اقتراح قانون “اللقاء الأرثوذكسي”: المناكفة السياسيّة التي تخفي أسئلة جوهريّة

وسام اللحام , نيقولا غصن

02/04/2025

انشر المقال

تقدّم بتاريخ 24 آذار 2025 نواب من تكتل لبنان القوي هم سيزار أبي خليل وجورج عطالله وسامر التوم وسليم عون ونقولا صحناوي باقتراح قانون يرمي إلى تعديل نظام انتخاب أعضاء مجلس النواب تحت مسمّى اقتراح “اللقاء الأرثوذكسي”. ويُشار إلى أن هذا الاقتراح استعاد اقتراحا قدّم سابقًا سنة 2013 من الجهة السياسيّة نفسها، مع إدخال بعض التعديلات عليه. 

تأتي هذه المبادرة التشريعيّة المتكررة من قبل التيار الوطني الحرّ، ولو تخلّلها بعض التعديلات التقنيّة التي لا تمسّ بجوهر النظام الانتخابي المعتمد، لتشكّل ردًا على الحراك النيابي الذي قام به النائب علي حسن خليل في اجتماع اللجان المشتركة في 24 آذار 2025 والذي أعاد من خلاله على بساط البحث مسألتيْ قانون الانتخابات النيابية وإنشاء مجلس الشيوخ، في توقيت ومضمون أثار حفيظة النواب المسيحيين لا سيّما بسبب طرحه قانون انتخاب يجعل لبنان دائرة واحدة انتخابيّة وبالتالي يغرق الصوت المسيحي في أصوات الأكثريّة العدديّة المسلمة. 

وقد جاء ردّ نواب التيار الوطني الحرّ بإعادة تقديم اقتراح اللقاء الأرثوذكسي الذي يجعل من أتباع كل طائفة دائرة انتخابية في كلّ لبنان، قائمة بذاتها بحيث يتم حصر انتخاب نواب الطائفة بالناخبين الذين ينتمون إداريا إلى هذه الطائفة.  

ومن اللافت أنّ الأسباب الموجبة المرفقة بالاقتراح الحالي هي نفسها تلك التي كانت مرفقة بالاقتراح حين قدّم سنة 2013 إذ نصت على أنّ “التساوي بين المسيحيين والمسلمين في توزيع المقاعد النيابية لا يعني التساوي في عدد النواب من الفئتين فقط، بل يعني أيضا وبالضرورة التساوي بين ناخبي الفئتين في إنتاج أعضاء البرلمان، وإلا فقدت هذه المادة معناها وروحها وفعاليتها”. وأضافت الأسباب الموجبة أنّه يقتضي “الحدّ من الصراعات التي تبدو في بعض الأحيان وكأنها بين الطوائف، من خلال نقل التنافس إلى داخل كل طائفة”، علمًا أنّ القوانين الانتخابيّة السابقة لا سيّما تلك التي اتّبعت النظام الأكثري “قد انتهكت بصورة صارخة، ولكن بنسب متفاوتة، القاعدة الدستورية والميثاقية المتقدم ذكرها وأوقعتنا في غبن طائفي خطير نجم عن تمكين ناخبي بعض الطوائف من التحكم بفوز عدد وافر من مرشحي طوائف أخرى إلى البرلمان من دون منح الطوائف الأخيرة قدرة مقابلة”. 

وكان من البارز أنّ الأسباب الموجبة لم يتمّ تحديثها لكي تواكب التطوّرات القانونيّة التي حصلت منذ سنة 2013 بحيث أنّها تطالب بالانتقال من نظام الاقتراع الأكثري إلى النظام النسبي وهو الأمر الذي تمّ بالفعل باعتماد قانون الانتخاب رقم 44 سنة 2017 والذي لا يزال نافذًا حتّى اليوم. 

وكذلك لا بدّ من الملاحظة أنّ الاقتراح الحالي لا يختلف من حيث النظام الانتخابي عن اقتراح 2013 لكنّه يعمد إلى إدخال تعديلات تقنيّة تتعلّق بسير العمليّة الانتخابيّة أبرزها : 

  • إضافة كوتا نسائية من 18 نائبة (المادة 2-ب)،
  • إضافة ستة مقاعد للمغتربين (المادة 2-ج)،
  • إضافة مادة لمهام هيئة الإشراف على الانتخابات (المادة 4)،
  • تعديل بشأن تشكيل اللائحة لا سيما تعيين مدقق حسابات وطلب شهادة مصرفية تثبت فتح حساب بإسم مفوض اللائحة (المادة 5)،
  • إضافة مادة خاصة بالبطاقة الإلكترونية (المادة 7)،
  • إضافة فقرة تخصّ الناخبين غير المقيمين في موضوع تنظيم مراكز الاقتراع (المادة 8)،
  • تعديل في عدد الأقلام لكلّ مندوب (المادة 9).

وبما أنّ هذه التعديلات تتسم بالطابع التقني وليس من شأنها تعديل جوهر النظام الانتخابي، فإنّ المفكّرة القانونيّة تحيل إلى تعليقها السابق على الاقتراح بصيغته التي قدّم بها سنة 2013، كما أنّها تضيف على ما تقدّم الملاحظة التالية: 

“إن حصريّة انتخاب النائب من أبناء طائفته قد يشكّل مخالفة للمادة 27 من الدستور التي تنص على التالي: “عضو مجلس النواب يمثّل الأمة جمعاء ولا يجوز أن تربط وكالته بقيد أو شرط من قبل منتخبيه”. فالمادة 24 من الدستور التي تنص على أنّ المقاعد في مجلس النواب يجب أن توزّع مناصفة بين المسيحيين والمسلمين لا تعني بالضرورة حصر انتخاب النائب بأبناء طائفته لا سيّما وأنّ كلّ الانظمة الانتخابيّة التي عرفها لبنان منذ 1922 كانت قد تبنّت فكرة الهيئة الانتخابية الواحدة (collège électoral unique) أي أنّ جميع الناخبين اللبنانيين من جميع الطوائف يشاركون بانتخاب نواب الدائرة. 

لا بل أكثر من ذلك، اعتبر المجلس الدستوري في قراره رقم 2 تاريخ 8 حزيران 2000 صراحة أن النائب لا يمثّل طائفته لا بل أنّ حصر تمثيله بطائفته يشكّل مخالفة للمادة 27 من الدستور كونها تنص “على أنّ عضو مجلس النواب يمثل الأمّة جمعاء ولا يمثّل طائفته أو منطقته أو حتى أولئك الذين انتخبوه، بدليل أن النائب لا ينتخب من أبناء طائفته ولكن من جميع الناخبين في الدائرة الانتخابية على اختلاف طوائفهم.” ويتابع المجلس الدستوري تحليله فيعتبر “أن القانون الذي يسنه مجلس النواب يتم إقراره منهم بوصفهم ممثلين للشعب اللبناني، وفقا للمادة 27 من الدستور وليس بوصفهم ممثلين للطوائف، وإلا لكان لكل مجموعة من النواب تنتمي الى طائفة معينة حق الاعتراض على أيّ مشروع أو اقتراح قانون يتناول تنظيم أوضاع الطوائف أو حقوقها التي تنتمي إليها هذه المجموعة، والحؤول بالتالي دون إقراره، وهو الأمر الذي يتعارض وأحكام الدستور والمرتكزات الدستورية الأساسية التي يقوم عليها نظام المجتمع وكيان الوطن، والمنصوص عليها في مقدمة الدستور.”

انطلاقًا ممّا تقدّم، يتبيّن أنّ حصر انتخاب النائب بطائفته يتعارض مع التفسير الذي أعطاه المجلس الدستوري للمادة 27 من الدستور ويؤدّي إلى منح نوّاب كلّ طائفة حقّ النقض الأمر الذي يخالف طبيعة النظام التمثيلي المعتمد في لبنان والقائم على سيادة الشعب ووحدته التي تتجلّى في المؤسسات. 

ولا شكّ أنّ اقتراح اللقاء الأرثوذكسي يطرح مجموعة من الإشكاليّات تتعلّق بحقيقة النظام السياسي اللبناني. فعلى الرغم من أنّ النظام الدستوري في لبنان لا يقبل بوجود ممثلين عن الطوائف ولا هو ينظّم حتّى كيفيّة انتخاب ممثلين عن الطوائف، لكن الممارسة السياسيّة طوال العقود الماضية باتت تقرّ بوجود كتل نيابيّة وأحزاب سياسيّة تمثّل طوائف بعينها، لا بل يتم أيضًا أحيانًا اختصار تمثيل الطائفة بزعيم أو مجموعة من الزعماء بحيث بات التوافق بين هؤلاء الزعماء الشرط الضروري لعمل مؤسسات الدولة بحجة ما بات يعرف بالميثاقية. لكن هذا التمثيل الواقعي للطوائف، وإن كان يجوز التشكيك في مدى ديمقراطيّته، لا ينفي الإشكاليّة النظريّة الجوهرية المتعلّقة بوجود ممثلين عن الطوائف من الناحية الدستوريّة وكيفيّة اختيارهم. فإن كان من إيجابيّة لاقتراح قانون اللقاء الأرثوذكسي، بغضّ النظر عن المصالح التي يحاول الدفاع عنها، فهي تتمثل في تسليطه الضوء على هذا المسكوت عنه في النظام الدستوري اللبناني الذي لا يشرح ما هي الجهات المخولة تمثيل الطوائف سياسيا.