المجلس الدستوري يُبطل التشريع على قياس أشخاص: إبطال التمديد لرئيس الجامعة اللبنانية
08/09/2026
في تطور بارز، أصدر المجلس الدستوري القرار رقم 8 بتاريخ 3 أيلول 2026 الذي قضى بإبطال قانون تحديد ولاية رئيس الجامعة اللبنانية وتمديد ولاية الرئيس الحالي لمدة ستة أشهر جزئيا وذلك في شقه المتعلق بالرئيس الحالي للجامعة اللبنانية. لذلك كان لا بدّ من التعليق على هذا القرار نظراً لأهميّته على صعيد الأصول الدستوريّة الواجب اتّباعها في الصياغة التشريعية للقوانين.
لا بدّ من التذكير أولًا أن الصيغة الأصلية للقانون كانت تنص فقط على تعديل ولاية رئيس الجامعة اللبنانية بحيث تظل خمس سنوات لكنها أصبحت قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، أي أن رئيس الجامعة بات يحق له الترشح لولاية ثانية. لكن التسوية السياسية خلال الجلسة النيابية التي أقر بها القانون أفضت إلى الربط بين ولاية رئيس الجامعة الحالي وضرورة تعيين أعضاء مجلس الجامعة بحيث تم الأخذ باقتراح رئيس الحكومة بتمديد ولاية الرئيس الحالي استثنائيا لفترة قصيرة على أن يتم تعيين أعضاء مجلس الجامعة كي يتم لاحقا تعيين الرئيس الجديد للجامعة.
وهكذا خرج القانون بصيغة هجينة نصت على التالي:
“تحدد ولاية رئيس الجامعة بخمس سنوات، قابلة للتجديد لمرة واحدة، على أن يتم تعيين عمداء الوحدات بالأصالة من قبل مجلس الوزراء. ولحين تنفيذ ذلك، تمدّد ولاية رئيس الجامعة لمدة ستة أشهر مع حفظ حقه بالترشح لولاية ثانية فقط. وفتح باب الترشيح وفق المهل المذكورة أعلاه.”
جرّاء ما تقدّم، يتبيّن أن المجلس الدستوري كان عليه أن يتصدّى لنصّ ركيك يعكس منطق التسوية بين الجهات السياسية المسيطرة على مجلس النواب. ويصبح ذلك جليّا في الربط المستغرب بين ضرورة تعيين عمداء الوحدات الذين يشكلون مجلس الجامعة في الفقرة الأولى ومن ثم إعلان في الفقرة الثانية تمديد ولاية رئيس الجامعة الحالي لستة أشهر لكن “لحين تنفيذ” تعيين العمداء. ولا شك أن هذا الربط المبهم يؤدي إلى نتيجة متناقضة. إذ كيف يعقل تمديد ولاية رئيس الجامعة لستة أشهر أي لفترة زمنية محدودة ومن ثم إعلان أن هذا التمديد سيستمر لحين تعيين العمداء أي لفترة زمنية لا يمكن التحكم بمتى تنتهي.
أمام هكذا نص مستغرب، وجد المجلس الدستوري نفسه مضطرًا لتفكيك القانون من أجل تبيان مدى دستوريته وذلك وفقًا لتحليل سليم ومتدرج سنعرض له في الفقرات التالية.
أولا: التذكير بعموميّة القاعدة التشريعية
على الرغم من أن الدستور اللبناني يتبنى تعريفا شكليا للقانون، أي أنه يعتبر أن القانون هو النص الذي يقرّه مجلس النواب ويصدره رئيس الجمهورية وفقا للآلية الدستورية، لكن ذلك لم يمنع المجلس الدستوري من التشديد على التعريف المادي للقانون أيضا، أي من خلال التركيز على مضمون القانون وكيفية صياغة الأحكام التشريعية. فانطلاقا من المعيار المادي، تُجمع كتب الفقه الدستوري على تعريف القانون بأنه القاعدة العامة التي تشمل بأحكامها الجميع، لا بل أن مبدأ المساواة أمام القانون لا وجود له إلا لأنّ هذا الأخير يتّسم بالعموميّة والتجرّد ولا يستهدف أشخاصًا محدّدين.
وقد أصاب المجلس الدستوري في تحليله عندما أعطى تلخيصا واضحا لهذا المبدأ فأعلن التالي: “وحيث إنه من ثوابت الأنظمة الديموقراطية أن يتسم التشريع بصفات العمومية والتجريد واللاشخصية، بمعنى أن تنطبق القاعدة القانونية على جميع من هم في وضعية قانونية واحدة، حاضراً ومستقبلاً، بصورة مجردة ومن دون تمييز، باعتبار أنّ التشريع يبتغي تحقيق المصلحة العامة لا مصلحة خاصة.
وحيث إن مبدأ عمومية القاعدة التشريعية وتجرّدها ليس وصفاً شكلياً، بل هو الضمانة الأولى لمبدأ المساواة، إذ يحمي سائر الأشخاص الذين هم في الوضعية القانونية عينها من أن يُخص أحدهم بامتياز يُشرّع لصالحه؛ فمتى صيغ النص على قياس شخص بعينه أو حالة فردية بالذات، انتفت عنه صفة القانون بمعناه المادي وتحوّل إلى تدبير فردي في ثوب تشريعي”.
وقد ربط المجلس الدستوري بين هذا التعريف المادي للقانون ومبدأ المساواة بشكل واضح وصريح فاعتبر أن
“مبدأ المساواة المكرّس في الفقرة «ج» من مقدّمة الدستور وفي المادتين 7 و 12 منه، وفي المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المحال إليه في الفقرة «ب» من المقدمة والتي أضفى عليها المجلس الدستوري القيمة الدستورية، يوجب المساواة في تولي الوظائف والمراكز العامة على أساس الاستحقاق والجدارة دون سواهما”.
إن التذكير بهذه المبادئ البديهية سمح للمجلس الدستوري بتفكيك الفقرة الأولى من القانون وحصر تحليله بالنص الذي يجعل من ولاية رئيس الجامعة قابلة للتجديد مرة واحدة. فقد اعتبر المجلس أن “تحديد مدة ولاية رئيس الجامعة اللبنانية ومدى قابليتها للتجديد يدخل في صميم السلطة التقديرية للمشترع، فلا يعود للمجلس الدستوري أن يستبدل تقديره بتقدير هذا الأخير في اختيار المدة أو في إجازة التجديد، كون هذه الأمور تدخل في مفهوم الملاءمة، ما دام القانون لا يخالف الدستور أو المبادئ ذات القيمة الدستورية”.
وبالفعل إن ولاية رئيس الجامعة اللبنانية أو أي وظيفة استحدثها القانون تدخل في اختصاص السلطة التشريعية التي يعود لها تعديلها انطلاقا من سلطتها التقديرية في هذا المجال إذ لا يوجد أي قيد دستوري على مجلس النواب في هذا الموضوع. وأضاف المجلس الدستوري أن جعل ولاية رئيس الجامعة خمس سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة “تتناول المركز الوظيفي في ذاته لا شاغله، فتنطبق على كل من يتولى رئاسة الجامعة اللبنانية حالياً ومستقبلاً، على قدم المساواة، ولا تتضمن أي تخصيص أو استثناء أو ميزة لشخص دون آخر” ما يعني أن مجلس النواب اعتمد “معياراً موضوعياً كافياً لإضفاء صفة العمومية والتجرد على القانون المطعون فيه، طالما هو متاح لكل شاغل لهذا المنصب حالياً ومستقبلاً، فلا يتعارض بالتالي مع أي مبدأ ذي قيمة دستورية، ما يقتضي، والحال هذه، ردّ الطعن لجهة هذه العبارة”.
وإذا كان هذا التحليل ينسجم مع المبادئ الدستورية، لكن ذلك لا يجب أن يمنع التنبيه من إمكانية هيمنة رئيس الجامعة على إدارة هذه الأخيرة خلال ولاية طويلة قد تمتد على عشر سنوات، مع ما يرافق ذلك من حدّ من إمكانية التداول في رئاسة الجامعة ومن استقلالية الجامعة. علما أن جعل ولاية رئيس الجامعة قابلة للتجديد لا تعني بالضرورة تشجيعه على النجاح، إذ قد يؤدي ذلك إلى ضرب ما تبقى من استقلاليته وربطه اكثر بالمرجعية السياسية التي يتبع لها طمعا بتجديد ولايته.
ثانيا: قانون مفصل على قياس شخص
إن عمومية القاعدة القانونية التي حرص عليها المجلس الدستوري ستصطدم لا محالة مع الفقرة الثانية من القانون التي أعلنت التالي: “لحين تنفيذ ذلك تمدّد ولاية رئيس الجامعة لمدة ستة أشهر مع حفظ حقه بالترشح لولاية ثانية فقط. وفتح باب الترشيح وفق المهل المذكورة أعلاه”.
وقد تنبّه المجلس الدستوري مباشرة لهذا التناقض إذ اعتبر أن هذه الفقرة لا تجد لها مجالاً للتطبيق عند نفاذ القانون إلا على شخص واحد بالذات هو رئيس الجامعة اللبنانية الحالي (…)، ولا يمكن أن تنطبق على أي شخص آخر حاضراً أو مستقبلاً، إذ يتحوّل إلى تدبير فردي لمرة واحدة” مضيفا بأن عبارة «مع حفظ حقه بالترشح لولاية ثانية فقط» تنطوي “على ميزة شخصية إضافية، إذ تزيد مدة التمديد إلى مدة الخمس سنوات وتضمن للشخص المعني وحده الجمع بين الاستمرار في المركز والترشح لولاية جديدة، وهو ما لا يتاح لسواه من المرشحين”.
إن إخلال القانون بقاعدة التجرد والعمومية تصبح أكثر فداحة عندما يتبين أن رئيس الجامعة هو بحكم منصبه رئيس مجلس الجامعة أيضا الذي يتوجب عليه رفع أسماء خمسة مرشحين إلى مجلس الوزراء كي يتم تعيين أحدهم رئيسا للجامعة اللبنانية ما يعني أن حفظ حق الرئيس الحالي بالترشح لولاية ثانية سيضعه “في موقع متفوّق على سائر المرشحين وإلى تضارب واضح بين صفته كمرشّح وصفته كرئيس للهيئة المرشحة” ما يشكل “مخالفة مزدوجة، لمبدأ عمومية القاعدة التشريعية وتجردها من جهة، ولمبدأ المساواة بين المرشحين لتولّي المراكز العامّة”، ما يوجب إبطال هذه الفقرة برمتها.
ولا يكتفي المجلس الدستوري بهذا التحليل المنطقي لكنه يذهب إلى مناقشة مدى وجود ظروف استثنائية تبرر هكذا تمديد لرئيس الجامعة ويخلص إلى أنه “لا يتبيّن وجود أي ظرف استثنائي أو قوة قاهرة من شأنهما تبرير التمديد: فالمؤسسة الدستورية المولجة بإتمام الاستحقاق، أي مجلس الوزراء، مشكّل بكامله وعمله منتظم، ولا توجد استحالة مادية أو قانونية تحول دون فتح باب الترشيح وإتمام التعيين في مواعيدهما”.
ويكمل المجلس الدستوري بأن عدم تعيين مجلس الوزراء عمداء الوحدات ليس مبررا للتمديد إذ “لا يجوز لسلطة عامة أن تستمد من عدم ممارسة صلاحياتها سبباً لتعطيل قاعدة دستورية أو لتبرير الخروج عليها”، وهو موقف بالغ الأهمية يمكن التعويل عليه مستقبلا كأن يتخلى المجلس الدستوري عن اجتهاده بعدم إبطال الموازنة العامة في حال تم إقرارها من دون قانون قطع الحساب. فكما أن عدم ممارسة مجلس الوزراء صلاحياته بتعيين عمداء الوحدات لا يشكل مبررا للتمديد لرئيس الجامعة، كذلك الأمر بالنسبة لمجلس النواب الذي لا يشكل غياب قطع الحساب لسنوات طويلة مسوغا لمخالفة المادة 87 من الدستور وإقرار موازنات غير مسبوقة بقانون قطع الحساب.
فالسلطة السياسية لا يحق لها التذرع بالحالة القانونية الشاذة التي أوجدتها من أجل تبرير مخالفتها للدستور، وهو أمر منطقي لا بل هو الشرط الضروري من أجل الحفاظ على عمل المؤسسات وضمان مبدأ المحاسبة الذي يجب أن يطبق على كل من يتولى الشأن العام.
ثالثا: التذكير بمبدأ الفصل بين السلطات
في ظاهرة باتت متكررة وجد المجلس الدستوري نفسه مضطرا مجددا للتذكير بمبدأ الفصل بين السلطات الذي بات مجلس النواب يستهل خرقه. فقد نص القانون المطعون فيه في القسم الأخير من فقرته الأولى على التالي: «على أن يتم تعيين عمداء الوحدات بالأصالة من قبل مجلس الوزراء».
ولا شكّ أنّ هذه الصّيغة القانونيّة الركيكة هي نتيجة منطق التسوية بين المصالح المتضاربة للكتل النيابية المهيمنة على مجلس النواب بحيث يتم القبول بتمديد ولاية رئيس الجامعة الحالي الذي يتبع جهة سياسية محددة مقابل تعيين العمداء الذين يتوزعون على جهات سياسية أخرى.
وقد اعتبر المجلس الدستوري أن مجلس النواب بهذه العبارة وجه “إلى السلطة الإجرائية ما هو في حقيقته أمر بإجراء عمل إداري محدد ضمن مهلة زمنية ، ويرتب على امتناعها أو تأخرها عدم تحقيق غاية القانون” ما يعني أنه “تجاوز صلاحياته وتدخل في صميم ممارسة مجلس الوزراء لصلاحيته في التعيين، المنصوص عليها في المادتين 17 و 65 من الدستور”.
لكن مخالفة القانون للدستور لا تقتصر على تدخله في عمل مجلس الوزراء، لكنها تكمن أيضا في طبيعته المبهمة التي أشرنا إليها أعلاه كونه ربط التمديد “لحين تنفيذ” تعيين العمداء، أي انه يكون في “الوقت عينه، قد علق مفعول القاعدة التي وضعها على إرادة السلطة الإجرائية ومشيئتها في التنفيذ، فتخلّى بذلك عن ممارسة اختصاصه التشريعي كاملاً”.
فالقانون خالف مبدأ الفصل بين السلطات من جهتين: توجيهه أولا أمرا لمجلس الوزراء بالتعيين وهو موضوع عالجه المجلس الدستوري مرارا في قرارات سابقة له حول تعيين وترقية عناصر في الأسلاك العسكرية والأمنية، وربطه ثانيا بين التمديد والتعيين الفعلي للعمداء، أي رهن التمديد بقرار مستقبلي لمجلس الوزراء لا يمكن معرفة متى سيصدر فعليا.
وكان على المجلس أن يبطل هذا الربط ليس فقط لناحية مخالفته مبدأ الفصل بين السلطات، لكن أيضا لطبيعة النص المبهمة وعدم القدرة على فهمه ما يخالف مبدأ فقه النص ووضوحه. وقد أشار إلى ذلك المجلس بشكل غير مباشر عندما شدد على غياب “أي رابط منطقي أو قانوني بين تعيين عمداء الوحدات بالأصالة، وهو شأن يتعلّق بمراكز العمداء ومجالس الوحدات، وبين تجديد مدة ولاية رئيس الجامعة، وهو شأن مستقل عنه”. فالمنطق الوحيد الذي يسمح بفهم هكذا عبارة لا علاقة له بالدستور بل بالتسوية السياسية التي هدفت إلى تحاصص مناصب الجامعة اللبنانية عبر صياغة ركيكة.
في الخلاصة، يتبين أن المجلس الدستوري انتصر للمبادئ الدستورية البديهية، وهو عمد إلى إبطال التسوية السياسية التي جرى تكريسها في القانون مع الإبقاء على النص العام المتعلق بولاية رئيس الجامعة. فالمخالفات المكثفة والمزدوجة التي انطوت عليها كل فقرة من فقرات القانون عكست الطبيعة الارتجالية التي يعمل بها مجلس النواب الذي لم يقم فقط بمخالفة الدستور، لكنه أيضا خالفه عبر اقرار قانون ركيك الصياغة لا منطق فيه سوى منطق التسويات السلطوية الظرفية.