اجتماع بعبدا النيابي (صفحة رئاسة الجمهورية عبر أكس)
اجتماع بعبدا النيابيّ: هل يُشكّل مخالفةً للدستور؟
13/05/2026
تناقلت وسائل الإعلام معلومات مفادها أن رئيس مجلس النواب نبيه بري أبدى امتعاضه من الاجتماع الذي عُقد في قصر بعبدا بين رئيس الجمهورية ومجموعة من النواب ينتمون الى كتل مختلفة من أجل التباحث في اقتراح قانون العفو العام بهدف إيجاد صيغة ترضي الجميع. وفق هذه الوسائل، اعتبر رئيس المجلس أنّ هذا الاجتماع يشكل مخالفةً للدستور لأنّه يخرق مبدأ الفصل بين السلطات ويعتبر تجاوزًا لصلاحيات البرلمان. وبغضّ النظر عن النتائج التي توصّل إليها الاجتماع والطبيعة الإشكالية للعفو العامّ، لا بدّ من مناقشة مدى صوابيّة الموقف الذي نُسب إلى رئيس مجلس النواب وهل أن هكذا اجتماعًا يشكّل فعليًّا مخالفةً دستوريّة.
لا شك أن عقد لقاءات مع النواب برئاسة رئيس الجمهورية من أجل دراسة اقتراحات قوانين معروضة أمام البرلمان هو مشهدٌ غير مألوف لكن ذلك لا يشكّل بحدّ ذاته خرقًا للدستور. إذ أنّ مبدأ الفصل بين السلطات في النظام البرلمانيّ يعني عدم ممارسة سلطة ما لصلاحيّات سلطةٍ أخرى ما يؤدي إلى الحلول محلها والتعدّي على اختصاصها. فالسلطة التنفيذية لا يحقّ لها من تلقاء نفسها ممارسة السلطة التشريعية وإلا تعرّضت قراراتها للإبطال في حال تمّ الطعن بها أمام القضاء الإداري، كذلك لا يحقّ لها الحلول مكان السلطة القضائيّة كون ذلك يجعل من قراراتها ليس فقط مستوجبة الإبطال لكن بحكم منعدمة الوجود.
والأمر نفسه بالنسبة للسلطة التشريعيّة التي لا يحقّ لها ممارسة صلاحيّات السلطة التنفيذية. فقد اعتبر المجلس الدستوري مثلًا في أكثر من قرار له يتعلّق بتسوية أوضاع عناصر من الأسلاك الأمنيّة “أن المادة 65 من الدستور حدّدت صلاحيات مجلس الوزراء ومن بينها تعيين موظفي الدولة وصرفهم وقبول استقالتهم وفق القانون كما أيضاً صلاحية ترقيتهم وفق القانون وكذلك تسوية أوضاعهم الوظيفية”، معتبرًا أنه يعود “لمجلس النوّاب صلاحيّة مراقبة الحكومة ومحاسبتها، وليس له بالتالي أن يحلّ محلها في ممارسة صلاحيّاتها، إذ تقتصر هذه الصلاحيّة على وضع القواعد العامّة النّاظمة للوظيفة العامّة دون التدخّل في تطبيقها ولاسيما لجهة تعيين الموظّفين أو ترقيتهم أو ترفيعهم باعتبار أن صلاحيّة التعيين تتضمّن صلاحيّة الترقية والترفيع وفق ما سار عليه اجتهاد هذا المجلس (قرار 2 تاريخ 17/12/2012)”.
وهذا ما عاد وأكّد عليه المجلس الدستوريّ في ثلاثة قرارات صدرت سنة 2025 حين أبطل ثلاثة قوانين إذ اعتبر أن السلطة التشريعية “قد تجاوزت حدود صلاحياتها، وقامت بممارسة صلاحية تدخل حصراً في اختصاص السلطة الإجرائية متجاوزة بذلك مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها”.
وهكذا يتبين أن الاجتماع في قصر بعبدا لا يشكّل خرقًا لمبدأ الفصل بين السلطات لأن رئيس الجمهورية لم يقم بممارسة السلطة التشريعية وهو لم يحلّ مكان مجلس النواب بل فقط اجتمع مع عدد محدود من النواب من أجل التباحث في قضية تتعلق بالسياسة العامّة للدولة. لا بل يمكن القول أنّ هذا الاجتماع يدخل من ضمن مفهوم التعاون بين السلطات المكرس أيضا في الفقرة “ه” من مقدمة الدستور. وقد شرح المجلس الدستوريّ هذا المفهوم معتبرًا بأن “التوازن بين السلطات يعني التزام كلّ سلطة حدود صلاحياتها وعدم طغيان أية سلطة على سلطة أخرى”. وأضاف أن “التعاون بين السلطات يعني تسهيل كلّ سلطة عمل السّلطة الأخرى وعدم عرقلة عملها وذلك من أجل انتظام عمل السلطات وتفعيل دورها خدمةً للصالح العام”. كما أن هذا “التعاون بين السّلطات لا يعني اندماج السّلطات إذ يجب أن يقف عند حدود الفصل فيما بينها، دون أن يؤدي ذلك إلى حلول سلطة مكان السلطة الأخرى وممارسة صلاحياتها جزئياً أو كلياً” (قرار رقم 10 تاريخ 10 حزيران 2025).
من جهة أخرى، يمكن القول أن اجتماع بعبدا لا يدخل فقط ضمن خانة التعاون بين السلطات بل هو يعبر عن دور رئيس الجمهورية الدستوري بوصفه رمزًا لوحدة الوطن. إذ أن رئيس الدولة في كلّ النظم البرلمانية يمارس أيضا وظيفة تحكيميّة تهدف إلى الحفاظ على التوازن بين المؤسّسات والتيّارات السياسيّة الكبرى وذلك من أجل الدفاع عن وحدة الدولة والمصلحة الوطنية. فمجرّد التقاء نوّاب مع رئيس الجمهورية لا يعني أن هؤلاء تخلّوا عن دورهم الدستوريّ أو أنّ رئيس الجمهورية قد صادر صلاحيّاتهم التشريعية لأن هذا الأخير يكون فقط قد مارس دوره كحكم، من دون طبعًا أيّ إكراه للنواب أو ارغامهم على اتخاذ مواقف محددة كون ذلك يشكل خرقا للدستور الذي يوجب عدم ربط الوكالة النيابية بأيّ قيد أو شرط. وهذا خرق إن حصل يكون ليس لمبدأ الفصل بين السلطات بل لمبدأ حرية النائب، وهو خرق قد يأتي من جهات متعددة وليس فقط من السلطة التنفيذية.
أكثر من ذلك، صحيح أن رئيس الجمهورية ليس جزءا من السلطة التشريعية لكن الدستور يجعل منه شريكا كاملا في آلية التشريع عندما منحه في المادتين 56 و57 صلاحية إصدار القوانين وردها. إذ أن مجلس النواب خلال إقراره القوانين يعلم مسبقًا أنّ رئيس الجمهورية يمكن أن يعيدها إليه من أجل إعادة النظر بها، لا بل أن هذه المعرفة المسبقة قد تدفع النواب إلى تعديل القانون قبل إقراره النهائي من أجل تفادي ردّه. وبالطّبع، لا يشكّل ذلك أيّ مخالفة للدستور لا بل هو يدخل في جوهر مبدأ التوازن والتعاون بين السّلطات. ففي حال كان رئيس الجمهوريّة قد أبدى رأيه باقتراح العفو العامّ خلال اجتماع بعبدا، فهو بكلّ بساطة يكون قد نبّه النواب إلى نيّته في ممارسة حقه الدستوري برد القانون إذا ما وجد فيه ما يخالف قناعاته. وهذا أمر طبيعيّ إذ لا يمكن عزل السلطات الدستورية عن بعضها البعض بالكامل لا سيما في النظام البرلماني الذي يقوم على فكرة الفصل المرن بين السلطات، أي قدرة كل سلطة على التأثير بالسلطة الأخرى، وهذا ما يظهر جليًّا من خلال حضور الوزراء لجلسات مجلس النواب وحقّهم بمناقشة كل القوانين المعروضة أمام هذا الأخير.
والأغرب من ذلك أن الاستياء من اجتماع بعبدا يُنسب إلى رئيس مجلس النواب الذي تدخّل خلال سنواته الطويلة مرارًا وتكرارًا في صميم اختصاص السلطة التنفيذية. فقد تولى رئيس المجلس التفاوض مع جهات أجنبية أكثر من مرة من أجل مثلا ترسيم حدود لبنان البحرية أو التوصل إلى إتفاق وقف إطلاق نار خلال العدوان الإسرائيلي سنة 2006 و2024، وهذه صلاحيات تعود حصرًا إلى رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة الذي يملك وفقا للمادة 52 من الدستور صلاحيات التفاوض لعقد الاتفاقيات الدولية. كذلك عمد رئيس مجلس النواب إلى الاجتماع عشرات إن لم يكن مئات المرات مع موظّفين في الدولة سواء مدنيين أو عسكريين للتباحث في أمور تتعلق بوظيفتهم، وهو ما يشكّل مخالفة مكتملة الأوصاف لمبدأ الفصل بين السلطات. فإذا كانت الفقرة الثامنة من المادة 64 من الدستور تفرض على رئيس مجلس الوزراء نفسه عدم عقد جلسات عمل مع الجهات المعنية بالدولة إلا بحضور الوزير المختص، فكم بالحريّ رئيس مجلس النواب الذي يتجاوز الحكومة برمّتها في اجتماعاته تلك.
والتّحليل نفسه ينسحب على طاولات الحوار المتعددة التي دعا اليها رئيس مجلس النواب خلال استفحال الأزمات السياسية بين مختلف أركان السلطة، والاجتماعات التي عقدت خارج لبنان سنة 2008 من أجل التوصّل إلى اتّفاق الدوحة. إذ أنّ جميع هذه اللقاءات كانت تتمّ خارج أطر المؤسسات الدستورية لا بل تمّ التوافق حينها على انتخاب رئيس للجمهورية وإقرار قانون جديد للانتخابات مع اعتماد تقسيم معيّن للدّوائر وعلى كيفية تشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب الوزارية.
في الخلاصة، يمكن القول أن اجتماع بعبدا لا يشكّل خرقًا للفصل بين السلطات بل هو يدخل ضمن مفهوم التعاون بين هذه الأخيرة. ولربّما ما يثير امتعاض رئيس المجلس هو شعوره بأنّ لقاء النّواب برئيس الجمهوريّة يشكّل تهديدًا لسلطته ودوره المعهود في النّظام اللبنانيّ كالجهة الوحيدة القادرة على عقد التسويات عبر لعب دور الوسيط بين المصالح المتضاربة لمختلف أركان هذا النظام.