"المرصد" ينشر الطعنيْن بتمديد ولاية البرلمان: المجلس الدستوري بين احترام الدستور ومراعاة "الشذوذ"

نيقولا غصن

12/03/2026

انشر المقال

عقب إقرار المجلس النيابي في جلسة التاسع من آذار للقانون الذي مدد فيه ولايته لسنتين فباتت تنتهي في أيّار 2028 بدلًا من أيّار 2026، تقدّمت كتلتا التيار الوطني الحرّ والقوّات اللبنانيّة بالإضافة إلى نواب مستقلّين بطعنين منفصلين بقانون التمديد أمام المجلس الدستوري. وتجدر الإشارة إلى أنّ هاتين الكتلتين اعترضتا خلال الجلسة على التمديد نظرًا لمدّته الطويلة ما دفعهما للتصويت ضدّه، علمًا أنّ القوّات كانت تقدّمت باقتراح للتمديد لستة أشهر فقط، عمدت إلى تعديله خلال الجلسة التشريعيّة ليصبح سنة، كما أنّ التيار الوطني الحرّ تقدّم باقتراح للتمديد لأربعة أشهر قابلة للتجديد وعاد واقترح خلال الجلسة أنّ يتمّ الاتفاق على التمديد لسنة واحدة. 

طعن التيار الوطني الحرّ

تطرّق طعن التيار الوطني الحرّ إلى خرق مبدأ الدوريّة "المعقولة" للانتخابات. إذ اعتبر مقدمو الطعن أنّ لبنان بحسب دستوره بلدٌ ديمقراطيّ برلمانيّ يمارس فيه الشعب، الذي هو مصدر السلطات، حقّه بانتخاب ممثّليه لفترة محددة على إثرها يعود فيختار ممثّليه من جديد. لذلك، وعملًا بمقدّمة الدستور لا سيما الفقرة "ج" و"د" ومواثيق جامعة الدول العربيّة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسيّة، اعتبر مقدمو الطعن أنّ حقّ اللبناني في أن يكون ناخبًا أو منتخبًا هو حقّ دستوري. 

يضاف إليه أن المادة 21 من الدستور تحفظ حق المواطنين في الانتخاب بصورة دوريّة وضمن مدّة معقولة، بالتالي فإنّ مبدأ دوريّة الانتخابات مكرّس دستوريًا في لبنان، كما في الاجتهاد والفقه الأوروبيين لا سيما الفرنسي والإيطالي كما يبيّنه الطعن. بالتالي، يذهب الطعن حدّ اعتبار أنّ أيّ مجلس نيابي لا يتكوّن عبر انتخابات دوريّة هو "غير مشروع"، كما أنّ تعديل الوكالة التي أعطاها الناخبون للنواب من قبل النواب أنفسهم يجعل من هذه الوكالة "معيوبة". 

لذلك، فإنّ "إطالة المجلس النيابي لولايته لفترة سنتين مبالغ به ويشكّل خرقًا ساطعًا لمبدأ الدوريّة المعقولة للانتخابات وانفصال التمثيل البرلماني عن التطلعات الغالبة لدى الناخبين" الأمر الذي ينسف "أسس النظام الديمقراطي البرلماني".

وأشار طعن كتلة التيار الوطني الحرّ إلى مسألة إضافيّة هي "الظروف الاستثنائيّة وعدم جواز إطالة مفاعيلها"، إذ أن الأسباب الموجبة التي أسند إليها القانون تمحورت حول "اعتبار حالة الحرب التي تمرّ بها البلاد ظروفًا استثنائية أو قوّة قاهرة من شأنها توليد شرعيّة استثنائيّة تبرر قرار التمديد الذي يكون مخالفًا للدستور والمبادئ الدستوريّة المتفرعة عنه في الظروف العادية". وقد أقرّ الطعن بإمكانيّة تعديل مجلس النواب مدّة ولايته الجارية "فقط لأسباب مستمدّة من ضروراتٍ قصوى وفي حدود المدة التي تستدعيها هذه الضرورات"، ما يعني أنّه في حال "وجود ظروف استثنائيّة حيث تتولد شرعيّة استثنائيّة يجوز معها للمشترع أن يخالف أحكام الدستور (...) حفاظًا على النظام العام أو ضمانًا لاستمرار سير المرافق العامة وصونًا لمصالح البلاد العليا". إلّا أنّ ممارسة المشرّع حقّه في تقدير الظروف الاستثنائيّة "تبقى خاضعة لرقابة المجلس الدستوري". لذا يجب التحقق من مدى وجود هذه الظروف فعلًا وأن الطابع الاستثنائي "حقيقي وغير مرتقب" وما إذا كانت الإدارة عاجزة "بوسائلها العادية عن مواجهة هذه الظروف، كما يجب أن تكون ممارسة السلطة الإداريّة لهذه الوسائل الاستثنائيّة محددة بالمدة بحيث تعود هذه الأخيرة لممارسة سلطتها العاديّة بانقضاء المدة المذكورة". 

وقد استشهد الطعن بقرار المجلس الدستوري الصادر سنة 2014 رقم 16 الذي أشار إلى أنّ "الظروف الاستثنائيّة تحدد في المكان والزمان (...) وأنه ينبغي أن تكون حالة الضرورة مقيدة في حدود المدة الزمنية التي ترتبط بتلك الحالة"، وإلى أنّ "المدة الطويلة لا يمكن تبريرها بمعطيات آنية وراهنة، كما أن تبريرها بمعطيات مستقبلية أو افتراضية لا يستقيم لا واقعًا ولا قانونًا". على هذا الأساس، اعتبر مقدمو الطعن أن القانون يخالف اجتهاد المجلس الدستوري إذ يمدد لسنتين لأن " مدة التمديد لا تتناسب والحقيقة الآنية والراهنة للظرف الاستثنائي الذي برر الخروج عن مبدأ دوريّة الانتخابات، ذلك أنه من غير الممكن تحديد تاريخ انتهاء الظرف الطارئ المتمثّل بالعدوان الراهن على لبنان مسبقًا، وأنّ القول بأنّ الحرب من الممكن أن تستمرّ لسنتيْن غير دقيق ولا يقع في موقعه القانوني الصحيح" ما يحتّم إبطال القانون لا سيما وأن أهداف القانون لا تتناسب مع الوسيلة التي ابتغاها من أجل مواجهة الظرف الطارئ وهي وسيلة مبالغ فيها نظرا لطول فترة التمديد. 

ويمكن القول أن الطعن يمكن اختصاره بفكرة مركزيّة مفادها أن التمديد القصير "ينقذ العملية الانتخابية" بينما التمديد الطويل "يهدف إلى استبدالها" وهذا ما يظهر من خلال الظروف التي سبقت الحرب حيث كانت مساعي التمديد جارية ما يعني أن الهدف الحقيقي من القانون ليس تدارك الظروف الاستثنائية لكن تحقيق مآرب سياسية. 

وفي النهاية طالب الطاعنون أيضًا تعليق مفاعيل القانون إلى حين البتّ به من قبل المجلس الدستوري. 

طعن القوات اللبنانيّة ونوّاب مستقلّين

تقدّم نواب من تكتل الجمهوريّة القويّة بالإضافة إلى النواب أشرف ريفي وفؤاد مخزومي وميشال معوض بطعن بقانون التمديد ماشبه في نقاط إساسيّة لطعن التيار الوطني الحرّ حيث أنّه أعاب على القانون مخالفته لمبدأ دوريّة الانتخابات. إلّا أنّ طعن القوات اعتبر أن التمديد يخالف مبدأ "الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها" كون هذا المبدأ يتطلب تقيُّد كل سلطة بالمدة الزمنية المحددة لممارسة وظائفها: مجلس النواب بمدة الوكالة النيابية، والحكومة بالثقة الممنوحة لها. وبما أنّ تمديد ولاية مجلس النواب وتحديد ولاية الحكومة رهنٌ بقرار منه، فإنّ ذلك يخلّ بالتوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لصالح الأولى. وبالتالي فإنّ الإخلال بالتوازن بين السلطات يخالف الدستور و"ويؤدّي إلى الطعن في شرعية مجلس النواب في الفترة الممدّدة واستطرادًا الطعن في شرعية كل ما يصدر عنه". 

وتطرّق الطعن أيضًا إلى مبدأ عدم تقييد ولاية النائب وربطها بتحديد مدّة هذه الوكالة، حيث أشار إلى أنّ "التوازن في الوكالة النيابية غير المقيّدة قائم على عنصرين أساسيين: عدم تقييد الوكالة النيابة وترك النائب يتصرّف وفق اقتناعاته أثناء ولايته من جهة، وانتهاء الوكالة عند انتهاء الولاية والعودة إلى الشعب، مصدر السلطات". بالتالي فإنّ التمديد "يؤدّي إلى إخلال بالتوازن الذي قامت عليه الوكالة النيابيّة، ويتعارض بالتالي مع مفهوم الوكالة النيابيّة التي نصّت عليه المادة 27 من الدستور."

وأشار الطعن إلى أنّ المجلس الدستوريّ في قراره رقم 4 الصادر سنة 1996 نصّ على أنّ "جعل ولاية مجلس النواب أربع سنوات وثمانية أشهر" غير جائر "لأنّه أخلّ بالقاعدة والعرف البرلماني المعمول به في لبنان" التي تقول بأنّ ولاية المجلس هي لأربع سنوات. وما يثبّت ذلك بحسب الطعن هو أنّ "المادة 44 من الدستور نصّت على إمكانيّة نزع الثقة من رئيس مجلس النواب ونائبه بعد عامين من انتخابِهما عند بدء ولاية المجلس، ما قد يؤشّر إلى أنّ ولاية المجلس، وفق الدستور، محدّدة بأربع سنوات". بالتالي، ونظرًا إلى أنّ "السّلطة الاستنسابيّة الممنوحة لمجلس النواب في تقدير الظروف الاستثنائية المانعة لإجراء الانتخابات ليست سلطة اعتباطيّة أو تحكّمية، بل سلطة مقيّدة بمبدأ الشرعية"، لا يحقّ للمجلس التمديد "نصف ولاية إضافية لنفسه، أي لمدة سنتين كاملتين" ما يؤدّي إلى تحويل "سلطته الاستنسابية في التقدير إلى سلطة اعتباطية". 

واعتبر الطعن أنّه في حال ثبوت وجود ظرف استثنائي يمنع إجراء الانتخابات، يمكن أن يلجأ المجلس "إلى تمديد تقني ومحدود ضمن مهلة معقولة، لا تتجاوز في مرحلة أولى ستة أشهر، كما استقر عليه الفقه والاجتهاد الدستوري، على أن يُصار عند انتهاء هذه المهلة إلى إعادة تقييم ما إذا كانت الظروف الاستثنائية قد زالت أم لا تزال قائمة، ليُتخذ عندئذٍ قرار جديد بتمديد إضافي ولمهلة مماثلة ومعقولة". 

بالإضافة إلى ذلك أعاب الطعن على القانون أنّه خالف مفهوم الظروف الاستثنائيّة والقوّة القاهرة. فالمجلس الدستوري في قراره رقم 2 الصادر سنة 2012 اعتبر أنّ "أنّ الظروف الإستثنائية هي الظروف غير المتوّقعة التي تهدّد الإنتظام العام والأمن العام، والتي تُجيز الخروج بحدود معيّنة عن الدستور والمبادئ ذات القيمة الدستورية" ما يدفع إلى اتخاذ إجراءات استثنائيّة بغية الحفاظ على الانتظام العام، ما يؤدّي إلى نشؤ شرعيّة استثنائيّة "غير منصوص عليها تحّل محّل الشرعية العادية، ما دامت هناك ظروف إستثنائية". لكن المشترع لا بدّ له من احترام مبدأ "التناسب" القائل بأنّ "التدابير الاستثنائية يجب أن تكون متناسبة مع الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه". فيخلص الطعن بالقول أنّ الظروف الاستثنائية الحالية تبرّر تأجيل الانتخابات لفترة محدودة، لكن التمديد لولاية مجلس النواب لسنتين هو تدبير غير متناسب مع الهدف المفترض. فالظروف تبرّر التأجيل لكن لا تبرّر التمديد لسنتين إضافيتين.

من جهة أخرى، اعتبر الطعن أنّ المشرّع حاول بالأسباب الموجبة للقانون المطعون فيه الالتفاف على أي ابطال محتمل له، حيث أوجب إجراء الانتخابات فور "توافر الظروف" وزوال القوة القاهرة، مما يخرق مبدأ يقين النص ووضوح التشريع لافتقار الصياغة للمعايير الموضوعية، ما يجعل هذا الوعد بإجراء الانتخابات جملة تضليلية وغير واقعية، لأن السلطة التي مدّدت لنفسها لن تجري انتخابات مبكرة.

ولا شك أن مراجعة الطعن أصابت عندما قالت أن هذا الوعد المذكور في الأسباب الموجبة لا فائدة منه لأن تقصير ولاية مجلس النواب يحتاج إلى قانون جديد ما يعني أن مجرد زوال الظرف الاستثنائي لن يكون كافيا لإجراء الانتخابات النيابية، لكن الذين تقدموا بالطعن فاتهم أن المجلس الدستوري في قراره رقم 16 تاريخ 3 تشرين الأول 2025 اعتبر أنّ الأسباب الموجبة لا تتمتع بحدّ ذاتها بطابع قانوني ولا يمكن التذرع بها أو الركون إليها لاستخلاص أيّ نتائج قانونية محدّدة، ما يعني أن الطعن حاجج في نقطة لا فائدة دستورية منها من وجهة نظر المجلس الدستوري.

بالإضافة إلى ذلك، أعاب مقدّمو الطعن على القانون ربطه الانتخابات بقانون جديد وإصلاحات، حيث جاء في الأسباب الموجبة للقانون أن الهدف من التمديد هو التوصّل إلى قانون انتخابيّ جديد. واعتبر النواب مقدّمو الطعن أنّ ربط الاستحقاق الدستوري للانتخابات النيابية بالتوافق على قانون انتخابي أو إصلاحات أخرى يخالف المبدأ الدستوري المستقر لا سيما في القرار رقم 7/2014 تاريخ 28/11/2014. بالتالي، يتوجب "إبطال القانون المطعون فيه أيضاً، بسبب ربط إنجاز الاستحقاق الانتخابي بالاتّفاق على قانون انتخابات جديد، وإنجاز إصلاحات واستحقاقات مختلفة." 

وفي النهاية شدد الطّعن على أن الجلسة التي أقر فيها القانون تكشف أن الفراغ لم يكن حتمياً، بل كان بالإمكان تفاديه باقتراحات بديلة للتمديد لمدّة أقصر، أربعة أشهر أو ستة أشهر أو سنة، لكنّ رئيس المجلس أصرّ على طرح خيار السنتين حصراً على التصويت أوّلاً ورفض طرح البدائل الأقصر، ما يشير إلى نية مبيّتة لتمرير أقصى مدة. وقد تنبّه الطعن لاحتمال التذرّع بمنع الفراغ من أجل رفض ابطال القانون معتبرًا أن هذه الحجّة لا تستقيم إذ يمكن تأمين استمرارية المؤسسات الدستورية عبر "إقرار قانون للتمديد بولاية أقصر وذلك في المدة المتبقية من ولاية المجلس النيابي الحالي حتى تاريخ 21 أيار 2026."

في الخلاصة، يتبيّن أن الطعنين يتفقان في نقاط عديدة وهما يستعيدان جميع النقاط التي كانت المفكرة القانونية قد أثارتها في تعليقها على هذا القانون. لذلك، يمكن القول أن الطعن بالتمديد لسنتين مبني على أسباب جدية جدا وهي تبرر إبطال القانون نظرا لعدم تناسبه الساطع ومخالفته مبدأ دورية الانتخابات لكن الخوف  يبقى إما أن يفشل المجلس الدستوري في التوصل إلى نتيجة بسبب الخلاف بين أعضائه كما حصل سنة 2013 أو أن يقضي برد الطعن على الرغم من مخالفته للدستور خوفا من الفراغ الذي في الحقيقة هو أقرب إلى التهويل والابتزاز الدستوري من أن يكون ضرورة لتأمين استمرار السلطات العامة.