مقترحات لإعادة النظر في المجلس الإسلامي العلوي: إعادة تشكيل للنفوذ داخل السلطة الطائفية؟

نيقولا غصن

19/05/2026

انشر المقال

أنجزت لجنة الإدارة والعدل برئاسة النائب جورج عدوان في تاريخ 13 كانون الثاني 2026 دراسة اقتراح القانون المقدّم من النائب حيدر ناصر حول تنظيم شؤون الطائفة الإسلاميّة العلويّة في لبنان ومشروع القانون الذي يرمي أيضًا إلى تنظيم شؤون الطائفة الإسلاميّة العلويّة المرسل من الحكومة في نهاية تشرين الثاني 2025 وخرجت بصيغة موحّدة أملت أن يتمّ إقرارها في الهيئة العامّة لمجلس النواب. 

تأتي أعمال اللجنة في خضمّ حركة تشريعيّة كبيرة كانت المفكرة القانونية قد تطرقت إليها في مقال مسهب شرحت فيه مطالب ممثلي الطائفة العلوي في مسائل التوظيف في ملاك الدولة وفي الجيش وإجحاف الذين يعانون منه. وقد شملت الحركة التشريعيّة تقديم العديد من الاقتراحات والمشاريع المتعلّقة بالمجلس الشرعي للطائفة ورئاسته وبخصوص المحاكم الشرعيّة العلويّة التي لم تبصر النور بالرغم من صدور القانون رقم 450 سنة 1995 القاضي بإنشائها وذلك بسبب غياب المراسيم التطبيقية. يُضاف إلى ذلك اقتراح لإنشاء بلديّة في قرية ضهور الهوا ذات الأغلبية العلويّة واقتراح تعيين مخاتير لحي جبل محسن في طرابلس ذات الأغلبية العلويّة أيضًا قدّمهما النائب حيدر الناصر.

أمّا بالعودة إلى ما نتج عن لجنة الإدارة والعدل، فقد انحصر عملها بدراسة المبادرة التشريعيّة التي ترمي إلى تعديل القانون رقم 449 الصادر سنة 1995 الذي ينظم شؤون الطائفة الإسلاميّة العلويّة في لبنان، أي القانون الذي ينشئ مجلسًا علويًا بهيئات ثلاث عامة وشرعية وتنفيذية، وينظّم ولاية رئيس المجلس وكيفية انتخابه وتأليف الهيئات الثلاث المذكورة ووظائفها ويحدد الملاك الإداري لهذا المجلس. 

انطلاقًا ممّا تقدّم، سنستعرض الأحكام الأساسيّة التي تضمّنتها جميع هذه المقترحات مع شرح الاختلافات الأساسيّة بينها:

اقتراح النائب حيدر ناصر حول المجلس الإسلامي العلوي

طُرح على بساط البحث في اللجنة اقتراح النائب حيدر ناصر الذي تقدّم به في نهاية تشرين الأول 2025 والذي اشتمل على إعادة صياغة كاملة لقانون إنشاء المجلس الإسلامي العلوي. فقد توسّع هذا الاقتراح في تفاصيل صلاحيات المجلس الإسلامي العلوي وهيكليّته أكثر من القانون الحالي. وقد أنشأ لحاكميّة الطائفة هيكيليّة مفصّلة ترتكز على مجلس أعلى وهيئة شرعية وهيئة روحية وهيئة عامة مدنية. وقام الاقتراح أيضًا بإنشاء كليّة لتدريس الدين على أساس المذهب العلوي. 

في الأسباب الموجبة للاقتراح، يعتبر النائب حيدر ناصر أنّ القانون الحالي رقم 449 "هجين قد أنجز على عجلة، نُسخ بمعظمه عن قوانين مشابهة، وفق ما أكده الرأي الاستشاري رقم 86/93 لهيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، ما جعله غير قابل للتطبيق بصورة سليمة". وقد أشارت الأسباب الموجبة إلى أنّه منذ صدور القانون، لم يتمّ انتخاب مجلس للطائفة إلا مرّتين، الأولى من خلال انتخابات بدأت عام 1995 واستمرت حتى العام 2009 أسفرت عن إنتاج أول مجلس علوي بالتزكية، وانتخابات ثانية حصلت عام 2023. وبحسب مقدّم الاقتراح، أظهرت انتخابات 2023 وجود "إشكاليّات بنيويّة " في القانون 449 تثبت انعدام شرعيّته الدستوريّة بسبب مخالفته لمبدأ المساواة علمًا أنه عند صدور القانون سنة 1995 لم يكن هناك سلطة طائفية علويّة معترفًا بها رسميّا كي تتمكن من الطعن به أمام المجلس الدستوري.

واعتبر النائب حيدر ناصر أيضًا في البند العاشر من الأسباب الموجبة أن "الواقع الإقليمي المستجدّ للطّائفة الإسلاميّة العلويّة وتعرّضها لتحدّيات وجوديّة جسيمة وانعدام وجود مؤسّسات جامعة لهذه الطائفة، يجعلها عرضةً للعواصف الإقليميّة والدوليّة" مع ما قد ينتج عن ذلك من "آثارٍ سلبيّة أمنيّة واجتماعيّة قد تمتدّ لتطال الجمهورية اللبنانية لتداخل العلاقات الاجتماعية والدينية بين علويّي لبنان وسوريا، مع ما قد ينعكس على الأمن الاجتماعي في شمال لبنان"، وهي مسألة يجب التصدّي لها "درءًا لأيّ نوعٍ من أنواع القلاقل والاضطرابات التي قد يتوخّى مُثيرو الفتن إثارتها استثمارًا في حالة الضمور القائمة وسوء تنظيم المؤسسة المبنيّة على نصّ تشريعيّ صيغ لزمن آخر" وبالتالي، يجب بحسب مقدم الاقتراح "إلغاء القانون 449/95 بأقصى سرعة درءًا للفتنة". 

وفي حديث مع المحامي محمد ناصر (شقيق  النائب) الذي عمل على صياغة هذا الاقتراح، اعتبر أنّ القانون الحالي الذي ينظّم مجلس الطائفة العلويّة هو شبيهٌ جدًا بالقانون رقم 72 الصادر سنة 1967 الذي ينظّم المجلس الإسلامي الشيعي. ونظرًا إلى أنّ القانون رقم 72 يستند في فلسفته على وجود حوزات دينية وغيرها من الأمور غير الموجودة في الطائفة العلويّة، فهو بالتالي غير ملائم لشؤون العلويين ويصعب تطبيقه على أرض الواقع ما يستدعي إعادة صياغته بالكامل ليتماشى مع متطلّبات الطائفة العلويّة. وبالفعل فإنّ المادة 72 من الاقتراح تنصّ على إبطال كافة مفاعيل القانون 449 إذ تشير إلى أنّه "تنتفي الآثار القانونية المؤسسة عليه قاطبة، ويلغى المجلس الإسلامي العلوي في لبنان المنتخب على بناء على القانون 449/95، وتنتفي كافة مؤسساته وأطره، وتستبدل بالمجلس الإسلاميّ العلويّ الأعلى المؤسس وفقًا لأحكام هذا القانون." ومن ثمّ يضع خارطة طريق بالغة التعقيد للمرحلة الانتقاليّة من أجل إعادة تأسيس المجلس مع إضافة أنّ أيّ شخص يرفض الانصياع للقانون الجديد ويستمرّ في ممارسة مهامّه في المجلس يعتبر مُرتكبًا لجريمة اغتصاب السّلطة وفقًا لقانون  العقوبات مع الحقّ باستخدام القوة الجبريّة لإيقافه عن عمله. 

إن رغبة مقدم الاقتراح بإلغاء المجلس الحالي تتضح أيضًا في الأسباب الموجبة التي تستشهد بقرار المجلس الدّستوري رقم 22 الصادر سنة 2022 الذي كان قد تناول مسألة الزاميّة استطلاع رأي الهيئتين التنفيذية والشرعية مجتمعتين في مشاريع القوانين والأنظمة العامة العائدة إلى شؤون الطائفة، وقد خلص إلى عدم وجوب ذلك ما يعني أن مقدم الاقتراح الذي هو على خلاف مع المجلس العلوي الحالي غير ملزم باستطلاع رأي هذا الأخير.

يقوم الاقتراح أيضًا بنقل مركز المجلس الإسلامي العلوي من طرابلس إلى بيروت وينشئ "دار الطائفة العلوية في لبنان"، وذلك على غرار الطوائف الإسلاميّة الأخرى كمثال دار الفتوى أو دار الطائفة الدرزية، مع إمكانية إنشاء مكاتب في المحافظات والأقضية حسب الحاجة وبقرار يتخذه رئيس المجلس بناء على اقتراح الهيئتين الشرعية والتنفيذية، بالإضافة إلى إمكانيّة افتتاح مكاتب خارج لبنان. وينصّ الاقتراح في المادة الرابعة على أنّه "يحقّ لمكاتِب المجلس الإسلامي العلويّ الأعلى في الخارج أن تنسّق مع البعثات الدبلوماسيّة والقنصليّة اللبنانيّة في الخارج بكلّ ما يختصّ بالرعايا اللبنانيين من أبناء الطائفة الإسلامية العلوية". 

ومن أبرز ما جاء به الاقتراح توسيع عضوية الهيئة العامة بشكل لافت إذ باتت تشتمل على عدد كبير من الأشخاص وفق ما ورد في المادة 35 من الاقتراح، وهو عدد يتخطّى ما ينصّ عليه القانون الحالي بخصوص تكوين الهيئة العامة. يقوم الاقتراح بتوسيع عضويّة الهيئة العامة عبر طريقتين أساسيّتين، أوّلًا من خلال عدم حصر تمثيل بعض النقابات بعدد محدود من الأشخاص المنتخبين، بل فتح المجال أمام جميع المهندسين والصيادلة والأطباء وأطباء الأسنان العلويين المنتسبين إلى نقاباتهم من دخول الهيئة العامة. أمّا النقابات غير الملحوظة فيكون لها ممثلان اثنان منتخبان، وعشرة ممثّلين عن حملة شهادات الدراسة العليا والماجستير وغيرهم من الفئات من حملة الشهادات. أمّا الطريق الثاني، فيتمثل في إدخال فئات مهنيّة جديدة على لائحة العضويّة، مثل مدراء المصارف وفروعها، وممثلين عن القطاع الرياضي (المحترفين منهم عاملين ومتقاعدين)، وممثلين عن صغار التجار، على سبيل المثال لا الحصر. ومن أبرز من أضيفوا هم العلويون المغتربون في عدد من الفئات المهنيّة المذكورة في المادة. وعلى سبيل المثال، المهندسون من أبناء الطائفة المنتسبين إلى نقابات المهندسين في لبنان والخارج، والأساتذة الجامعيون العاملون والمتقاعدون في الجامعة اللبنانيّة والجامعات الحكوميّة والخاصة في لبنان وخارجه. وقد شدّد المحامي محمد ناصر في حديث مع المرصد على ضرورة عدم التمييز بين العلويين في لبنان والمغتربين منهم، وعدم إقصاء المغتربين لأنّ ذلك يفيد تنوّع الهيئة العامة والتخفيف من امكانيّة السيطرة عليها. وقد تمّ توسيع حلقة أعضاء الهيئة في الاغتراب لتشمل مثلًا "أعضاء المجالس البلديّة في المدن والمغترب" من دون أن يكون واضحًا إذا ما كان يقصد بذلك العلويين المنتخبين كرؤساء وأعضاء بلديّة في بلدان أجنبيّة، أو "الوزراء العاملين والسابقين في لبنان والمغترب" ومن دون التوضيح إذا كان يقصد بذلك العلويين الذين استلموا حقائب وزاريّة في بلدان أجنبيّة أو الوزراء اللبنانيين الذين تركوا لبنان بعد انتهاء عملهم الوزاري.  

ولا شك أن لهذا الأمر تأثير مهم على انتخاب الهيئة التنفيذيّة ويؤدّي إلى إضفاء شرعيّة تمثيليّة وديمقراطيّة أكبر على قرارات الهيئة العامّة. لذلك تعدّ هذه المسألة نقطة خلاف بين مقدّم الاقتراح النائب حيدر ناصر وأطراف أخرى تخشى من تقلّبات في عضويّة الهيئتين الشرعية والتنفيذية على حدّ قول المحامي محمد ناصر.

نصّ الاقتراح أيضًا على أنّ المجلس الإسلاميّ العلويّ يلتزم بمبدأ فصل الدّين عن الدّولة. وعليه لا يحقّ له التدخّل في شؤون الإدارة أو القضاء المدني أو الجزائي أو الإداري أو القضايا السياسية في البلاد، وينحصر دوره في الشأن الديني والاجتماعي والتوعوي. 

إلّا أنّ أكثر ما يُثير الاستغراب في الاقتراح هو ما ورد في مادّته السّادسة التي تمنع مباشرةً دعوى الحقّ العامّ، باستثناء حالة الجرم المشهود، بمواجهة أيّ من علماء الدين العلويين إلا بعد موافقة رئيس المجلس العلوي أو نائبه للشؤون الدينية في حالة الشغور. ويضيف نص المادة أنّه لا تجوز ملاحقة رئيس المجلس، أو أي من نوابه، أو مباشرة دعوى الحق العام بوجهه، باستثناء حالة الجرم المشهود، إلا بعد موافقة المحكمة الشرعية العلوية العليا. وتضيف المادة أيضًا أن قرار رفع الحصانة عن رئيس الهيئة الروحية وأعضاء الهيئة الروحية العليا هو خاص بالهيئة الروحية، ولا يجوز مباشرة أيّ ادّعاء أو ملاحقة مدنيّة أو جزائيّة بحقّ شيخ الطائفة في لبنان إلا بناءً على اقتراح الهيئة الروحيّة العليا وموافقة الهيئة الروحيّة بأغلبية الثلثين. ويبقى حقّ منح إذن الملاحقة بحقّ أعضاء الهيئة الروحية مناطًا برئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى، الذي يتخذ القرار بالتنسيق مع رئيس الهيئة الروحية. 

بالتالي، فإن الاقتراح يُرسي نظام مقامات وحصانات لا مثيل له في التشريع اللبناني لباقي الطوائف، عبر فرض إعطاء الأذونات للملاحقة القضائيّة بحق علماء الدين العلويين أو رئيس المجلس الأعلى ونائبه إلّا في الجرم المشهود. 

من اللافت أيضًا ما تنص عليه المادة السابعة من الاقتراح التي تقول بأنه "يحظر على أي مرجع ديني أو سياسي الخوض في مسائل الطائفة الدينية دون أن يستحصل على موافقة مسبقة من المجلس الإسلامي العلوي الأعلى". وتضيف المادة بأنّه "يستثنى من أحكامها المسائل المطلبية التي يحق حصرًا لنواب الطائفة العاملين، أو أعضاء مجلس الشيوخ اللبناني العاملين، التعرّض لها ما استمرّت الطائفية السياسيّة في لبنان. إذا ما نفّذت أهداف الفقرة (ح) من مقدمة الدستور ينتفي الاستثناء المقرّر في الفقرة الأولى من هذه المادة، وينحصر حقّ بحث المسائل المطلبيّة بأعضاء مجلس الشيوخ اللبنانيّ العاملين الممثلين للطائفة العلويّة". 

ولا شكّ أنّ هذا الاقتراح يبلغ ذروته في هذه الأحكام التي لا مثيل لها لدى كل الطوائف في لبنان إذ هو يشكّل خرقًا لحريّة التعبير كونه يمنع حتى التباحث في الشؤون العاديّة على المواطنين العاديين ويحصره فقط بالنواب العلويّين خلال ولايتهم النيابيّة والشيوخ (في حال جرى إنشاء مجلس الشيوخ مستقبلا)، هذا علاوة على أنه يوجد سلطة دينية مركزية تمارس رقابة شاملة بحيث تحتكر النطق بإسم العلويين وتمنع حتى على غير رجال الدين من التعبير عن رأيهم.  

كما تنص المادة الثامنة من الاقتراح على أنّه "يحظر على أيّ مرجع قضائي باستثناء المحاكم الشرعية العلوية، التصدّي لمسائل تدخل في صلب اختصاص المجلس الإسلاميّ العلويّ الأعلى وفق المنصوص عليه في هذا القانون. تبقى المسائل الدينيّة حصرًا من اختصاص الهيئات الدينيّة في المجلس، وإذا لم تكن المحاكم الشرعيّة العلويّة قد تأسّست بعد، تختصّ اللجنة القضائيّة في الهيئة الاستشاريّة بالفصل بالمسائل الخلافيّة التي تنشأ عن عمل الهيئات المدنية". 

وهكذا يتبيّن أنّ هذه المادّة تكرّس النهج ذاته عبر تبنّيها لأحكامٍ لا وجود لها في التّشريع اللبنانيّ إذ هي تخرج السّلطات الإداريّة للطائفة العلويّة من النظام القضائيّ العاديّ للدولة اللبنانيّة عبر منحها استقلاليّةً كاملة بحيث يمنع حتى على القضاء الإداريّ من ممارسة رقابته على الأعمال الإدارية للمجلس الإسلامي العلوي، ما يشكل خرقا للانتظام العام وهو أمر لا وجود له لدى الطوائف الإسلاميّة الأخرى.  

وينصّ الاقتراح على استحداث منصب مفتي علوي أوّل يتولى مهام الإفتاء في بيروت وبعبدا وخارج الأقضية التي فيها مفتين وفي الاغتراب حيث لا يوجد مفتي علوي، ويكون مقره جبل لبنان. بالإضافة إلى ذلك، يكون لكل قضاء في الجمهورية اللبنانية مفتٍ شريطة أن يكون هنالك وجود علوي تقدر الهيئة الشرعية حاجته له. وللهيئة الشرعيّة إنشاء مراكز إفتاء في الاغتراب (المادة 12 من الاقتراح).

أمّا المادة 23 فتنص على أن تكون ولاية رئيس المجلس العلوي أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط لا غير، أي كما ينص القانون الحالي. وتضيف أنّه يجوز إعادة انتخاب من سبق له أن تولى رئاسة المجلس رئيسا للمجلس بعد انقضاء ولاية رئاسية على ولايته السابقة.

مشروع القانون المقدّم في المرسوم 1917 حول تعديل قانون إنشاء المجلس الإسلامي العلوي

بخصوص مشروع القانون الذي بحثت فيه اللجنة بالتوازي مع اقتراح النائب حيدر ناصر، فإنّه يقوم بإجراء تعديلات على القانون 449 الصادر سنة 1995 من دون إعادة صياغة كاملة له على عكس اقتراح النائب حيدر ناصر. وبالتالي، يبقى قريبًا جدًا من قانون إنشاء مجلس الطائفة الذي صيغ بدوره بشكل شبيه جدّا لقانون إنشاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بالقانون رقم 72 سنة 1967. 

ومن أبرز ما اشتمل عليه هو توسيع وتحديد عضوية الهيئة العامّة للطائفة من خلال تعديل المادة السادسة في بندها الثاني فبات من أعضاء الهيئة العامة للطائفة رؤساء ونواب رؤساء وأعضاء الهيئتين الشرعية والتنفيذية في المجلس الإسلامي العلوي وقضاة الشرع والمفتين، الحاليين والسابقين، بينما القانون النافذ حاليًّا يحصر العضوية برؤساء وأعضاء المجلس الاسلاميّ العلويّ وقضاة الشرع والمفتين الحاليين والسابقين فقط. أما في البند الخامس، فبات على علماء الدّين الأعضاء أن يحملوا شهادة دكتوراه في العلوم الشرعية والدراسات الإسلاميّة من جامعة معترف بها ليكونوا مؤهلين لعضوية الهيئة العامة. وأضاف التعديل أيضًا على مجموع من يشكّلون الهيئة العامة أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي العاملين. 

كما أدخل المشروع تعديلات على من هم مؤهّلون لعضوية الهيئة العامة من المنتسبين إلى نقابات المهن الحرّة، حيث بات البند الثامن من المادة 6 يفسح المجال لدخول 20 من المنتسبين إلى نقابات الأطباء وأطباء الأسنان والمهندسين والمحامين والصيادلة ينتخبهم مجموع الأعضاء المنتسبين إلى هذه النقابات من أبناء الطائفة العلوية، كما ممثلين اثنين عن المنتسبين إلى نقابات مهن حرة غير المذكورة في البند الثامن، ينتقون أيضًا عبر الانتخاب من مجموع الأعضاء المنتسبين إلى هذه النقابات من أبناء الطائفة العلوية. يأتي ذلك خلافا للقانون الحالي كما عدّل عام 2002 الذي نصّ فقط على عضوية عشرين من المنتسبين إلى نقابات المهن الحرة ينتخبهم العلويون في هذه النقابات فقط. وبالتالي، يقوم المشروع بتوسعة مروحة ممثلي المهن الحرة في الهيئة العامة. يُضاف ذلك إلى ما كان ينصّ عليه القانون وتمّ الإبقاء عليه في مشروع القانون من عضويّة 20 شخصًا من حملة الإجازات الجامعية من غير المنتسبين إلى نقابات المهن الحرّة يتمّ انتخابهم مجموع حملة هذه الإجازات. 

علمًا أنّ المشروع جاء خاليًا من أيّة آلية تشرح كيفية تنظيم هذه الانتخابات عمليّا واكتفى في المادة الثامنة بالقول أنّ على المجلس تأليف لجنة لتهيئة لوائح بأسماء أعضاء الهيئة العامة ممن تتوفر فيهم شروط العضوية المحددة في هذا القانون، على أن تقوم هذه اللجنة بتوجيه دعوة شخصية لأعضاء الهيئة العامة تتضمن زمن الاجتماع ومكانه. 

وفيما كان يقع هذا الدور وفقا للقانون الحالي على عاتق نائبي الطائفة، إلّا أنّ النص كما جاء في مشروع القانون، والذي ستتبناه لجنة الإدارة والعدل حرفيًّا فيما بعد، يبقى مبهمًا إذ لا يميز بوضوح بين الهيئة الناخبة التي تتولى انتخاب عدد من أعضاء الهيئة العامة وأعضاء الهيئة العامة كونها تقول بأن اللجنة تضع لوائح بأسماء الذين تتوفر فيه شروط العضوية في الهيئة العامة بينما المقصود هو الهيئة الناخبة التي ستتولى انتخاب أعضاء الهيئة العامة غير الحكميين. لا بل أن المادة 16 نصّت على استمرار ولاية "المجلس الحالي" حتى لو انتهت ولاية أعضائه في الهيئة العامة. وهكذا يتبين أن الصيغة التي خرجت بها لجنة الإدارة والعدل تبقي على المجلس الحالي وتسمح له بتعيين اللجنة التي ستشرف على انتخاب المجلس الجديد ووضع لائحة بأسماء الهيئة الناخبة بينما اقتراح النائب ناصر يلغي المجلس الحالي ويضع آلية انتقالية من أجل تأسيس سلطة طائفية جديدة بالكامل.

يضاف إلى ذلك تعديل البند 12 من المادة 6 على نحو يتيح عضويّة ممثّل عن مديري الثانويات والمدارس الرسمية والخاصة، فيما القانون الحالي ينص على ممثل عن "مدراء المدارس الرسمية والخاصة" دون ذكر مديري الثانويات. أمّا التعديل على البند 13 يوضح أنّ تمثيل أعضاء مجالس إدارة غرف التجارة والصناعة والزراعة وجمعيات التجار وجمعيات الصناعيين يكون على مستوى المحافظات. كذلك التوضيح في البند 15 على عضوية الهيئة العامة لرؤساء وأعضاء المجالس البلدية العلويين في مراكز الأقضية وليس "في المحافظات والأقضية" كما ينص القانون، بالإضافة إلى ما ينصّ عليه المشروع أي عضوية ممثلين اثنين عن رؤساء المجالس البلدية في القرى والبلدات ينتخبهما مجموع رؤساء المجالس البلدية في هذه القرى والبلدات من أبناء الطائفة العلوية. 

ومن اللافت أن مشروع القانون يلغي البند 14 من المادة 6 في القانون الحالي الذي ينص على عضوية 10 أشخاص ينتمون إلى قطاعات غير ملحوظة في الفئات الممثلة في الهيئة العامة ينتخبون من قبل الوزراء والنواب العاملين بأكثرية الثلثين. وعلى الرغم من الطبيعة المستغربة لهذا النص كون مجلس النواب يضم فقط نائبين علويين علما أنه لم يتم حتى اليوم تعيين وزراء من الطائفة العلوية ما يعني أن تعيين الأعضاء العشرة سيتم بغالبية الثلثين من النائبين العلويين فقط ما يعني عمليا بموافقتهما سويا، علما أن المحامي محمد ناصر أبدى تأييده لهذا الإلغاء تحصينا لاستقلالية الهيئة العامة.   

وأضاف مشروع القانون بندًا يمنع على الناخب الذي يجمع بين صفتين أو أكثر أن ينتخب إلّا بصفة واحدة، ولا يجوز التصويت بالوكالة بل يجب حضور الناخب بالذات.  

وفي المادة التاسعة، باتت الهيئة التنفيذية تنتخب لمدة ستّ سنوات بدلًا من أربع سنوات في القانون الحالي. أمّا بخصوص رئيس المجلس الإسلامي العلوي، بات انتخابه بحسب المادة 12 المعدّلة يتم من قبل علماء الدين أعضاء الهيئة العامة وليس جميع أعضاء هذه الهيئة. 

ومن التعديلات البارزة تلك التي وردت في المادة 13 حيث باتت ولاية رئيس المجلس تستمرّ حتى إتمامه السبعين من العمر فيما القانون الحالي ينص على أن تكون أربع سنوات قابلة للتجديد. أمّا نائبه فباتت ولايته ست سنوات بدلًا من أن تكون لنفس مدة ولاية الرئيس كما ينص القانون، حين كانت الولاية الأساسيّة للرئيس أربع سنوات. 

أما بخصوص المفتين في المناطق، فقد نصّت المادّة 30 المعدّلة على إبقاء مفتي لمدينة طرابلس وآخر لعكار. أمّا المفتي الثالث لمدينة بيروت، فقد أصبح لقبه متولّي شؤون الطائفة الإسلاميّة العلويّة في بيروت (وذلك مراعاة للممارسة التي تحصر لقب مفتي بيروت بمفتي الجمهورية للطائفة السنية) وينطبق عليه كلّ ما ينطبق على المفتين لجهة مهامّه وحقوقه وصلاحيّاته وشروط انتخابه أو تعيينه ومدة توليته لمهامه وأسباب إعفائه. وتنص المادة 30 على أن تكون ولاية كلّ من المفتين حتى اتمامهم عمر السبعين سنة بدلًا من أن تكون لأربع سنوات فقط بحسب القانون الحالي. 

الصيغة الموحّدة المطروحة من قبل لجنة الإدارة والعدل للتصديق في الهيئة العامّة

إنّ الصيغة الموحّدة المطروحة من قبل لجنة الإدارة والعدل هي أقرب إلى مشروع القانون وبالتالي أقرب إلى القانون الحالي منه إلى اقتراح النائب ناصر الذي أدخل تعديلات كبيرة على القانون المعمول به حاليا. وفي حديث معه، اعتبر المحامي محمد ناصر الذي كان حاضرًا في اجتماع لجنة الإدارة والعدل أنّه تمّ استبعاد اقتراح القانون الذي تقدّم به عن النقاش والأخذ حصرًا بمشروع القانون الذي كما يبدو يراعي مصالح أطراف سياسيّة في السلطة تحاول الإبقاء على نفوذها في المجلس العلوي، إن كان عبر التعديلات المطروحة أو عبر التدخّل في التعيينات داخل المجلس. ويأتي ذلك خلافًا لإرادة القاعدة الشعبية العلويّة على حدّ قوله، التي تصبو إلى التقرّب من الدولة والانضواء تحت سقفها، وألّا تكون صندوق بريد لجهات داخليّة وخارجيّة كما كانت عليه في حقبات سابقة. 

ويعتبر المحامي ناصر أنّ مشروع القانون يفتقر إلى التعديلات الجوهريّة التي هي ضرورية لإصلاح أوضاع الطائفة، وأبرزها توسيع الهيئة العامة لإبعاد إمكانيّة السيطرة عليها من قبل فريق ما، وتأسيس كليّة شرعيّة من أجل دعم استقلاليّة تعليم الفقه العلوي والتفريق بين العلماء حملة الشهادات وبين المشايخ من غير حملة الشهادات، وإنشاء وظائف فئة أولى في المجلس الإسلامي العلوي، وغيرها من الإصلاحات، لا بل أنّه سيؤدّي إلى مشاكل بسبب التضارب الذي سينتج عنه لا سيما مع النظام الداخلي للطائفة المعمول به حاليًا. إلّا أنّه يرى في المقابل أنّ بعض التحسينات قد حصلت مثل إلغاء تسمية عشرة أعضاء من قبل نواب ووزراء الطائفة في الهيئة العامة الذي جرى التوافق عليه من قبل الجميع على حدّ قوله. يضاف إلى ذلك مسألة عدم سريان الولاية الجديدة على رئيس المجلس الحالي، وهي ولاية تمتدّ حتى إتمام عمر السبعين، إذ اعتبر ناصر أنّ الرئيس الحالي لم ينتخب على أساس ولاية كهذه وهو بالتالي لا يمتلك الشرعيّة لاكمالها. 

وبالتالي، فإنّ الصّيغة الموحّدة تدخل تعديلات على نصّ مشروع القانون، فتضيف في المادة السادسة حول تأليف الهيئة العامة بندًا يتعلّق بعضويّة أعضاء مجالس نقابات المهن الحرّة كما ينصّ اقتراح النائب ناصر، ويحدّد أنّ أعضاء مجالس إدارة غرف التجارة والصناعة والزراعة "في المحافظات" هم من يحق انتخابهم لعضوية الهيئة العامة بينما المشروع لم يقم بتحديد المحافظات. يجعل النص أيضًا من كلّ رؤساء المجالس البلديّة والأعضاء في مراكز المحافظات والأقضية أعضاء حكميين في الهيئة العامة، بينما يحصر ذلك بالنسبة للبلديات في القرى والبلدات الأخرى برؤساء البلديات من أبناء الطائفة العلويّة بعدما كان مشروع القانون المقدّم يحصر تمثيلهم فقط برئيسين لبلدتين. ويتوافق ذلك مع ما نصّ عليه اقتراح النائب حيدر ناصر، سيّما وأن المحامي محمد ناصر أشار إلى أنّ مجموع رؤساء بلديات من العلويين في القرى والبلدات لا يتخطى سبعة أشخاص. كذلك لا بد من الإشارة إلى أن المادة السادسة كما عدلتها اللجنة تدخل مفهوما جديدا وهو العضو الرديف يحيث تنتخب كلّ هيئة ناخبة عضوا رديفا من كلّ فئة. 

أمّا المادة 13 معدّلة، فباتت تشترط لتولي رئاسة المجلس ألّا يقلّ عمر المرشح عن 35 سنة، كما ينصّ القانون الحالي في التعديل الذي طرأ عليه عام 2002، بينما النص الأصلي الصادر سنة 1995 رفع الشرط العمري إلى 40 سنة، فيما كان اقتراح النائب ناصر ينص على أن يكون المرشح قد أتم الأربعين عامًا ولا يتجاوز السبعين عند انتخابه بالإضافة إلى عدد من الشروط ينص عليها في المادة 22 تشتمل على سنوات الممارسة في علم الدين، وعلى أن يكون من الجنسية اللبنانية وغيرها من الشروط. 

أما باقي مواد مشروع القانون فقد أبقت عليها لجنة الإدارة والعدل كما وردت من دون أي تعديل.

خلاصة

في الخلاصة، يتبين أن اقتراح النائب ناصر يهدف إلى استحداث سلطة طائفية جديدة والانتهاء من المجلس العلوي الحالي، كما يجعل من انتخاب هذا الأخير أكثر ديمقراطية عبر توسيع عضوية الهيئة العامة لكنه في المقابل يغالي في تكريس استقلالية هذا المجلس عبر تحصينه من أي رقابة قضائية وإرساء حصانة لرجال الدين من خلال منع ملاحقتهم من دون الاستحصال المسبق على إذن وهي أحكام لا نظير لها في التشريعات الخاصة بالطوائف الأخرى في لبنان، لا بل هو يرسي أيضا سلطة رقابية تهدف إلى قمع التعبير عن أي رأي معارض. وإذا كانت اشكاليّة ديمقراطيّة توسيع التمثيل طرحت أيضًا في موضوع المجلس الشيعي الأعلى حيث تمّ تغييب العامل الديمقراطي من كيفية انتخاب الهيئة العامة، إلّا أنّ مشروع القانون المطروح يبقى أفضل من القانون الحالي إذ يقوم بتوسيع ولو محدود لعضوية الهيئة العامة ويزيل إمكانيّة "تعيين" 10 أعضاء من قبل نواب ووزراء الطائفة. لكن ذلك لا يمنع أنّ المشروع يبقي على الهيكلية الحالية للمجلس العلوي ولا يدخل تعديلات كبيرة عليها ويسمح بالتالي للجهات المسيطرة على قرار هذا الأخير من الإبقاء على نفوذها داخله التي استندت عليها اللجنة في تقريرها.