اقتراح للاعتراف الرمزي بضحايا الحرب الأهلية: طمس الحقيقة لا يحقق العدالة

نيقولا غصن

26/02/2026

انشر المقال

تقدّم النواب جبران باسيل وسيزار أبي خليل وندى البستاني وغسان عطالله وسامر التوم من كتلة لبنان القوي بتاريخ الثالث من شباط 2026 باقتراح قانون يرمي إلى "إرساء الذاكرة الوطنية، والاعتراف الرمزي بمعاناة المدنيين، وترسيخ مبادئ عدم التكرار خلال النزاعات الداخلية في لبنان". 

يتألف الاقتراح من ستة أبواب أوّلها مخصص للمبادئ العامة التي تحكمه، إذ ينص على أنّ الهدف من هذا القانون هو "إرساء سياسة وطنية لحفظ الذاكرة المرتبطة بالنزاعات الداخلية في لبنان"، كما "الاعتراف الرمزي بمعاناة المدنيين اللبنانيين الذين تعرضوا للقتل أو الإصابة أو التهجير القسري أو لفقدان المأوى أو لأي انتهاك جسيم لكرامتهم الإنسانية"، و"ترسيخ ثقافة عدم التكرار" و"دعم المصالحة الوطنية ضمن إطار يحفظ السلم الأهلي والعيش المشترك".

وفي مادته الثالثة، يحدد الاقتراح المبادئ التي يرتكز تطبيق القانون عليها وهي "احترام الكرامة الإنسانية لجميع الضحايا دون تمييز"، و"المساواة بين اللبنانيين في الاعتراف بالمعاناة" و"حياد الدولة وامتناعها عن الإدانة والتبرير" و"صون السلم الأهلي ومنع إعادة إنتاج الانقسامات".  

أمّا الباب الثاني المعنون "حفظ الذاكرة والتربية عليها"، فينص في المادة الرابعة على أن "تلتزم الدولة اللبنانية بإدراج مفاهيم الذاكرة الوطنية ومعاناة المدنيين خلال النزاعات الداخلية ضمن السياسات التربوية والثقافية، وفق مقاربة علمية وإنسانية وغير تحريضية، تراعي تنوّع التجارب والمعاناة التي شهدتها مختلف المناطق اللبنانية". 

ومن اللافت أنّ المادة الخامسة من الاقتراح تنشئ "هيئة مستقلّة تسمّى الهيئة الوطنيّة للذاكرة الوطنية" تكون متمتعة "بالشخصية المعنوية والاستقلال الإداري". وتكمل المادة السادسة في شرح دور الهيئة التي عليها "جمع وتوثيق الوقائع الإنسانية المرتبطة بالنزاعات الداخلية" و"حفظ أرشيف وطني للتهجير والضحايا المدنيين" و"إعداد مواد تربوية وثقافية متعلقة بالذاكرة الوطنية" و"اقتراح برامج وطنية لإحياء الذاكرة". وتنص المادة السابعة على أنّ الهيئة تمارس مهامّها "بحياد تام" و"لا يجوز تسميّة أطراف أو تحميل مسؤوليات أو اعتماد توصيفات سياسية أو طائفية أو عسكرية".

أمّا الباب الثالث المتعلّق ب"الاعتراف الرمزي بمعاناة ضحايا النزاعات الداخلية" فهو يرسي في المادة الثامنة مبدأ الاعتراف الرمزيّ حيث "تعترف الدولة اللبنانية، اعترافًا رمزيًا ووطنيًا، بما لحق بالمدنيين اللبنانيين من معاناة إنسانية جسيمة، ولا سيما التهجير القسري، خلال فترة النزاعات الداخلية". أمّا المادة التاسعة فتحدد "نطاق الاعتراف" علي أنّه يشمل "جميع الوقائع التاريخيّة الموثقة التي طالت مناطق وبلدات لبنانية متعددة، دون تخصيص أو تمييز، ودون تسمية أطراف أو إسناد مسؤوليات أو توصيفات سياسية أو طائفية أو عسكرية". تكمل المادة العاشرة معتبرة أنّ الاعتراف المنصوص عليه يحمل "طبيعة رمزية وإنسانية وتربوية" وأنّه "غير منشئ لأي أثر جزائي أو مدني أو تعويضي" و"غير قابل للتفسير بما يمسّ مبدأ المصالحة الوطنية أو السلم الأهلي". والمادة الحادية عشرة تنص على أنّه من واجب الدولة "صون كرامة الضحايا وذويهم" و"حفظ الذاكرة الوطنية المرتبطة بمعاناتهم، ونقلها إلى الأجيال الصاعدة ضمن إطار يحترم الحقيقة والإنصاف والعيش المشترك". 

بالإضافة إلى ما تقدّم، تنص المادة الثانية عشرة على أن "يخصص يوم وطني سنوي لإحياء ذكرى ضحايا النزاعات الداخلية" والمادة الثالثة عشرة على أنّه "يجوز للدولة إنشاء أو دعم نصب تذكارية أو أماكن ذاكرة في المناطق المتضررة كافة، بما يراعي خصوصية كلّ منطقة ضمن إطار وطني موحّد للذاكرة". والمادة الخامسة عشرة بنصها على أن "تدرج الذاكرة الوطنية ضمن المناهج التعليمية بأسلوب علمي وغير تحريضي". 

أمّا في الباب الخامس المعنون "الضمانات والسلم الأهلي"، تنص المادة الخامسة عشرة على أنّ "يحظر استخدام هذا القانون أو تفسيره أو تطبيقه لأي غاية سياسية أو حزبية أو طائفية"، والمادة السادسة عشرة بأن "يفسر هذا القانون ويطبق دائمًا بما يضمن المصالحة الوطنية وعدم إحياء نزاعات الماضي أو إثارة النعرات".

من جهتها، اعتبرت الأسباب الموجبة للاقتراح، أنّ الدولة اللبنانية قائمة وفق الدستور على "احترام الكرامة الإنسانيّة، وعلي المساواة بين المواطنين، وعلى الالتزام بالعيش المشترك والسلم الأهلي"، مذكرةً أنّ لبنان شهد بين عامي 1975 و1990 نزاعات داخلية أدّت إلى "سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى، وإلى تهجير قسري واسع النطاق طال عشرات المناطق والبلدات اللبنانية، وأصاب آلاف المدنيين من مختلف الانتماءات، مما أفضى إلى تفكّك اجتماعي وحرمانٍ دائم من حقّ الاستقرار والعودة". 

كما اعتبرت الأسباب الموجبة أنّ "المعالجة القانونية والسياسية التي أعقبت انتهاء النزاعات ركّزت على وقف العنف وإعادة انتظام المؤسسات، دون أن تترافق مع سياسة وطنية شاملة للاعتراف الرمزي بمعاناة المدنيين أو لحفظ ذاكرتهم ضمن إطار جامع". وأشارت أيضًا إلى أنّ غياب الاعتراف أدّى إلى شعور فئات من اللبنانيين بالغبن والإنكار، مما أضعف الثقة بين المواطن والدولة، ولم يتمكن من مداواة جراح الماضي. 

لذلك، انطلقت الأسباب الموجبة من التجارب الدولية في الدول التي شهدت نزاعات حيث ثبت أنّ "الاعتراف الرمزي والإنساني بمعاناة الضحايا، دون تحميل مشؤوليات أو فتح باب الملاحقات، يشكّل عنصرًا أساسيًّا في تحقيق المصالحة المستدامة ومنع تكرار العنف". وقد شددت الأسباب الموجبة أنّ هذا القانون "لا يهدف إلى إعادة كتابة الصراع، ولا إدانة أيّ طرف، ولا إسناد مسؤوليات أو إنشاء حقوق أو ملاحقات جزائيّة أو مدنيّة أو ماليّة" بل إنّه يهدف إلى "ترسيخ مبدأ الاعتراف بمعاناة المدنيين اللبنانيين وحفظ ذاكرتهم في إطار وطني جامع، قوامه الكرامة الإنسانية، والإنصاف الرمزي، وعدم التكرار، وصون السلم الأهلي". 

انطلاقًا مما تقدّم، لا بدّ من إبداء الملاحظات التالية: 

اقتراح جديد ضمن سلسلة اقتراحات قوانين الذاكرة من كتلة لبنان القوي

يأتي الاقتراح الحالي ليستكمل سلسلةً من الاقتراحات التي تقدّم بها نوّاب من كتلة لبنان القوي تتمحور حول حفظ الذاكرة وتخليدها. الاقتراح الأوّل في هذا الشأن تقدّم به النائبان شربل مارون وسيمون أبي رميا (الذي ترك الكتلة فيما بعد) وذلك في أيّار 2023، وهو يرمي إلى تحديد يوم 13 نيسان "عيدًا للوحدة الوطنية والسلام والروح الرياضية"، من دون أن يحتسب يوم عطلة رسمية، على أن تخصّص خلاله وزارات الثقافة والتربية والشباب والرياضة نشاطات توعوية.

أمّا الاقتراح الثاني فقد تقدّم به النائب ألان عون في كانون الأول 2023 (وقد انفصل عن الكتلة بعد ذلك هو أيضًا) يهدف إلى تخصيص السادس من أيّار لاستذكار مأساة الحرب العالمية الأولى على لبنان من دون أن يكون يوم عطلة رسمية.

بالتالي، فإنّ كتلة لبنان القوي تواصل التمايز عن سائر الكتل في تقديم مزيد من الاقتراحات تحت عنوان حفظ الذاكرة الوطنيّة، مع التركيز على مسألة معاناة المدنيين. 

وبينما اقتصر الاقتراحان السابقان على مادة أو مادتين دون مزيد من الاستفاضة، فإنّ الاقتراح الحالي أتى موسّعًا حيث قام بشرح المبادئ التي يستند عليها والتي يريد تعزيزها، كما قام بإنشاء هيئة مستقلّة تهدف إلى جمع الوثائق وحفظ الأرشيف والمساهمة في حفظ الذاكرة، ما يجعله الاقتراح الأكثر توسّعًا بين الاقتراحات الثلاثة.

ملاحظات شكلية : 

الاستسهال في إنشاء هيئات مستقلة

يعتقد الاقتراح أنّه ببضعة أسطر في المادتين الخامسة والسادسة يمكنه إنشاء هيئة مستقلة من دون توضيح المعايير الأساسيّة التي من دونها تبقى هذه الهيئة مجرد اسم بلا ضمانات قانونية حقيقية. 

فبالعودة إلى مقالات المفكرة القانونية حول الهيئات المستقلة المنشأة في لبنان، وهي الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسرًا، والهيئة الوطنية لحقوق الانسان والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وهيئة الشراء العام، يتبيّن أنّ أيًّا من العناصر الأساسيّة المكوّنة للهيئة ليست موجودة في الاقتراح. إذ أن ثمّة مسائل أساسية كعدد الأعضاء وكيفيّة تعيينهم وحالات التمانع والتفرغ وقسم اليمين والشغور والنظام الداخلي للهيئة وحصانة الأعضاء وعدم جواز إقالتهم وكيفية اجتماع الهيئة وتفاصيل جهازها الإداري وتمويلها ومخصصات الأعضاء، كلّها مسائل على القانون البتّ بها لكي تتمتع الهيئة بالضمانات الضرورية التي تجعلها مستقلة فعليا وليس مجرد اسم من دون أي محتوى قانوني حقيقي. بالتالي، فإنّ غياب هذه المسائل كلّها عن الاقتراح يشي بعدم جديّة مقدّميه في إنشاء الهيئة، كما يطرح علامة استفهام حول إمكانيّة تطبيق أهداف الاقتراح برمّته، إذ إنّ لهذه الهيئة الدور الفاعل والأوّل في جمع وتوثيق الذاكرة وأرشفتها وإعداد البرامج التربوية.

لا بدّ من التساؤل أيضًا حول الطفرة في إنشاء الهيئات المستقلة في كافة المبادرات التشريعيّة لعديد من الكتل النيابية من دون تبرير مدى ضرورة هذا الأمر. ولا شكّ أن موضوع الذاكرة الوطنية والاعتراف بضحايا الحرب يعتبر من المسائل الأساسية التي تبرر وجود هكذا هيئة شريطة أن تتمتع هذه الأخيرة بالصلاحيات والضمانات القانونية التي تسمح لها بالقيام بدورها على أكمل وجه.

اللغط المستمرّ في الجهة المخولة إصدار المراسيم

من جهة أخرى تنص المادة 17 من الاقتراح على أن "تصدر الحكومة المراسيم التطبيقية اللازمة خلال ستة أشهر من تاريخ نشر هذا القانون". فإذا ما وضعنا جانبا أن الاقتراح جاء فضفاضا كما تم شرحه أعلاه وكأن جميع نواقصه يمكن استكمالها عبر تلك المراسيم التطبيقية، وهذا أمر مستغرب لأنه يضعف القانون ويعفي مقدميه من صياغة نصوص تشريعية واضحة، يتبين أيضا أن المادة 17 مخالفة للدستور كون صلاحية إصدار المراسيم تعود إلى رئيس الجمهورية وليس إلى الحكومة. وهذا ما أشار إليه المجلس الدستوري  في قراره رقم 1 بتاريخ 5 كانون الثاني 2023 حول موازنة عام 2022 إذ قضى بإبطال النص الذي يقول بأن مجلس الوزراء يصدر المراسيم لأن "المادة 56 من الدستور أناطت صلاحية إصدار القوانين والمراسيم برئيس الجمهورية حصرا، دون غيره من السلطات الدستورية، فلا يجوز بالتالي أن يصدر مرسوم اتخذ في مجلس الوزراء عن المجلس نفسه".

اعتراف مبتور وذاكرة مقهورة 

يحرص الاقتراح كل الحرص على رمزية هذا الاعتراف وشدد أكثر من مرة على أن الاعتراف بأوجاع الضحايا لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يعرّض السلم الأهلي للخطر وأن هذا الاعتراف لا يترتب عليه أي تداعيات جزائية أو مالية. من هنا ضرورة فهم ما هي غاية هذا الاقتراح وكيفية تفسيره من ضمن السياق السياسي الذي عرفه لبنان منذ انتهاء الحرب وحتى اليوم.

أكثر من ثلاثين عامًا مرّت على انتهاء الحرب الأهليّة في لبنان عام 1990، شهدت فعليًّا على ثلاثة إجراءات أساسيّة اتخذتها الدولة في مجال التعامل مع تداعيات هذه الحرب.

أول تلك الاجراءات، كان إقرار قانون العفو رقم 84 الصادر سنة 1991 الذي منح عفوا عاما عن عدد كبير من الجرائم المرتكبة قبل تاريخ 28 آذار 1991، وهي جرائم تمسّ الأشخاص والأملاك، غير أنّه استثنى منها بشكل بارز الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي قبل تاريخ نفاذ القانون وجرائم اغتيال أو محاولة اغتيال علماء الدين والقادة والسياسيين والدبلوماسيين العرب والأجانب. 

بالتالي، فإنّ مسيرة المصالحة وردّ الاعتبار للضحايا واستذكار مأساتهم إنّما يصطدم بعائقٍ كبير هو إرادة السلطة بعدم إحقاق العدالة وتحديد الفاعلين ومعاقبتهم، بل الاستعاضة عن ذلك بعفوٍ عامّ عن الجرائم المرتكبة، استثنت منه بشكل معبّر الجرائم بحق الشخصيات السياسية، وكأنّما هؤلاء يتمتعون بامتيازات تضعهم فوق مصاف الناس العاديين الذين يمكن بسهولة غضّ النظر عن كلّ الجرائم التي ارتكبت بحقهم من قتل وتهجير وسرقة.

وبمقارنة سريعة مع تجربة جنوب أفريقيا التي شهدت نزاعًا داخليًّا قام على التمييز العنصريّ بين المواطنين البيض المتحدّرين من أصول أوروبيّة والمواطنين السود والهنود، أنشأت الدّولة هيئة الحقيقة والمصالحة التي عملت على مدّ الجسور بين المواطنين عبر جمع المعلومات حول الارتكابات والتحقيق بها كما منح العفو لكن بعض توضيح معالم الجريمة والتأكد من أنّ دوافعها سياسيّة لا شخصيّة. كان لهذه الهيئة أيضًا دور في إعطاء التعويضات الماديّة كما إنشاء النصب التذكاريّة وتسميّة الطرقات والمعالم وكلّ ما يفيد غاية حفظ الذاكرة وتخليدها في المساحات العامة. 

والخطوة الثانية التي أخذتها السلطة السياسية الجديدة التي سيطرت على الدولة تمثلت في إنشاء وزارة المهجرين بموجب القانون رقم 190 الصادر عام 1993 ومن ثم استحداث الصندوق المركزي للمهجّرين أيضا سنة 1993 بغية "تمويل مشاريع عودة وإسكان المهجرين، في المناطق اللبنانية كافة" من خلال "إنشاء أو ترميم المساكن أو بمنح المساعدات والقروض العينية أو المالية التي تؤدّي إلى تحقيق هذه الغاية".

لكن هذه الخطوة لم تكن في سياق يهدف إلى تعزيز المصالحة وخلق مساحات تساهم في تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا بقدر ما كانت وسيلة من أجل إحكام سيطرة الزعيم المهيمن على المناطق الذي حصلت فيها عمليات التهجير على مصير اللبنانيين وتعزيز سطوته السياسية من خلال استخدام أموال الصندوق بطريقة زبنئاية.

وإذا كان التعويض المادي ضروريا في مسيرة التعافي الاجتماعي ويندرج في إطار مشروع المصالحة الوطنية التي يجب أن تتحمل مسؤوليتها الدولة، إلّا أنّ هذه الناحية لا تكفي إذا لم تترافق مع مبادراتٍ لإحقاق العدالة ومعرفة الحقيقة والاعتراف بالظلم الذي تعرّض له الضحايا. غير أنّ ما حصل في لبنان كان عكس ذلك، إذ إنّ الدولة اللبنانية حصرتْ مهامّها بتأمين الأموال اللازمة التي وضعت وبشكل مستغرب بيد الجهة التي قامت بعمليات التهجير وهذا أمر من شأنه تهميش الضحايا ودفعهم إلى عدم الثقة بكل هذا المسار.

أما الخطوة الثالثة وهي الخطوة الحقيقية الوحيدة والأهم تتمثل في إنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسرًا بموجب القانون رقم 105 الصادر سنة 2018 بعد نضال طويل من قبل أهالي المفقودين لمعرفة مصير ذويهم الذين فقدوا خلال سنوات الحرب الأهلية. وقد كرست هذه الهيئة مبدأ حق الأهالي بمعرفة الحقيقة وواجب الدولة على حماية هذا الحقّ وإيجاد الإطار القانوني الذي يسمح بتحقيق هذا الهدف. لكن الهيئة اقتصرت صلاحياتها على جلاء الحقيقة عبر البحث عن المقابر الجماعية وإجراء فحوصات الحمض النووي والاستماع إلى الشهود وهي لم تتمكن إلى اليوم بسبب الصعوبات الكثيرة التي تعترضها من الوصول إلى نتائج ملموسة.  

جرّاء ما تقدم، لا بد من التساؤل عن الجديد الذي يأتي به هذا الاقتراح ومدى قدرته على التقدم خطوة إلى الأمام من أجل معالجة آثار الحرب التي لا يزال يعاني منها لبنان. فالنظر إلى تجربة جنوب إفريقيا مثلا يدفع إلى استخلاص بعض المبادئ التي تساعد على تقييم الاقتراح الحالي. فقانون العفو في لبنان أفشل فعليا أي محاولة لقيام مبادرات تؤدّي إلى كشف ملابسات الجرائم التي حصلت وتحديد المسؤوليات وهي من أهم الخطوات في اتجاه تحقيق العدالة، علمًا أنّه ليس بالضرورة لهذه العدالة أن تتحقق عبر تطبيق العقوبات الجزائيّة بل عبر إعطاء العفو، كما في جنوب إفريقيا، ولكن بعد أن تكون الملابسات قد تكشفت والمسؤوليات الشخصية قد ظهرت، على عكس ما أفضى إليه قانون العفو في لبنان. 

بالتالي، فإنّ محاولات التعويض الماديّة عبر وزارة المهجرين، التي هي غير كافية لأنّها لا تطال إلّا فئة المهجرين من دون التطرق إلى باقي الخسائر الماديّة التي تكبدها باقي اللبنانيين، فضلًا عن أنّها لا تترافق مع مسار العدالة المذكور آنفًا، تبقى محاولات منقوصة لقلب صفحة الحرب بشكل فعّال وليس ظاهري فقط. 

في هذا الإطار يأتي الاقتراح المقدّم، الذي يعالج جانبًا ثالثًا من آثار النزاعات الداخليّة، وهو إحياء الذاكرة وحفظها وتحليلها ونشرها عبر المناهج التربويّة وتخصيص الأماكن والساحات والنصب من أجل تخليدها. ولا شكّ أنّه من غير الممكن تحميل هذا الاقتراح ما لا يهدف إليه أصلًا، أي إنشاء محاكمات عادلة أو تعويضات ماديّة، إلّا أنّ مضامين الاقتراح لا تزال تستنسخ المفاهيم والتعابير نفسها التي حكمت في فترة ما بعد الحرب وقامت على طمس الذاكرة وإخفاء المسؤوليّات.

فالاقتراح مليء بالعبارات المطاطة التي تمنع أي بحث عن الحقيقة ومواجهة المسؤوليات تحت حجّة الحفاظ على الوفاق الوطني والسلم الأهلي، فالفقرة الرابعة من المادة الأولى تنص على "دعم المصالحة الوطنية ضمن إطار يحفظ السلم الأهلي والعيش المشترك"، والفقرة الأولى من المادة الثانية "توثيق الوقائع التاريخيّة… دون توجيه اتهام أو إسناد مسؤوليات، وبما يخدم الحقيقة التربوية والإنسانية لا الصراع السياسي"، وفي المادة السابعة عن الهيئة التي ينشئها القانون "تمارس الهيئة مهامها بحياد تام، ولا يجوز تسمية أو تحميل مسؤوليات أو اعتماد توصيفات سياسية أو طائفية أو عسكرية"، والمادة التاسعة عن نطاق الاعتراف "يشمل الاعتراف … جميع الوقائع … دون تخصيص أو تمييز، ودون تسمية أطراف أو إسناد مسؤوليات أو توصيفات سياسية أو طائفية أو عسكرية"، وفي المادة العاشرة عن الطبيعة القانونية للاعتراف الفقرة 3، أنّ الاعتراف "غير قابل للتفسير بما يمسّ مبدأ المصالحة الوطنية أو السلم الأهلي".

بالتالي، من الصعب أن يحقق ها الاقتراح أهدافه كونه لا يعالج الظلم الذي تعرض له الضحايا وما يرافق ذلك من شعور بالإهمال والتنكر لحقوقهم ما يخلق لديهم إحساسا بالغربة ويمنعهم من المبادرة للمطالبة بجلاء الحقيقة نتيجة استمرار تهميشهم أو خوفهم من الأقوى الذي لا يزال يتمتع بالنفوذ الواسع ويحتل مواقع مهمة في السلطة. فكيف لذكرى تهجير أو قتل أو تنكيل أن تخلّد وهي مبتورة من أي إطار تاريخي يبيّن من الفاعل وما الدوافع، وكيف لهذا التخليد أن يكون له أثر إذا كان الفاعل لا يزال موجودًا وفي حالة إنكار لما اقترفه، أو أسوأ من ذلك، عندما يقوم بالتفاخر بماضيه "البطولي" ويقيم الاحتفالات لتخليد ذكرى "انتصارات" حربيّة ومعارك "ملحمية" هي في الحقيقة مجرد اشتباكات بين ميليشيات فرضت نفسها بقوة السلاح على مناطق سيطرتها بحجة "حماية" المواطنين.

فالمشهد اللبناني يعج بالمناسبات والاحتفالات الحزبيّة التي تخلّد ذكرى معارك ومحاربين، والساحات مليئة بالنصب التذكاريّة للأحزاب، من دون أي مقاربة تحاول التقريب بين الجاني والضحية من باب الحقيقة والعدالة والمصالحة. فلا بدّ من وجود طريق وسطيّ بين استخدام ذاكرة الحرب بشكل انتقائي من أجل تعزيز شرعية الزعيم وهيمنة حزبه السياسية والاقتراح المقدّم الذي باعترافه الرمزي المنفصل كليّا عن أي جهد لجلاء الحقيقة يؤدي إلى إسكات الضحايا وإبعاد المحاسبة تحت شعارات الحفاظ على السلم الأهلي وعدم تعريض المصالحات للخطر. فالسلم الأهلي المبني على طمس الحقيقة لا يكون سلمًا حقيقيًّا مستدامًا، والمصالحات التي تعقد فقط بين السياسيين مع إقصاء المواطنين لا تكون مصالحات بل اتفاقات سياسيّة مبنيّة على مصالح آنيّة قد تزول بعد حين فيعود الخلاف إلى سابق عهده.

من هنا ضرورة العودة مجدّدا إلى تجارب العدالة الانتقالية في جنوب أفريقيا حيث جرى إنشاء سنة 1995 هيئة الحقيقة والمصالحة من أجل شفاء جروح نظام الفصل العنصري والعنف الكبير الذي ساد خلال وجوده وذلك عبر تحقيق العدالة من خلال معرفة الحقيقة. فمهمة الهيئة كانت تكمن في توثيق جميع الانتهاكات لحقوق الإنسان وتقديم التعويض للضحايا كي يتمكنوا من بناء حياتهم من جديد. لكن الأهم أن الهيئة كانت مخولة بمنح عفو عن الأشخاص الذين يقدمون اعترافا كاملا بجرائمهم ما شجع هؤلاء على الإدلاء بجميع المعلومات التي بحوزتهم. وقد سمحت هذه المقاربة بتنظيم لقاءات علنية تمكن خلالها الضحايا من التكلم بحرية عن آلامهم لأن المغفرة لا يمكن أن تأتي قبل الإقرار بأوجاع الضحايا وطلب الصفح منهم أمام الجميع. 

وهكذا تظهر مدى محدودية هذا الاقتراح الذي بحرصه الشديد على الحفاظ على السلم الأهلي يكون قد اعترف ضمنيا بأن "أبطال الحرب" لا يزالون يحتلون مواقع في السلطة تسمح لهم بتهديد اللبنانيين بحرب جديدة في حال تعرضت مصالحهم للخطر. لا بل أن الاقتراح يكتفي بتعميم الحديث عن الضحايا وكأن هذا التوصيف ينطبق على الجميع بينما الحقيقة خلاف ذلك لأن الحرب اوجدت العديد من الضحايا لكنها أيضا سمحت للبعض بالاستفادة منها ومراكمة الثروات وبناء شبكة مصالح ونفوذ مكنتهم من الوصول إلى السلطة. فكيف يمكن للاقتراح أن ينجح في تحقيق هدفه بترسيخ ثقافة عدم التكرار في ظل نظام سياسي تفتخر أحزابه بماضيها وتستغل كل المناسبات من أجل التحريض والتذكير بما حققته من "مآثر" عسكرية من دون أي رغبة جدية بالاعتراف بالجرائم والاعتذار من الضحايا.     

ولعل أهم نقطة يغفلها الاقتراح هو فرض موجب قانوني بالإفصاح عن الحقيقة عبر إرغام زعماء الحرب ومن يدور في فلكهم على الإدلاء بجميع المعلومات التي بحوزتهم وتمكين الضحايا من توجيه أسئلة مباشرة لهم. وإن كانت المصالحة ضرورية وهي تقضي أحيانا عدم معاقبة الجاني لكن تلك المصالحة يجب أن تأتي كنتيجة لاعتراف الجاني بما ارتكبه من جرائم وطلبه الصفح والمغفرة من الضحية وأن يحدث ذلك علينا ضمن أطر رسمية يكرسها القانون.

وإذا كان منح العفو هو ضروري عندما يتبين أن الجرائم تمت بدوافع سياسية لكن الجرائم العادية لا يجب أن تستفيد من العفو. فخلال الحروب يستغل أحيانا أفراد المليشيات والقوى المسلحة حالة الفوضى من أجل تحقيق مكاسب شخصية عبر سرقة الأموال العامة أو الخاصة والاعتداء على المواطنين من خلال ابتزازهم ماليا أو جنسيا هذا فضلا عن تجارة الممنوعات والسلاح وتهريب الآثار.

في الخلاصة، يتبين أن هذا الاقتراح يساوي بين الضحية والجلاد إذ هو جاء خاليا من أي إطار قانوني حقيقي يسمح بتحقيق العدالة عبر جلاء الحقيقة وكأن هدفه الفعلي هو منع هذه الحقيقة من الظهور عبر القول بأن الجميع هم ضحايا ما يعني أن المساواة في الظلم تمنع المظلوم من المطالبة بحقه من الظالم الذي لا يزال يقدم نفسه أيضا كمجرد ضحية أخرى من ضحايا الحرب. وحدها معرفة الحقيقة والاعتراف الرسمي بها يحققان العدالة، ووحدها العدالة تؤدي إلى السلام وتحرر الإنسان من قيود الماضي.

(صورة المقال لداليا الخميسي)