جلسة لعدم انتخاب أعضاء مكتب المجلس واللجان النيابية
20/10/2026
عقد المجلس النيابي في 20 تشرين الأوّل 2026 جلسته الحكميّة في بداية عقد تشرين الأوّل من كلّ عام، المخصّصة بحسب الفقرة الثانية من المادة 44 من الدستور لانتخاب أميني سرّ بالغالبية المطلقة من أصوات المقترعين، علما أنه وفقا للمادة الثالثة من النظام الداخلي، يجري في الجلسة عينها انتخاب ثلاثة مفوضين بورقة واحدة بالغالبيّة النسبيّة، كما يتم أيضا عملا بالمادة 19 من النظام الداخلي، انتخاب أعضاء اللجان الدائمة بالاقتراع السري وبأغلبيّة أصوات المقترعين.
إلّا أنّ مجلس النواب قرر تفادي إجراء الانتخابات معتمدًا على الفوز بالتزكية والتجديد تقريبا للجميع كي يستمروا في مواقعهم السابقة. وقد ذكّر رئيس المجلس نبيه برّي في مستهلّ الجلسة أنه في حال عدم ترشّح أو انسحاب أحد من أمناء السرّ أو المفوضين أو أعضاء اللجان، يعتبر الأعضاء الحاليين فائزين بالتزكية، في مداخلة أشبه بالتمني قام بها بري لحثّ النواب على عدم التسبب بإجراء انتخابات وتمرير الجلسة بالتوافق على التمديد للجميع.
وبالفعل، بعد التجديد لأميني السرّ والمفوضين بسرعة فائقة نظرًا لعدم وجود أي مرشح أو منسحب، أصرّ الرئيس برّي في كلّ مرّة تقدّم نائب بترشّحه على اللجان على سؤال النوّاب إذا ما كان أحدهم يريد الانسحاب لصالح المرشّح الجديد بدلًا من الشروع بالعمليّة الانتخاب. وفيما حاول برّي في بعض الأحيان تخطّي نيّة البعض في الترشّح ومن ثمّ الاستجابة لرغبتهم في ظلّ إصرارهم، نجح في نهاية المطاف على إحداث تبديلات في اللجان من دون القيام بأيّ عمليّة انتخاب. وقد أدّى ذلك إلى انتهاء الجلسة بسرعةٍ فائقة إذ انتهت خلال نصف ساعة على الأكثر.
في مستهلّ الجلسة، بادر النائب عماد الحوت إلى طلب الكلام بالنظام، وقد بدا واضحًا وجود مسعى من بعض النواب منهم بلال عبد الله وبلال الحشيمي إلى فتح النقاش في قانون العفو العامّ في ظلّ استيائهم ممّا خلص إليه المجلس الدستوري في قراره حول هذا القانون. إلا أنّه بمجرّد إعلان الحوت نيّته القيام ب "مطالعة حول قانون العفو العام" قاطعه برّي قائلًا له أنّ هذا الكلام خارج النظام وأنّ الجلسة مخصصة للانتخابات. وقد حاول بعدها النواب المذكورين فتح الموضوع ولو من خارج الدور في الكلام، فسُمع النائب بلال عبد الله يقول في الميكروفون أنّ المجلس الدستوري قد صادر صلاحيات المجلس النيابي، فيما بادر النائب بلال الحشيمي إلى الكلام أثناء توزيع أوراق الانتخاب (التي لم تستخدم بسبب التوافقات) قائلًا "لشو محمسين تعملوا انتخابات ما دام المجلس الدستوري عم بيغيّر كلّ شي؟".
بعد مداخلة النائب الحوت، كان الكلام لبعض النواب بالنظام، أوّلهم النائب أديب عبد المسيح الذي طالب بتعديل اختصاصات اللجان متّخذًا مثل لجنة الاقتصاد، التي دعا إلى فصلها عن لجنة التخطيط نظرًا لثقل الموضوعين. فما كان من برّي إلّا أنّ قال له :"لمّا نوصل عليها منصلّي عليها"، بينما شدد عبد المسيح على أنّ عددًا من الاقتراحات في هذا الشأن مقدّمة إلى المجلس. ومن المعلوم أنّ اقتراحات تعديل النظام الداخلي باتت تتراكم منذ مدة طويلة أمام مكتب المجلس الذي لا يعمد إلى إدراجها على جدول أعمال المجلس من أجل مناقشتها والبت بها.
بعد ذلك كان الكلام للنائبة بولا يعقوبيان فكررت مطالبتها بالدعوة إلى جلسة تشريعيّة لا سيّما من أجل البتّ بالطلبات الحرّة في الامتحانات الرسميّة ومن أجل البحث بقانون الإيجارات القديمة في ظلّ "إخراج مسنّين من بيوتهم" بسبب تنفيذ القانون. جاوبها الرئيس برّي على مطلبها قائلًا "خلصولي القوانين باللجان" فكان ردّها أنّ عددًا من القوانين قد انتهى البحث به في اللجان، وفي كلّ حال فإنّ المواضيع التي طرحتها قدّم بشأنها اقتراحات معجّلة مكررة، ما يعيد التذكير بإشكالية الاقتراحات المعجلة المكررة التي تظل أيضا عالقة في أدراج رئيس مجلس النواب التي يقرر بشكل منفرد مصيرها. وقد تطرّقت النائبة بولا يعقوبيان أيضًا إلى ضرورة فتح المجال أمام النقاش السياسي، مشيرة إلى مسألة العثور مؤخّرًا على متفجرات على حاجز ضهر البيدر وفي جرود عرسال وضرورة البحث بهذا الموضوع.
من ثمّ كان الكلام للنائبة حليمة القعقور فطرحت موضوع تغيّب النوّاب عن الحضور في اللجان قائلة أنّه عادة ما يتمّ انتظار النوّاب لنصف ساعة بعد موعد انعقاد اللجنة ليحضروا. جاوبها الرئيس برّي مكررًا ما كان أدلى به السنة الماضية عند طرح نفس الموضوع، أي أنّ على رؤساء اللجان إرسال له تقارير بالمتغيّبين وعندها "شوفي شو بعمل".
أمّا النائب وضاح الصادق، فتمحورت مداخلته حول ثلاث نقاط أوّلها ضرورة ضبط مسألة حضور النوّاب لا سيّما في اللجان المشتركة التي عادةً لا يكتمل فيها النصاب، كما تناول ثانيًا مسألة اختصاصات اللجان مطالبًا بتعديلها لتتماشى مع تطوّر المتطلّبات والاحتياجات عمومًا، كلجنة السياحة والزراعة مثلا وضرورة فصل الموضوعين وإلغاء لجنة المهجرين لأنها لا تجتمع أصلًا. وتناول الصادق ثالثًا موضوع سريّة اجتماعات اللجان مطالبًا بإلغائها على اعتبار أنّ الشفافيّة في هذا الموضوع باتت ضرورية. وقال أنّ بعض اللجان التي يبحث فيها مواضيع أمنيّة يمكن أن تبقى سريّة، أمّا باقي اللجان فيجب أن تصبح علنيّة مع إمكانيّة بثّ اجتماعاتها على قنوات خاصة.
بعد الانتهاء من الكلام بالنظام، شرع الرئيس برّي في "عمليّة الانتخاب"، فتمّ التجديد لأميني السرّ والمفوضين الثلاثة بشكل شبه تلقائي، وذلك عقب سكوت الحضور عن سؤال بري إذا ما كان أحد النواب يرغب بتقديم ترشيحه أو إذا كان أي من أعضاء مكتب المجلس الحاليين يرغب بالانسحاب. من بعدها، شرع المجلس بتعيين أعضاء اللجان النيابية بانتخاب اللجان، وكان الرئيس برّي في بداية انتخاب كلّ لجنة يسأل "هل أحدًا يريد الترشح؟ هل أحدًا يريد الانسحاب؟" وفي ظلّ عدم الجواب من قبل النوّاب اكتفى الرئيس برّي بالقول "صدّق" ما يعني إعلان عضوية أعضاء اللجنة كما تلت أسماؤهم مديرة الجلسات.
في التفاصيل، جرى البتّ بعضويّة أكثريّة اللجان عبر التجديد للأعضاء الحاليين، ولكن بعض النواب أبدوا رغبتهم في الترشّح لعضوية لجان معينة. ففي لجنة الإدارة والعدل، تقدّمت النائبة حليمة القعقور بترشيحها بالرغم من عدم انسحاب أيّ من الأعضاء. وحاول الرئيس برّي إقناعها بالعزوف عن ترشيحها مذكّرًا إيّاها بحقّ جميع النوّاب حضور اجتماعات كافة اللجان. وذهب برّي إلى أبعد من ذلك فقام بالتصديق على أعضاء اللجنة محاولًا تجاوز ترشيح النائبة القعقور، غير أن بلبلة بدأت بين النواب الحاضرين وسط استغرابهم تخطّي الرئيس هذا الترشيح بالرغم من إصرارها عليه. وعليه، عاد برّي عن قراره بالتصديق ليسألها مجدّدًا إذا ما كانت تريد أن تترشّح. وكررت القعقور رغبتها وانضمّ إليها النائب فراس حمدان مقدّمًا ترشيحه. فسأل بري مجددًا إن كان هنالك من أحد يودّ الانسحاب من اللجنة فلم يحصل على أي جواب إيجابي. بالرغم من ذلك، عاد برّي وتجاهل ترشيح القعقور وحمدان معلنًا التصديق على اللجنة الحاليّة ما أثار اعتراض النائبة بولا يعقوبيان على هذه الممارسة. عندها تدخّل النائب جورج عدوان، فأعلن أنّ النائب ابراهيم كنعان (الذي كان حاضرًا في الجلسة ولكنه لم يتكلم)، وهو عضو أيضا في لجنة الإدارة والعدل، يودّ الانسحاب من هذه اللجنة نظرًا لانهماكه بلجنة المال والموازنة التي يرأسها، راجيًا من القعقور وحمدان أن يتفقا بينهما تفاديًا لعمليّة الانتخاب. فما كان من حمدان إلّا أن سحب ترشيحه فباتت بذلك حليمة القعقور عضوًا في اللجنة.
في لجنة الأشغال، وبعد أن سارع برّي على التصديق على أعضائها الحاليين، أبدى النائب وضاح الصادق رغبته بالترشح فجاوبه بري بعدم وجود أي عضو حالي يريد الانسحاب. عندها ردّ عليه الصادق قائلًا "عطيهن عشر ثوان ليفكّروا"، في جملة تعكس سرعة "التصديق" على عضويّة اللجان الحاليّة من قبل الرئيس بري. وفي لجنة الصحة، طلب النائب حيدر ناصر دخول اللجنة بدلًا من النائب الراحل غسان سكاف، فكان له ما أراد بعد أن عزفت النائبة نجاة عون عن ترشحها لصالحه. أمّا في لجنة الدفاع، فبادرت النائبة بولا يعقوبيان إلى تقديم ترشيحها بالرغم من عدم انسحاب أيّ من الأعضاء. وأصرّت النائبة يعقوبيان على ترشيحها قائلة أنّ الجلسة هي جلسة انتخاب، وسألت إذا ما كان النائب ميشال المرّ يريد الانسحاب من اللجنة في تلميح إلى غيابه المتكرر عنها. عندها عارضها نائب رئيس المجلس الياس بو صعب متضامنًا مع زميله من المتن بأنّ النائب المرّ لا يريد الانسحاب. وكان النائب ميشال المرّ قد وصل للتو إلى المجلس بعد ربع ساعة تأخير، فنبّهه أحد الزملاء أنّ النائبة بولا يعقوبيان تطرح انسحابه فجاوبها بشيء من الاستخفاف أنّه لا يريد الانسحاب. عندها، أعلن الرئيس برّي الشروع بتوزيع الأوراق فطلب النائب سيمون أبي رميا إذا كان بالإمكان توفيرًا للوقت عدم كتابة جميع أسماء الأعضاء على الورقة بل فقط إسم بولا يعقوبيان، وهو موقف يجافي المنطق إذ حتى لو فازت النائبة يعقوبيان بمفردها بعضوية اللجنة لا يمكن معرفة حينها النائب الخاسر الذي فقط عضويته في تلك اللجنة .عندها، أعلنت النائب يعقوبيان عزوفها عن الترشح قائلة :"طيب إذا هالقدّ فيها عذاب إنو تكتبوا كل الأسماء، انسحبت".
في لجنة الزراعة، أعلن الرئيس بري استبدال النائب هادي أبو الحسن بزميله في كتلة اللقاء الديمقراطي أكرم شهيّب وصدّق على اللجنة. أمّا في لجنة حقوق الإنسان، اعترض النائب ابراهيم الموسوي على تلاوة اسمه بين أعضاء اللجنة معتبرًا أنّه ليس عضوًا فيها بل في لجنة المرأة والطفل. إلّا أنّ المديرة العامة للجلسات ذكّرته بأنّه أيضًا عضو في لجنة حقوق الإنسان ما أثار استغرابه. عندها تقدّم النائب بلال الحشيمي بترشيحه على اللجنة إلّا أنّ الرئيس برّي تجاهله وصدّق عليها.
وأخيرًا في لجنة التكنولوجيا، قدّمت النائبة نجاة عون ترشيحها. إلّا أنّه بسبب عدم انسحاب أي عضو من تلك اللجنة، عاد برّي وسألها "محلّ مين بدك تترشحي؟". فبادر النائب جهاد الصماد مطالبًا بزيادة عضو على اللجنة لدخول عون بدل إجراء الانتخاب. عندها سأل برّي "مين بيمون على مين ؟" بشأن انسحاب أحدهم لصالح عون. وأمام صمت النواب، أعلن برّي توزيع الأوراق فبادر عندها النائب أشرف بيضون إلى إعلان انسحابه لصالح عون ما أدّى إلى تفادي إجراء الانتخابات.
ولا شك أن هذه الممارسة القائمة على إعلان الفوز بالتزكية تطرح إشكاليات دستورية لا سيما بخصوص أميني السر كون انتخابهما يجد سنده في المادة 44 من الدستور خلافا للمفوضين واللجان النيابية التي لا وجود لها خارج النظام الداخلي لمجلس النواب. فالدّستور يفرض حصول أمين السر على الغالبية المطلقة من أصوات المقترعين في الدورة الأولى ولا يمكن بالتالي إعلان فوز أحدهم بالتزكية ليس فقط لأن ذلك يتطلب وجود آلية مسبقة تحدد الشروط القانونية للترشيح والمهل الزمنية وكيفية الفوز بالتزكية، وهو أمر لا وجود له، لكن أيضا لأن تطبيق هذا المنطق يؤدي إلى نتائج متناقضة لا يمكن القبول بها إطلاقا. إذ هل يعقل مثلا أن يتم إعلان فوز شخص ما بالتزكية في انتخابات رئاسة الجمهورية في حال لم يكن هناك من "مرشح" غيره؟ وإذا كان الجواب قطعا بالنفي فإن المنطق نفسه ينسحب على انتخاب أمناء السر، ما يعني ضرورة إجراء انتخابات وحصول "المرشح" على الأغلبية المطلقة من أصوات المقترعين في الدورة الأولى كي تم انتخابه دستوريا.
في الخلاصة، يتبين أن مجلس النواب استمر على النهج ذاته الذي بات سائدا في مثل هكذا جلسات إذ يتم تفادي إجراء الانتخابات والاكتفاء بإبقاء جميع النواب في مواقعهم عبر تبني ممارسة إشكالية تقوم على إعلان الفوز بالتزكية لمواقع لا يوجد فيها أصلا آلية قانونية تحدد كيفية الترشح لها.