اقتراح حظر حزب البعث: ليس بالمنع السياسيّ تتحقق العدالة
09/02/2026
تقدم النواب ملحم رياشي، نزيه متى، أشرف ريفي والياس خوري باقتراح قانون بتاريخ 28 كانون الثاني 2025 يقضي يحظر استخدام "أيّ تسميات أو مفردات أو صفات أو شعارات أو رموز أو صور أو أعلام أو إعلان أو غيرها من الوسائل، سواء أكانت كتابية أو سمعية أو بصرية أو غيرها، تتعلق أو تدل بصورة مباشرة أو غير مباشرة على حزب البعث العربي الاشتراكي (سوريا) أو قيادته أو نشاطاته أو كل ما يرتبط بنظامه في الأماكن العامّة أو الخاصّة على الأراضي اللبنانية كافة، بقصد التأييد أو الترويج أو التسويق أو الدعاية أو الإعلان له أو التضامن معه أو الدفاع عنه لأيّ سبب كان". ويضيف القانون في مادته الأولى على استثناء الأعمال الثقافية على اختلافها التي تتناول حزب البعث من "ناحية التأريخ أو التحليل أو النقض الأدبيين" (كلمة النقض وردت هكذا في الاقتراح) شرط الاستحصال على "الترخيص المسبق من المراجع الإدارية والقضائية المعنية".
وينص الاقتراح في مادته الثانية على التالي: "تُحلّ بمرسوم في مجلس الوزراء جميع الجمعيات والأحزاب أو الكيانات تحت أيّ تسميات أو الهيئات أو المنتديات مهما كان شكلها، المرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة أو المتمتّعة بتبعيّة لحزب البعث العربي الاشتراكي (سوريا) أو قيادته أو نظامه أو رموزه، وتُصادر جميع أموالها المنقولة وغير المنقولة من أي نوع كانت لصالح الدولة اللبنانية". بينما تعلن المادة الثالثة إلغاء جميع التسميات المعطاة للساحات والطرقات العامة والخاصة والنصب التي تستخدم رموزًا تتعلّق بالحزب المحظور على أن تستبدل بأسماء لبنانية.
ويختم الاقتراح في مادتيه الخامسة والسادسة بمنع إيواء قادة ورموز وعناصر هذا الحزب على الأراضي اللبنانية أو مساعدتهم أو منحهم غطاءً سياسيَّا مع ضرورة ترحيلهم أو محاكمتهم في حال تبيّن ضلوعهم بجرائم لحقت اللبنانيين داخل أو خارج لبنان مع تحديد عقوبة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات حبس أو غرامة ماليّة بحقّ "كل من يمتنع أو يتساهل في تطبيق هذا القانون أو يعيق أو يعرقل تطبيقه".
وقد برّرت الأسباب الموجبة الاقتراح من خلال التّأكيد على أنّ حزب البعث ارتكب بحقّ اللبنانيّين "أبشع الجرائم من خطف وقتل وحروب وتدمير وأقدم على أعمال نهب ممنهجة للدولة اللبنانية" لذلك يعتبر استخدام رموز هذا الحزب من أجل الترويج أو الدفاع عنه "إساءة لمعظم اللبنانيين وإهانة لهم". وقد ظهر هذا بعد سقوط النظام السوري في كانون الأول 2024 الذي كشف عن جرائم التعذيب وتجارة المخدرات التي كان يمتهنها هذا النظام، لذلك بات من الضروري حظر هذا الحزب ومنع الترويج له.
إن هذا الاقتراح يستوجب الملاحظات التالية:
اقتراح استثنائي يخالف النظام القانوني للجمعيات
بغضّ النظر عن سياسة حزب البعث الذي كان يعلن الولاء لنظام حافظ الأسد والجرائم التي قد يكون قد ارتكبها خلال سنوات الحكم الطويلة للنظام السوري السابق، لا بدّ من التنبيه من خطورة هذا الاقتراح لناحية تعرضه للحريات العامة لا سيما وأنه يعمد للمرة الأولى بتاريخ لبنان إلى حظر حزب سياسيّ بموجب السلطة التشريعية.
فقد عرف لبنان سوابق متعددة عمدت خلالها الحكومة إلى حلّ جمعيات وأحزاب سياسيّة تعتبرها مخلّة بالأمن. فبعد الاصطدام مثلا بين الحزب القومي السوري والحكومة اللبنانية في عهد الرئيس بشارة الخوري، أصدر هذا الأخير المرسوم 15256 في 11 حزيران 1949 الذي قضى بحلّ الحزب المذكور. كذلك مع تصاعد التوتّر بين الحزب التقدّمي الاشتراكي بزعامة كمال جنبلاط ورئيس الجمهورية كميل شمعون، أصدر هذا الأخير المرسوم رقم 19801 بتاريخ 13 حزيران 1958 الذي قضى بحلّ هذا الحزب. وقد حصل هذا الأمر في ظلّ مواجهات مسلّحة في مختلف المناطق اللبنانيّة بين مؤيّدي رئيس الجمهورية ومعارضيه. وقد أقدم الرئيس فؤاد شهاب مجدّدا على حلّ الحزب القوميّ السوريّ بموجب المرسوم رقم 8420 بتاريخ 2 كانون الثاني 1962 عقب الانقلاب الفاشل الذي قام به هذا الحزب حينها. كذلك المرسوم رقم 4908 الصادر في 23 آذار 1994 الذي قضى بحل حزب القوات اللبنانية بعد وقوع الانفجار في كنسية سيدة النجاة في منطقة ذوق مكايل.
ومن دون الدخول في تحليل الأسباب السياسية التي كانت سائدة حين حلّ هذه الأحزاب أو غيرها يتبيّن أن الحكومة قامت بتطبيق قانون الجمعيات لسنة 1909 واعتبرت أن هذه الأحزاب باتت تشكل خطرا على الأمن أو أنها تجاوزت الأهداف المحددة في العلم والخبر الذي بموجبه مارست نشاطها. وقد شرحت المفكرة القانونيّة في مقال خاصّ إشكاليات قانون الجمعيات وكيف تم التوسّع في تفسيره في اتجاه يتيح للسلطة الإدارية حلّ الجمعيات بينما المبدأ كان يحتم حصر تلك الصلاحية بالسلطة القضائية كما هو منصوص عليه في المادة 109 من قانون العقوبات. فبغضّ النظر عن هذا الأمر، وعن مدى ضرورة حلّ حزب البعث وجدّية الجرائم المنسوبة إليه، كان الحلّ يتمّ دائما بتدبير إداري، أي عبر مرسوم يمكن الطعن به أمام مجلس شورى الدولة الذي يتأكّد أنّ الحكومة لم تتعسّف باستخدام هذه الصلاحية من أجل تحقيق مصالح سياسية أو بهدف قمع المعارضين.
وهكذا يتبيّن أن الاقتراح الحالي هو اقتراح استثنائي بكل المقاييس لأنه يجعل من حظر حزب البعث وحلّ جميع الهيئات التابعة له مسألة تشريعية لا يمكن الطعن بها أمام القضاء الإداري كون القوانين تخرج عن اختصاصه، ما يعني أن الإمكانية الوحيدة المتاحة للطعن بهكذا إجراء هو التوجه إلى المجلس الدستوري الذي لا يمكن مراجعته عملا بالمادة 19 من الدستور إلا من قبل رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء أو عشرة نواب ورؤساء الطوائف. وبما أن إقدام هذه الجهات على الطعن هو أمر مستبعد جدا فإن القانون سيصبح محصّنًا، بحيث يتعذر على كل صاحب مصلحة وصفة متضرر منه من الطعن به.
فأن يتمّ حلّ حزب بقانون يشكّل سابقةً في لبنان لا يمكن توقّع نتائجها المستقبليّة وتداعياتها على الحريّات العامة ولا بدّ من التنبيه لمخاطرها المحتملة في حال أصبح القانون وسيلة من أجل تحقيق أهداف سياسية بوجه الخصوم.
اقتراح لا حاجة له ويخلّ بحريّات المواطنين الخاصة
أن اتّباع الوسيلة التشريعية من أجل تحقيق غاية الاقتراح ليس في محله القانوني. إذ أن حلّ هذا الحزب ليس فقط ممكنًا من خلال استخدام قانون الجمعيات لكن تعديل تسمية الطرقات والساحات العامة هو متاح عبر اتخاذ قراراتٍ إداريّة بسيطة من قبل الحكومة أو البلديات المعنية. لكن الاقتراح يفرض حتى تعديل التسميات التي أطلقت على الطرقات والمساحات الخاصة ما يعني أن هكذا إجراءات لا يمكن فرضها على المواطنين بواسطة قرارات إداريّة عاديّة بل يتوجّب النص على ذلك بقانون. وهذا تحديدًا ما ذهب إليه الاقتراح، ما يعني أنه يهدف إلى الحدّ من حرّيات المواطنين ويفرض عليهم قيودًا في حياتهم الخاصة، الأمر الذي يشكّل مخالفةً دستوريّة ويعرّض القانون للإبطال في حال تمّ الطعن به.
كذلك يُصادر الاقتراح صلاحيّة البلديات بتسميّة الشوارع في النطاق البلديّ عملًا بالمادة 49 من قانون البلديات (مرسوم اشتراعي رقم 118 الصادر سنة 1977)، علما أن المادة 62 من القانون نفسه تنصّ على ضرورة إخضاع " تسميّة الشوارع والساحات والأبنية العامّة وإقامة النّصب التذكارية والتماثيل" لتصديق وزير الداخلية. وقد حصلت هذه المصادرة من خلال تضمين الاقتراح مادّة مفادها أنّ السلطات اللامركزية تستبدل تلك التسميّات بأخرى "لبنانيّة حصرًا"، على نحو يقلص الاستقلالية الذاتيّة للبلديات ويفرض عليها اختيار تسميّات "لبنانية" لا يمكن فهم ما المقصود منها فعليا.
من جهة ثانيّة، تظهر عدم ضرورة الاقتراح من خلال القانون المنفذ بالمرسوم رقم 10830 الصادر بتاريخ 9 تشرين الأول 1962 الذي يحظر الإبقاء على جمعيّات تمّ حلها لارتكابها جرائم تتعلق بأمن الدولة كما يمنع مساعدة أيّ جمعية سريّة على القيام بنشاط ما مع فرض عقوبات على المخالفين. فما على الحكومة في حال اعتبرت أن حزب البعث ارتكب ما من شأنه أن يشكل مسًّا بمصالح الدولة والمجتمع سوى إصدار مرسوم بحلّه على أن يخضع قرارها هذا في نهاية المطاف لرقابة القضاء الإداريّ الذي يعود له التثبّت من مدى مشروعيّة هكذا تدبير، هذا مع الإشارة إلى أن "حزب البعث العربي الاشتراكي في لبنان" قام بتعديل اسمه الرسميّ مؤخرا إذ أصبح "حزب الراية الوطني". وقد تكرّس ذلك بموجب التعديل رقم 13 للعلم والخبر الخاص به والذي أخذت وزارة الداخلية علما به في 9 كانون الثاني 2026. لكن هذه الخطوة الاستباقية للحزب المذكور ليست كافية كي تعفيه من مسؤوليّته في حال تبيّن ارتكابه جرائم قانونيّة كون الحزب يظلّ الشخصية المعنوية ذاتها قبل تعديل التسمية وبعدها.
اقتراح تفويضي واسع
ينصّ الاقتراح في مادته الثاني على حلّ حزب البعث وجميع الهيئات التابعة له تحت أيّ تسمية كانت بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء. لكن قانون الجمعيات يعطي مجلس الوزراء صلاحية حلّ الجمعيات بمرسوم ما يعني أن الاقتراح لا يمكن فهمه إلا من خلال تفسيره بأنه يفرض على الحكومة حلّ هذا الحزب بشقّه اللبناني وجميع الهيئات التابعة له بشكل مباشر أو غير مباشر. وبالتالي يمكن القول أن الاقتراح يفوّض الحكومة صلاحيات خارقة لأنه يسمح لها بتحديد هذه الهيئات انطلاقا من تحقيقات تجريها هي من دون وجود أيّ معيار ينصّ عليه القانون للحدّ من سلطتِها الاستنسابيّة. فالكيانات "المرتبطة" بهذا الحزب قد تكون مؤسسات تجارية خاصة ستكون معرضة للحل في حال تبيّن أنها كانت على علاقة مع "قادة حزب البعث أو نظامه رموزه"، وهذا تفويض مطّاط جدّا لأنّه قد يشمل أيّ شخص اضطرّ للتعاون مع النّظام السوريّ السّابق من أجل تحقيق مصالح مشروعة. لذلك كان يقتضي التفريق بين الهيئات والكيانات التي شاركت بارتكاب جرائم يُعاقب عليها القانون وبين تلك التي لم يتّسم عملها بأيّ نشاطٍ جرميّ.
اقتراح يناقض حريّة التعبير
للوهلة الأولى، يتبيّن أنّ الاقتراح لا يستهدف حزب البعث بسبب عقيدته السياسيّة كونه يشدّد على الجرائم التي قد يكون هذا الحزب اقترفها. ولا شكّ أن ارتكاب أيّ حزب (أو جمعية) جرائم يعاقب عليها القانون يجعل من حلّه وسيلة مشروعة من أجل الحفاظ على المصلحة العامة وأمن المواطنين. لكن الحلّ يجب أن يكون عقوبة بسبب أفعال هذا الحزب التي تخضع لتقدير السلطة القضائية وليس بسبب عقيدته وأفكاره السياسية التي يحميها الدستور، علما أن الجرائم التي يتم نسبتها للنظام السوري أو أذرعته في لبنان تظل في مضمار التقارير الاعلامية وتفتقر إلى التحقيقات القضائية أو غير القضائية الجدية (مثلا: هيئة حقيقة وكرامة لإثبات الحقائق في إطار مسعى لتحقيق العدالة الانتقالية)، هذا فضلا عن أن هذه الجرائم أو بعضها حصل بتواطؤ مع جهات لبنانية يجب أن تتحمل أيضا المسؤولية عن تلك الانتهاكات.
فالمادة الأولى من الاقتراح تمنع الدفاع عن أو الترويج لحزب البعث والتضامن معه في "الأماكن العامة أو الخاصة". فهل المقصود حزب البعث بقيادة الرئيس السوري السابق بشار الأسد أو حزب البعث كتيار إيديولوجي يقول بالقومية العربية ويدافع عن وحدة الأمة وإنشاء دولة عربية اشتراكية واحدة. فمنع إيديولوجية حزب البعث عبر قانون يشكّل انتهاكا للمادة 13 من الدستور التي تكفل حريّة الرأي والتعبير وتأليف الجمعيات، إذ يحقّ لأيّ فرد أن يعتنق الأفكار السياسية التي يريد وأن يعمل على نشر تلك الأفكار شرط احترام القوانين وأن لا تدعو تلك الأفكار إلى ارتكاب جرائم أو الكراهية والتحريض ضد الآخرين أو التعرض لحقوق الأقليات وكرامة الإنسان.
وما يزيد من غرابة الأمر أن الفقرة الثانية من المادة الأولى من الاقتراح تستثني الأعمال الثقافيّة والصحافيّة والفنيّة والأدبيّة من هذا الحظر شرط أن ينحصر هدفها بالتأريخ "والنقض الأدبي" مع اشتراط الحصول على ترخيص مسبق من السلطات المختصة. والظاهر أن الاقتراح لم يتمكّن من التمييز بين "النقض" و"النقد الأدبي". فالنقد هو أي مجهود بحثي يهدف إلى تحليل القيمة المعرفية لأي عمل فكري، أي أنه عمل موضوعي يحاول اكتشاف ايجابيات العمل وسلبياته. لكن النقض يختلف كليّا عن النقد إذ هو الجهد الذي يقوم به الفرد من أجل هدم وتبيان مثالب أيّ عمل. فهل يريد الاقتراح القول أنّ أيّ عمل لا يهدف إلى "نقض" الفكر البعثي هو ممنوع ولا يدخل ضمن الاستثناءات على الحظر، أو أن الاقتراح أخطأ في التعبير وأراد القول أن النقد الأدبي في جميع أوجهه هو متاح للجميع؟ فالخيار الأول يخالف الدستور لأنه يحصر حرية الفكر بإنتاج عمل ذات توجّه محدّد، بينما الخيار الثاني يتوافق مع الدستور لأنه يحترم حرية الرأي ويسمح للباحث بإبداء رأيه من دون أن يلتزم بتوجيهاتٍ مسبقة.
من جهة ثانية، يعمد الاقتراح بنصّه على ضرورة الحصول على ترخيصٍ مُسبق إلى تكريس الرّقابة على الأعمال الفكرية بمختلف أشكالها. فالكتب والمسرح والسينما والنّدوات تصبح جميعها مشروطة بموافقة سلطة الرقابة المختصّة التي سيُتاح لها قانونًا منع أيّ نشاط تعتبره مخالفا للحظر الذي يريد الاقتراح استحداثه، ما يؤدي إلى توسيع صلاحيات السلطات الرقابية وتراجع مساحة الحرية في المجتمع. وفي الحقيقة، يشكّل إخضاع الحرية لترخيص مسبق تقييدًا غير مبرّر لها بحدّ ذاته ونسفًا للفلسفة التي تقوم عليها مواثيق حقوق الإنسان وقوامها أن هذه الحقوق هي حقوق ملازمة للإنسان يستمدها من كونه كذلك، وليس حرية ممنوحة أو مشروطة بموافقة أيّ سلطة.
في الخلاصة، يتبين أن هذا الاقتراح هو سياسيّ بامتياز عبر تحديده لحزب البعث كمصدر تهديد للدولة اللبنانية. وإذا كان الاقتراح ينطلق من اعتبارات قانونية سليمة لجهة ضرورة معاقبة جرائم الفساد والتعذيب والخطف والقتل التي حصلت خلال سنوات طويلة تمكن فيها نظام الأسد من فرض سطوته على لبنان وسوريا، لكن هذا الحرص يجب أن يشمل أيضا جميع الأحزاب والجهات التي ارتكبت جرائم مماثلة خلال الحرب الأهلية وبعدها، واستفادت من قوانين عفو سمحت لها بالإفلات من العقاب حتى اليوم. ولا ننسى أصلا أن عددا من هذه الأحزاب والجهات كانت في موقع الشراكة مع هذا النظام خلال فترة هيمنته على الأرض اللبنانية.