من موقع الوزارة الرسمي

وزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعيّ: حوكمة رقميّة أم مركز صلاحيّات جديد؟

وسيم منصور

19/05/2026

انشر المقال

لا يحتاج لبنان إلى إقناع إضافيّ بأهميّة التكنولوجيا، ولا إلى إثبات أنّ الذّكاء الاصطناعيّ بات جزءاً من مستقبل الإدارة العامة والاقتصاد والخدمات. لكن الحاجة إلى التحوّل الرقميّ لا تبرّر القفز إلى إنشاء هياكل مؤسساتيّة جديدة قبل حسم السؤال المؤسسيّ الأسبق: أي نموذج للحوكمة الرقمية يحتاجه لبنان؟

من هذه الزاوية، لا تكمن إشكاليّة مشروع قانون إنشاء "وزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي” الذي أحالتْه الحكومة إلى المجلس النيابي بموجب المرسوم رقم 1286 الصادر في  تاريخ 19/9/2025 في عنوانه وحده، بل في النموذج المؤسساتيّ الذي يقترحه. إذ أن المشروع لا ينشئ وزارةً محدّدة الاختصاص بقدر ما يقترح إنشاء مركز ذي صلاحيات مضخّمة، يجمع تحت مظلّته ملفّات متباينة تشمل التحول الرقمي، والحكومة الذكية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقميّ، والأمن السيبراني، وحماية البيانات، والابتكار، والتدريب، والاستثمار، والشراكة مع القطاع الخاصّ.  



 

من وزارة متخصصة إلى "دولة رقميّة داخل الدولة"

يُظهر مشروع القانون منذ مواده الأولى أنه لا يكتفي بإنشاء وزارة للتكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي بالمعنى الضيق، بل يمنحها ولاية واسعة تتّصل بالرقمنة، والابتكار، والاقتصاد الرقمي، والأمن السيبراني، وحماية البيانات. وهذا يطرح سؤالاً أساسياً: هل المطلوب وزارة جديدة، أم جهة تنسيق، أم هيئة تنفيذية، أم مرجعية تنظيمية؟

خطورة هذا التوسع أنه لا يضيف اختصاصاً واضحاً إلى هيكل الدولة، بل يفتح مجالاً لإنشاء “مظلة رقمية” فوق مؤسسات قائمة أصلاً. فلبنان لا يبدأ من فراغ: هناك وزارة اتّصالات، وهيئة ناظمة للاتصالات يفترض أن تكون جزءاً من إصلاح القطاع، وجهات معنيّة بالتنمية الإدارية والتحوّل الإداري، ولجنة وطنية للأمن السيبراني، ووزارات وإدارات تمتلك بياناتها وأنظمتها ومنصّاتها. لذلك، فإن إنشاء وزارة جديدة من دون إعادة هندسة العلاقة بين هذه الجهات قد لا يحلّ مشكلة التشتّت، بل يضيف إليها طبقة جديدة من التداخل.

ففي فرنسا مثلاً، تضطلع المديرية المكونة من وزارات عدّة للشؤون الرقمية — Direction interministérielle du numérique (DINUM) بدور تنسيقي وداعم بين إدارات الدولة في مجال التحوّل الرقمي، بما يعكس نموذجاً يقوم على التنسيق العابر للوزارات، لا على تجميع الوظائف الرقمية كلها داخل وزارة واحدة.



 

المادة الرابعة تكشف الخلل البنيوي

تشكّل المادة الرابعة مفتاحاً أساسياً لفهم الخلل في مشروع القانون. فهي تبدأ بعبارة لافتة: "مع مراعاة صلاحيات ومهامّ الوزارات المختصّة ذات الصلة، وبالتنسيق معها”، ثم تضيف أنّ الوزارة تتولّى مهامّها “على سبيل المثال لا الحصر”.

هذه الصياغة تكشف أن الاختصاصات المقترحة ستتقاطع مع وزارات وجهات قائمة، من دون أن تحدد آلية التنسيق أو مرجعية الحسم عند التعارض. والأخطر أنّ عبارة “على سبيل المثال لا الحصر” تفتح نطاق اختصاص الوزارة على مهامّ واسعة وغير محصورة، وهو ما لا ينسجم مع منطق قوانين إنشاء الوزارات، حيث يفترض أن تكون الصلاحيات محدّدة غير قابلة للتمدّد المفتوح. 

لذلك، لا تبدو المادة الرابعة تنظيماً للاختصاص بقدر ما تبدو إقراراً ضمنياً بأن الهندسة المؤسساتية للمشروع غير محسومة منذ البداية.

 

وزارة سياسات أم جهاز تنفيذ أم جهة تنظيمية؟

من أبرز مشكلات مشروع القانون أنه لا يحسم طبيعة الوزارة المقترحة. فهي تجمع بين أدوار متباينة: وضع السياسات، تنفيذ المشاريع، تنظيم القطاع، ودعم الابتكار والاستثمار في المجال الرقمي.

هذا الخلط يولّد مشكلة حوكمة واضحة، لأنّ النماذج المؤسساتيّة السّليمة تميّز عادةً بين من يضع السياسة، ومن ينفذ، ومن ينظم، ومن يراقب. أما هنا، فتتجمع هذه الوظائف داخل جهة واحدة، ما يضعف المساءلة ويجعل حدود المسؤولية ضبابية: فإذا فشل مشروع رقمي، أو وقع خرق سيبراني، أو حصل تعارض مع جهة قائمة، فمن يتحمل المسؤولية؟

لذلك، لا تبدو الوزارة المقترحة أداة حوكمة بقدر ما تبدو مصدراً محتملاً لتداخل مؤسساتي جديد.

 

لغة تشريعية أقرب إلى الخطاب الترويجي

لا تقتصر إشكالية المشروع على توزيع الصلاحيّات، بل تمتدّ إلى لغة النصّ نفسه. فهو يستخدم عبارات مثل “الحكومة الذكية” و”الاقتصاد الرقمي” و”الذكاء الاصطناعي” بطريقة واسعة، من دون أن يحدد معناها القانوني أو يحوّلها إلى معايير قابلة للقياس والتنفيذ.

فعندما يتحدث النصّ عن “الحكومة الذكية”، يفترض أن يوضح ما المقصود بها: هل هي الخدمات الرقمية، أم الربط بين الإدارات، أم الهوية الرقمية، أم المنصات المشتركة، أم تحويل الإجراءات الإدارية إلى مسارات إلكترونية تلقائيّة؟ فالقانون لا يقوم على العناوين الجذّابة، بل على تحديد الاختصاصات والمعايير والآليات. وكلما بقيت المفاهيم فضفاضة، اتّسعت سلطة الإدارة في التفسير وتراجعت قدرة الرقابة على المحاسبة.

 

ذكاء اصطناعي بلا حوكمة ذكاء اصطناعي

رغم أن الذكاء الاصطناعي حاضر في اسم الوزارة وفي فلسفة المشروع، فإنّ النص لا يضع إطاراً فعلياً لحوكمته. فالحوكمة الجديّة لهذا المجال لا تعني تشجيع استعماله فقط، بل تتطلّب قواعد واضحة للشفافية، والمساءلة، وحماية الحقوق الأساسيّة، وتدقيق الأنظمة، وضبط استخدام البيانات.

لذلك، يتعامل المشروع مع الذكاء الاصطناعيّ كعنوان تنمويّ أكثر منه كموضوع قانوني يحتاج إلى ضوابط. فالدولة التي تريد استخدامه في خدماتها العامّة وقراراتِها الإداريّة لا تحتاج إلى وزارة تحمل اسمه فحسب، بل إلى قواعد تحدّد متى يجوز استعماله، ومن يراقبه، وكيف تُراجع مخرجاته أو القرارات المبنية عليه، وكيف تُمنع التحيّزات وسوء استخدام البيانات.

من دون هذه الضوابط، يصبح الذّكاء الاصطناعيّ شعاراً داخل قانون إنشاء وزارة، لا منظومة حوكمة فعلية.

 

البيانات الوطنية والسيادة الرقمية: القاعدة الغائبة

لا يمكن بناء سياسة جدية للذكاء الاصطناعي أو التحوّل الرقميّ من دون حوكمة بيانات واضحة، لأن البيانات هي الأساس الذي تقوم عليه الدولة الرقمية. لكن المشروع لا يضع إطاراً متكاملاً لهذه الحوكمة، سواء في ما يتعلق بتصنيف البيانات، أو مشاركتها بين الإدارات، أو مسؤولية إدارتها، أو استضافتها، أو معايير التكامل بين الأنظمة.

كما لا يوضح بما يكفي العلاقة بين حماية البيانات الشخصية وبين استخدامها الإداري والاقتصادي. وفي هذا السياق، تبرز في فرنسا اللجنة الوطنية للمعلوماتية والحريات — Commission nationale de l’informatique et des libertés (CNIL) كسلطة إدارية مستقلة لحماية البيانات الشخصية، بما يفصل بين وظيفة الرقمنة واستعمال البيانات من جهة، ووظيفة حماية الحقوق من جهة أخرى.

لذلك، يبدو المشروع وكأنه يقفز إلى الذكاء الاصطناعي قبل أن يبني الأساس القانوني والمؤسسي للبيانات التي يقوم عليها.

 

الأمن السيبراني: ملفّ سياديّ لا مديريّة عادية

من أكثر النقاط حساسية في المشروع إدراج الأمن السيبراني وحماية البيانات ضمن مهام وهيكلية وزارة سياسية جديدة. فالأمن السيبراني ليس مجرد وظيفة إدارية أو تقنية داخل وزارة، بل ملف سيادي يرتبط بحماية البنى التحتية الحيوية، واستمرارية المرافق العامة، والاتصالات، والطاقة، والقطاع المالي، والبيانات العامة والخاصة.

وهذا النقاش ليس نظرياً ولا جديدا. فقد سبق أن أنتج لبنان في إطار الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني، تصوّراً لإنشاء الوكالة الوطنية للأمن السيبراني ونظم المعلومات — National Cyber Security and Information System Agency (NCISA)، بوصفها مرجعية وطنية متخصصة تعكس الطبيعة العابرة للوزارات لهذا الملف. وهذا يعني أن أي مشروع جديد يجب أن يُقرأ في ضوء هذا المسار، لا كأنه يبدأ من فراغ أو يعيد صياغة المشكلة من نقطة البداية.

 

لذلك، تحتاج حوكمة الأمن السيبراني إلى مرجعية وطنية ذات قدرة تنسيقية عالية، وعلاقة واضحة بمجلس الوزراء والجهات الأمنية والتنظيمية. وفي فرنسا، تمثل الوكالة الوطنية لأمن نظم المعلومات — Agence nationale de la sécurité des systèmes d’information (ANSSI) نموذجاً لوكالة وطنية مرتبطة بمنظومة رئيس الحكومة والدفاع والأمن الوطني، ما يؤكد أن هذا الملف يُدار غالباً كمسألة سيادية لا كمديرية عادية داخل وزارة رقمية.

والأخطر أن الأمن السيبراني يحتاج إلى ثقة واستمرارية ومعايير تقنية مستقرة، وهذه الشروط لا تتحقق بمجرد إنشاء مديرية جديدة، خصوصاً إذا بقيت الحدود بينها وبين المرجعيات القائمة غير واضحة. وعليه، فإن إدراج هذا الملف داخل وزارة جديدة قد يضيف طبقة إضافية من التداخل بدل أن يقدّم حلاً مؤسسياً أكثر وضوحاً.

 

مشروع طموح بلا نموذج تمويل وتنفيذ واقعي

يطرح المشروع مهامّ واسعة وطموحة، لكنه لا يجيب بما يكفي عن الأسئلة التنفيذيّة الأساسيّة: من سيموّل هذه الوزارة؟ ما حجم الموازنة المطلوبة لتشغيلها وتنفيذ مهامها؟ وكيف ستستقطب الدولة خبرات في الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وهندسة البيانات، والحوسبة السحابية، في ظلّ نظام أجور لا ينافس القطاع الخاص؟

هذه ليست تفاصيل لاحقة، بل جزء من التصميم المؤسسيّ نفسه. فالمجال الرقمي يحتاج إلى كادر متخصص، وتمويل مستدام، وآليات شراء عامّ مناسبة للتكنولوجيا، ونظام عمل مرن. ومن دون ذلك، قد تتحول الوزارة إلى هيكل إضافي لا يملك أدوات التنفيذ الفعلي.

وهنا يكمن الخطر الحقيقيّ: أن ينتج المشروع توقّعات عالية من دون قدرة موازية على الإنجاز، ما يعمّق فجوة الثقة بين الدولة ومشاريعها الرقمية.

 

تضخم هيكلي قبل وضوح الوظيفة

يذهب المشروع سريعاً إلى بناء هيكل إداري جديد واسع الصلاحيات، قبل أن يحسم السؤال الأول: ما هي الوظيفة المطلوبة أصلاً؟ هل المقصود وزارة سياسات، أم هيئة تنفيذية للتحوّل الرقمي، أم جهة تنظيمية رقمية، أم مركز للأمن السيبراني، أم وكالة ابتكار؟

هذا ترتيب معكوس. ففي الإصلاح الإداري، تبدأ الدولة بتحديد المشكلة، ثم الوظيفة، ثم النموذج المؤسسي الأنسب، ثم الهيكل. أما هنا، فيبدو أن إنشاء الوزارة يسبق تحديد موقعها في منظومة الدولة.

وفي بلد يعاني أصلاً من تضخمٍ إداريّ وضعفٍ في فعالية المؤسسات، لا ينبغي أن يكون الحل الأول هو إضافة جهاز جديد واسع الصلاحيات. إذ أنّ خطر البيروقراطية الرقمية لا يقل عن خطر غياب الرقمنة نفسها.

 

البنية التحتية قبل الذكاء الاصطناعي

لا يمكن فصل مشروع الوزارة عن واقع البنية التحتية في لبنان. إذ أن الحكومة الذكية والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية المتقدمة تحتاج إلى كهرباء مستقرة، وإنترنت موثوق، وشبكات ألياف، واستضافة آمنة، وربط فعلي بين الإدارات، وبيانات منظمة.

لكن ترتيب الأولويات في المشروع يبدو مقلوباً: فهو يبدأ من الذكاء الاصطناعي والحكومة الذكية والاقتصاد الرقمي، قبل أن يوضح كيف ستُبنى القاعدة التي تجعل هذه العناوين قابلة للتطبيق. فالذكاء الاصطناعي لا يقوم من دون بيانات موثوقة، والحكومة الذكية لا تنجح من دون بنية تحتية وربط مؤسسي فعلي.

 

استلهام التجارب الدولية من دون شروط نجاحها

يبدو المشروع متأثراً بالخطاب العالمي، ولا سيما الخليجي، حول الذكاء الاصطناعي والحكومة الذكية والاقتصاد الرقمي. وقد تُستحضر هنا تجربة الإمارات، لكن المقارنة يجب أن تكون دقيقة: فالذكاء الاصطناعي هناك جاء بعد مسار طويل من بناء بنية اتصالات متقدمة، وحكومة إلكترونية، وهوية رقمية، وحوكمة مركزية فعالة، وقدرات تمويلية وتنفيذية كبيرة.

أما في لبنان، فيخشى أن يتمّ استلهام العنوان من دون استلهام المسار. فالنجاح لا ينتج من نسخ المصطلحات أو الهياكل، بل من توفير شروطها الأساسية: بنية تحتية، وحوكمة بيانات، ومؤسسات واضحة، وتمويل، وكفاءات. ومن دون ذلك، قد تتحول الوزارة المقترحة إلى واجهة رمزية أكثر منها أداة للتحول.

 

تقرير اللجنة النيابية: تحسين النصّ لا مساءلة النموذج

تظهر قراءة تقرير لجنة تكنولوجيا المعلومات والتعديلات المقترحة أن النقاش النيابي انصبّ أساساً على تحسين بعض الصياغات وتعديل بعض المهام، فيما بقي السؤال الأهمّ خارج المعالجة: هل أن إنشاء هذه الوزارة هو النموذج الصحيح أصلاً، أم أنه يعمّق تشتت الحوكمة الرقمية؟

قد تُحسّن التعديلات بعض المواد، لكنها لا تكفي إذا بقيت طبيعة الوزارة وصلاحياتها وعلاقتها بالمؤسسات القائمة غير محسومة. لذلك يبدو النقاش أقرب إلى تنقيح نص قائم منه إلى مساءلة النموذج المؤسساتي الذي يقوم عليه.

وكان الأجدى أن يبدأ النقاش من خريطة الدولة الرقمية في لبنان: ما هي المؤسسات القائمة؟ ما الذي يجب دمجه أو فصله؟ وما الذي يحتاج إلى جهة مستقلة أو تنفيذية متخصصة؟ من دون هذه الخريطة، يصبح تعديل النص معالجة جزئية لمشكلة أعمق.

 

قبل وزارة الذكاء الاصطناعي، من يحكم الدولة الرقمية؟

لا يعني نقد مشروع القانون رفض التكنولوجيا أو التقليل من أهمية الذكاء الاصطناعي، بل العكس. فلبنان يحتاج إلى حوكمة رقمية واضحة، واستراتيجية وطنية ملزمة، وتنظيم لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وحماية للبيانات، وأمن سيبرانيّ وطني.

لكن هذه الشروط تسبق سؤال إنشاء الوزارة، لا العكس. فالبديل لا يكون بزيادة العناوين المؤسسية، بل بترتيب الأولويات: صلاحيات واضحة، جهة تنفيذية قادرة، إطار قانوني للبيانات والمعاملات الرقمية، ومرجعية سيبرانية متخصصة. بعد ذلك فقط يصبح النقاش حول وزارة مستقلة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي نقاشاً ذا معنى.

السؤال الحقيقي، إذن، ليس ما إذا كان لبنان يحتاج إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. الجواب واضح: نعم. السؤال هو: من يحكم الدولة الرقمية، ومن يقرر، ومن ينفذ، ومن يحاسب؟