رسم رائد شرف
ملاحظات حول اقتراح يعقوبيان للعفو العامّ: محاولة لنقض مبدئية العفو العام
19/05/2026
أول قرار تمّ اتّخاذه بأغلبية أعضاء اللجان المشتركة في سياق درس اقتراح العفو العام الذي تقدّمت به كتلة الاعتدال، هو الموافقة على مبدئيّة العفو العامّ، وهي المبدئية التي يصبح العفو العام بفعلها هو القاعدة فيما تصبح المحاسبة هي الاستثناء. وهذا ما قاد النواب الحريصين على حماية حقوق المجتمع ضدّ الانتهاكات والجرائم بالغة الخطورة (ومنها الجرائم المالية والبيئية) إلى خوض معارك لتكريس بعض الاستثناءات على قاعدة العفو العامّ. وبذلك تحوّلت الإرادة المعلنة برفع المظلوميّة عن محكومين ومتّهمين إسلاميّين إلى مدخل واسع لقلب نظام العدالة رأسًا على عقب. من هنا تأتي أهميّة الاقتراح الذي قدّمته النائبة بولا يعقوبيان، لجهة نقض مبدئية العفو العام، وفق ما نبرزه في هذا التعليق (المحرر).
في ظلّ تركيز مجلس النواب جميع جهوده لنقاشات مسألة العفو العام، حيث عقدت اللجان المشتركة بحضور عدد كبير من النواب جلسات لدرس اقتراح قانون تقدم به نواب الاعتدال ورفاقهم، انضمت النائبة بولا يعقوبيان إلى هذا المسار عبر التقّدم في تاريخ 27/4/2026 باقتراح قانون يرمي إلى منح عفو عام عن بعض الجرائم. ويأتي اقتراح يعقوبيان بعيدًا في مضمونه عن ركائز معظم المسودات المقدمة في هذا الشأن ومنها مسودة كتلة الاعتدال والتي تنطلق من مبدئية العفو العام مع تعداد بعض الاستثناءات. بمعنى أنه يحدد الجرائم التي تستفيد من العفو بما يتناسب مع الأسباب الموجبة، بما يجعل العفو استثناء على مبدأ المحاسبة.
وفي مضمونه، يهدف الاقتراح إلى إقرار عفو عامّ عن بعض الجرائم المعدّدة فيه على سبيل الحصر والمرتكبة قبل 1 آذار 2026. وفي مقابل هذا التعداد، ينصّ الاقتراح على عفو عام مخفف يتمثل في تخفيض عقوبة جميع الجرائم غير المشمولة بالعفو العام بحيث تستبدل عقوبة الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبدة، وعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة عشرين سنة على أنّ تخفض العقوبات الأخرى سواء أكانت جنائية أم جنحية إلى نصفها. كما يلحظ الاقتراح مواد تنظّم آثار العفو وآليات تطبيقه وشروطه.
ويهدف الاقتراح، وفق أسبابه الموجبة، ليس إلى معالجة اكتظاظ السجون أو تخفيف العبء المالي عن الدولة، بل إلى معالجة واقع "إنساني وحقوقي مزر"، أحد أبرز أركانه تحوّل التوقيف الاحتياطي من تدبير استثنائي إلى عقوبة فعلية فضلا عن الخلل الكبير في المرفق القضائي. وقد اعتبرت مقدمة الاقتراح أن المشكلة لم تعد في القوانين، بل في واقع تعطّلها الذي لم يعد خطأ إجرائيًا، بل انحرافًا يمس جوهر العدالة ويضرب الثقة بالدولة. وبذلك، لا يُطرح الاكتظاظ كأزمة قائمة بذاتها، بل كنتيجة مباشرة لاختلال يتمثلّ في قضاء يؤجّل الفصل في القضايا ويُبقي الأفراد قيد الاحتجاز من دون أحكام. هذا وتؤكد الأسباب الموجبة للاقتراح أنه لا يستهدف الجرائم الخطيرة ولا يساوم على أمن وسلامة المجتمع، وأنه ليس حلًا مثاليًا، ولا بديلًا عن تسريع المحاكمات، لكنه الحد الأدنى الممكن لتفادي البطء في تحقيق العدالة، وقد أملاه بدون شكّ واقع استثنائي.
وفي حين وضعنا ملاحظاتنا على مضمون اقتراح العفو المقدّم من نواب الاعتدال والذي يشهد تعديلات عدّة داخل اللجان المشتركة قد علقنا على منهجية نقاشها، فإننا نعمد هنا إلى إبداء بعض الملاحظات حول الاقتراح المقدّم من النائبة يعقوبيان.
- رفض مبدئية العفو
بداية، يشار إلى أنّ هذا الاقتراح يستلهم من حيث المنهجية الطرح الذي سبق أن قدّمه نواب "اللقاء الديموقراطي" في اقتراحهم في 24/3/2026، لجهة اعتماد استثنائية العفو وحصره بجرائم معدّدة صراحة، خلافًا للمنطق المعتمد في اللجان المشتركة والقائم على مبدئية العفو وجعل الاستثناء هو القاعدة.
وعليه، يكتسب اقتراح يعقوبيان أهميته من هذه الزاوية لجهة اعتماده توجّه معاكس للتوجّه الذي انبنتْ عليه الاقتراحات موضوع نقاشات اللجان المشتركة. فبدل الانطلاق من مبدئية العفو العام الشامل لجميع الجرائم إلّا ما استثني منها في النصّ صراحة، يكرّس الاقتراح مبدئية المحاسبة، بحيث يبقى العفو استثناء محصورًا بجرائم محدّدة. ولا يقتصر الفرق هنا على تقنية الصياغة، بل يتعدّاه إلى إعادة توزيع أعباء النقاش، إذ يصبح توسيع العفو بحاجة إلى تبرير، بدل أن يكون تقييده هو الذي يتطلّب معركة داخل اللجان.
وتبرز أهمية هذا الخيار في ضوء المخاطر التي تنطوي عليها مبدئية العفو الشامل عدا عن كون إعلان هذه المبدئية نفسه مخالفًا للدّستور، سواء لجهة تسهيل تمرير إعفاءات عن جرائم خطيرة من دون نقاش كافٍ، أو لجهة فتح الباب أمام أي مدّعى عليه بالمماطلة والتّسويف من خلال تقديم دفوع شكلية، بحجّة أنّ جرمه مشمول بمبدئيّة العفو العامّ وخصوصا إذا تم صوغ الاستثناءات بطريقة عامة حمالة للمعاني.
- اختيار الجرائم المشمولة بالعفو
يعدد الاقتراح عددا من الجرائم المشمولة بالعفو على سبيل الحصر وهي: المخالفات، وبعض جرائم مخالفة قوانين البناء، و 56 جريمة يعدد الاقتراح موادها من قانون العقوبات معظمها جنح بسيطة محدودة الخطورة، كالجرائم المرتبطة بالتعبير وبالحريّات العامة والمطبوعات والجرائم الأخلاقيّة التي لا ترشح عن استغلال بأشخاص آخرين (المثلية، السكر العلني، التسول، التعرض للآداب العامّة..)، وجرائم اقتناء أو السلاح وإطلاق النار (شرط تسليم السلاح)، وبعض جرائم قانون القضاء العسكري (فرار، تخلف)، والجرائم المرتكبة من قبل الأحداث (ما عدا القتل)، وجرائم دخول بلاد العدو واكتساب جنسيته المرتكبة من المواطنين اللبنانيين المحددين حصراً في البند (2) من المادة الوحيدة في القانون رقم 194 تاريخ 2011/11/18 (معالجة أوضاع المواطنين اللبنانيين الذين لجؤوا إلى اسرائيل)، شرط التنازل أو التخلي عن جنسية العدو قبل عودتهم إلى لبنان في حال اكتسابهم لها، والجرائم التي اقترفت إتمامًا للجرائم المعفاة أو تحقيقًا لغاياتها أو التي رافقتها أو نتجت عنها، وجميع الجنح والمخالفات تبعًا لإسقاط الحق الشخصي. كما ينصّ الاقتراح على إطلاق سراح جميع المحكوم عليهم والموقوفين الذين تشخص حالتهم الصحية بالعمى أو الفالج أو بأيّ مرض عضال ميؤوس من شفائه أو الذين يعانون من مرض خطير يهدد حياتهم أو حياة الآخرين من السجناء، أو أصبحوا مقعدين غير قادرين على خدمة أنفسهم أو القيام بعمل ما.
وعليه، يعتمد الاقتراح مقاربة تقوم على شمول جميع المخالفات وعدد هام من الجنح تم تعدادها بصورة حصرية، وهو خيار يبدو متّسقًا مع الهدف المعلن، أي معالجة آثار التوقيف الاحتياطي وغيرها. ففي حين يفهم إعفاء المخالفات والجنح البسيطة في ظروف شهدت تعطيل المرفق القضائي، لا يفهم إعفاء الجرائم الخطيرة بذاتها كالجنايات أو الجرائم التي ترشح عن خطورة اجتماعية كبرى كالجرائم المالية والبيئية والإتجار بالبشر والتعذيب والاغتصاب، وكلها لم يشملها هذا الاقتراح بخلاف الاقتراح المقدم من كتلة الاعتدال. إلا أن الاقتراح يقبل النقد لجهة عدم العفو عن جرائم استخدام المخدرات.
كما يُسجّل على مستوى الصياغة بعض التوسّع في العبارات العامة، كإعفاء الجرائم التي اقترفت إتماما للجرائم المعفاة في هذه المادة أو تحقيقًا لغاياتها أو التي رافقتها أو نتجت عنها، وهو ما قد يفتح الباب أمام تفسيرات فضفاضة تؤدي عمليًا إلى توسيع نطاق العفو بما يتجاوز إرادة المشترع المعلنة.
- غياب الرؤية الإصلاحية
يثير الاقتراح، على غرار غيره من اقتراحات العفو، إشكالية غياب البعد الإصلاحي المفروض أن يرتبط بأيّ تشريع للعفو. ولئن برّرت مقدّمة الاقتراح العفو العامّ بظروف عدة منها اكتظاظ السّجون والأوضاع غير العادلة الناتجة عن سوء سير المرفق القضائي، إلّا أنّها لم تربط العفو بالمقابل بأيّ رؤية إصلاحية أو حتى بتوصيف فعليّ لأسباب هذه الأزمة. إذ لم تذكر الأسباب الموجبة تداعيات الأزمة المالية والتدخلات السياسية على المرفق القضائي كما لم تمهد الطريق للإصلاحات اللازمة لمعالجة هذه التداعيات بما يضمن عدالة أفضل ويمنع تكرار الظلم مستقبلًا. وعليه، خلت الأسباب الموجبة من أي التزام بالعمل لإصلاح المحكمة العسكرية أو القضاء الاستثنائي أو ضمان استقلالية القضاء أو تعديل قانون العقوبات أو تعديل شروط التوقيف الاحتياطي بصورة دائمة أو حتى التزام بتنمية مناطق تعاني من نسب عالية من الفقر إلخ… رغم أن يعقوبيان كانت من أهم النواب المبادرين للإصلاح في هذه المجالات والداعمين له.