هل تنجح مساعي التوافق حول العفو العام قبل عيد الأضحى؟

سعدى علوه

16/05/2026

انشر المقال

يرفع موعد حلول عيد الأضحى في 27 أيار الجاري، وترجيح دعوة الهيئة العامة إلى جلسة تشريعية في مجلس النواب قبل العيد، أي خلال النصف الثاني من الأسبوع المقبل على الأرجح، من سخونة تجاذبات مناقشة اقتراح قانون العفو العام من جهة، والبحث عن مخارج تخفّف التوتّر الذي يسود المسار التشريعيّ لهذا القانون من جهة ثانية.

ويتركّز البحث حالياً في كيفية تنفيس الاحتقان حول اقتراح القانون منعاً لتفجيره، وبالتالي تطييره أو ترحيله إلى جلسة تشريعية أخرى، وخصوصاً بعد إلغاء موعد جلسة اللجان المشتركة الإثنين الماضي وعدم تحديد جلسة أخرى في اللجان نفسها حتى الآن. وهنا دعا نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب إلى جلسة "تشاورية" في مكتبه في مجلس النواب، وهي دعوة استدعتْ إعلان النائب وضاح الصادق عبر وسائل الإعلام أن النواب السنّة "كمجموعة، ونواب كتلتي القوات اللبنانية والكتائب ونواباً مستقلين، لن يشاركوا في الاجتماع المخصّص للعفو العام في المجلس النيابي".

وعلمت "المفكرة" أن بو صعب دعا إلى الاجتماع أيضاً ممثلين عن وزارة الدفاع وعن المؤسسة العسكرية، وأن البحث لن يقتصر على البنود الثلاثة الخلافيّة المرتبطة بتخفيض العقوبة والإدغام والإفراج عن كل موقوف أمضى 12 سنة من دون محاكمة، بل سيتطرّق أيضًا إلى ملف المخدرات والفارين إلى فلسطين المحتلة.

الدعوة إلى هذا الاجتماع رفعت درجة سخونة النقاش إلى حدّ الغليان، خصوصاً لدى ترافقه مع تأكيد مصادر نيابيّة أنّ استمرار الخلاف حول اقتراح قانون العفو العام سيدفع إلى نقله إلى الهيئة العامة للمجلس وحسْمه بالتصويت. وتطرح هنا أسئلة تتمحور حول المخارج المُتاحة في هذه الحالة: هل ستنجح اللجان المشتركة في وضع تقرير عن النقاشات التي دارت حول الاقتراح وإن تمّ ترحيل حسم الخلاف بشأن بعضها إلى الهيئة العامة؟ وفي حال لم تنجح في ذلك، فما هو الاقتراح الذي سيُطرح على الهيئة العامة للتصويت؟ هل هو اقتراح الاعتدال أم أيضا الاقتراحات الأخرى التي تم تقديمها مؤخّرًا، ومنها اقتراح قانون النائب بلال عبدالله وآخرين واقتراح قانون النائبة بولا يعقوبيان أو أي اقتراح معجل مكرر قد يقدمه أي من النواب يتضمن ما توافق عليه النواب في اللجان المشتركة؟ وهي تساؤلات يطرحها النواب الذين ستشارك نواب من كتلهم في الجلسة المصغرة. كما يطرحه بعض النواب من الطائفة السنية الذين اعتبروا "أن ما قاله النائب الصادق لا يعبّر عن كل النواب السنة"، وقد أضاف بعض هؤلاء: "من طلب منه التحدث باسمنا؟".

يرد النائب وضاح الصادق على هذه الأسئلة بالتأكيد أنه لم يتحدث باسم كل النواب السنة "بل باسم المجموعة التي شاركت في اجتماع الحوار حول القانون الذي رعاه رئيس الجمهورية جوزاف عون الأحد الماضي في بعبدا، والتي تضمّ إلى الصادق النواب أشرف ريفي وأحمد الخير (يمثل من تبقى من تكتل الاعتدال، أي ثلاثة نواب) وفراس حمدان، وغادة أيوب (تمثل كتلة القوات اللبنانية) وسليم الصايغ (يمثل كتلة الكتائب) وميشال معوض، كما أبلغني اليوم النائب فيصل كرامي أنه معنا بالموقف مع كتلته التي تضم خمسة نواب هو من ضمنهم".

وأكد أحد النواب من بين الذين عددهم الصادق في تحالف رفض حضور اجتماع الإثنين، أن هؤلاء سيشاركون في الاجتماع التشاوري في حال عدل بو صعب عن دعوة ممثلي الجيش إليه، منعاً مما أسماه هذا النائب "استهداف رئيس الجمهورية وتسوية بعبدا". وأضاف هذا النائب "أننا لن نقبل باستهداف رئيس الجمهورية ولا اعتبار التسويّة التي رعاها في بعبدا وكأنّها غير موجودة، وهذا ما تدلّ عليه دعوة الجيش للاجتماع رغم حسم مسألة تخفيض العقوبات على أساس 20 سنة فعلية للإعدام و20 سنة سجنيّة للمؤبد في بعبدا". من جهته يؤكد الصادق على كلام النائب زميله بالقول: "نعم هذا ما قلته وتوافقنا عليه نحن الذين عددتهم"، مشيراً إلى أن هذا القرار لا يستهدف المؤسسة العسكرية بالطبع وإنما يمنع استعمال الاجتماع لنسف تسويّة بعبدا والالتفاف على الحوار الذي رعاه رئيس الجمهورية واعتباره كأنه لم يحصل".

ووفق الصادق ونواب ممن حضروا الأحد ما سمي لاحقاً "برعاية رئيس الجمهورية حوار الوصول إلى تسوية في بعبدا"، يشترط هؤلاء النواب لحضور اجتماع الإثنين، عدم فتح باب النقاش حول المخدرات والمبعدين والفارين إلى فلسطين المحتلة "لأنه سبق وانتهى النواب في اللجان المشتركة من هذين الملفين وجرى التوافق على ما يرتبط بهما، والتصويت أيضاً، وهما دستورياً منتهيان، وأن من لديه أيّ ملاحظات بخصوصهما أو تعديلات فليطرحها عند التصويت في جلسة الهيئة العامة". ويطالب هؤلاء بالدعوة إلى عقد جلسة في اللجان النيابية المشتركة لمتابعة النقاش بين مختلف الكتل النيابية "وليس التشاور فقط"، في غمز للصفة التشاورية التي ينعقد تحت لوائها اجتماع الاثنين.

في المقابل، تؤكد مصادر نيابية أن الاجتماع التشاوريّ الذي دعا إليه بو صعب قد يخرج بتعديلات توافقيّة للبنود الثلاثة محور الخلاف، وعندها يمكن لنائب رئيس مجلس النواب، أي إلياس بو صعب، أن ينجز تقريراً نهائياً عن اقتراح القانون مع التعديلات كافة ويودعه مكتب المجلس ويدرجه المكتب أو الرئيس نبيه بري على جدول أعمال جلسة الهيئة العامة المرتقبة. إلا أن هذا الطرح لا يستقيم مع الأصول البرلمانية حيث أن وضع تقرير كهذا يستدعي اختتام جلسات المناقشة في اللجان المشتركة وليس في لجنة تشاورية مصغرة.  

ويؤكد مصدر نيابي آخر أن طبيعة جلسة الهيئة العامة التشريعية المقبلة تتّسع لاقتراحات قوانين بصيغة "معجل مكرر"، وبالتالي يمكن للرئيس بري طرح أي اقتراح برفعه إليه إلياس بو صعب أو أي نائب من روحية مناقشات اللجان المشتركة بهدف التصويت على صفته (معجل مكرر) وعلى مضمونه. ويتوقع هذا المصدر عدم الدعوة إلى جلسة للجان المشتركة الأسبوع المقبل، بنسبة "80% لغاية الساعة"، مؤكداً أن التوافق على اقتراح القانون ضروري "وإلا قد لا يمر في الهيئة العامة، فهل نعود إلى نقاشه من جديد؟". 

وفي ضوء التعديلات سواء تلك التي نتجت عن تسوية بعبدا أو التي أوصت بها لجنة نيابية اقترحت تعديلات على البنود الخلافية الثلاثة في اقتراح قانون العفو العام، نحن أمام صيغتين: 20 سنة سجنية فعلية للإعدام و20 سنة سجنية للمؤبد، وتبني الإدغام على أساس الحكم الأعلى لسبعة أحكام وما دون، والحكم الأعلى زائداً النصف لثمانية أحكام وما فوق، وإفادة الموقوف لمدة 12 سنة من دون محاكمة في حال عدم وجود حكم في سجله. وهي بنود تسوية بعبدا التي رعاها رئيس الجمهورية، وهي تسوية يؤكد النائب أشرف ريفي للمفكرة أن رئيس الحكومة ودار الفتوى وجزء كبير من النواب السنة يوافقون عليها. في المقابل، طرح بعض النواب السنة ما سمي بـ "البنود التي لا يمكن التنازل عنها"، حيث اقترحوا عشرين سنة سجنية للإعدام و15 إلى 17 سنة للإعدام (في حال عدم القبول بـ 15 سنة) وحصر الإدغام بالحكم الأعلى بغض النظر عن عدد الأحكام، وإطلاق سراح الموقوف لمدة 12 سنة من دون محاكمة في الملف الذي أوقف به. واقترحوا اعتماد السنة السجنية ستة أشهر لمرة واحدة فقط. وهي مقترحات لا تتناغم أو تتوافق مع تسوية بعبدا.

وعلمت "المفكرة" أن اجتماعاً سيعقد عند الواحدة والنصف من بعد ظهر السبت 16 أيار في منزل النائب بلال الحشيمي للنواب السنة الـ 21 للتباحث في الواقع الذي وصل إليه المسار التشريعي لاقتراح قانون العفو وكذلك الموقف من المشاركة في اجتماع الإثنين الذي دعا إليه بو صعب.

ومع النقاش المفترض، يشعر متابع المسار التشريعي للعفو العام بتقاذف اتهامات ومسؤوليات تعطيل النقاش من هنا ومن هناك، بين القوى السياسية المعنية بالفئات التي هي بالأساس جرمية، أي فئات الجرائم المشمولة أو المستثناة من العفو العام، ولكنها للأسف تتخذ بعداً طائفياً ومناطقياً.

فالعفو العام الذي يطال مروحةً كبيرة من فئات المجتمع في لبنان، يعني كل اللبنانيين بأبعاده كافة، لكنه للأسف اكتسب مع الوقت، وبشكل واضح وفاقع، صبغة فئوية طائفية، تُخرج النقاش من إطار المصلحة العامة والبعد الحقوقي، وأزمة السجون وإصلاح القضاء وضمان المحاكمة العادلة، إلى تعميق الانقسام بين الفئات المعنية بالعفو العام وبين ممثليها في البرلمان. وبذلك يصبح من الطبيعي أن تنقسم البلاد بين ملف الإسلاميين الذي قيدت تحت لوائه محاولة توحيد الطائفة السنية رئيس حكومة ودار فتوى ونواب وفعاليات، فيما يرفع البطريرك الماروني والأحزاب ذات الطابع المسيحي، الصوت بخصوص الفارين من ميليشيا جيش لحد إثر تحرير العام 2000 مع عائلاتهم، كما يتعمق حصر الموقوفين والمحكومين والمطلوبين بقضايا المخدرات بمنطقة بعلبك الهرمل، وبأبنائها من الشيعة تحديداً، وممثليهم في كتلتي الوفاء للمقاومة والتنمية والتحرير.

كل ذلك يحصل، ومعه تعميق الخلافات السياسية بين الأفرقاء كافة، بالرغم من أن المتهمين والموقوفين والمحكومين بقضايا إرهاب وقتل عسكريين، عابرون للطوائف، وكذلك الذين تعاملوا مع الاحتلال الإسرائيلي قبل العام 2000.