من مجلس النواب إلى مجلس الوزراء: الرحلة البطيئة لاقتراح قانون الاتصالات

حلا نجّار

22/07/2026

انشر المقال

استعرض المرصد البرلماني في مقال سابق آلية تفاعل الحكومة مع اقتراحات القوانين التي يتقدّم بها النواب وتُحال إليها من مجلس النواب لإبداء الرأي، وذلك من خلال تكوين قاعدة بيانات خاصة بهذا التفاعل وتحليل المعطيات الناتجة عنها بغية الوصول إلى فهم أفضل للعلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في هذا المجال، واكتشاف الآليات التي تحكمها.

جرّاء ما تقدّم، كان من المفيد أن نتناول مثالًا عمليًا يوضح كيفية تعامل الحكومة مع أحد اقتراحات القوانين المحالة إليها والتي تهمّ المرصد البرلماني، وذلك من خلال استعراض مسار اقتراح قانون الاتصالات الجديد وتحليل ما يكشفه هذا الأمر عن الآليات البيروقراطية المتبعة داخل السلطة التنفيذية كي تتمكن من تكوين رأيها عن الموضوع.

مسار الاقتراح

بتاريخ 24 أيلول 2025 تقدّم كل من النواب حليمة القعقور، بوليت يعقوبيان وياسين ياسين باقتراح قانون الاتصالات الجديد، وقد أُحيل الاقتراح إلى الحكومة بتاريخ 30 أيلول 2025 لإبداء الرأي بشأنه. ومن اللافت أن الأمانة العامة لمجلس الوزراء وجّهت في اليوم نفسه كتابًا إلى وزارة العدل، طالبةً رأيها القانوني في الاقتراح.

وبتاريخ 6 تشرين الأوّل 2025، أحال المدير العام لوزارة العدل الملف إلى هيئة التشريع والاستشارات لإعداد الاستشارة المطلوبة.

وفي 8 تشرين الأول 2025، أبلغت هيئة التشريع والاستشارات الأمانة العامة لمجلس الوزراء أنها أحالت الاقتراح إلى وزارة الاتصالات، "كما طلبت منها إحالته إلى الهيئة المنظمة للاتصالات للوقوف عند رأيهما قبل إعداد الاستشارة المطلوبة".

وأخيرًا، بتاريخ 12 شباط 2026 واستجابةً لطلب هيئة التشريع والاستشارات وجّه الأمين العام لمجلس الوزراء كتابًا إلى كل من وزارة الاتصالات، المالية والأشغال العامة والنقل، طلبًا إبداء الرأي تمهيدًا لعرض الملف على مجلس الوزراء. 

وحتى تاريخه، أي بعد مضي ما يقارب عشرة أشهر على إحالة الاقتراح إلى الحكومة، لم يصل إلى مجلس النواب أي جواب من هذه الأخيرة، علما ان اللجان النيابية غير ملزمة بانتظار رأي الحكومة كي تشرع في دراسة الاقتراح، على الرغم من أن الحصول على هذا الرأي هو بلا شك أفضل، كونه يساعد النواب على تكوين صورة أكثر دقّة لكيفية تطبيق القانون في حال إقراره. 

التعاون بين السلطات

لا بد من التذكير هنا بأن إحالة اقتراحات القوانين إلى الحكومة تندرج ضمن مفهوم التعاون بين السلطات، إذ يحق للحكومة إبداء رأيها في المواضيع التي يناقشها البرلمان، لا سيما أن بعض الاقتراحات قد تكون لها تداعيات على السياسات العامة أو الخطط الحكومية التي قد لا يكون النواب على اطلاع كامل عليها.

وقد كرست المادة 102 من النظام الداخلي لمجلس النواب هذا المبدأ إذ نصت على أنه "على رئيس المجلس أن يحيل اقتراح القانون على اللجنة أو اللجان المختصة وإيداعه الحكومة للاطلاع إلا إذا كان النظام ينص على أصول خاصة".

ويتبين من هذا النصً، أن الحكومة غير ملزمة بالردّ على الاقتراحات التي تردها من مجلس النواب. كما أن غياب مهلة صريحة لإبداء الرأي يتيح لها الردّ على بعض الاقتراحات دون غيرها، أو حتى الامتناع عن الردّ كليًّا.

وفي جميع الأحوال، فإن جواب الحكومة، متى صدر، لا يشكّل قيدًا على مجلس النواب الذي يحتفظ بحريته التشريعية الكاملة. فبإمكانه الأخذ برأي الحكومة كليًا أو جزئيًا أو رفضه بالكامل. كذلك لا يجوز تعليق العمل التشريعي على ورود جواب الحكومة، لأن من شأن ذلك تعطيل صلاحيات البرلمان الدستورية والإخلال بمبدأ الفصل بين السلطات. فالتأخير غير المبرّر في إرسال الجواب قد يُرتّب مسؤولية سياسية على الحكومة وربما يعرّضها للمساءلة، لكنه لا يمكن أن يؤدي إلى شلّ السلطة التشريعية.

المسؤولية المشتركة عن التأخير

خلص المرصد البرلماني في مقاله المذكور إلى أن معدّل المدة الفاصلة بين تاريخ تسجيل الاقتراح وتاريخ إحالته إلى الحكومة يبلغ نحو 7.38 أيام، أي ما يقارب أسبوعًا واحدًا. أما بالنسبة إلى الاقتراح موضوع هذا المقال، فقد أُحيل إلى الحكومة خلال ستة أيام من تاريخ تقديمه، وهو ما ينسجم مع المعدّل العام الذي رصده المرصد.

في المقابل، تحتاج الحكومة إلى فترة أطول بكثير لإرسال جوابها. فقد تبيّن أن معدّل المدة الفاصلة بين تاريخ إحالة الاقتراح إلى الحكومة وتاريخ ورود جوابها يبلغ نحو 175 يومًا.وتبقى هذه المدة طويلة نسبيًا حتى مع الأخذ في الاعتبار العدد الكبير من الاقتراحات التي تتلقاها الحكومة بصورة دورية، والحاجة إلى استمزاج آراء إدارات وهيئات متعددة قبل بلورة موقفها النهائي وعرضه لاحقًا على مجلس الوزراء لإقراره، قبل إحالته إلى مجلس النواب.

ولا شك أن اقتراح قانون الاتصالات الجديد يعكس بوضوح حالة التأخير هذه، إذ بعد أكثر من أربعة أشهر على بدء دراسة الملف في الأمانة العامة لمجلس الوزراء ووزارة العدل، عادت الأمانة العامة وطلبت بتاريخ 12 شباط 2026 رأي وزارة الاتصالات، مع نسخ إلى عدد من الوزارات الأخرى. وحتى تاريخه، لم يصدر أي موقف نهائي عن الحكومة ولم يُرسل أي جواب إلى مجلس النواب، ما يعني أن المدة التي استغرقتها معالجة هذا الاقتراح تجاوزت أصلًا المعدّل العام الذي سجّله المرصد.

تكمن الفائدة الأساسية من جواب الحكومة في تمكين اللجنة النيابية المختصة من مناقشته والاستفادة منه خلال دراسة اقتراحات القوانين. ومن هنا، فإن التأخر في إرسال الجواب يضعف من جدوى هذه الآلية، إذ يحرم اللجنة من الاطلاع على موقف الحكومة في الوقت المناسب، بما يشكّل انتقاصًا من فعالية مبدأ التعاون بين السلطات.

لكن المستغرب هو أن تأخّر جواب الحكومة الذي بات أمرا متوقعا قابله تأخّر غير مفهوم من قبل رئيس مجلس النواب الذي لم يتخذ أي خطوة في هذا الموضوع لشهور طويلة، وهو لم يبادر إلى إحالة اقتراح قانون الاتصالات الجديد إلى اللجان النيابية المشتركة إلا بتاريخ 22 تموز 2026 بعد المؤتمر الصحفي الذي عقده النائب ياسين ياسين حول هذه المسألة في 20 تموز.

في الخلاصة، يمكن القول أن التأخير سواء في إحالة الاقتراح إلى اللجان أو في إرسال جواب الحكومة، من شأنه أن يفرغ آلية التعاون بين السلطتين من جزء مهم من مضمونها ويحدّ من فعاليتها عند بدء المسار التشريعي الفعلي، وهو أمر يجب أن يدفع بإعادة النظر بالنظام الداخلي لناحية توضيح المسار التشريعي ووضع مهل زمنية تسمح بتعقّب القوانين بطرق شفافة وعدم رهنها بمزاجية الأشخاص.