مبنى الرضوان المنهار في القبّة في 24 كانون الثاني 2026

اقتراح لمعالجة انهيارات المباني: ملء الفراغ القانوني لا يعوّض عن غياب الدولة

المفكرة القانونية , استديو أشغال عامة

13/05/2026

انشر المقال

تتفاقم أزمة المباني المتصدعة في لبنان، لا سيما في طرابلس، بيروت ومحيطها، والجنوب، نتيجة تراكم أضرار الحروب والأزمات السابقة (1975-1990، حرب 2006، تفجير المرفأ 2020، زلزال 2023) والاعتداءات الإسرائيليّة الحالية المستمرّة منذ 2023. يُهدّد هذا الخطر آلاف السّكان، مع انهيار متزايد لمبانٍ متصدّعة ومأهولة، وسط مخاوف من تكرارها. يسجّل هذا التدهور العمراني في سياق عقود من ترك المدن في لبنان تتدبر أمرها بنفسها، من دون مسار واضح لصيانة الأبنية القائمة، ومن دون أدوات عامة تمكّن الدولة من التدخل قبل فوات الأوان. فقد رصدنا على صعيد لبنان، بين شهري كانون الأول 2019 وشباط 2026 انهيار 34 مبنى بشكلٍ كلي أو جزئي، منها 65% في طرابلس والميناء (22 مبنى من أصل 34) تسببت بقتل ما لا يقلّ عن ال25 شخصًا في طرابلس.

بالتالي، هذه الانهيارات ليستْ حدثاً جديداً بل سلسلة لطالما كان يُنظر إليها كأحداثٍ عابرة، في حين أنّ المدن اليوم تواجه خطر انهيارات حتميّة إذا ما استمرّت حالة غضّ النظر والعزوف عن وضع سياسةٍ شاملة وخطة معالجة طارئة.

في هذا السياق، يأتي اقتراح قانون النائب إيهاب مطر في 26 كانون الثاني 2026 تزامناً مع فاجعة الانهيارات المتتالية في طرابلس والتي بدأت مع انهيار مبنَييْن متلاصقين في ضهر المغر في 7 كانون الثاني وتتالت حتى الانهيار المأساويّ لمبنى في حيّ القبّة في طرابلس فجر السبت 24 كانون الثاني الذي سبق تقديم مطر لاقتراحه بخصوص ترميم الأبنية المتصدعة والمهددة بالانهيار. القانون يعترف، في أسبابه الموجبة، بأنّ السلامة العامة مسؤوليّة الدولة، وأن تردّي البيئة العمرانية نتاج أسبابٍ متعددة، إلا أنه رغم هذا التشخيص، يبقى الاقتراح محصورًا في تنظيم معالجة حالات قائمة، من دون أن يعالج السّياسات السّائدة التي جرّدت السلطات العامة من الأطر القانونية والأدوات والقدرات اللازمة لمعالجة تدهور البيئة العمرانيّة. وهو ما يطرح الحاجة إلى إطار قانوني مختلف يتجاوز إدارة الخطر إلى بناء سياسة عامة للسلامة العمرانية.

آلية معالجة الأبنية المتضرّرة في القانون المقترح

لطالما اقتصرت المعالجة على التعاطي مع الحالات على أنّها فردية. فقد تعوّدنا عبر الزمن وعند وقوع أيّ انهيار على مشهد اكتفاء السلطات وتحديداً المحلية بإصدار إنذارات إخلاء للقاطنين في أبنية مجاورة أو إجراء مسوحات محدودة من هنا وهناك توضع في الأدراج، ولا يتمّ الإعلان عنها أو وضع خطط تدخل جدّي على أساسها. فعلى سبيل المثال، أجرت بلدية طرابلس في عام 2022 مسحًا ميدانيًّا حدّدت فيه 236 مبنىً مهدّدًا، ثم أعلن رئيس البلدية بحلول آب 2023 عن وجود ما بين 20 و25 مبنى مأهولًا على وشك الانهيار، إضافة إلى ما بين 800 و1000 مبنى مهدّد. ومع ذلك، لم تنشر نتائج هذا المسح علنًا لإتاحة الوصول إليها كحقّ للسكان. كما إنّه لم يستكمل رغم كونه ناقصاً، ما يرجّح أن العدد الفعلي للمباني المهدّدة أكبر بكثير.

من هنا يحاول القانون اقتراح آليّة مختلفة تبدأ بإعلان المالك أو المستأجر أو الشّاغل العجز عن الترميم عبر بلاغ خطيّ للجهات الرسميّة. وفي حال عدم البلاغ، توجّه السلطات الرسميّة إنذاراً للترميم أو التصريح بالامتناع. بعد ذلك، يقترح القانون إنشاء لجنة مختصّة تتولّى الإشراف الفنّي والإداريّ والماليّ على معالجة المباني المتضرّرة، تضمّ البلدية والمالك أو ممثّلا عن المالكين ومهندسًا مدنيًا ومحاسبًا ومعهم ما يطلق عليه القانون صفة "الممول". يضع النصّ مهلًا واضحة: أسبوعًا للردّ بعد التبليغ، وثلاثين يومًا لتشكيل اللجنة، وأسبوعًا لاجتماعها. كما إنه يعطي الشاغل حقّ الإبلاغ عن الحاجة للترميم، ويحدّ من سلطة المالك المطلقة عبر تمكين الجهة الرسميّة من تعيين بديل عنه في حال انسحابه. كما ينيط، بعد رفع التقرير، بنقابة المهندسين إعداد دراسة ملزمة تحدّد كلفة الترميم، وقيمة المبنى بعده، وإمكانية زيادة الطوابق أو إدخال تحسينات. بناءً على هذه الدراسة تطلق اللجنة مناقصة علنية للترميم ويلزم الشاغلون بالإخلاء في حال كانت عمليّة التّرميم تستدعي ذلك. يشير القانون إلى أنّ الترميم ينفّذ وفقاً للقوانين والسّلامة العامّة ويزيل أيّ تعديات او مخالفات. تختتم العملية بتوثيق اللجنة لكلفة الترميم والإشراف النهائية عبر إعداد تقرير ختامي. بعد الانتهاء من الترميم يعاد توزيع ملكية العقار بحيث يُفرز بين المالكين والممول بحسب الأكلاف والحصص. كما يشير القانون إلى إعادة إسكان الشاغلين فور انتهاء الأعمال.

 تبدو الآلية، على الورق، محاولة جديّة لكسر الجمود الإداري الذي لطالما حال دون التدخل المبكر. هي تنظّم العلاقة بين المالك، والشاغل، والجهات الرسمية، والممول وتحاول وضع إطار إجرائي بدلًا من أن يكون الفراغ سيد الموقف. لكن هذا القانون في جوهره لا يؤسّس لسياسة عامّة بقدر ما يؤسّس لآلية إدارة حالة قائمة ويعتبر ردّ فعل على ظرف طارئ أكثر من كونه سياسة أو خطة طوارئ شاملة.

 

رسم توضيحي للآلية المقترحة في القانون

رسم توضيحي للآلية المقترحة في القانون

الدولة المشرفة لا المتدخّلة

رغم أن اقتراح قانون مطر يعترف صراحةً بأن السّلامة العامّة تقع ضمن مسؤوليّة الدولة، إلا أنّ الآليّة التي يقترحها تحصر دورها في الإشراف والتنظيم، لا في التدخّل المباشر. الدولة، وفق النصّ، تراقب، تشكّل لجاناً، تضبط الإجراءات، لكنها لا تموّل، ولا تتدخّل بوصفها جهة ضامنة للسلامة العامة، ولا تقترح تعديلاً جذرياً للإطار التشريعي الذي أنتج الأزمة أصلاً.

وبهذا المعنى، لا ينحصر دورها في الإشراف الشكلي، بل في رسم حدود الحركة الممكنة داخل مسار قانوني مضبوط، من دون أن تتحمل المخاطر الفعلية التي قد تنشأ عن هذا المسار. ويتجلّى هذا المنطق أيضًا في بنية المهل والإجراءات التي ينصّ عليها القانون. فالنصّ يحدّد آجالاً واضحة للاجتماع، والاتفاق، والاعتراض. غير أنّ هذه الدقّة الزمنية تفترض بيئة عقارية مستقرة، وسجلات واضحة، ومالكين متاحين وقادرين على اتخاذ القرار ضمن مهلة محددة، بينما الواقع في مدننا تحكمه شيوعات قديمة، وورثة غير محصورين، ونزاعات قائمة لم تفصل بعد. هكذا تتحول المهل من أداة لتنظيم المسار إلى اختبار مدى قدرة الأطراف على تجاوز تعقيدات بنيوية لا يعالجها القانون نفسه، فيبقى الإطار الزمني مضبوطاً نظرياً، فيما يظل التنفيذ معلّقًا على واقع إداريّ وقضائيّ أكثر تعقيدا مما يفترضه النصّ.

تبرّر الأسباب الموجبة أيضاً الخيار بعجز الدولة عن التدخّل المباشر نظراً لتعدّد الأبنية المتضرّرة وضخامة الكلفة. غير أن هذا التبرير لا يعبّر فقط عن أزمة مالية راهنة، بل يحدّ تصوّر دور الدولة بإدارة العجز بدل تحمّل المسؤولية الفعلية والمبادرة.

فالقانون لا يقترح أيّ آلية تمويل عامّ، ولا ينشئ صندوقاً مخصصاً، ولا يمهّد لرصد التزام ماليّ مباشر على الخزينة. بل يعتمد على تحفيز القطاع الخاصّ عبر إعفاءات من الرسوم البلدية (50%) ورسوم النقابة (25%)، وإمكانية زيادة الاستثمار طابقيْن إضافييَن. بذلك، ينتقل ترميم المباني من كونه واجباً عاماً مرتبطاً بالسلامة، إلى كونه عمليّة مشروطة بإيجاد مموّل قادر على تحويل الخطر إلى فرصة استثماريّة. ومن هنا يصبح التدخّل ممكنًا عندما تتوافر الجدوى الاقتصادية أو المصلحة السياسية الزبائنيّة، لا عندما يتأكّد الخطر الإنشائيّ.

 

ضرورة الإصلاح القانونيّ

إن معالجة تدهور البيئة العمرانية وضمان صلاحية السكن غير ممكن بآليات تقنية فقط. إذ لا يمكن اختزال ظاهرة انهيار المباني المتكررة على أنه مجرد فشل إداري للبلديات أو حصرها في سبب مباشر وحيد؛ بل هي نتاج سياسات جرّدت السلطات العامة من الأطر القانونية والأدوات والقدرات اللازمة لمواجهة الأخطار المحدقة. فأين تجلّى ذلك في المؤسسات المعنية التي كان بإمكانها التحرّك لإنقاذ الناس، ولم تفعل؟

  • يحدّد قانون البناء والمراسيم المتعلّقة بالسلامة العامّة أنّ مسؤوليّة صيانة الأبنية وترميمها وتدعيمها تقع على عاتق من يملكها وهي تحمّله أعباء تكلفة أعمال التدعيم الضرورية لذلك. بالمقابل، يُحصر دور البلدية بتوجيه إنذارات إخلاء وتنفيذ الهدم. كما أن مرسوم السلامة العامة لا يلحظ إلزامية تطبيق شروط السلامة العامة على الأبنية القائمة قبل تاريخ صدوره في العام 2005. وذلك على الرغم من أن المدن اللبنانية التي نعيش فيها تاريخية وقديمة، وأن المساكن الرئيسيّة التي تقع ضمن مبانٍ سكنية يزيد عمرها عن 25 سنة تُشكّل 84.4% من المساكن الرئيسية على مستوى لبنان.

تعي السلطات المعنية - من مجلس النواب إلى الحكومة التي يمكنها أن تمارس وظيفة تشريعية كما مجلس الإنماء والإعمار ونقابة المهندسين الذين بإمكانهم اقتراح قوانين ضمن إطار التخطيط العمراني والبناء، خطورة هذا الفراغ التشريعي. وهي على الرغم من ذلك لم تتحرك لسنوات لمعالجة هذه الإشكالية البنيوية لغياب مسارات ترميم المباني وتأهيلها.

  • أما من ناحية مجلس الإنماء والإعمار، فيعمل في عمليات تخطيط المشاريع الكبرى وتنفيذها و/أو تمويلها، بالتنسيق مع الوزارات والبلديات والمؤسسات العامة والشركات الاستشارية والمنظّمات الدولية. كما يعمل مع اتّحادات البلديات لوضع إطار عمل للتخطيط الإقليمي، ويأخذ على عاتقه ملف المشاريع العالية التكلفة. في طرابلس على سبيل المثال ولعقود عديدة، كان مجلس الإنماء والإعمار الجهة المسؤولة عن المشاريع الكبرى. فقد أنفق المجلس في طرابلس أكثر من 19 مليون دولار بين 2004 و2019 على مشاريع تأهيل مباني تراثية غير مسكونة، قاعات معارض، منشآت رياضة، وغيرها من المباني (وفقاً لمبادرة غربال) التي لم تشمل الأبنية المسكونة المتهالكة التي تشكل خطراً على سكانها.
  • ومن المهم أيضاً تسليط الضوء على دور المديرية العامة للتنظيم المدني (التابعة لوزارة الأشغال العامة والنقل) التي تتولّى بشكل أساسي وضع التصاميم التوجيهية والتفصيلية، وأنظمة المدن والقرى، وتنفيذها، ودعم البلديات لوضع الدراسات اللازمة للمشاريع البلدية، وغيرها. في المدن الرئيسية الأخرى، تعي المديريّة جيّداً - لا سيّما مكاتبها الفنيّة في المناطق - أنّ غياب آليات الترميم وغياب خيارات السكن الميسّر (ما دفع الناس لإضافة طوابق دون رقابة والبناء في مناطق معرّضة للمخاطر) أدّى إلى تدهور أحياء بأكملها - لا مجرّد مبانٍ - ما يجعل التدخّل التخطيطيّ ضروري على مستوى المدينة، بشكل يشمل برامج إعادة تأهيل الأحياء المتهالكة، تشمل إلى جانب التدعيم الإنشائيّ كل أبعاد التنمية العمرانية. وهو ما يتطلّب أيضاً إنشاء إطار تنسيقيّ لتنظيم الجهات الفاعلة في مجال السياسات والأدوات والتدخلات في تأهيل المناطق العمرانية المتدهورة. والخطير أيضا في القانون أنه يعالج كل مبنى كوحدة مستقلة، في حين أن الانهيار غالبًا ما يكون نتيجة تدهور بيئة عمرانية مترابطة. إن غياب مقاربة على مستوى الحيّ أو المنطقة يحدّ من قدرة الآلية على معالجة الأسباب البنيوية للتدهور كشبكات البنى التحتية والاكتظاظ وغياب الصيانة الدورية وحتى الفقر.

في هذا الإطار، لا يبدو اقتراح قانون مطر قطيعة مع المسار السابق بقدر ما هو امتداد له بصيغة جديدة. فهو لا يعيد للدولة أدوات التدخل الوقائي، بل ينظّم شراكة غير متكافئة بين مالكين عاجزين وممولين قادرين، تحت إشراف إداري رسمي. تعترف الدولة هذه المرّة بمسؤوليّتها عن السلامة العامة، لكنها تمارس هذه المسؤولية عبر الوساطة، لا عبر الفعل المباشر فتبقى الدولة حاضرة في النصّ، غائبة في التمويل، وقرار التدخل.

 

التخمين وتوزيع الملكيات كأداة لإعادة تشكيل النسيج العمرانيّ

يوكل القانون إلى نقابة المهندسين إعداد دراسةٍ ملزمة تحدّد كلفة الترميم وقيمة المبنى بعده وإمكانية إدخال تحسينات أو زيادة طوابق إضافية ومدى توافق ذلك مع شروط السلامة العامة. من حيث المبدأ، يشكّل هذا الإطار ضمانة تقنية مهمة، إذ يضع التقييم ضمن معايير مهنية واضحة. إلا أن أتعاب اللجنة والخبراء تدخل ضمن النفقات الإجمالية لأعمال الترميم، ما يعني أن الكلفة التقنية نفسها تصبح جزءًا من المعادلة المالية التي ستحدد لاحقًا إعادة توزيع الملكية.

تعتمد إعادة التوزيع هذه على عنصريْن: تخمين قيمة المبنى قبل الترميم، وكلفة الترميم التي يتحمّلها المموّل. وبالتالي، فإنّ التخمين هنا ليس إجراءً محايداً بالكامل، بل لحظة تأسيسيّة تحدّد موازين الملكيّة المستقبليّة. فإذا قُدّرت قيمة مبنى متهالك بقيمة منخفضة تعكس حالته الراهنة، وأضيفت إليها كلفة ترميم مرتفعة، قد تنتهي العملية بانتقال الجزء الأكبر من الملكية إلى المموّل.

صحيح أن اللجنة تمارس رقابة على التخمين، وأن المالك ممثّل فيها، وأن القانون يجيز اللجوء إلى أكثر من تقدير عند غياب موافقة الأغلبية. إلا أن التجربة اللبنانيّة أظهرت في سياقات سابقة أن التخمين في المناطق المتدهورة قد يختزل قيمة الموقع وإمكاناته المستقبلية في رقم يعكس لحظة الانهيار لا إمكانات التعافي. ومع تكرار هذه الآلية في أكثر من مبنى ضمن الحيّ نفسه، لا يعود الأمر مجرّد معالجة إنشائية، بل يُرسي مسارًا تدريجيًّا لإعادة توزيع الملكية داخل النسيج العمراني.

إلى جانب ذلك، يسمح القانون بإضافة طابقيْن إذا ثبتت الإمكانية الفنية والهندسية لذلك. هذا الحافز يعزّز جدوى الترميم من منظور اقتصاديّ، لكنه قد يغيّر مقياس المبنى وعلاقته بمحيطه، لا سيما في الأحياء ذات الطابع التراثي أو النسيج المتجانس. ولا يوضح النّص بصورة كافية آليّة التنسيق مع الجهات المعنيّة بحماية التراث في حال كان المبنى مصنّفًا أو واقعًا ضمن نطاق تاريخيّ كما هو الحال في العديد من الأحياء. هنا يتقاطع التقييم الهندسي مع التحوّل العمراني، وتصبح الدراسة التقنية مدخلًا لإعادة تشكيل المشهد الحضري. بهذا المعنى، لا يحدّد التخمين فقط كلفة الترميم، بل يرسم حدود الملكية الجديدة، ويعيد تعريف قيمة المبنى، ويؤثّر في شكل الحي. بين رقم يثبت في تقرير فني، وطابق يضاف بحجة السلامة أو الجدوى، تتحدّد ملامح المدينة التي ستنشأ بعد الترميم ومستقبل سكانها. فقد نشهد استغلالاً لهذه الآلية من قبل مطوّرين عقاريين أو نافذين لتغيير معالم الأحياء كما نعرفها وإرساء لسياسات هدم أو فك الارتباط بين الأحياء ونسيجها الاجتماعي.

 

الشاغلون بين الاعتراف والتهميش

الملفت أن القانون يعترف بتعدّد أوضاع الإشغال: مالك، مستأجر قديم، مستأجر جديد، وشاغل على سبيل التسامح أو من دون سند قانوني واضح. يعكس هذا الاعتراف واقع الأبنية القديمة حيث تتداخل الصيغ القانونية والاجتماعية للسكن.

وعلى الرغم من هذا الاعتراف الواقعيّ والملفت، إلا أنّ الشاغلين والمستأجرين، وهم الفئة الأكثر تعرّضًا لمخاطر الانهيار والإخلاء، لا يتمتّعون بأيّ تمثيل داخل اللجنة التي تتولّى الإشراف الفني والمالي والإداري على الترميم. يُمنح الشّاغل حقّ الإبلاغ عن الحاجة إلى الترميم، لكن لا يُمنح موقعا في عملية اتخاذ القرار. هكذا يبقى الاعتراف قانونياً، فيما يظل التهميش قائماً.

وفي حال اقتضت أعمال الترميم إخلاء المبنى، يُلزم الشاغلون بالإخلاء ويتحمّلون نفقات الخروج والعودة. لا ينص القانون على تأمين سكن بديل مضمون خلال فترة الأشغال، بل يكتفي بالإشارة إلى سعي اللجنة لتأمين مساعدات ماليّة للشاغلين “المعوزين”، من دون تحديد واضح لمعايير العوز، أو الجهة التي تقرّره، أو مصدر التمويل المستدام لهذه المساعدات. بذلك تصبح لحظة الإخلاء، وهي اللحظة الأكثر هشاشةً، استمراراً لنكسةٍ جديدة لشريحة واسعة من الناس.

ينصّ القانون على إعادة إسكان الشاغلين فور انتهاء الأشغال، لكن من دون تفصيل للضمانات التنفيذيّة التي تكفل حقّ العودة ضمن العقود ذاتها والشروط نفسها. وفي غياب نص صريح يعالج هذه المسألة تعاقديّاً وإجرائيّاً، قد يتحوّل الإخلاء المؤقت إلى قطيعة فعلية في المسار السكنيّ لبعض الفئات، لا سيما في الأحياء التي تشهد تحولات عقارية متسارعة. هكذا يتكرس تفاوت ضمني: فمن يملك يفاوض، ومن يسكن يهمّش وينتظر مصيرًا مبهمًا.

 

الخاتمة

من المؤكّد أن اقتراح قانون مطر يقدّم آلية واضحة المهل والمسؤوليات ويعتبر خطوة تفتح النقاش حول مسؤولية الدولة في مواجهة أزمة الأبنية المتداعية. غير أنّ الاتجاه الذي يرسمه يطرح سؤالاً أعمق: هل المطلوب بناء سياسة عامة للسلامة العمرانية، أم الاكتفاء بإدارة الخطر عبر آليات تشجع تدخل رأس المال الخاصّ في الأحياء المتدهورة؟

فالانهيارات في المباني ليست أعطالًا تقنية في مبانٍ منفردة، بل نتيجة تراكم طويل من الغياب المؤسسي وغياب سياسات الإسكان والصيانة. لذلك تبدأ المعالجة بخطّة وطنية شاملة تقوم على مسح عام للأبنية المهددة في مختلف المدن اللبنانية، يتجاوز مجرد تعداد المباني المتصدعة ليشمل مقاربة اجتماعية واقتصادية للأحياء وسكانها، ويترافق مع إعلان رسمي وشفاف عن المباني المهددة استناداً إلى المسوحات القائمة. كما تتطلب هذه الخطة إرساء مسار واضح للإشراف والإدارة يضمن معالجة المخاطر بشكل منهجيّ، مع وضع آليّات تمويليّة متعدّدة المصادر تشمل مشاركة الوزارات والبلديات ونقابة المهندسين، لتأمين استدامة التدخلات وضمان تطبيق معايير السلامة العامة.

وعلى ضوء هذه المسوحات، يمكن وضع خطّة إصلاح للأبنية المتهالكة تراعي أوضاعها الإنشائية والاقتصادية والاجتماعية، مع مراعاة إعادة تأهيل الأحياء المتدهورة على نطاق أوسع يشمل البنية التحتيّة والاقتصاد المحلي وحماية التراث والأماكن العامة وحتى الاستعداد لتحديات التغيير المناخي، ضمن إطار تنسيقي واضح بين الجهات المعنية وآليات شفافة للتمويل والتنفيذ والمساءلة. غير أن أي معالجة مستدامة تبقى مشروطة أيضا بمعالجة الفراغ التشريعي الحالي الذي يحصر مسؤولية الترميم بالمالك ويحصر دور البلديات بالإنذار والتنفيذ من دون أدوات فعالة للتدخل الوقائي.

ففي لحظات الانهيار، لا يكون التشريع مجرد استجابة تقنية، بل قراراً حول شكل المدينة ومن يسكنها.