا شك أن قرار المجلس الدستوري حول العفو العام شكّل منعطفًا كون هذا الأخير سجل رقما قياسيا في عدد تحفظاته التي بلغت تسعة تحفظات. وقد تمكّن الفقهاء[1] في فرنسا من تصنيف تلك التحفظات التفسيرية وفقا لثلاث فئات هي التالية:
- التحفظات التحييدية (réserves neutralisantes): وهي تلك التي تستبعد تفسيرا مخالفا للدستور ما يشكل “تعقيما” للنص عبر حصره بتفسير واحد مطابق للدستور.
- التحفظات التوجيهية (réserves directives): وهي تلك التي تعطي توجيهات إلى سلطات الدولة سواء كانت الحكومة أو الإدارة أو السلطة القضائية بتبني تطبيق معيّن للقانون. لا بل أن المجلس الدستوري الفرنسي وجّه في أحيان نادرة توجيهات إلى البرلمان نفسه.
- التحفظات التكميلية (réserves constructives): وهي تلك التي يضيف فيها المجلس فعليا على القانون من أجل جعله متوافقا على الدستور. ويلجأ المجلس إلى هذا الحلّ عندما يتبين له أن القانون لم يتضمن أحكاما واضحة بما يكفي إذ يؤدي هذا النقص إلى تهديد ضمانات أساسية كرسها الدستور. والإضافة لا تتم طبعا عبر تعديل حرفية النص كون ذلك من صلاحيات البرلمان لكن عبر إضافة عناصر تؤدّي إلى تكميل معنى النص.
جراء ما تقدم، يصبح جليّا أن القول بأنّ التحفظات التفسيرية هي بدعة تؤدّي إلى تدخّل المجلس الدستوري في صلاحيات البرلمان هو قول لا يستقيم إطلاقا إذ أن المجلس يحقّ له توجيه تعليمات تحدّد كيفية تطبيق النص لا بل هو يمكن له أن يضيف على النص ما يجعل معناه متوافقا مع الدستور. بالطبع لا يعمد المجلس إلى إرسال تلك التوجيهات إلى الجهات المعنية مباشرة بل هو يخاطبها فقط عبر قراراته، وما على تلك الجهات إلا استنتاج ما يفترض منها بغية احترام قرار المجلس الدستوري.
ومن الأمثلة على التحفظات التكميلية في لبنان، وهي أشد أنواع التحفظات لجهة تداعياتها على التشريع، القرار رقم 3 الصادر سنة 2002 بخصوص قانون إنشاء حساب لإدارة وخدمة وتخفيض الدين العام إذ منحت المادة الخامسة منه وزارة المالية صلاحيات كبيرة جدا من أجل تخفيض الدين العام، فما كان من المجلس الدستوري إلا وأن اعتبر أن تلك الصلاحيات نظرا لارتباطها بالسياسة العامة للحكومة تحتاج إلى موافقتها وهكذا جاء التحفظ التفسيري ليقول بأن المادة الخامسة “تفسر ويجب أن تطبق بأن وزارة المالية تقوم بما نصت عليه هذه المادة من خطوات وتدابير وأعمال قانونية بعد موافقة مجلس الوزراء”. وهكذا يتبين أن المجلس الدستوري أضاف عنصرا إلى القانون يتمثل في ضرورة الحصول على موافقة مجلس الوزراء كونه السلطة التنفيذية التي منحتها المادة 65 من الدستور صلاحية وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات.
كذلك بالنسبة للتحفظات التحييدية إذ يمكن الاستشهاد بقرار المجلس الدستوري رقم 14 الصادر سنة 2025 الذي أجاز لرئيس الجامعة اللبنانية تحديد شروط التوظيف في الملاك الإداري بعد موافقة مجلس الجامعة ما قد يفهم منه أن لرئيس الجامعة بقرار إداري مخالفة شروط التوظيف العامة المحددة في القوانين وهو أمر لا يجوز كون المادة 12 من الدستور تمنح مجلس النواب صلاحية تحديد شروط التوظيف العامة ولا يمكنه التخلي عن تلك الصلاحية. لذلك عمد المجلس الدستوري إلى تحصين القانون عبر تحفظ تفسيري مفاده أن الشروط التي يحددها رئيس الجامعة هي شروط التوظيف الخاصة التي تدخل من ضمن صلاحيات السلطة الإدارية دون شروط التوظيف العامة التي تبقى من صلاحيات البرلمان، ما يعني أن المجلس أعطى لكلمة “الشروط” المعنى الذي لا يتعارض مع الدستور عبر تحييد النص ونزع فتيل المخالفة الدستورية.
والتحفظات التحييدية تتسم أحيانا برغبة المجلس الدستوري بتقصي عمل المشرع الحقيقي الذي يظهر أن المعنى المخالف للدستور لم يكن أبدا في نيته، وأن تدخل المجلس يهدف فقط إلى إزالة الغموض أو التناقض الذي قد يوجد في النص. وقد ظهر ذلك في القرار الشهير حول العفو العام إذ استقرأ المجلس الدستوري نية المشترع من خلال المقارنة بين جميع مواد القانون والإحالة على قوانين أخرى كي يستنتج أن المشترع أراد استثناء الفساد من منحة العفو، كذلك عندما اعتبر أن المشترع لا يشرع عبثا وذلك في معرض تعرضه للتناقض الموجود بين إلغاء عقوبة الإعدام في قانون سابق ومن ثم ذكر العقوبة مجددا في قانون العفو.
ويظهر هذا التوجه في القرار حول تعديل قانون الشراء العام رقم 7 الصادر في 6 حزيران 2023 حيث اعتبر المجلس الدستوري أن مبدأ التفسير الشمولي للنصوص القانونية يقضي بتفسير هذه الأخيرة بهدف “تطبيقها تطبيقا متناغما ومتآلفا فيما بينها دون أي تعطيل أو استبعاد أو اجتزاء لأي منها”، لذلك ومن خلال مقارنة مواد القانون المختلفة اعتبر المجلس أنه “لم يكن بنية المشترع استثناء القوى العسكرية والأمنية من من تطبيق أحكام قانون الشراء العام” في ما يختص بالعقود العادية بل أراد فقط استثناء العقود التي تتسم بطابع السرية والمتعلقة بالأمن الوطني. لذلك يضع المجلس تحفظا تفسيريا بحيث يتم تطبيق الفقرة الثالثة من المادة 11 “بصورة إلزامية” بشكل يتم استثناء القوى الأمنية والعسكرية من التقيد بأحكام قانون الشراء العام “في ما يتعلق بالعقود التي تتسم بطابع السرية والمتعلقة بالأمن والدفاع الوطني”.
أما التحفظات التوجيهية يمكن القول بشكل عام أن جميع تحفظات المجلس الدستوري توجيهية إذ بمجرد أن تكون أي سلطة أو جهة مخولة تطبيق القانون فهي ملزمة بتطبيقه وفقا لتفسير المجلس الدستوري. وهذا الأمر ينطبق على السلطة التنفيذية بكل أجهزتها وكذلك على السلطة القضائية بكل أنواعها. فعندما يتضمن القرار حول العفو العام تحفظات تفسيرية حول كيفية خفض العقوبات وتطبيق عقوبات الفساد وجرائم الحرب والمخدرات، فهو بالحقيقة يعطي توجيهات إلى السلطات القضائية المعنية كي تلتزم بتفسير المجلس في كل حالة يتم النظر بها.
لكن المجلس الدستوري قد يعمد أحيانا إلى مخاطبة جهة محددة عبر تحفظاته التفسيرية. ولعل أبرز وأغرب مثال على ذلك حدث مع موازنة عام 2022 إذ وضع المجلس بموجب القرار رقم 1 تاريخ 5 كانون الثاني 2023 تحفظا تفسيريا على المادة 111 منها حول إعطاء العاملين في القطاع العام والمتقاعدين ضعفي أساس الراتب الشهري دون أي زيادة مهما كان نوعها على ألا يقل إجمالي ما يتقاضاه المستفيد عن خمسة ملايين ليرة “بما فيه راتبه الأساسي” وألا تزيد عن 12 مليون ليرة. وقد اعتبر المجلس الدستوري أن هذه المادة يجب أن تفسر وتطبق على اعتبار أن قيمة الزيادة على أساس الراتب الأساسي يجب أن لا تقل عن خمسة ملايين ليرة ولا تزيد عن 12 مليون ليرة “وذلك تحقيقا لمبدأ العدالة الاجتماعية”. لكن التطور المستغرب حصل لاحقا عندما تقدمت وزارة المالية بتاريخ 27 كانون الثاني 2023 باستدعاء تطلب فيه تفسير هذا التحفظ التفسيري بخصوص المادة 111. وبالفعل أصدر المجلس قرارا يحمل الرقم 3 بتاريخ 2 شباط 2023 اعتبر فيه أن “وزارة المالية هي المرجع المعني بتنفيذ الفقرة المنوه عنها ويكون لها الصفة لطلب التفسير” وشرح أن الراتب الأساسي يقصد به بالمعنى الواسع الأجر الأساسي أو المخصصات الأساسية “بدون أي منحى تفسيري آخر للمادة”.
ومن دون مناقشة ما إذا كان يجوز لجهة لا يحق لها الطعن بالقوانين أن تتقدم وخارج مهلة الطعن بطلب من أجل تفسير قرارات المجلس الدستوري، يتبيّن أن المجلس الدستوري هنا اتخذ تحفظات تفسيرية موجهة تحديدا إلى وزارة المالية، لا بل أن وزارة المالية بادرت من تلقاء نفسها إلى استيضاح المجلس حول كيفية تطبيق قراره.
ومن الأمثلة على توجيهات خاطب بها المجلس الدستوري الحكومة ومجلس النواب لكن من دون صياغتها بشكل صريح على شكل تحفظ تفسيريّ القرار رقم 2 الصادر في 14 أيار 2018 حول موازنة 2018 إذ اعتبر المجلس أنه لا يمكن له إبطال الموازنة على الرغم من مخالفة المادة 87 من الدستور التي تفرض صدور قانون قطع الحساب قبلها “على أن يجري سريعا وبدون تباطؤ الخروج من الحالة الشاذة هذه ووضع قطع حساب وفق القواعد التي نصّ عليها الدستور وقانون المحاسبة العمومية لعودة المالية العامة إلى الانتظام”. فهذا الموقف يحتوي على توجيهات واضحة وكان من الممكن للمجلس الدستوري أن يكون أكثر تشدّدًا في هذا الأمر إذ يقرّر إبطال الموازنات اللاحقة في حال صدرت من دون قطع الحساب عملا بتحذيره السابق، لكنه امتنع عن ذلك ما سمح للسلطة السياسية بالتمادي في خرق الدستور.
ومن الأمثلة حول التحفظات التوجيهية قرار المجلس الدستوري رقم 5 تاريخ 23 أيار 2024 حول تمديد ولاية المجالس البلدية والاختيارية إذ اعتبر المجلس أن هذا التمديد حتى تاريخ أقصاه 31 أيار 2025 يشوبه الغموض إذ يفهم منه إمكانية مبادرة السلطة التنفيذية من تلقاء نفسها إلى إجراء الانتخابات قبل هذا التاريخ من دون تدخل مجلس النواب لذلك “يقتضي إزالة هذا الالتباس بتحصين النص بتحفظ تفسيري أنه خلال مدة التمديد، وعند زوال الظرف الاستثنائي، يحدد المجلس النيابي موعدا جديدا للانتخابات بقانون جديد”. ولا شك أن هذا التحفظ يتذبذب بين التحفظ التحييدي والتحفظ التوجيهي كونه من جهة يستهدف الحكومة من خلال منعها من إجراء الانتخابات ساعة تشاء كون تحديد ولاية المجالس البلدية والاختيارية هو من اختصاص السلطة التشريعية بحيث يتمّ ترك الحرية لمجلس النواب كي يلاحظ أن الظرف الاستثنائي قد انتهى ما يوجب إجراء الانتخابات، لكنه من جهة ثانية قد يفهم على أنه يعطي توجيهات إلى السلطة السياسية بضرورة إجراء الانتخابات فور زوال الظرف الاستثنائي.
لكن هكذا تحفظات تفسيرية تبقى قليلة الفعالية إذ لا يمكن معاقبة مجلس النواب على عدم إجراء الانتخابات في حال زالت الظروف الاستثنائية إذ لا يمكن للمجلس الدستوري أن يمارس دوره إلا في حال إقرار قانون تمديد جديد، بحيث يقرر أن عدم الالتزام بتوجيهاته في المرة الأولى يستوجب منه إبطال التمديد الجديد لأن السلطة السياسيّة لم تلزم بقراره السابق. لكن المجلس الدستوري قبل بتمديدات متتالية لولاية المجالس البلدية والاختيارية لا بل هو في القرار رقم 6 بتاريخ 30 أيار 2023 أعلن أن “التمديد للمجالس المحلية بسبب ظروف طارئة يجب أن يتناسب مع ما تقتضيه تلك الظروف وفي المدة الزمنية الدنيا أو المعقولة”. لكن هذا التحفظ هو أشبه بالتمنيات التي تهدف بالحقيقة إلى تملص المجلس من تحمل مسؤولياته كون هذا التحفظ غير قابل للتطبيق إلا من قبل السلطة السياسية نفسها عبر إقرار قانون جديد لإجراء الانتخابات وهو قانون لا يمكن لأي سلطة مراقبته إلا المجلس الدستوري نفسه.
وقد كرر المجلس الدستوري تمنياته مع القرار حول تمديد ولاية مجلس النواب حتى 2028 إذ اعتبر أنه كان من الأفضل “لو حصل التمديد الاستثنائي لفترة أقصر يعيد بنتيجتها المجلس النيابي تقييم الوضع واتخاذ ما يراه مناسباً، إما بتجديد ولايته ثانية إذا لزم الأمر وإما بإجراء الانتخابات، فإنه يعود أيضاً للمجلس المذكور، لا بل من واجبه الوطني والدستوري، في حال زوال الظرف الاستثنائي، أن يعمد مباشرة إلى تقصير مدة ولايته والعمل على إجراء الانتخابات، علماً أن تقصير مدة الولاية يخرج عن صلاحية المجلس الدستوري”. مجددا تترك هذه التمنيات الحرية الكاملة للسلطة السياسية ما يجعلها أقرب إلى “التمنيات التفسيرية” من أن تكون تحفظات تفسيرية فعلية كون هدفها الحقيقي هو غسل يد المجلس من هذه المخالفة.
قوة قرارات المجلس الدستوري
لا شك أن أخطر ما تمّ تداوله عقب صدور قرار المجلس الدستوري مواقف لنواب أو تجمعات نيابية ومعلومات تم تناقلها عن جهات سياسية بأنه سيتم تجاهل التحفظات التفسيرية للمجلس الدستوري عند تطبيق قانون العفو العام.
ولا مبالغة في القول بأن هذه المواقف تشكل انقلابا مكتمل الأوصاف على دولة القانون والنظام الدستوري اللبناني لأن إلزامية قرارات المجلس الدستوري من المبادئ التي لا تحتاج إلى أي تأويل. وقد نصت المادة 52 من قانون النظام الداخلي للمجلس الصادر سنة 2000 على التالي: ” ﺘﺘﻤﺘﻊ ﻗرارات اﻟﻤﺠﻠس اﻟدﺴﺘوري ﺒﻘوة اﻟﻘﻀﻴﺔ اﻟﻤﺤﻛوم ﺒﻬﺎ، وﻫﻲ ﻤﻠزﻤﺔ ﻟﺠﻤﻴﻊ اﻟﺴﻠطﺎت اﻟﻌﺎﻤﺔ، وﻟﻠﻤراﺠﻊ اﻟﻘﻀﺎﺌﻴﺔ والإدارﻴﺔ”.
فهذه المادة تكرس مبدأ بديهيّا ولا وجود أصلا لرقابة على دستورية القوانين في حال كانت قرارات المجلس الدستوري غير ملزمة للجميع. لا بل أن هذه المادة هي أقلّ من المطلوب كونها موجودة في قانون عادي بينما النظام الفرنسي يكرس هذا المبدأ في الدستور نفسه (الفقرة الأخيرة من المادة 62)[2]، وهو الحلّ المنطقي والسليم.
وقد اعتبر المجلس الدستوري الفرنسي أن الطبيعة الملزمة لقراراته لا تتعلق فقط بالفقرة الحكمية لكن أيضا بمتن القرار الذي يحتوي على التعليل الضروري الفقرة الحكمية، لا بل أن قرار المجلس الدستوري الفرنسي هذا صدر وللمفارقة بخصوص قانون عفو عام[3].
وفي الاتجاه نفسه أعلن مجلس شورى الدولة الفرنسي سنة 2006 بشكل صريح بأن على القاضي والسلطات الإدارية أن تلتزم عند تطبيق القانون بالتحفظات التفسيرية التي يضعها المجلس الدستوري في معرض رقابته على دستورية القوانين[4].
وقد شرحت المفكرة القانونية في مقال مسهب مسألة قوة قرارات المجلس الدستوري وكيفية تطبيقها من قبل مجلس شورى الدولة اللبناني الذي وصل به الأمر في أحد قراراته إلى حدّ القول بأن “قرارات المجلس الدستوري هي إذن ملزمة للقضاء، كما للسلطات العامة، وهذا يعني أن إبطال المجلس لنص تشريعي لا يؤدي فقط إلى بطلان هذا النص، بل ينسحب على كل نص مماثل أو قاعدة قانونية مشابهة للقاعدة التي تقضي بإبطالها، سواء كانت متزامنة مع قرار المجلس أو سابقة له، وذلك لتعارضها مع أحكام الدستور أو مع مبدأ عام يتمتع بالقيمة الدستورية لأن هذه القاعدة تكون قد خرجت من الانتظام العام القانوني بصورة نهائية بحيث لا يستطيع القضاء، سواء القضاء العدلي أو الإداري أن يطبق نصاً مخالفاً للقاعدة أو للمبدأ الذي أقره المجلس الدستوري وذلك احتراماً لمبدأ الشرعية وخاصة لمبدأ تسلسل أو تدرج القواعد القانونية” (قرار رقم تاريخ 25/10/2001).
ومن دون الدخول في تحليل أبعاد هذا القرار يتبين أن لا إشكالية إطلاقا في الطبيعة الملزمة لقرارات المجلس الدستوري بل أن مجلس شورى الدولة أراد توسيع مفاعيل هذه القرارات بأقدر قدر ممكن لا الحد منها. وقد استند مجلس شورى الدولة أيا على قرار للمجلس الدستوري عندما أعلن وقف تنفيذ مرسوم رد قانون المدارس الخاصة.
وبالحقيقة أن الطبيعة الإشكالية للتحفظات التفسيرية لا تتعلق إطلاقا بحق المجلس الدستوري بوضعها أو بطبيعتها الملزمة لكن بكونها قد تظهر عن ضعف المجلس الدستوري الذي يتخلى عن ممارسة دوره كاملا بإبطال النص.
في الخلاصة يصبح جليّا أن القول بأن التحفظات التفسيرية تشكل تدخلا في عمل مجلس النواب هو زعم لا أساس له من الصحة، لا بل هو يجافي بديهيات المنطق الدستوري. وبالتالي لا يمكن القبول إطلاقا بكل المواقف المحرضة على الامتناع عن تطبيق قرارات المجلس الدستوري كون ذلك يشكل انقلابا على المؤسسات وضربا لطبيعة الرقابة الدستورية. فالتحريض الممارس على المجلس الدستوري يعكس في الحقيقة نظرة السلطة الحاكمة للنظام القانوني في لبنان إذ تعتبر أن التسويات السياسية تسمو على المبادئ الدستورية وأن التوافق بين أحزاب السلطة هو مصدر الوحيد للشرعية. فقرار المجلس الدستوري حول العفو العام جاء كي يذكر هذه السلطة أن إرادتها وحدها لا تكفي لإنتاج القاعدة القانونية في لبنان وأن الدستور يسمو على كل مصالح أحزاب السلطة وألعابهم البهلوانية.
[1] Dominique Rousseau, Droit du contentieux constitutionnel, Montchrestien, Paris, 2006, pp. 158-164.
[2] “Les décisions du Conseil constitutionnel ne sont susceptibles d’aucun recours. Elles s’imposent aux pouvoirs publics et à toutes les autorités administratives et juridictionnelles”.
[3] L’autorité des décisions du Conseil constitutionnel “s’attache non seulement à leur dispositif mais aussi aux motifs qui en sont le soutien nécessaire et en constituent le fondement même” (Décision n° 89-258 DC du 8 juillet 1989, Loi portant amnistie ).
[4] “Considérant que pour l’application et l’interprétation d’une loi, aussi bien les autorités administratives que le juge, sont liés par les réserves d’interprétation énoncées par le Conseil constitutionnel dans sa décision statuant sur la conformité de cette loi à la Constitution” (CE, 26 juin 2006, Anfian et Hassani, req. n° 294505 et n°294506).