جدل دستوري مفتعل حول قانون استرداد الودائع

وسام اللحام

08/01/2026

انشر المقال

أقر مجلس الوزراء بتاريخ 26 كانون الأول 2025 مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع المعروف بقانون “الفجوة المالية”، وأحاله رئيس الجمهورية إلى مجلس النواب بموجب المرسوم رقم 2224  بتاريخ 29 كانون الأول 2025. وما لبث أن خرج المشروع من عهدة الحكومة حتى ثار جدل دستوري حول آلية إقراره إذ اعتبر البعض أن ذلك يتطلب موافقة غالبية تتألف من ثلثي أعضاء مجلس الوزراء عملا بالفقرة الأخيرة من المادة 65 من الدستور التي تفرض حصول المواضيع الأساسية على هذه الأكثرية المشددة بينما المشروع أقر فقط ب 13 صوتا من أصل حكومة تتألف من 24 وزيرا كما هو محدد في مرسوم تشكيلها. وقد أضاف هؤلاء بأن استعادة الودائع تدخل من ضمن فئة “الخطط الإنمائية الشاملة والطويلة المدى” التي تعتبر من المواضيع الأساسية المحددة في المادة 65 من الدستور ما يحتم حصول المشروع على غالبية الثلثين.

وبغض النظر عن الانتقادات المحقة التي يمكن أن تطاول المشروع، لا شك أن هذا الجدل ينطلق من اعتبارات سياسية تهدف إلى حماية مصالح مرتبطة بالقطاع المصرفي لكن ذلك لا يمنع من مناقشة مدى جدية هذه الذريعة الشكلية ليس فقط لناحية مضمونها لكن أيضا، وهذا الأهم، عبر الوسيلة الضرورية التي يجب تبنيها من أجل حلّ هذا النزاع، لا سيما وأن المعلومات تنقل عن رئيس مجلس النواب رفضه للمشروع بسبب مخالفته للدستور ما قد يشي بنية لعرقلة مساره الدستوري الطبيعي.

فوضى التفسيرات لتعطيل القانون

ليست المشكلة في لبنان كما يتم تصويره غموض النص الدستوري الذي يؤدي إلى تعدد التفسيرات. فبغض النظر عن مدى وضوح النص المعني، يتم استغلال الفوضى الناجمة عن التأويلات المختلفة للدستور من أجل عرقلة عمل المؤسسات واستبدالها باجتهادات شخصية غايتها الوحيدة تحقيق مصالح سلطوية. 

فالدستور لم يمنح أي جهة كانت الصلاحية الحصرية بتفسيره، وقد شرحت المفكرة القانونية في مقال مسهب إشكاليات تفسير الدستور مشيرة إلى أن كل سلطة منحها هذا الأخير الحق بتطبيق أحكام الدستور تكون قد حازت في الوقت عينه على حق تفسير الدستور لكن فقط من خلال تطبيقها له وفقا لصلاحياتها.

جراء ما تقدم، يمكن القول بأن مجلس الوزراء يحق له تفسير الدستور عندما يقوم بتطبيقه وهذا لا يعني أن تفسيره ملزم لسائر السلطات في الدولة. فقد نقل وفقا للمعلومات التي رشحت عن جلسة مجلس الوزراء أن رئيس الحكومة نواف سلام اعتبر أن مشروع القانون لا تنطبق عليه الفقرة الأخيرة من المادة 65 من الدستور كونه لا يدخل في عداد المواضيع الأساسية التي تحتاج إلى موافقة ثلثي الوزراء. ومجلس الوزراء باقراره المشروع يكون قد وافق على التفسير الذي اقترحه رئيس الحكومة ما يعني أن السلطة التنفيذية طبقت الدستور من خلال تبني تفسير يعتبر أن قانون الانتظام المالي يعتبر من مشاريع القوانين العادية التي تحتاج إلى موافقة غالبية الحضور فقط.

وهذا التفسير لم يقتصر فقط على مجلس الوزراء بل ينسحب أيضا على رئيس الجمهورية الذي وقع على مرسوم إحالة القانون من دون اعتراض علما أن المادة 56 من الدستور تعطيه الحق برد أي قرار من قرارات مجلس الوزراء خلال 15 يوما وهذا ما لم يحصل ما يشي بأن رئيس الجمهورية لم يجد في آلية إقرار المشروع أي شائبة دستورية. وهكذا يكون رئيس الجمهورية قد فسر الدستور مجددا في هذه النقطة من خلال ممارسته لصلاحياته الدستورية لا سيما وأن المادة 49 من الدستور تجعل منه صراحة الجهة التي تسهر على احترام الدستور ما يعطي لتفسيره جدية لا بد من أخذها بعين الاعتبار.

لكن حتى تفسير رئيس الجمهورية ليس نهائيا كون الأمر يتعلق بمشروع قانون أي بعمل لن تكتمل أركانه الدستورية إلا بعد إقراره في مجلس النواب. فبإمكان هذا الأخير رفض المشروع ليس فقط لجهة مضمونه لكن أيضا لجهة الشكل في حال وجد عيوبا في كيفية إقراره أو إحالته. لكن رفض المشروع يجب أن يتم من قبل الهيئة العامة وليس من قبل رئيس مجلس النواب الذي يحقّ له طبعًا اعتبار أنّ المشروع يخالف الدستور لكن تفسيره يظل عبارة عن اجتهاد شخصي وهو غير ملزم إطلاقًا لمجلس النواب. إذ أن رئيس مجلس النواب ليس سلطة دستورية قائمة بنفسها ومن شأن تمنّعه عن عرض القانون على مجلس النواب أن يؤدي إلى مصادرة صلاحيات هذا الأخير الذي سيفقد حقه بتفسير الدستور من خلال تطبيقه، أي في معرض ممارسته لصلاحياته التشريعية. فبينما تمكنت السلطة التنفيذية من تقديم تفسيرها للمادة 65 من الدستور في هذه النقطة سيؤدي تعطيل الهيئة العامة إلى حرمان البرلمان من ممارسة دوره وضرب سيادة مجلس النواب على نفسه وتفرد رئيس مجلس النواب باتخاذ قرارات لا تعود له بل هي من صميم اختصاص السلطات الدستورية.

وهكذا يتبين أن المشكلة الفعلية لا تتعلق بمدى وضوح النص الدستوري بقدر ما هي وجود آليات تؤدي إلى حسم النزاع عبر المؤسسات وبطرق قانونية. إذ أن موافقة مجلس النواب على مشروع القانون تعني أنه لا يشكك في دستورية إقراره، ورفضه يعني أن الحكومة مضطرة إلى إرسال المشروع مجددا بعد حصوله على موافقة غالبية ثلثي الوزراء أو الاستقالة في حال فشلت في ذلك. لكن حتى موافقة مجلس النواب على القانون ليست نهاية المطاف إذ يمكن للمعترضين الطعن به أمام المجلس الدستوري الذي سيتولى حينها إعطاء التفسير النهائي ليس بسبب امتلاكه دائما الحجة الأفضل لناحية المنطق الدستوري، بل لكونه بكل بساطة الجهة الأخيرة التي يحق لها الفصل في الموضوع ما يجعل من تفسيره الوحيد المتبقي والملزم للجميع.

من جهة أخرى، يمكن أيضا الطعن بمرسوم الإحالة أمام مجلس شورى الدولة. وعلى الرغم من أن الطعن بمراسيم إحالة القوانين أمام القضاء الإداري غير جائز في المبدأ كونه يدخل في عداد الأعمال الحكومية لكن مجلس شورى الدولة في لبنان حدّ من الحصانة المطلقة لهذه الفئة من الأعمال إذ اعتبر “أن مراقبة مجلس شورى الدولة تتعلق في الأكثر بالتحقق من وجود العمل المطعون فيه إذ يجب تطبيق العمل الحكومي برمّته والامتناع عن مراقبة دستورية التّدبير المشكو منه إلا في حال فرضية واحدة: أن يكون التدبير المشكو منه صادرا عن سلطة غير صالحة (autorité manifestement incompétente) وأن ما عدا هذه الفرضية فإن تلك الأعمال تندرج في نظام حصانة المقاضاة”(قرار رقم 189 تاريخ 3/1/1995). وهذا ما حصل بالفعل مؤخرا عندما أبطل مجلس شورى الدولة مرسوم رد قانون الإيجارات بعد فوضى دستورية كبيرة بسبب عيب شكلي فيه علما أنه يعتبر من الأعمال الحكومية.  

فمرسوم إحالة مشروع القانون يعتبر من الأعمال الحكومية كونه من الأعمال “الصادرة عن رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء أو الوزراء في علاقاتهم المتبادلة بعضهم مع بعض، أو في علاقاتهم مع مجلس النواب” ما يجعل منها غير داخلة في اختصاص القضاء الإداري (مجلس شورى الدولة، قرار رقم 74 تاريخ 16/11/1995)، لكن ذلك لا يعني أن المجلس لن يقبل اختصاصه بإبطال مرسوم إحالة قانون الانتظام المالي في حال اعتبر أن اقراره في مجلس الوزراء تم بطريقة مخالفة للدستور. 

التناقض في تحديد المواضيع الأساسية

إن عبثية التفسيرات التي تخفي مصالح سياسية لا يجب أن تحجب الركاكة في الصياغة القانونية للفقرة الأخير من المادة 65 من الدستور التي تعدد المواضيع الأساسية التي تحتاج إلى موافقة ثلثي الوزراء. فهذه المواضيع يمكن توزيعها على فئتين: 

  • الفئة الأولى: إعلان حالة الطوارئ، التعبئة العامة، تعيين موظفي الفئة الأولى وما يعادلها، حل مجلس النواب، إقالة الوزراء.
  • الفئة الثانية: تعديل الدستور، الاتفاقات والمعاهدات الدولية، الحرب والسلم، الموازنة العامة للدولة، إعادة النظر بالتقسيم الإداري، قانون الانتخابات، قانون الجنسية، قوانين الأحوال الشخصية.

يلحظ أن الفئة الأولى تشمل مواضيع تدخل ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية بمفردها بينما الفئة الثانية تتعلق بمواضيع لا تدخل في صلاحية السلطة التنفيذية إلا على سبيل الاقتراح. إذ أن تعديل الدستور والموازنة العامة والتقسيم الإداري والجنسيّة والأحوال الشخصيّة كلها مواضيع تشريعيّة لا بدّ من إقرارها عبر قانون في مجلس النواب. أما المعاهدات الدولية فالبعض منها يحتاج إلى موافقة مجلس النواب قبل إبرامها عملا بالمادة 52 من الدستور، والأمر نفسه ينسحب بالمبدأ على إعلان الحرب كون السوابق تفرض ضرورة الحصول على الموافقة المسبقة لمجلس النواب. إذ أن تعديل الدستور يعني فعليا مشروع قانون دستوري، والموازنة العامة تعني مشروع قانون الموازنة العامة، وهكذا أيضا بالنسبة لمشاريع قوانين الجنسية والتقسيم الإداري والأحوال الشخصية.

لكن “الخطط الإنمائية الشاملة والطويلة المدى” لا يمكن حصرها في فئة واضحة إذ أن الحكومة قد تنفرد بوضع تلك الخطط كسلطة تنفيذية من دون الحاجة إلى تدخل تشريعي. وهذا ما ذهب إليه المجلس الدستوري بخصوص قانون المياه إذ اعتبر أن منح الهيئة الوطنية للمياه صلاحية إقرار مشاريع وتنظيم توزيع المياه ذات الأهمية الوطنية والإقليمية وتحديد أفضليات المشاريع وتوزيعها على المناطق يشكل “تجاوزا لصلاحيات مجلس الوزراء الذي هو المرجع المختص لاتخاذ القرار بموافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها بشأن المواضيع المذكورة والتي تدخل في دائرة الخطط الانمائية الشاملة والطويلة المدى المحددة في البند 5 من المادة 65 من الدستور المتعلقة بصلاحيات مجلس الوزراء سواء في الأمور العادية أو في الأمور الأساسية” (قرار رقم 8 تاريخ 24/11/2020).

وهكذا يتبين أن الخطط الإنمائية الشاملة هي فقط الأعمال الإدارية التي تتخذها الحكومة في معرض ممارسة صلاحياتها التنظيمية ولا علاقة لها بمشاريع القوانين حتى لو كان موضوعها يتعلق بخطط إنمائيّة شاملة. لكن حتى هذا التفسير يظل عرضة للاجتهاد نظرا لركاكة صياغة الفقرة الأخيرة من المادة 65 من الدستور التي تستخدم مصطلحات مختلفة للإشارة إلى المفهوم نفسه، إذ تقول قانون الجنسية وقانون الانتخابات مثلا (بينما المقصود هو مشروع قانون) وتكتفي بتعبير “تعديل الدستور” و”الموازنة العامة” و”التقسيم الإداري”، علما أن جميع هذه الأمور تحتاج إلى إقرارها بموجب قوانين في مجلس النواب. فالخطط الإنمائية الشاملة قد تتم بموجب قوانين خاصة أو ضمن الموازنة العامة عبر قوانين برامج تمتد على أكثر من سنة. فهل يجب فهم النص الدستوري كوصف عام يشمل أي موضوع يتعلق بالخطط الإنمائية الشاملة سواء كان ذلك يدخل فقط في صلاحيات السلطة التنفيذية أو يحتاج إلى موافقة مجلس النواب، أم أنه يقتصر على السلطة التنفيذية عندما تمارس صلاحياتها كما ورد في قرار المجلس الدستوري؟ 

فالخطط الإنمائية الشاملة هي من المواضيع الأساسية التي تتداخل فيها صلاحيات السلطتين التشريعية والتنفيذية، والتوسع في تفسير النص الدستوري لن يقتصر في مفاعيله على فئة الخطط الإنمائية الشاملة بل أن المنطق نفسه سينسحب مثلا على فئة “إعلان حالة الطوارئ” و”التعبئة العامة” كون هذه المواضيع يتمّ وضعها موضع التنفيذ بموجب قرارات يتخذها مجلس الوزراء، لكن النظام القانوني الذي يرعاها يوجد في قانون يقره مجلس النواب. فهل غالبية الثلثين هي ضرورية فقط من أجل إعلان حالة الطوارئ والتعبئة العامة من قبل مجلس الوزراء، أم أن تقدّم الحكومة بمشروع قانون حول هذه المواضيع يحتاج أيضا إلى هذه الغالبية المشددة؟  

في الخلاصة، إن العبرة من الجدل حول دستورية مشروع قانون الانتظام المالي ليست في النقاش العقيم حول هذه المسألة، بل في الاعتقاد الشائع بأن التراشق الإعلامي ورأي جهة معينة بأن الأمر ينطوي على مخالفة دستورية من شأنه تعطيل عمل المؤسسات، بينما الغاية الحقيقة هي حرف النقاش عن مضمون القانون واستخدام الدستور كذريعة من أجل حماية مصالح المصارف وكبار المودعين. فعلى رئيس مجلس النواب إحالة مشروع الحكومة إلى اللجان المختصة (وهو الأمر الذي تم بإحالة المشروع إلى لجنة المال والموازنة بتاريخ 30/12/2025) وترك القرار النهائي للهيئة العامة. فدستورية آلية إقرار مشروع الحكومة يتم حسمها بطريقة ديمقراطية داخل المؤسسات الرسمية السياسية أولا ومن ثم عبر الجهات القضائية المختصة ثانيا، وكل قول مخالف نتيجته منح الأقوى القدرة على فرض تفسيره للدستور وفقا لمصالحه الخاصة.