اقتراحان توأمان لتعزيز الحقّ بالسكن
27/02/2026
قدّم عدد من النواب في تاريخ 25/2/2026 اقتراحيْ قانون يهدفان لتأمين حق السكن:
لأول هدف لضمان استمراريّة عقود الإيجار الجديدة. وقد قدّمه النواب حليمة القعقور وعلي حسن خليل ونديم الجميل وأسامة سعد وياسين ياسين وبولا يعقوبيان وإبراهيم منيمنة.
والثاني يهدف إلى إيجاد التوزان الصحيح بشأن الإيجارات القديمة، وقد قدمه النواب المذكورون ما عدا الأخيريْن. ويأتي هذا الاقتراح بالتّوازي مع انتهاء مهلة التّسع سنوات الممنوحة بموجب قانون الإيجارات القديمة في نهاية شهر شباط، في مسعى لحلّ معضلةٍ قد تودي بمئات آلاف المستفيدين من الإيجارات القديمة خارج مآجيرهم ومن دون تأمين بديلٍ واضح، من دون أن يتمّ ذلك على حساب قدامى المالكين.
وقد تمّت صياغة الاقتراحيْن بالتعاون مع "استوديو أشغال عامة" و"المفكرة القانونية".
يشترك الاقتراحان في سعيهما إلى ضمان الحق في السكن اللائق، وهو الحق المكرس في المواثيق الدولية التي اعتبرتها مقدمة الدستور جزءًا منه وأهمها، المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للعامّ 1948 والمادة 11.1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعامّ 1966، فضلاً عن أن المجلس الدستوري أقرّ دستورية هذا الحق واضعًا إياه في مصاف حق الملكية في قراره رقم 6/2014. كما يشترك الاقتراحان في كونهما اعتبرا أن السّلطات العامة ما تزال متقاعسةً عن اعتماد سياسة إسكانيّة فاعلة، على الرغم من تعهّداتها المتكرّرة باعتماد سياسة كهذه والظروف الاجتماعية الضاغطة. فقد ترافق موعد انتهاء السنوات التمديدية التسع للإيجارات القديمة غير المستفيدة من أحكام صندوق المساعدات، مع استمرار الأزمة المالية الاقتصادية والتي أدّت إلى ضياع المدّخرات والودائع وأيضا إلى توقّف القروض الإسكانية منذ أكثر من 8 أعوام، ونزوح داخلي لعشرات آلاف المواطنين تبعا للعدوان الإسرائيلي وتدمير القرى الحدودية وأحياء واسعة من الضاحية الجنوبية ومناطق عدة في النبطية والجنوب والبقاع وبعلبك- الهرمل. وما يفاقم من الحاجة إلى هذه السياسة الإسكانية هو تمركز الاقتصاد في بيروت وجبل لبنان، مما يزيد من الضغط على المساكن في هذه المناطق.
علام نصّ اقتراح الإيجارات الجديدة؟
الاقتراح المتعلّق بالإيجارات الجديدة، ينطلق من اعتبار استمرارية السكن والاستقرار ودفع خطر الإخلاء من قبل المالك بهدف الحصول على بدلات أعلى عاملًا أساسيًا في تأمين الحق بالسكن. ولذلك، سعى الاقتراح إلى إطالة أمد الإيجارات الإلزامية وحفظ حق المستأجر من الإخلاء لقاء حصول المالك على بدلات أعلى، مع حفظ حقّ المالك بالمقابل بتقاضي بدلات عادلة تراعي التضخم الحاصل. ولا يتوقّف اقتراح الإيجارات الجديدة عند موضوع الإيجارات السكنيّة بل يشمل غير السكنيّة، بحيث ينظّمها أيضا لجهة زيادة المدّة الدنيا لها ويمنع الإخلاء للأسباب المذكورة أعلاه، بما يُتيح لأصحاب المؤسسات الصغيرة والمستثمرين فرصًا أفضل لجهة توفير الظروف المناسبة لاستثمارهم، حيث لا يُعقل أن يُطلب من المستثمر أو صاحب مؤسّسة الانتقال من مركز إلى آخر كل ثلاث سنوات، علمًا أنّ الموقع هو من العناصر الأساسيّة في المؤسسة التجاريّة.
وفي التفاصيل، وإذ يستعيد الاقتراح القاعدة العامة المتعلّقة بحرية التعاقد في عقود إيجار العقارات المبنيّة المخصّصة للسكن ولغير السكن، فإنه يعتبر العقد مبرما لمدة لا تقلّ عن خمس سنوات، بمعنى أنه يزيد سنتين على المدة القانونية للإيجارات الحرة المحددة في قانون الموجبات والعقود الحالي.
وبموجب الاقتراح، يُمنح المستأجر حقّ الأولويّة في تمديد العقد إذا رغب المالك في تأجير المأجور لاحقًا خلال سنة من انتهاء مدّة الخمس سنوات، على أن يجري تمديد العقد وفق الزيادات السنوية المرتبطة بمؤشّرٍ سنويّ خاصّ تُعدّه إدارة الإحصاء المركزي في آخر كلّ سنة لقياس تغيّر كلفة السكن ويسمّى "مؤشّر تغيّر كلفة السكن في لبنان". والأمر نفسه يتعلّق بربط بدلات الإيجارات غير السكنية بمؤشّر سنويّ خاص يصدره نفس الجهاز، ويسمّى مؤشّر تغيّر كلفة إيجار المؤسسات التجارية في لبنان. وقد ترك الاقتراح دورًا تنظيميًا وتقنيًا لآلية احتساب المؤشّرات من إدارة الإحصاء المركزي لضمان شفافية الربط بين تغيّر الكلف والزيادات المطبّقة على البدلات. وبذلك، لن يكون للمالك من مصلحة أو حقّ بإخلاء المأجور بحثًا عن مستأجر ببدلات أعلى كما هو حاصلٌ راهنًا، حيث سيتقاضى من المستأجر بدلات تُزاد سنويًا بحسب معدّلات محدّدة من قبل إدارة الإحصاء المركزي.
بالمقابل، تستعيد الصيغة المقترحة استثناء عقود الإيجار الموسميّة لأماكن الاصطياف والشتاء، وكذلك عقود الإيجار التي يوفّرها أرباب العمل لأجرائهم مجانًا أو ببدل، مبقيا القانون لهذه الجهة على حاله.
علام نصّ اقتراح قانون الإيجارات القديمة؟
إنّ استمرار الإيجارات القديمة أوجد واقعا اجتماعيا لا يمكن تجاهله لدى فئات واسعة من المستأجرين، أهمها (1) تمتّع عدد من الأسر ذات الدخل المتدنّي وبخاصة الأشخاص المسنّين بعقود إيجار ببدلات متدنية لفترات طويلة، لا يمكن حرمان هذه الأسر من هذا الوضع من دون إيجاد بدائل في ظل عجز مؤسسات الدولة عن تأمين السكن الميسر لها، (2) أن الإيجارات القديمة ضمنت لفترة طويلة استمرار التخالط الطائفي والطبقي في العديد من الأحياء، وقد يؤدي إنهاؤها إلى إنهاء هذا التخالط في أغلبية الأحياء التي تقع فيها هذه الإيجارات، (3) أنّ النسيج العمراني القديم والتراثي في المدن ما زال مأهولاً وحيوياً بفعل السكان المستأجرين القدامى إلى جانب المالكين، وأن تفريغ المدن من هذه الفئة سيؤدّي في ظلّ السّياسات العقارية القائمة إلى الهدم أو محو معالم المدينة وخصائصها المعمارية والاجتماعية والاقتصادية. وتتعزّز هذه الاعتبارات عند ملاحظة أنّ شروط قانون الإيجارات القديمة التي تهدف لتسهيل الوصول إلى مساكن أخرى بقيت معطلة. فإذ منح القانون أولوية للمستأجرين القدامى للاستفادة من قروض الإسكان والاشتراك بنظام الإيجار التملّكي، فإنّ هذه الأولوية بقيت من دون جدوى بعد إيقاف القرض السكنية بعد الأزمة والتخلف عن إصدار المراسيم التنظيمية. وعليه فإن الفترة الانتقالية التي أوجدها القانون مفترضًا أنها فترة كافية لتمكين المستأجرين القدامى من إيجاد بدائل السكن لم تُمكّنهم من القيام بذلك.
ومؤدى ذلك، هو أنّ القانون المذكور فقد التوازن المفترض فيه، وأبقى جزءا كبيرا من المستأجرين القدامى في وضعيات اقتصادية واجتماعية قد تكون أكثر قساوة من أوضاعهم في 2014 أو 2017. وهذا ينطبق بشكل خاصّ على المتقاعدين من الفئات المتقدمة بالعمر والذين بات يصعب عليهم تأمين مداخيل جديدة تساعدهم في الوصول إلى سكن بديل لخروجهم من حيث المبدأ من سوق العمل. وعليه، بدا الاقتراح ضرورة لتأمين الحق الدستوري بالسكن وعدم إخلاء مئات الآلاف من المستأجرين القدامى وغالبيتهم من الفئات السنّية العليا من منازلهم من دون بديل، مقابل التخفيف من العبء الذي يتحمله المالك القديم فعليا في ضمان حق السكن بما يتجاوز مبدأ المساواة بين المواطنين في تحمل الأعباء العامة.
وعملًا بمبدأ التوازن بين المالك والمستأجر، سعى الاقتراح إلى إعادة التوازن العقدي بين المالك والمستأجر القديم بعد أن تحوّلت إلى بدلاتٍ بخسة بفعل انهيار قيمة العملة الوطنية. إذ أنّ عدم التزام الدولة بتحمّل مسؤوليتها في تسديد نسبة من بدلات الإيجار خلال الفترة الانتقالية، وأيضًا امتناع القضاء عن حسم النزاعات المتصلة باسترداد المآجير أو رفع البدلات بانتظار إنشاء صندوق المستأجرين وإنشاء اللجان المختصة، كلّها عوامل أدّت إلى حرمان المالكين من بدلات عادلة عن مآجيرهم، وقد أتى انهيار قيمة النقد الوطني ليجعل بدلات الإيجار زهيدة جدا.
وفيما أنّ التجربة السابقة القائمة على استحداث صناديق تمويليّة واعتماد معايير معقّدة لاحتساب بدلات إيجار وربطها بإنشاء لجان معيّنة فشلت في تحقيق التوازن، يسعى الاقتراح إلى فرض زيادة على بدلات الإيجار القديمة تُعيد بعضًا من التوازن العقدي للتخلّص من تبعات التضخّم غير المسبوق، على أن تنفّذ هذه الخطوة بقوّة القانون وبصورة تلقائية من دون اللجوء إلى الخبراء والمحاكم. كما يسعى الاقتراح إلى تصحيح هذه البدلات وفق معايير متعارف عليها لتحديد الأسعار ومن بينها موقع وحجم المأجور. واستفادةً من التجارب الماضية التي أدّت إلى اختلال التوازن العقدي من جرّاء موجات التضخّم الكبرى التي ضربت لبنان، تخضع البدلات لتصحيح دوري عن كل من السنوات الممدّدة وفق مؤشّر سنويّ خاصّ تضعه إدارة الإحصاء المركزي في آخر كل سنة لقياس تغيّر كلفة السكن.
أمرٌ آخر انبنى عليه هذا الاقتراح وهو التّفريق بين نوعيْن من المالكين القدامى. فهناك فئة واسعة من المالكين اشترت الأماكن المؤجرة قديما بعد 1992 بأسعار تقلّ بكثير عن قيمتها الفعليّة على خلفية أنها مؤجرة إجارة قديمة. ومن الثابت أنه ليس بوسع هؤلاء التذرّع بأيّ مظلومية، طالما أن استمرار الإيجارات القديمة في العقارات التي اشتروها هو أمر متوقع وتمّ تحديد ثمن العقارات على أساسه، وأن من شأن تحريرها بالمقابل أن يمنحهم منحة غير مستحقة. وهذا ما أكد عليه مجلس الوزراء في كتاب الرد الذي وجهه في تاريخ 12/1/2024 بموجب المرسوم رقم 12835 بشأن الإيجارات غير السكنية.
وفي التفاصيل، تُمدّد عقود الإيجار السكنية القديمة سنة فسنة، ما لم يتمّ استرداد المأجور أو إسقاط المستأجر من حقّ التمديد أو حصول اتفاق على إنهائه. بالمقابل، يصحح الاقتراح بدلات الإيجار التي يحصل عليها المؤجر، وذلك وفق معادلة حسابيّة يُمكن احتسابها تلقائيًا من دون العودة إلى خبراء تخمين أو إلى القضاء. وتفرّق هذه المعادلة بين "المالك القديم" الذي تملّك المأجور منذ ما قبل 23/7/1992 أو حصل عليه عن طريق الإرث بعد هذا التاريخ، وبين "المالك الحديث" الذي تملّك المأجور بعد هذا التاريخ. وعليه، تُصبح معادلة احتساب بدلات الإيجار على الشكل التالي:
- إذا كان المالك قديمًا، يخضع الإيجار الشهري الجديد: (الإيجار الشهري القديم × 60) + (50,000 ليرة لبنانية عن كل متر مربع).
- إذا كان المالك حديثًا: الإيجار الشهري الجديد = (الإيجار الشهري القديم × 30) + (50,000 ليرة لبنانية عن كل متر مربع).
كما وبحسب الاقتراح، تُُضرب النتيجة المذكورة أعلاه مرّة ونصف داخل نطاق بيروت الكبرى وفق تعریفها بحسب الخطة الشاملة لترتیب الأراضي، المقرّة بموجب المرسوم رقم 2366 في تاریخ 20/06/2009. علمًا أنّ الإيجار الشهري القديم هو البدل المعتمد في العام 2012 قبل آخر زيادة للحد الأدنى للأجور قبل الانهيار المالي.
فضلًا عن ذلك، اعتمد الاقتراح أسوة بقانون الإيجارات الجديدة مبدأ التصحيح السنوي لبدلات الإيجار وفق مؤشّر سنويّ خاصّ تضعه إدارة الإحصاء المركزي في آخر كل سنة لقياس تغيّر كلفة السكن.
كما يُتيح الاقتراح استرداد المأجور من قبل المالك لأي سبب كان، مقابل دفع 15 ضعفًا من بدل الإيجار السنوي في حال كان المالك قديمًا، و30 ضعفًا في حال كان المالك حديثًا وفق التعريف المذكور أعلاه. ولا يُستثنى من ذلك إلا حالة أن يكون المستأجر قد بلغ 64 عامًا عند صدور القانون النافذ حكمًا 2/2017. إذ يُمكن للمستأجر حينها رفض الاسترداد، وذلك لمراعاة بقاء كبار السن في مآجيرهم تبعًا لصعوبة إيجاد مأجور جديد من قبلهم و الانتقال إليه أو التأقلم مع محيط جديد.
وبذلك، يُلغي الاقتراح الأحكام المتعلّقة بالسنوات التمديدية بالإضافة إلى اللجان والصندوق، وهي المواد التي بقي تنفيذها معلّقًا.
خلاصة
في الخلاصة، يهدف الاقتراحان إلى ضمان الحقّ بالسكن القائم على الأمان السكني كما مبدأ الإيجار العادل بما يضمن للمالك الحصول على بدلات عادلة ويحمي المستأجر إزاء التعسف في استغلال أوضاع السوق لفرض بدلات لا تتناسب إطلاقا مع الدخل الوطني المتوسط.