الحكومة تستعين باحتياط قوى الأمن لضمان إجراء الانتخابات

نيقولا غصن

02/11/2026

انشر المقال

تقدّمت الحكومة بتاريخ 21 تشرين الأول 2026 بمشروع قانون يرمي إلى تعديل الفقرة الأولى من المادة 86 من قانون انتخاب أعضاء مجلس النواب رقم 44 الصادر سنة 2017. يعمد الاقتراح إلى إضافة فئة جديدة من بين الفئات التي يحقّ للمحافظ أو القائمقام تكليفها بمهام رئيس قلم أو كاتب في أقلام الاقتراع. ففيما تنصّ المادة الحاليّة على أنّ هؤلاء يكلّفون من بين "موظفي الدولة"، يضيف التعديل إمكانيّة تكليفهم من بين "احتياطي قوى الأمن الداخلي على سبيل الإحتياط إذا اقتضت الضرورة".

بحسب أسبابه الموجبة، يهدف هذا التعديل إلى حلّ مشكلة النقص في "عدد الموظفين المكلفين كرؤساء أقلام في مراكز الاقتراع لأسباب عديدة منها تمنّعهم عن الالتحاق يوم الانتخاب مما نشأ عن ذلك عقبات أساسيّة في سير العمليّة الانتخابيّة". وتعتبر الحكومة أنّ عناصر قوى الأمن الداخلي في الخدمة الفعليّة ينطبق عليهم قانون الموظفين "حيث يمكن الاستعانة بهم لتولّي مهامّ رؤساء أقلام وكتبة في العمليّة الانتخابيّة وفقًا لقانون الانتخاب الحالي". إلّا أنّه وبسبب استنفاد عديد قوى الأمن في تنفيذ العمليّة الانتخابيّة، اقترحت الحكومة "استدعاء احتياطيّ قوى الأمن الداخلي لتولّي هذه المهام" الذي "لا ينتج عنه أي تعطيل لعمل ومهام قوى الأمن الداخلي"، لا سيما وأنّ لهؤلاء "من الخبرة ما يمكّنهم من تولّي مهام رئاسة القلم أو الكاتب في هيئة قلم الاقتراع في انتخاب أعضاء مجلس النواب، وذلك لإلمامهم بالقوانين والأنظمة التي ترعى هذه المهام".

جرّاء ما تقدّم، يمكن إبداء الملاحظات التالية:

الغموض في آلية استدعاء الاحتياط

لا بدّ أوّلًا من الإشارة إلى أنّ احتياط قوى الأمن الداخلي منظّم بحسب المرسوم رقم 1071 الصادر في 2 نيسان 1991. وينصّ هذا المرسوم في مادته الرابعة على ثلاث حالات يمكن استدعاء الاحتياط فيها للخدمة الفعليّة لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، بقرار من المدير العام لقوى الأمن بناء على قرار مجلس القيادة وموافقة وزير الداخليّة، وهي التالية: أثناء القيام بعمليات ترتدي طابع السرعة وتهدف لتوطيد الأمن، وعند إعلان حالة الطوارئ، وعند إعلان حالة الحرب. أمّا المادة الخامسة، فتنصّ على أنّه "إذا قضت ظروف الخدمة الاستعانة بالاحتياطيين في غير الحالات الثلاث المحددة في المادة 4 السابقة، يمكن دعوتهم بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الداخلية."

انطلاقًا مّما تقدّم، لا يقدّم مشروع القانون إيضاحًا كافيًا حول الآليّة القانونيّة لاستدعاء احتياط قوى الأمن من أجل الاستعانة بهم في العمليّة الانتخابيّة بل يكتفي بالقول بأن وزارة الداخلية ترسل لوائح إسمية إلى المحافظ والقائمقام. فهل المقصود أن مجرد ورود اسم الشخص المعنيّ على لوائح الاحتياط لأنه يستوفي الشروط المحددة في المادتين الأولى والثانية من المرسوم رقم 1071 تمنح المحافظ أو القائمقام حق الاستعانة به مباشرة أو أنه يتوجب استدعاؤه وفقا للأحكام المنصوص عليها في المادتين الرابعة والخامسة من المرسوم كي يصبح في الخدمة الفعلية، علما أن الحالات المحددة في المادة الرابعة غير قابلة للتطبيق, إذ هي تفترض إما اعلان الحرب أو حالة الطوارئ، أي وجود ظروف لا تحصل الانتخابات خلالها في المبدأ، إما القيام بعمليات مستعجلة من أجل توطيد الأمن، وهو ما لا ينطبق على الانتخابات التي من المفترض أن يتم التحضير لها قبل شهور طويلة هذا فضلا عن أن إدارة قلم الاقتراع لا علاقة لها بتوطيد الأمن. وهكذا يتبين أن الحل الوحيد المتبقي لاستدعاء الاحتياط هو اتخاذ مرسوم في مجلس الوزراء وفقا للمادة الخامسة، وهو الأمر الذي لا يعالجه مشروع الحكومة أيضا.    

الطبيعة المدنية للعملية الانتخابية 

يطرح هذا المشروع إشكاليّة لا بدّ من التوقّف عندها تتعلق بالطبيعة المدنية للعملية الانتخابية. فالانتخابات هي الوسيلة الديمقراطية التي يتمكن خلالها الشعب من ممارسة سيادته، ما يعني أنه يجب أن تتسم بالحرية كي يتمكن الناخب من التعبير عن رأيه من دون التعرّض لأيّ ضغط أو إكراه. وبالتالي كان من المنطقي أن تتألف هيئة القلم المشرفة على الاقتراع من مواطنين مدنيين يشبهون الناخبين لا من قوى أمنية أو عسكرية قد يشكل تواجدها مسّا بحرية الناخب وطبيعة الانتخابات المدنية. وعملا بهذا المبدأ، نصّت الفقرة الرابعة من المادة 86 من قانون الانتخابات الصادر سنة 2017 على التالي: "يتمتع رئيس قلم الاقتراع وحده بسلطة المحافظة على النظام داخل القلم، ولا يجوز لأي من عناصر القوى الامنية الوجود داخل القلم إلا بطلب منه وبصورة مؤقتة وحصراً لأجل تأمين سلامة العملية الانتخابية". 

وهكذا يتبين أن تمكين الاحتياط في قوى الأمن في حال أصبحوا مجددا في الخدمة الفعلية من الإشراف على أقلام الاقتراع يؤدي إلى إشكاليات بسبب خرقه مبدأ الفصل بين السلطتين المدنية والعسكرية وتحويله الانتخابات إلى مسألة أمنية، هذا فضلا عن تعزيز صلاحيات وزارة الداخلية والمدير العام لقوى الأمن الداخلي تحديدا.

إن الطبيعة الإشكالية لهذا الأمر تظهر أيضا في المادة الثالثة من المرسوم رقم 1071 الذي ينص على أن تعيين الاحتياطيين في قوى الامن الداخلي يتم بالاختيار "أما إذا تبين للمدير العام أن عدد رجال قوى الأمن الداخلي السابقين غير كاف، فيمكن اللجوء إلى التعيين الإجباري" وتضيف الفقرة الأخيرة من المادة التالي: "لا يلجأ إلى تعيين احتياطيي الجيش كاحتياطيين في قوى الأمن الداخلي إلا إذا كان عدد رجال قوى الأمن الداخلي السابقين الذين يشكلون احتياط هذه القوى غير كاف". وهو ما يطرح المخاطر نفسها حول إرغام البعض على العودة إلى الخدمة الفعلية أو الاستعانة بعناصر من الجيش من أجل الإشراف على اقتراع المواطنين.   

الاحتياط لمعالجة الانهيار

بالعودة إلى ما أشارت إليه الأسباب الموجبة للاقتراح، فإنّ تنظيم الانتخابات النيابيّة بات يصطدم بأزمة التحاق الموظفين العامين في أقلام الاقتراع، بسبب ضعف التعويضات الممنوحة لهم وتعيينهم في أقلام اقتراع بعيدة عن مكان سكنهم كما مشاكل تنظيميّة في وضع جداول الموظفين وتوزيعهم. وقد أشارت تقارير إعلاميّة إلى أن هذه المشاكل تكررت خلال الانتخابات البلديّة في العام 2025، إذ لم يسأل الموظفون عن رغبتهم في المشاركة في إدارة العمليّة الانتخابيّة، وأرسلت لوائح إلى مراكز عمل الموظفين غير مدققة ومليئة بالأخطاء وورد أنّ هذه اللوائح أرفقت برسالة تحذّر الموظّفين من عدم الالتحاق بالأقلام الذين سيعيّنون فيها. وتبيّن في اللوائح وجود موظفين متقاعدين بالإضافة إلى متوفين. وذكّر التعميم الذي أرفق باللوائح بالفقرة السابعة من المادة 86 من قانون الانتخابات التي تنص على التالي: "يعاقب كل موظف، تخلف بدون عذر مشروع عن الالتحاق بمركز قلم الإقتراع الذي عُيّن فيه رئيساً أو كاتباً، بالحبس مدة شهر واحد أو بغرامة قدرها مليون ليرة لبنانية". 

وكانت الحكومة خلال الانتخابات البلدية الأخيرة قررت رفع التعويضات المخصصة لهيئة قلم الاقتراع إذ أصبحت بموجب المرسوم رقم 330 الصادر في 16 أيار 2025 وفقا للتالي: 18900000 لرئيس القلم و17100000 للكاتب علما أنها كانت أثناء الانتخابات النيابية سنة 2022 فقط 3600000 لرئيس القلم و3400000 للكاتب. لكن الظاهر أن هذه الزيادة لم تكن مشجعة بما فيه الكفاية إذ أقدمت الحكومة إلى رفعها مجددا بموجب المرسوم رقم 805 الصادر في 1 آب 2025 أي بعد انتهاء الانتخابات البلدية. لكن هذه الزيادة لم تكن كافية مجددا إذ تم رفع التعويض مرة جديدة "على سبيل التسوية" بموجب المرسوم رقم 929 بتاريخ 14 آب 2025  كي تصبح 23400000 لرئيس القلم و 2160000 للكاتب. 

ويستشفّ من ذلك أن مشروع الحكومة يهدف إلى تعزيز موقعها التفاوضي مع موظفي الدولة إذ بات يمكنها الاستعانة باحتياط قوى الأمن لمنع عرقلة هؤلاء للعملية الانتخابية عبر الاستعانة بعناصر أمنية يسهل التحكم بها، لا سيما وأن العقوبات التي ينص عليها قانون الانتخابات بحق الموظفين المتخلفين لم تعد راعدة إذ لم يتبين أن الحكومة طبقتها فعليا. كذلك يعكس المشروع الطبيعة الترقيعية للحلول التي تتبنّاها الحكومة، إذ بدل معالجة أزمة انهيار الرواتب في القطاع العام، عمدت إلى وسيلة سلطوية سهلة تقوم على غضّ النظر عن الأزمة والاكتفاء بالحل السريع. وعلى الرغم من أن الانتخابات هي حق ديمقراطي لا يجوز إنكاره على المواطنين لكن مسؤولية منع عرقلة الانتخابات تقع على الدولة أولا التي من واجبها تهيئة أفضل الظروف لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة، ما يعني حكما منح موظفي أقلام الاقتراع الحقوق والضمانات الكافية التي تسمح لهم بالقيام بواجبهم على أكمل وجه.