الإيجابيّ والسلبيّ في التعديلات المقترحة لقانون إصلاح وضع المصارف
06/06/2026
استلمت دوائر المجلس النيابي مؤخرا في 13/5/2026 مشروع قانون ثانيا أعدّته الحكومة لتعديل بعض مواد القانون رقم 23 تاريخ 14 آب 2025 ( قانون إصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها). وقد تضمّن كتاب الإيداع طلب استرداد مشروع قانون تعديل أول كان قد سبق إحالته إلى المجلس النيابي بموجب المرسوم 1992 تاريخ 4/12/2025 وأخذ فيه بعين الاعتبار بمضمون ما قرّره المجلس الدستوريّ بقراره رقم 16/2025 تاريخ 3/10/2025 في ستّ مسائل شملت شطبًا لكلمات وعبارات واستبدالًا لتاريخ، كما إبطال ثلاث فقرات من القانون رقم 23. وقد أوضح وزير المالية في كتابه المؤرّخ في 8/4/2026 بإحالة مشروع التعديل الثاني للقانون رقم 23 إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، أنه تمّ الأخذ في هذا المشروع بملاحظات مستجدّة أبداها ممثّلو صندوق النقد الدوليّ وأيضا مصرف لبنان بكتابه رقم 251/1 تاريخ 21/4/2026 الذي تضمن تعديلات واقتراحات لعدد من مواد القانون رقم 23.
في الإيجابي
أخذ المشروعان الأول والثاني لتعديل القانون رقم 23 بملاحظات عدّة سبق أن أشارت "المفكّرة القانونية" إلى أهميتها في عددٍ من مقالاتها. أهم هذه الملاحظات، الآتية:
الأولى: تعريف الودائع والمودعين
أشار مقال نشر في "المفكرة القانونية"عن قانون إصلاح وضع المصارف إلى "خطورة شمول مفهوم الوديعة، الودائع الاستثماريّة. فهذا الأمر يحمل على الاعتقاد بأن أصحاب الودائع الاستثمارية هم مضمونون ومحميّون كأصحاب الودائع المعنيين بالمادة 123 من قانون النقد والتسليف التي تحيل إلى المادة 307 من قانون التجارة والتي تنص في فقرتها الأولى على “أن المصرف الذي يتلقّى على سبيل الوديعة مبلغًا من النقود يصبح مالكًا له ويجب عليه أن يردّه بقيمة تعادله دفعة واحدة أو عدّة دفعات عند أول طلب من المودع أو بحسب شروط المهل أو الإعلان المسبق المعينة في العقد".
وإذ استعاد النواب في الطعن المقدّم منهم أمام المجلس الدستوريّ بقانون إصلاح وضع المصارف نصّ التعليق السابق من مقال "المفكرة القانونية" حرفيا، فإنّ المجلس الدّستوري لم ينتبه للأسف إلى خطورة الخلط بين الوديعتين: الاستثمارية والعادية المقصودة بالمادة 307 تجارة. وقد اكتفى بالإعلان، بخصوص الودائع بشكل عامّ، عن ضرورة تصحيح التّاريخ في تعريف الودائع الجديدة المحرّرة بالعملة الأجنبية، والتي مصدرها تحاويل مصرفية من الخارج اوايداعات نقدية، بأن يكون إيداعها قد حصل بعد 17/10/2019 تاريخ اندلاع الأحداث وإقفال المصارف لأبوابها وليس 30/10/2019 كما ورد في نصّ القانون رقم 23.
إلا أن معدّي مشروع التعديل الثاني للقانون 23 تجاوزوا تقصير المجلس الدستوريّ، فاعتمدوا نصًّا جديدًا يربط صراحةً مفهوم الوديعة المقصودة بقانون إصلاح وضع المصارف، بالمفهوم المنصوص عليه في المادة 307 من قانون التجارة.
الثانية : تعيين الخبير الاقتصادي في الغرفة الثانية للهيئة المصرفية العليا
ينصّ قانون إصلاح وضع المصارف رقم23 تاريخ 14/8/2025 على إنشاء غرفتين لدى الهيئة المصرفية العليا (الأولى) مهمتها الصلاحيات المنصوص عليها بالمادة 209 من قانون النقد والتسليف وهي إنزال العقوبات الإدارية بالمصارف، المخالفة للقانون ولتعاميم مصرف لبنان، والمنصوص عليها في المادة 208 من قانون النقد والتسليف.و)الثانية) مهمّتها اتّخاذ القرارات بشأن المصارف التي يتوجّب إخضاعها لعمليات إصلاح الوضع أو التصفية ويرأسها، كالغرفة الأولى حاكم مصرف لبنان. وتضمّ الهيئة الثانية من بين أعضائها خبيرًا اقتصاديًّا يتمتّع بخبرة لا تقلّ عن عشر سنوات في مجالات الاندماج وإعادة هيكلة المصارف. ويتمّ تعيينه بمرسوم يتّخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير الاقتصاد من لائحة ﻤرﺸحین يعدّﻫﺎ ﺘجمّع اﻟﻬیئات الاقتصادية.
أول من لفت إلى الإشكال الذي يعتري اختيار الخبير الاقتصادي في الغرفة الثانية للهيئة المصرفية العليا "المفكرة القانونية" في المقال الذي نشرته عن قانون إصلاح وضع المصارف بعد أقل من ثلاثة اشهر من تاريخ صدوره.فقد ذكر المقال أن القانون الأخير ينصّ على تعيين الخبير المذكور بناء على اقتراح وزير الاقتصاد من لائحة ﻤرﺸحین يعدّﻫﺎ ﺘجمّع اﻟﻬیئات الاﻗتصادية، ومعروف أن التجمّع الأخير يضمّ جمعيّة المصارف والتجّار والصناعيّين والمقاولين وغيرهم من أصحاب الأعمال وغالبية هؤلاء إن لم يكن جميعهم سدّدوا قروضهم المصرفيّة المقدّرة بمليارات الدولارات على سعر صرف 1500 ل.ل للدولار الواحد خلافًا للقانون ولأحكام قضائية واجتهادات قانونيّة راسخة عدّة تقضي بأن يكون تسديد القروض بالعملات الأجنبيّة بالسعر الواقعيّ لأي منها. ومن المتوقّع تاليًا أنّ الممثّل المقترح من قبل التجمّع سيراعي بلا ريب مصالح أعضائه الذين رشّحوه أثناء دراسته لأيّ مصرف يتقرّر وضعه قيد الإصلاح أو التصفيّة خصوصًا أنّ القانون لا ينصّ على ادائه لمهامّه بشكل مستقل كما هو الأمر بالنسبة للخبير الماليّ.
وحسنًا فعل المشروع الأول لتعديل القانون 23 بأخذه بملاحظة "المفكرة القانونية" لجهة ضرورة استبعاد رأي تجمّع الهيئات الاقتصادية في اختيار الخبير الاقتصادي لعلّة تضارب المصالح، مع التأكيد على ضرورة أن يتضمّن مشروع التعديل نصًّا يلزم "أن يكون (الخبير الاقتصادي) مستقلا عن أيّة جهة حكومية او مصرفية" لكن من دون ذكر أيّ آلية تضمن ذلك.
والأمر الأكثر إثارة في الموضوع كان كتاب حاكم مصرف لبنان رقم 251/1 تاريخ 21/4/2026 الذي اعترض، في الملاحظات المُرفقة به، على استبعاد مشروعي التعديل الأول والثاني لما ورد في القانون رقم 23 لفكرة أن يأتي الترشيح لمنصب الخبير الاقتصادي لعضوية الغرفة الثانية للهيئة المصرفية العليا من قبل تجمع الهيئات الاقتصادية. وكانت حجة الحاكم أن منح وزير الاقتصاد وحده صلاحية اقتراح اسم المرشح "من شأنه أن يزيد من التدخّل المباشر للجهات الحكوميّة في اختيار الخبير". منطقٌ يفضي الأخذ به إلى نتيجة لا تصبّ في مصلحة الحاكم شخصيًّا لأن تعيينه يتمّ حسب المادة 18 من قانون النقد والتسليف بذات الآلية التي ينتقدها أيّ قرار يتّخذه مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير المالية فقط ومن دون أن يسبق ترشيحه من قبل الأخير أي تبنٍّ للترشيح من أية جهة أخرى.
الثالثة: تحديد مفهوم المودع
لم يتعرض القانون 23 لمفهوم "المودع الواحد" لتصحيح ما درج مصرف لبنان على اعتماده لتاريخه في تعاميمه، التي يصدرها منذ انفجار الأزمة بهدف تقييد السحوبات والتحاويل، من اعتبار المودع "في القطاع المصرفي ككل".
وحسنًا فعل معدّو مشروع التعديل الأول للقانون 23، إذ قاموا بتضمين المادة 26 من مشروعهم نصًّا يؤكّد سريان مفهوم"المودع الواحد" على ودائع العملاء في "المصرف الواحد المعنيّ بالإصلاح أو التصفية "عملًا بتوجيهات صندوق النقد الدوليّ. وقد بدا تأييد حاكمية مصرف لبنان لما ورد في مشروع التعديل مُثيرًا لتناقضه، كما سبق ذكره، مع ما يعتمده الأخير في تعاميمه لفكرة "المودع الواحد في جميع المصارف". وكانت "المفكرة القانونية" أول من أشارت إلى ضرورة وأهمية تصحيح الانحراف المعتمد من قبل مصرف لبنان في تعاميمه. إذ ذكرت في المقال الذي نشرته تعليقا على مشروع قانون الفجوة المالية إلى مخالفة منحى مصرف لبنان المعايير العالمية " باعتباره ودیعة واحدة مجموع الحسابات الشخصیة للمودع كما وحصته من الحسابات المشتركة لدى جمیع المصارف". وقد أشار المقال المذكور، دعمًا لما طرحه، إلى ما هو مُعتمد في الولايات المتحدة من تقديم المؤسّسة الفيدراليّة التأمين لكلّ مودع في كلّ مصرف ولكلّ فئة أصول يملكها. وذات الشيء في فرنسا إذ يعتدّ بالمودع في كلّ مصرف وفي كلّ حساب مشترك فيه أيضًا".
الرابعة: ثبوت عدم صحة ما يروج عن "نظامية الأزمة" المصرفية الراهنة
يلحظ مشروع التعديل الثاني للقانون رقم 23 الخاصّ بإصلاح وضع المصارف صلاحية منح الهيئة المصرفية العليا إمكانية عدم اعتماد المبدأ العامّ القاضي بمعاملة الدائنين من ضمن المرتبة الواحدة بالتساوي لتجنب حصول أمور عدة منها "حدوث أزمة نظامية أو قطاعية" في حال عدم اصلاح المصرف. هذا الأمر يعني ضمنًا أنّ الأزمة التي يعيشها لبنان راهنًا ليست بالنظامية حتى تاريخه كما سبق أن أشار الى ذلك مقال نشرته "المفكرة القانونية". وكان مسؤولو وزارة المالية قد روّجوا للعكس لفكرة " نظاميّة الأزمة اللبنانيّة" بهدف تحديد سقف الحماية لكلّ مودع في النظام المصرفيّ ككلّ بدلاً من تحديده في كل مصرف على حدة حسب تقريرصندوق النقد الدوليّ الذي أعدّه سنة 2023 بمقتضى المادة الرابعة من نظامه الأساسي. وقد تمّت الإشارة إلى عدولهم عن هذا الهدف في مشروع التعديل الثاني للقانون 23. أيضًا روّجت "لنظامية الأزمة" المصارف لتجنّب طرحٍ إعادة هيكلتها على قاعدة كلّ مصرف على حدة حسب مخاطره ووضعه المالي كما كان مخطّطًا من قبل مصرف لبنان بموجب تعميمه رقم 154 ودعم الخيار البديل والذي هو الهيكلة النظامية، أي هيكلة المصارف ككلّ، حيث يتمّ في هذه العملية تمويه الارتكابات فلا تكون هناك أيّة مساءلة ومحاسبة عن قرارات اتّخذها القيمون على قرارات المصارف خلافا للقانون والأنظمة وأفادوا منها بطريقة غير مشروعة وأيضًا تثبيت مسؤوليّة الدولة في إعادة الودائع. كذلك روّج حاكم مصرف لبنان "لنظامية الأزمة" في مناسبات عدة ومنها ما أتى خطيّا ، كالكتاب الذي أرسله في 9 نيسان 2025 إلى وزير المالية يبلغه فيه بالملاحظات القانونية لمديرية الشؤون القانونية على مشروع “قانون إصلاح المصارف”، حيث ورد في هذا الكتاب ثلاث مرّات إشارة إلى أن أزمة النظام المصرفي والمالي التي يعاني منها لبنان منذ العام 2019 هي “أزمة نظامية” لكن من دون إدراج أيّ توضيح قانوني للتوصيف المطروح من قبل هذه المديرية .
الخامسة: استرجاع الأموال المحوّلة بشكل تمييزيّ بعد تاريخ 17/10/2019
تذكر المادة 16 من القانون رقم 23 أن بإمكان الغرفة الثانية للهيئة المصرفية العليا "أن تفرض اﺴترﺠﺎع أيّة أﻤوال ﺘمّ ﺘحويلها إﻟﻰ أطراف أخرى بشكل تمييزيّ أو غير عادل مما أضرّ بحقوق مودعين أو دائنين آخرين لم يتمكّنوا من إجراء تحويلات مماثلة بعد 17/10/2019". وكانت "المفكرة القانونية" أشارت في مقال نشرته بتاريخ 25/4/2026 عن أهمية تنقية المصارف من إداراتها غير المنتظمة إلى قصورالإجراءات المتخذة في مسألة التّحويلات الاستنسابيّة عن تحقيق المرتجى.
وقد اقترح وزير الماليّة في مشروع التعديل الثاني للقانون شطب إمكانية فرض اﺴترﺠﺎع الأﻤوال المحوّلة بشكل تمييزيّ بحجة الاستجابة لرأي صندوق النقد الدوليّ الذي يعتبر أن فرض اﺴترﺠﺎع هذه الأﻤوال يخرج عن صلاحيّات الهيئة المصرفيّة العليا. حجّة جدّ واهية لا بل مرفوضة، وكان على وزير الماليّة عدم الأخذ بها على أساس أنّ نصّ المادة 16 الآنفة الذكر واضح لجهة أنّ الهيئة المصرفية العليا تحلّ مكان جمعية المساهمين ومجلس الإدارة في اتخاذ القرارات التي تضمن مصالح المساهمين والمودعين والدائنين من دون الحاجة لموافقة أيّة سلطة أخرى. وعليه، فإن الحفاظ على المصالح السابقة، خصوصًا مصالح مجموع المودعين، يقع في صلب وأساس مهامّها سندًا للمادة 156 من قانون النقد والتسليف التي تطالب المصارف صراحة "بصيانة حقوقهم". والسؤال الذي كان على وزير المالية أن يطرحه على نفسه، بعد استجابته حسب قوله لرأي صندوق النقد الدولي، هو: من تكون إذن المرجعيّة المعنيّة بالحفاظ على حقوق المُودعين في حال إعفاء الهيئة المصرفيّة العليا، خلال عمليّتي الإصلاح أو التصفية، من هذا الموجب؟ والمُثير في الموضوع كان موقف مصرف لبنان الذي أعلن في كتابه رقم 251/1 تاريخ 21/4/2026 عدم ممانعته الأخذ برأي صندوق النقد الدولي ووزير المالية بالرغم من عدم قانونيّة مآل هذا الرأي وعدم ملاءمته الصريحة لنصّ المادة 156 الآنفة الذكر.
في السلبي
تضمّن مشروعا تعديل قانون إصلاح المصارف سلبيات عدّة في الشكل وفي المضمون. فعلى صعيد الشكل، اعترى المشروعين الكثير من الأخطاء المادية النافرة ما يستدعي مراجعة لغوية متأنيّة شاملة. منها الإشارة إلى مصرف لبنان أحيانا بهذه التسمية وأحيانا بتسمية المصرف المركزي علمًا أنّ المعتمد قانونًا هو المسمّى الاول حسب قانون النقد والتسليف. كما تمّ استعمال تعبير المؤسّسات الماليّة في حين أن الدقة تقضي بتحديد أن المقصود هي المصارف؛ واستعمال تعبير الهيئة المصرفية أو الخاصة في حين أن المقصود هو الهيئة المصرفية العليا... وما عدا ذلك من أخطاء مادية.
في المضمون، تتعدّد سلبيات مشروعي تعديل قانون إصلاح وضع المصارف. من أهمها اعتبار موجودات المصارف لدى مصرف لبنان كقيمة دفترية أو من ضمن الاستحقاقات الدفترية عند احتساب متطلبات الحدود الدنيا للأموال الخاصة وللسيولة علمًا أن قانون الانتظام الماليّ واسترداد الودائع ينقل إلى عاتق مصرف لبنان موجب ردّ القسم الأكبر من التزامات المصارف تجاه مودعيها.
أيضًا سبق أن لفتت المفكرة القانونية تعليقًا على قانون إصلاح وضع المصارف من خطورة زيادة تثقيل مصرف لبنان والقائمين عليه بمهامّ متعدّدة ومتنوعة على نحو لا يعرفه أي مصرف مركزي في العالم. وكان تقرير ألفاريز إند مارسال وتقارير وتوصيات ودراسات عدة بما فيها صندوق النقد الدولي قد اشارت الى وجود انحراف مؤذٍ في حوكمة إدارته بتركيز هيمنة الحاكم على هذه الإدارة. فالحاكم يرأس السلطة التقريرية في مصرف لبنان أي المجلس المركزي وهو الذي ينفذ قرارات هذا المجلس ويحدد المهامّ التنفيذية لنوابه كما يشرف على المديرية التي تتولى التدقيق الداخلي في المصرف وترفع إليه تقارير لجنة الرقابة على المصارف ويرأس الهيئة المصرفية العليا ومجلس إدارة الأسواق المالية كما وهيئة التحقيق الخاصة. وقد أتى القانون الجديد ليعمّق من تركيز التوجّه الانحرافي المحكي عنه بتكريس الحاكم رئيسا لغرفة جديدة ثانية أنشئت في الهيئة المصرفية العليا لاتخاذ قرارات ذات طابع قضائي تخص الإصلاح المصرفيّ و/أو التصفية والإشراف على تنفيذها. وذلك إضافة لرئاسته للغرفة الأولى التي انحصرت بها مهام وصلاحيات الهيئة قبل التعديل بمقتضى القانون رقم 23. أيضًا كان هناك تغليبٌ واضح لوجود أعضاء من المجلس المركزيّ الذي يرأسه الحاكم في الغرفة الثانية من الهيئة المصرفية العليا ما يحمل على الاعتقاد بأن قرارات هذه الغرفة ستصدر حكمًا وفق رغبات إن لم نقل إملاءات الحاكم. وهو منحى يتناقض مع ما خطّط له الآباء عند وضع قانون النقد والتسليف من أن تكون الهيئة المصرفية العليا برئاسة قاضٍ، ما يضمن أن تكون قراراتها مستقلة عن تأثير الحكومة ومصرف لبنان خصوصًا أن أصابع الاتّهام تشير إلى انحرافات ومسؤولية كبرى تقع عليهما بخصوص الأزمة الحاصلة.
يذكر دايفيد مارش في كتابه الشهير "البوندسبنك (المصرف المركزي الألماني): البنك الذي يحكم أوروبا" والذي تصدر عند نشره قائمة الكتب الأكثر مبيعًا لعدّة أشهر، أن السبب وراء الشهرة والنجاح المميّزين لهذا المصرف هو تمحور مهامّه حسب قانون إنشائه حول السياسة النقديّة ولاحقًا أضيف، بعد أزمة 2009، التعاون مع الهيئة الاتحادية للرقابة المصرفية والمالية BaFin لتقييم المخاطر النظاميّة لضمان استقرار النظام المالي. وينقل مارش عن قادة البوندسبنك قولًا مأثورًا مضمونه أنّ تكليف المصرف المركزي بأية مهمّة إضافية إلى استقرار النقد سينظر إليها على أنها من قبيل وضع بطيختين في يد واحدة وأن حسن أداء المصرف في أي من المهمتين سيكون على حساب التقصير في الأخرى. من هنا تركيزهم على الفصل بشكل حادّ وصارم ليس على صعيد القانون فقط بل على الصعيد الجغرافيّ بين السلطتين النقدية والمصرفية وعدم جواز الخلط بينهما. إذ أن مقرّ البوندسبنك في فرانكفورت ومقرّ الـ BaFin المكلفة شؤون المصارف في برلين. وتتماهى سويسرا مع ألمانيا في تكريس الفصل بين مصرفها المركزي الذي يهتم بشؤون النقد والـ Finma التي ترعى شؤون المصارف تنظيما ورقابة. ومعروف أن هذين البلدين هما الأقلّ تعرّضًا أوروبيًا للأزمات المصرفية منذ الحرب العالمية الثانية.
النموذج الألماني أو السويسري لو كان قائما في لبنان لما كان بالإمكان تصور حصول الكارثة الراهنة التي تغرق فيها البلاد والتي كشفت عن فشل مريع بانحراف القطاع المصرفيّ عن مهامه الطبيعيّة في تمويل الاقتصاد إلى تمويل مصرف لبنان والدولة. فالسلطة المعنيّة بالشؤون المصرفية (لو كانت قائمة في لبنان بشكل مستقلّ) كانت سترفض حتمًا المشروع الانتحاريّ لمصرف لبنان باستقطاب القسم الأكبر من ودائع المودعين الدولارية إليه تحت مسمّيات شتّى. وبدلًا من أن يكون الإصلاح الحالي باتجاه النموذجين الألماني أو السويسري حصل العكس. إذ أضاف قانون إصلاح أوضاع المصارف ومشاريع تعديله على مهامّ حاكم مصرف لبنان ومعاونيه مهامّ إضافية ذات طابع قضائيّ راجح لا تمتّ إلى المهمة الأساسية لأي مصرف مركزيّ في العالم. بحيث باتت الدلائل تشير إلى أن الإصلاح الذي يتردّد على الألسنة راهنًا لن يكون سوى من النوع الذي يؤسس لأخطاء ستكون بحاجة هي أيضًا لإصلاح لاحق حسب قول هنري والش الذي شغل سابقا منصب أستاذ الاقتصاد في جامعة يال والمستشار الاقتصادي للرئيس الاميركي إيزنهاور وعضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.