نشر قانون إلغاء الامتحانات الرسمية: إشكاليات دستورية في كيفية إصداره

وسام اللحام

30/07/2026

انشر المقال

صدر العدد 32 من الجريدة الرسمية بتاريخ 30 تموز 2026 وقد تضمن نشر ثلاثة قوانين أقرها مجلس النواب في جلسته التشريعية الأخيرة وهي قانون تعليق المهل، وقانون تعديل بعض أحكام قانون الضمان الاجتماعي، وقانون إلغاء الامتحانات الرسمية للعام 2026.

لكن التدقيق في قانون إلغاء الامتحانات الرسمية يظهر أن خللا ما حصل خلال إصداره وهو ما كان المرصد البرلماني قد أشار إليه في مقال سابق. فقد حمل هذا القانون كما نشر في الجريدة الرسمية الرقم 48 علما أن رئيس الجمهورية أصدره في 27 تموز 2026. لكن التدقيق في مسار القانون يبيّن أن توقيعه في 27 تموز من قبل رئيس الجمهورية لا يستقيم من الناحية الدستورية لأن مجلس النواب كان قد طلب خلال إقراره استعجال إصداره ما يعني أن رئيس الجمهورية كان يتوجب عليه توقيعه خلال خمسة أيام من تاريخ إحالته إلى الحكومة، أي منذ 16 تموز. وهكذا يتبين أن مهلة إصدار القانون انصرمت ولا يمكن أن يكون رئيس الجمهورية قد وقعّه في 27 تموز، أي بعد أكثر من عشرة أيام من إحالة القانون إلى الحكومة.

أمام هذا الواقع الدستوري البديهي، وجدت الأمانة العامة لمجلس الوزراء التي تشرف على الجريدة الرسمية أن تشرح هذا الخلل فعمدت إلى نشر التوضيح التالي قبل القانون:

"بما أنه قد صدر القانون رقم ٤٢ بتاريخ ٢٠٢٦/٧/١٧ متضمناً أحكاماً استثنائية تتعلق بشهادة البريفيه وشهادة الثانوية العامة.

وبما أن الأمانة العامة لمجلس النواب أفادت بكتابها رقم ٣/ص/ص بتاريخ ٢٠٢٦/٧/٢٣ بأن القانون الذي قد أرسلته للإصدار عبارة عن المشروع وليس القانون المصوّت عليه، وأرفقت النسخة الجديدة، الأمر الذي يقتضي إصدار القانون المصوّت عليه أصولاً بدلاً من القانون الذي تم إصداره برقم ٤٢ بتاريخ ٢٠٢٦/٧/١٧".

يكشف هذا النص أن رئيس مجلس النواب نبيه بري ارتكب خطأ خلال توقيعه على إحالة القوانين إلى الحكومة، إذ أحال قانون إلغاء الامتحانات الرسمية وفقا لصيغة لم يقرها مجلس النواب. لكن الأغرب من ذلك أن رئيس الجمهورية أصدر القانون الخطأ في 17 تموز وهو حمل الرقم 42 علما أنه غير منشور، إذ الظاهر أنه تم الطلب من الجريدة الرسمية عدم نشره. ومن ثم عمدت الأمانة العامة لمجلس النواب إلى إرسال النص الجديد للقانون إلى الحكومة بتاريخ 23 تموز ما يفسر توقيعه من رئيس الجمهورية في 27 تموز أي بعد ثلاثة أيام فقط.

وهكذا نكون أمام واقعة دستورية غير مألوفة بوجود قانون أصدره رئيس الجمهورية وتم حجبه عبر التمنع عن نشره ومن ثم إصدار القانون مجددا وفقا لصيغة مختلفة. ولا بدّ من التساؤل هنا حول مدى دستورية هكذا تصرف لأن رئيس الجمهورية أصدر القانون في صيغته الأولى وهو ما يظهر من خلال الاعتراف بأن هذا القانون يحمل رقما (42) كون القوانين لا تعطى أرقامها إلا بعد توقيعها من رئيس الجمهورية.

وهكذا نكون أمام حالة نادرة جدا تتعلق في الحقيقة بإشكالية مدى جواز التراجع عن إصدار قانون ما، أي سحب مرسوم الإصدار. وقد عالج الفقه هذه المسألة الشائكة انطلاقا من تجربة الجمهورية الثالثة في فرنسا (1875-1940). فإصدار القانون يتم بمرسوم حتى لو اختلف من حيث الصياغة الشكلية عن المراسيم العادية، والمرسوم كما هو معلوم يدخل في عداد الأعمال الإدارية، ما يعني منطقيا جواز سحب مرسوم الإصدار أسوة بسائر الأعمال الإدارية التي يجوز سحبها ضمن شروط معينة.

هذا واعتبر "غاستون جاز" أن مرسوم الإصدار في حال كان مشوبا بعيب دستوري يمكن سحبه، كإصدار قانون مثلا لم يوافق عليه البرلمان أو تم اقراره وفقا لصيغة مختلفة في مجلسي الشيوخ والنواب[1]. أما مرسوم الإصدار الصحيح (promulgation régulière) فلا يمكن إطلاقا سحبه لأنه يختم العملية التشريعية التي انطلقت في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب، وانتهت بإقرار القانون بالصيغة ذاتها في البرلمان. فقدرة رئيس الجمهورية على سحب مرسوم الإصدار المتخذ بشكل صحيح يعني منحه "صلاحية سياسية رهيبة" تخوله تعليق نفاذ القوانين وتهديد استقرار الأوضاع القانونية للمواطنين[2]. وهذا هو الموقف نفسه الذي يعلنه  "ليون دوغي" إذ يعتبر أن إصدار قانون لم يصوت عليه البرلمان أو إصدار قانون وفقا لصيغة تختلف عن تلك التي أقرها البرلمان توجب على الحكومة سحب الاصدار مباشرة ونشر القانون الصحيح أو الطلب من البرلمان إجراء تصويت جديد[3]. ويضيف "دوغي" أن الحكومة تقوم أحيانا من أجل عدم لفت انتباه الجمهور بنشر تصحيح في الجريدة الرسمية بدل نشر مرسوم بسحب الاصدار[4] كما من المفترض أن يتم. 

فقانون الغاء الامتحانات الرسمية صدر وفقا لصيغة لم يقرها مجلس النواب، ما يعني أن اصداره غير صحيح الأمر الذي كان يوجب على رئيس الجمهورية إصدار مرسوم جديد بسحب الاصدار ونشره في الجريدة الرسمية كي يتمكن الجميع من معرفة حقيقة ما جرى، لا التمنّع عن نشر قانون وقّعه رئيس الجمهورية من دون أن يعلم أحد مصيره. لكن الخطأ في الإصدار لم تكن الحكومة مسؤوله عنه، بل مجلس النواب نفسه الذي أرسل نصا لم يتم إقراره، ما يطرح علامات استفهام حول مدى جواز إقدام السلطة التنفيذية على سحب مرسوم الاصدار من تلقاء نفسها، وهو ما حصل في فرنسا في 26 تشرين الثاني 1916 عندما سحبت الحكومة مرسوم إصدار قانون أصدرته عن طريق الخطأ، إذ تبين لها أن مجلس النواب وافق عليه لكن بصيغة تختلف بشكل طفيف جدا عن الصيغة التي أقرها مجلس الشيوخ.

في مطلق الأحوال، إن طلب الأمانة العامة لمجلس النواب تصحيح الخطأ في إصدار القانون يجيز للسلطة التنفيذية التراجع عن إصداره لكن ذلك كان يجب أن يتم عبر مرسوم يقضي بسحب إصدار قانون الغاء امتحانات شهادة الثانوية العامة والبريفيه يتم نشره أيضا في الجريدة الرسمية، ومن ثم نشر القانون في صيغته التي أقرها مجلس النواب بعد إصداره مرة ثانية من رئيس الجمهورية خلال المهلة الدستورية.

يبقى أن توقيع رئيس الجمهورية على قانون يختلف بشكل واضح عن القانون الذي يقال أنه أقرّ يشكل دليلا على الخلل الكبير الذي يسيطر على المسار التشريعي في لبنان وانعدام الوضوح في كيفية صياغة القوانين وإدخال التعديلات عليها من قبل الأمانة العامة لمجلس النواب.   


[1] “Il n'est pas douteux que si le texte promulgué n'est pas un texte voté par les deux Chambres dans les formes constitutionnelles et dans les mêmes termes, la promulgation est irrégulière ; elle contient une affirmation erronée ; elle n'aurait donc pas dû être faite ; le Gouvernement a commis une erreur grave ; il s'est trompé. Il est donc certain que le président de la République peut, par un nouveau décret, déclarer nulle la promulgation faite. Il faut appliquer à cet acte de retrait, la théorie générale du retrait des actes administratifs irréguliers. Une autorité publique a le droit de déclarer nul l'acte juridique irrégulier qu'elle a accompli” (Gaston Jèze, la promulgation des lois, Revue de droit public et de science politique en France et à l’étranger, Tome XXXV, Janvier-Février-Mars 1918, Paris, p. 392)

[2] Gaston Jèze, la promulgation des lois, p. 393.

[3] “Si la promulgation a été régulièrement  faite, incontestablement, elle ne peut pas être rapportée. Le président de la République doit promulguer la loi, il exerce à cet égard, une compétence liée.  Il ne peut pas ne pas  la promulguer quand le même texte a été voté par les deux chambres. A fortiori, ne peut-il pas  rapporter une promulgation régulière. Mais j’estime qu’au contraire, il peut, il doit rapporter une promulgation irrégulière. » (Léon Duguit, Traité de droit constitutionnel, Tome 4, Paris, 1924, p. 637).

[4]“ A plusieurs reprises, ces dernières années, le gouvernement a dû rapporter des promulgations irrégulièrement faites. Seulement, au lieu de publier franchement au Journal officiel un décret rapportant le décret de promulgation antérieurement publié, pour ne pas appeler l'attention du public, on procède par voie d'erratum ou de note insérée à l'Officiel. Par exemple, c'est par un erratum publié au Journal officiel du 27 février 1908 qu'on a été informé que la loi du 22 février 1903, promulguée et publiée par erreur, devait être considérée comme nulle et non avenue” (Léon Duguit, Traité de droit constitutionnel, Tome 4, p. 639).