المجلس الدستوريّ يبطل قانون القضاء العدليّ: هكذا تمّ القضاء على النظام البرلمانيّ

وسام اللحام

26/02/2026

انشر المقال

بعد طول ترقب وانتظار أصدر المجلس الدستوري قراره رقم 1 بتاريخ 25 شباط 2026 الذي قضى بإبطال قانون تنظيم القضاء العدلي برمته "لمخالفته الصيغة الجوهرية المتمثلة باستطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى، وبالتالي للمادة 20 من الدستور".

وهكذا يتبين أن القرار لم يدخل في تفاصيل القانون لناحية مناقشة مضمونه وفيما إذا كان يحترم في أحكامه مبدأ استقلالية السلطة القضائية أو يوفّر الضمانات المطلوبة لتمكين القضاة من ممارسة دورهم الدستوريّ على أكمل وجه، بل اكتفى بدراسة الشّروط الشّكلية المتعلّقة بإقرار القانون ليبطله بالكامل على خلفيّة أنه لم يستطلعْ رأي مجلس القضاء الأعلى. لكن هذا "العيب" الشكليّ الذي وجده المجلس الدستوريّ ربطه أيضًا بمبدأ استقلاليّة السلطة القضائية، كونه ربط بين استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى بشأن القانون والمادة 20 من الدستور التي تنصّ صراحةً على واجب القانون بتوفير الضمانات الضرورية كي يتمكن القضاة من ممارسة عملهم باستقلالية.

واللافت أنه رغم وصول المجلس إلى إبطال القانون برمّته، فإنه أبدى حرصًا مناقضا لاجتهاده السابق على تبرئة إدارة البرلمان من أيّ مسؤوليّة، من خلال التماهي مع الممارسة القائمة على التّصويت برفع الأيادي خلافا للمادة 36 من الدستور التي توجب أن يصار إلى التصويت بالمناداة.  

انطلاقًا ممّا تقدّم، لا بدّ من دراسة قرار المجلس الدستوري وتحديد مدى متانة تحليله القانوني والتحذير من التداعيات التي قد تترتب عليه.

المجلس الدستوري يتخلّى عن كل المكاسب الدستورية السابقة

عالج المجلس الدستوريّ في أول قسم من قراره مسألة شكلية تتعلق بكيفية التصويت على القانون. ولا شك أن هذه المسألة باتت مألوفة في اجتهاد المجلس كونه اضطر أكثر من مرة للتطرّق لهذه النقطة للتثبّت من مدى تقيّد مجلس النواب عند إقرار القانون بالمادة 36 من الدستور التي تفرض التصويت على القوانين من خلال المناداة على "الأعضاء بأسمائهم وبصوت عال".

وإذا كان الجميع بات يعتقد أن هذا الأمر بات بديهيًّا لدرجة أنه لا يحتاج إلى مزيد تفكير أو مراجعة، إلّا أن المجلس الدستوري وفي انقلاب لا يمكن فهمه على مواقفه السابقة، توصل إلى نتائج معاكسة كليا في هذا القرار. فقد أعلن المجلس "إنّه يتبيّن من محضر مناقشة القانون وإقراره المرسلة من قبل مجلس النواب بناءً للطلب، ومن مقارنته بالتسجيل الصوتي المرفق به، أنّه تمّت مناقشة المرسوم رقم 1105 تاريخ 5/9/2025 الصادر عن رئيس الجمهورية والرّامي إلى إعادة القانون المتعلّق بتنظيم القضاء العدلي، كما ومشروع قانون تنظيم القضاء العدلي كما عدّلته لجنة الادارة والعدل. وقد استدلّ على ذلك من كون النائب علي حسن خليل صرّح أنّ "التعديلات التي حصلت أخذت بعين الاعتبار ملاحظات فخامة رئيس الجمهورية، وتمّ الإجماع على التعديلات في اللجنة، وروعيت القضايا الشكلية. ثم يُسمع صوت رئيس المجلس: “مادة وحيدة برفع الأيدي، صدّق”، ومن بعدها تليتْ أسماء بعض النواب، وجرت مقاطعة تلاوة الأسماء من قبل رئيس المجلس للانتقال إلى مناقشة" موضوع آخر.

فأمام صراحة هذا النص وإشارة المجلس الدستوريّ بما لا يقبل أيّ شك أنه حصل على التسجيلات الصوتيّة من الأمانة العامّة لمجلس النواب، لا يمكن إلا الاستنتاج أن طريقة إقرار القانون كانت مخالفة للدستور لأنها ليس فقط لم تحصل عبر المناداة بالأسماء إذ اقتصر الأمر على تلاوة أسماء عدد محدود جدّا من النواب، لكن أيضا لأنه لا يمكن التأكّد من أنّ القانون حصل على الأغلبيّة المطلوبة خلال الجلسة التي وثق وقائعها المرصد البرلماني. بمعنى أن المناداة على النواب كانت شكليّة ولا تحترم إطلاقا أبسط القواعد الدستورية وشروط عمل النظام البرلماني. وما يفاقم من الهشاشة الدستورية لتلك الجلسة هو أن هذا القانون كان قد رده رئيس الجمهورية ما يعني أنه يحتاج من أجل إقراره مجدّدًا عملًا بالمادة 57 من الدستور إلى موافقة الغالبية المطلقة من مجموع أعضاء مجلس النواب (أي 65 نائبا) ما يحتّم على رئيس المجلس إجراء مناداة على الأسماء من أجل تحديد العدد الصحيح والدقيق للنواب الذين صوتوا على القانون، علاوة على ضمان احترام المادة 36.

وفي انقلاب دراميّ على هذا المنطق البسيط، يعلن المجلس الدستوري أنّه لم يثبت له "أنّه صار إلى تشويه إرادة النواب الممثّلة للإرادة الشعبية وبالتالي إلى خرق السيادة الشعبية بفعل أن التصويت بُني على غشّ كما يزعم الطاعنون، إذ أنّه لم يتبيّن من محضر المُناقشات ولا من التسجيل الصوتي للجلسة أنّ أياً من النواب، بمن فيهم الذين تمّت تلاوة أسمائهم ومن بينهم أربعة من الطاعنين وهم (إدغار طرابلسي، جيمي جبور، نقولا صحناوي، وشربل مارون)، قد اعترض على موافقة الأكثرية على إقرار القانون بصيغته المعدّلة كما طرح على الهيئة العامة والتي تمّت برفع الأيدي، أو أثار مسألة عدم توفر الأكثرية المطلقة المنصوص عليها في المادة 57 من الدستور، ما يشكّل قرينةً على توفّر الأكثرية المطلوبة، مع الإشارة إلى أنّ الطاعنين أنفسهم لم يدلُوا صراحةً بوجود المخالفات موضوع البحث، إنّما أتتْ إدلاءاتُهم، الملخّصة في مستهلّ البحث في هذا السبب أعلاه، من قبيل الشكّ بوجودها، فلا يكون بالتالي ثمة مخالفة للمواد 36 و34 و57 من الدستور".

ولا يسع المراقب إلا أن يُصاب بحالةٍ من الذهول أمام هكذا تعليل الذي أقلّ ما يقال عنه أنه يحاول جاهدًا الهروب من مواجهة الحقيقة. فالقانون تمّ إقراره من دون المناداة على أسماء النّواب باعترافٍ صريح من المجلس الدستوري نفسه الذي أعلن أن المناداة كانت شكلية وهي لم تشمل جميع النواب بل اقتصرت على البعض منهم ومن ثم انتقل رئيس المجلس إلى بحث موضوع مختلف. فالقانون خالف الدستور ليس فقط لأنّ التصويت عليه لم يحترم المادة 36 من الدستور ولكن أيضا لأن القانون لم يقرّ أصلا لأن التصويت عبر المناداة على الأسماء هو التصويت النهائي الذي يعبر من خلاله المجلس عن إرادته التشريعية. وبما أن هذا التصويت جرت مقاطعته ومن ثم اكتفى رئيس المجلس بالانتقال لمناقشة موضوع مختلف، فإنّ هذا يعني أنّ القانون لم يتمّ إقرارُه هذا فضلا عن أنه لم يثبت حصوله على الغالبيّة المطلقة من أصوات النواب.

وما يفاقم من فداحة قرار المجلس الدستوريّ هو اعتباره أن سكوت النواب يكفي لاعتبار أنّ الأصول الدستورية تمّ احترامها ما يعني أن عدم اعتراض النواب هو قرينة كافية لاستنتاج دستورية القانون. ولا شكّ أن هكذا تحليل لا يمكن التسليم به إطلاقا لا بل هو قد يؤدّي إلى تقويض كل أساس النظام البرلماني. فالنائب الذي لا يعترض قد يكون سكوتُه نتيجة جهله بالأصول التشريعيّة أو عدم ملاحظته لتفاصيل الجلسة، كما قد يكون نتيجة موقف سياسيّ بحيث أدرك حصول المخالفة لكنه آثر السّكوت لتحقيق مصلحة معينة. كذلك يمكن الافتراض أنّ النائب حتى لو كان يظنّ أن الأصول الدستوريّة تمّ احترامها لكنه غيّر رأيه لاحقًا إذ أدرك أنه كان على خطأ وأن ما جرى كان يتضمّن مخالفةً دستوريّة.

فأن يركن المجلس الدستوري إلى سكوت النواب يعني بكل بساطة أن يتخلّى المجلس الدستوري عن دوره الاستقصائي وأن يستنكف عن إحقاق الحق، إذ يمكن حينها استنتاج أنّ كل الأصول الدستورية جرى احترامها بمجرد غياب أي اعتراض عليها. وهذا التحليل لا ينطبق فقط على مجلس النواب بل على كل السلطات الدستورية والقانونية إذ بمجرد غياب اعتراض الوزراء مثلا على قرار ما للحكومة أو أعضاء بلدية أو مجلس إدارة أو هيئة إدارية مستقلة على كيفية اتخاذ القرار، يمكن الاستنتاج حينها أن الأصول جرى احترامها ولا داعٍ للطّعن بها أمام المجلس الدستوريّ أو مجلس شورى الدولة أو أيّ جهة مختصة. وهذا قول يؤدّي إلى نسف كل منطق الرقابة القضائية وهو طريق مآله التهلكة القانونية والانتحار الدستوري.

وتظهر الطبيعة المفجعة للقرار من خلال مقارنته مع القرار رقم 1 الصادر بتاريخ 7 كانون الثاني 2025 الذي قضى بإبطال قانون تمديد ولاية أعضاء مجلس القضاء الأعلى وذلك بسبب مخالفته تحديدًا للمادة 36 من الدستور. وقد خلص إلى ذلك بعدما تبيّن له بعد الاستماع إلى تسجيلات الجلسة أن التصويت عبر المناداة على الأسماء لم يحصل إذ أعلن رئيس المجلس التصديق على القانون في ظلّ ضجيج عارم بعد تلاوة أسماء 12 نائبا فقط. فالقانون الحالي كما ينقل المجلس الدستوري من التسجيلات التي استمع إليها لم يعلن رئيس المجلس حتى تصديقه خلال المناداة الشكلية على الأسماء والتي لم تكتمل. فخلافًا لقراره سنة 2025 الذي اعتبر خلاله المجلس الدستوري أن مخالفة مبدأ وضوح المناقشات البرلمانية يؤدي إلى إبطال القانون، ذهب القرار الحالي إلى نتيجة معاكسة بالكامل إذ اكتفى بسكوت النواب لاستخلاص أن القانون حصل على الغالبيّة وأن هذه الغالبيّة هي الغالبية المطلقة وأن التصويت احترم المناداة عبر الأسماء وأن هذه المناداة قد اكتملت وأنها انتهت بالتصديق على القانون.

وقد أشار عضو المجلس الدستوري الياس مشرقاني في مخالفته لهذه النقاط البديهية فاعتبر "إنّه لم ينهض، لدى الاستماع إلى التسجيلات الصوتيّة العائدة للمناقشات التي دارت في الجلستيْن إياهما، وللتصويت الحاصل على إقرار القانون موضوع هذا الطعن، ماهية العدد النهائي للنواب الذين وافقوا على القانون". وأضاف أيضا "إنّه لا يصحّ أن يُستنتج حصول القانون المطعون في دستوريته على الغالبية المطلقة استنتاجاً، ولا يسلم اعتبار تلك الغالبيّة متوفّرة لمجرّد قرينة عدم اعتراض النّواب بمن فيهم الطاعنين على الأكثرية التي أقرّت القانون، أو لعدم إثارتهم مسألة عدم توفّر الأكثرية المطلوبة"، وهذا موقف يشكّل الحدّ الأدنى الواجب توقّعه من مجلس دستوري يريد أن يمارس صلاحياته بجدية.

ويتابع العضو المخالف تحليله المنطقيّ فيعتبر أنه "يتعذّر على أي نائب التحقق بنفسه من تأمين الأكثرية المطلوبة وتعداد الأصوات التي نالها القانون، لا سيّما أنّ هذا الأمر ليس منوطاً به أصلاً، ولا تُلقى عليه تبعة عدم الاعتراض عندما لا يتّصل عدد الأصوات بمعرفته ولا تعلن نتيجة التصويت"، ما يعني أن واجب "المجلس الدستوري التحقّق من سلامة التصديق ومراعاة الأصول والتثبّت من صحة الإجراءات، خاصة أن خلو المحاضر من ذكر النصاب والأكثريّة وكذلك التسجيلات الصوتيّة لا يمكن تأويله إطلاقاً كدليل على مراعاة الغالبية المطلقة المنصوص عليها في المادة 57 من الدستور".

وهكذا يصبح جليًّا أن المجلس الدستوري تهرّب من مواجهة ما حصل خلال إقرار القانون وتخلى عن دوره وفقا لتعليل لا يمكن فهمه ما يطرح علامات استفهام حول الدوافع الحقيقيّة التي حدتْ بالمجلس إلى اتخاذ هكذا قرار.

التوسّع في موجب استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى

بعد غسل المجلس الدستوري ليديه من كل أصول التشريع المحدّدة دستوريا، يسارع المجلس الدستوري إلى إعلان ابطال القانون برمته بحجة عدم استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى في التعديلات الجديدة التي أدخلت عليه. 

وعلى الرغم من أن مجلس القضاء الأعلى كان قد أبدى رأيه أكثر من مرة في الصيغ المختلفة لاقتراح القانون لكنه أعلن في كتاب رسمي له بتاريخ 16 شباط 2026 وفقا لما ينقل عنه المجلس الدستوري "بأنّ الصيغة الأخيرة المعدّلة والمعتمدة بعد ردّ القانون من قبل السيد رئيس الجمهورية، لم تعرض على المجلس".

وإذا كان المجلس الدستوري قد أصاب عندما اعتبر أن دعوة المجلس القضاء الأعلى للحصول على رأيه خلال اجتماع لجنة الإدارة والعدل أو نقل وزير العدل لهذا الموقف لا يشكلان استطلاعا لرأي المجلس المذكور لأن ذلك يوجب "عرض مشروع القانون بصيغته الجديدة على المجلس ليتمكن من الاطلاع عليه كهيئة جماعية وإبداء رأيه فيه وفقاً للأصول، ولا يصلح الاكتفاء بمخابرة هاتفية مع رئيس المجلس المذكور منفرداً"، إلا أن المجلس يخلص إلى اعتبار انه لم يتبين له "أن القانون المطعون فيه قد عُرض بصيغته المعّدلة واللاحقة لملاحظات رئيس الجمهورية على مجلس القضاء الأعلى لإبداء ملاحظاته" لأن ذلك "يقتضي أخذ رأي مجلس القضاء الأعلى في كل مرحلة من المراحل التعديلية خاصة أنّ القانون المطروح يتعلّق بتنظيم القضاء العدلي، وهو القانون الأساسيّ الذي يرعى شؤون القضاة والمحاكم والقضاء بشكل عامّ".

وهكذا يصل المجلس الدستوري إلى نتيجةٍ مفادُها أنّ استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى في مشاريع القوانين والأنظمة المتعلّقة بالقضاء لا تقتصر على كونها مجرّد صيغة شكليّة نصّ عليها القانون، بل هي صيغة جوهرية تكرّس إحدى الضمانات القضائية المنصوص عليها في المادة 20 من الدستور"، ما يعني أن القانون مشوب بعيب دستوري الأمر الذي يوجب إبطاله كليا.

إن حماسة المجلس الدستوري المنقطعة النظير هذه لا يمكن فهمها إطلاقًا كونها تؤدّي إلى توسيع مفهوم استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى بشكل كبير جدًّا لا بل مبالغ فيه بحيث يؤدّي ذلك إلى خرق مبدأ الفصل بين السلطات وتعديل آليّة التّشريع المحدّدة دستوريًّا.

ولا شكّ أن هذا التوسّع في تفسير موجب استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى يعود إلى اللغط في تفسير الفقرة "ز" من المادة الخامسة من قانون القضاء العدلي الصادر سنة 1983 التي تنص على أن المجلس المذكور يتولى: "إبداء الرأي في مشاريع القوانين والأنظمة المتعلقة بالقضاء العدلي، واقتراح المشاريع والنصوص التي يراها مناسبة بهذا الشأن على وزير العدل".

فهذه المادة، التي استند إليها المجلس الدستوري في أكثر من قرار له من أجل إقرار المبدأ الدستوري الذي يفرض استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى، تتعلق بعلاقة السلطتين التشريعية والتنفيذية وهي تعالج كيفية تنظيم علاقة السلطتين القضائية والتشريعية. فالمادة الخامسة من قانون القضاء العدلي، وهو بالحقيقة مرسوم اشتراعي، توجب استطلاع رأي المجلس على مشاريع القوانين أي تلك المشاريع التي تعدّها الحكومة ولا علاقة لها مثلا باقتراحات القوانين التي يقدم بها النواب في هذا المجال. لا بل أن الحكومة يمكن لها بعد استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى صرف النظر عن إحالة المشروع  إلى مجلس النواب.

لكن المجلس الدستوري توسع في تفسير هذه المادة بحيث وجد فيها تكريسا للضمانة القضائية المنصوص عليها في المادة 20 من الدستور. ولا شكّ أن هذا التكريس يبقى مبهمًا بسبب غياب أيّ نص قانوني يشرح كيفيّة طلب النائب الحصول على رأي مجلس القضاء الأعلى في حال أراد التقدّم باقتراح قانون يتعلق بالسلطة القضائيّة. فالحكومة تستطيع طلب هكذا رأي لأن القانون يوجد آلية تنظّم تلك الصلاحية، بينما النائب لا يتمتع بالصفة القانونيّة التي تخوّله مخاطبة مجلس القضاء الأعلى مباشرة بسبب غياب النص المتعلق بتنظيم هذا الأمر. 

فمن خلال افتراض أنّ أيّ قانون يقرّه مجلس النواب حتى لو كان بمبادرة تشريعية من النواب أنفسهم يصبح مخالفا للدستور في حال لم يتم استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى، فإن ذلك يعني أن جميع القوانين التي سيقترحها النواب ستصبح مخالفة للدستور بسبب تعذّر طلبهم بشكل رسمي على رأي المجلس المذكور.

ومن النتائج المستغربة التي يثيرها قرار المجلس الدستوري هو أنّ النائب قد يقترح خلال الجلسة إدخال تعديلات جديدة على مشروع الحكومة وهي تعديلات لم يعلم بها مجلس القضاء الأعلى. فهل يعني هذا الأمر أن جميع هذه التعديلات التي يتمّ اقتراحُها ستصبح مخالفة للدستور؟ وهل يعقل أن يتم تعليق المسار التشريعي في كل مرة يتبين أن التعديل المقترح لم يتمكّن مجلس القضاء الأعلى من إبداء رأيه بشأنه؟

ولا شكّ أن هكذا فهم لاستطلاع الرأي لا يمكن التسليم به إطلاقا لا بل يمكن حتى الذهاب إلى اعتبار أنه يخالف الدّستور لأنه يؤدي إلى إدخال تعديل على آلية التشريع المنصوص عليها دستوريّا ما يشكل خرقا لصلاحيات السلطة التشريعية. في الضمانة الدستورية لاستقلال السلطة القضائية الكامنة في استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى، وعلى الرغم من أهميتها، لا يمكن أن يتمّ تفسيرها بشكل يؤدّي إلى الإخلال بمبدأ الفصل بين السلطات عبر تعديل أصول التشريع ومنع أيّ مبادرة تشريعية تنطلق من النواب في هذا المجال إذا لم تكن قد استندت مسبقًا على رأي المجلس المذكور.

ولا يمكن في الحقيقة إدراك أبعاد هذا الأمر إلا من خلال المقارنة مع أقرب نظام قانوني يتضمن استشارة مجلس النواب لسلطة قضائية. ففي فرنسا دار جدل حول مدى جواز استشارة البرلمان لمجلس شورى دولة قبل اقرار القوانين كون من شأن ذلك أن يمسّ بالأصول التشريعية التي يحدّدها الدستور حصرا. لذلك كان لا بدّ من انتظار تعديل المادة 39 من الدستور الفرنسي سنة 2008 بحيث تمّ صراحة تخويل رئيس مجلس الشيوخ أو رئيس الجمعية الوطنية طلب رأي مجلس شورى الدولة في اقتراحات القوانين قبل عرضه في اللجان وشريطة موافقة النائب مقدم الاقتراح[1].  

وهكذا يتبين أن رئيس المجلس باسم المجلس يطلب الرأي وأن ذلك يجب أن يتمّ قبل مناقشة الاقتراح في اللجان النيابية وأن هذا الأمر يعتبر صلاحية اختياريّة كون الرئيس غير ملزم إطلاقًا باستطلاع رأي مجلس شورى الدولة، هذا علاوة على أن رفض مقدم الاقتراح لذلك يمنع رئيس المجلس من طلب الرأي.

فأن يطلب المجلس استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى في كل مراحل القانون لا يجعل فقط طلب هذا إجراءً ملزمًا من دون وجود نص دستوري صريح على ذلك، بل يؤدي عمليًّا إلى تعديل آلية التشريع عبر فرض هذا الإلزام على مجلس النواب نفسه. فإذا كان بإمكان إلزام الحكومة عبر قانون باستطلاع رأي سلطة قضائية معينة أو هيئة إدارية ما، فإنه لا يمكن من دون نص دستوريّ واضح فرض هكذا إلزام على السلطة التشريعية نفسها. لا بل أن "أوجين بيار" ينقل عن التجربة الفرنسية خلال الجمهورية الثالثة (1875-1940) أن محاولاتٍ عديدة جرتْ من أجل تأمين تعاون أوثق بين السلطتين القضائية والتشريعية لكن ذلك كان صعب التحقيق على اعتبار أن القوانين الدستورية الفرنسية تضع كل السلطة التشريعية بيد البرلمان ولا يمكن المسّ بذلك إلا عبر تعديل الدستور[2].

إن هذه المقارنة تسمح لنا بتقدير الأبعاد الحقيقيّة لهذا التوسع المهول في مفهوم استطلاع الرأي الذي أصرّ عليه المجلس الدستوري. فبدل أن يقضي المجلس بإبطال القانون كونه أقرّ بشكل يخالف علنيّة التصويت ووضوح المناقشات البرلمانية ما يعيد التأكيد على المكاسب الدستورية السابقة التي كرسها المجلس من أجل تعزيز عمل المؤسسات وترتيب نتائج على من قرر الاستهتار بقواعد العمل البرلماني، اكتفى بإشكالية عدم استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى.

من جهة أخرى، تظهر هشاشة موقف المجلس الدستوري من خلال عدم ملاحظته أن التعديلات الجديدة التي أدخلت على القانون جاءت بطلب من رئيس الجمهورية في مرسوم الردّ الذي مارس صلاحية دستورية. فهل كان على رئيس الجمهورية استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى قبل ممارسته لصلاحيّاته؟ ولا شكّ أن الجواب على هذا السؤال لا يمكن أن يكون إلا بالنفي لأن من شأن ذلك أيضا الحدّ من صلاحيات رئيس الجمهورية عبر إلزامه خلال مهلة الإصدار (أي شهر) طلب رأي جهة أخرى وانتظار رأيها قبل إقدامه على ردّ القانون. لا بل يمكن القول أن المجلس الدستوري الحالي تجاهل ما أعلنه المجلس الدستوري في قرار سابق له عندما اعتبر أن مجلس النواب، صحيح أنّه يستعيد صلاحياته الكاملة بالتشريع عندما يرد رئيس الجمهورية القانون إليه عملا بالمادة 57 لكن "قيام المجلس بالإصرار على القانون أو بتعديله لا يشكل بحدّ ذاته اقتراح قانون جديد" (قرار رقم 4 تاريخ 29 أيلول 2001). فإلزام رئيس الجمهورية باستطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى قبل رده القانون يشكل مخالفة دستورية، هذا فضلا عن أن التعديلات التي يطلبها الرئيس لا تشكل مشروع قانون جديد لأنها لا تحتاج إلى موافقة مجلس الوزراء عليها مثل مشاريع القوانين العادية، ما يعني استطرادًا أنها لا تحتاج إلى استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى.

في الخلاصة، اعتبرت المفكرة القانونية سنة 2025 أن قرار المجلس الدستوري بإبطال قانون التمديد لمجلس القضاء الأعلى أنقذ النظام البرلماني، لكن بعد صدور هذا القرار يمكن القول أن المجلس قضى على النظام البرلماني وتراجع عن كل المكتسبات التي تمّ تكريسها في الماضي عبر قبوله بالمخالفات الفاضحة التي حصلت خلال إقرار القانون. فالساكت الحقيقي اليوم ليس النائب الذي لم يعترض أثناء الجلسة بل المجلس الدستوري نفسه الذي صمت عن قول الحقيقة.

[1] «dans les conditions prévues par la loi, le président d’une assemblée peut soumettre pour avis au Conseil d’État, avant son examen en commission, une proposition de loi déposée par l’un des membres de cette assemblée, sauf si ce dernier s’y oppose »

[2] “A plusieurs reprises des tentatives ont été faites pour attribuer au Conseil d’Etat une collaboration plus active dans la confection des lois. Mais il est difficile d'atteindre ce but sans toucher aux lois constitutionnelles de 1875, qui ont placé le pouvoir législatif tout entier, dans la main des Chambres” (Eugène Pierre, Traité de droit politique, électoral et parlementaire, Librairies-Imprimeries réunies, Paris, 1924, p. 87-88)