اقتراح بإلزام الطلاب بزيارة المتحف الوطني: هدف نبيل ووسيلة غير مناسبة
26/01/2026
تقدم النائب نعمة افرام بتاريخ 19 كانون الثاني 2026 باقتراح قانون يرمي إلى تخصيص يوم لزيارة المتحف الوطني بحيث يتم إلزام المدارس الرسمية والخاصة بتنظيم زيارة لطلابها الذين أنهوا مرحلة التعليم الابتدائي إلى المتحف المذكور. ويضيف الاقتراح في مادته الثانية على ضرورة تنسيق الزيارة بين إدارة المدرسة وإدارة المتحف الوطني مع تحديد تعرفة دخول مخفضة للطلاب (المادة الثالثة).
وتشير الأسباب الموجبة "إن تنمية وتعزيز الشعور الوطني لدى الطلاب هو مسؤولية الدولة التي يقع على عاتقها أيضًا واجب تعريف الطلاب إلى الإرث الثقافي". وبما أن المتحف الوطني يعتبر "إرثًا ثقافيًا وتاريخيًا وكنزًا للحضارة والتراث اللبناني على مرّ العصور"، لا بد من تشجيع الطلاب على زيارته. وعلى الرغم من أنّ المتحف "يفتح أبوابه في فترات معينة ويتيح الدخول مجانًا لزائريه، إلا أن ذلك يبقى غير كافٍ لتعريف الأجيال إلى هذا الإرث والتراث الثقافي"، لذلك بات من الضروري "تنظيم زيارات إلزامية للطلاب في أيّ وقت من الأوقات شرط أن يكونوا تجاوزُوا مرحلة التعليم الابتدائيّ (...) على أن يسبق الزيارة تحضيرٌ مسبق لها من قبل إدارة المدرسة كي يكون الطّلاب على معرفة بماهيتها، ما يمكّنهم من الاستفادة من هذه الزيارة وترسيخ المعلومات التي سبق وتمّ إطلاعُهم عليها، كما وتكون الزيارة هادفة".
إن هذا الاقتراح يستوجب الملاحظات التالية:
اقتراح ذو أبعاد قومية
لا شك أن المتاحف باتت سمة من سمات المجتمعات المعاصرة ووسيلة لتشجيع الثقافة وإتاحتها للجمهور. لا بل أن المتاحف الوطنية تلعب أيضا دورًا في تعزيز الانتماء القوميّ عبر نسج قصة تاريخيّة تُتيح للمواطن تكوين مخيّلة عن هويّة حضاريّة له عابرة للزمن. لذلك لم يكن من المستغرب أن يعتبر أحد أبرز دارسي مفهوم الأمة "بندكت أندرسن" أنّ المتحف شكّل إحدى الطرق التي لجأت إليها الدولة الحديثة من أجل "تخيّل مجال نفوذها وسلطانها" عبر بناء شرعية لها تعود إلى الماضي السحيق.
جرّاء ما تقدّم، يصبح الربط بين المتاحف والحفريات الأثريات من الأمور التي يمكن شرحها سياسيّا عبر رسم خطّ زمنيّ واحد يمرّ بحقبات تاريخية متعاقبة كي تنتهي في الدولة-الأمة القائمة اليوم. من هنا إشارة الاقتراح في أسبابه الموجبة إلى العصور المختلفة كالهلنستي والروماني والبيزنطي والمملوكي.
وبغضّ النظر عن مدى حقيقة القصة التاريخية التي يحاول المتحف الوطني سردها لزواره لا يمكن فصل هذه القصة عن الصورة التي أرادت الدولة اللبنانية منذ الانتداب الفرنسي وحتى اليوم تقديمها عن نفسها. فالاقتراح يدخل ضمن هذه الخانة وهو محاولة من أجل تعزيز الشرعيّة التاريخية للدولة اللبنانية عبر خلق مخيال جماعي يعطي الوطن اللبناني عمقا تاريخيا. ولا شك أن هذه القصة بتحولها إلى قاسم مشترك يجمع بين اللبنانيين ستساهم بتعزيز الروابط بين المواطنين لا سيما فئة طلاب المدارس الذين سيجدون في القطع الأثرية المعروضة في المتحف الوطني شاهدًا على التعددية الثقافية والتنوّع الحضاري ما يمكنهم على التحرّر من السرديات التي تهيمن عليها المصالح السياسية ويسمح لذاكرتهم بالانفتاح على آفاق فكرية جديدة لا تهيمن عليها أحزاب السلطة.
اقتراح يتبع وسيلة قانونية غير ضرورية
إن تنظيم زيارات إلى المتحف الوطني في بيروت أو أي موقع أثري أو ثقافي في لبنان هو الأمور المألوفة والشائغة جدا التي تستطيع وزارة التربية الاشراف عليها بالتعاون مع وزارة الثقافة من دون الحاجة إلى إقرار قانون في مجلس النواب لتحقيق تلك الغاية.
فعلى الرغم من أن السلطة التشريعية حرة في لبنان كي تتبنى هكذا اقتراح إذ لا يوجد أي مانع دستوري يحول دون ذلك لكن هكذا تدبير يدخل في اختصاص السلطة التنفيذية ومن المنطقي تركه إلى هذه الأخيرة. فالاقتراح لا يكتفي بتضخيم المادة التشريعية لكنه أيضا يرغم المدارس الرسمية والخاصة بتنظيم تلك الزيارات من دون أن يشرح كيفية إلزامها وما هي العقوبات التي ستترتب على المدارس المخالفة. وهكذا يفشل الاقتراح من حيث المنطق القانوني في تحقيق هدفه إذ يعلن الزامية زيارة المتحف الوطني من دون أن يرتب أي نتائج على مخالفة هذا الموجب القانوني الجديد ما يجعل منه أقرب إلى التمنيات التي لا مكان لها في نصّ قانوني آمر.
ويظهر ذلك جليًّا في المادة الثانية التي تعلن ضرورة التّنسيق بين إدارة المدرسة المعنيّة وإدارة المتحف علمًا أنّ هكذا تنسيق سيحصل حكمًا من دون وجود هكذا نصّ إذ لا حاجة له كونه لا يضيف في الحقيقة أيّ شيء، بل يكتفي بوصف واقع عامّ بتعابير مُبهمة لا طائل لها من الناحية القانونية. والتحليل نفسه ينطبق على ضرورة التحضير المسبق مع الطلاب قبل الزيارة كون ذلك من البديهيات التي لا يمكن التحقق من حصولها، ولا حاجة بالتالي أبدا لتكريسها بالقانون.
وتظهر عدم الحاجة إلى هكذا اقتراح في المادة الثالثة التي تنص على تحديد تعرفة مخفضة للطلاب من أجل زيارة المتحف. فهذه التعرفة موجودة أصلًا كون الطلاب يستفيدون من رسم دخول خاصّ علما ان الفقرة الثالثة من المادة 22 من قانون تنظيم وزارة الثقافة الصادر سنة 2008 تنصّ صراحة على أن تحديد رسوم الدخول إلى المنشآت والمعالم الأثرية والثقافية والتاريخية، وكذلك أسس وأصول الإعفاء من هذه الرسوم، يتمّ بقرارات يتّخذها وزير الثقافة. وهكذا يتبيّن أن الاقتراح لا ينتبه إلى أنه ينقل عمليًّا صلاحيّات تحديد رسم الدخول المخفض من وزارة الثقافة إلى إدارة المتحف الوطني، ما يعني أنه يؤدّي إلى إيجاد استثناء قانوني كون جميع المعالم التابعة لوزارة الثقافة يجب تحديد رسوم زيارتها بقرار من وزير الثقافة باستثناء المتحف الوطني ما يشكل إخلالًا بمبدأ وحدة التشريع.
في الخلاصة، يتبين أن هذا الاقتراح ينطلق من اعتبارات ثقافية ذات رمزية عالية، لكنه يتبنى وسيلة قانونية لا حاجة لها إطلاقا لتحقيق هذه الغاية، هذا فضلا عن فشله وعدم قدرته أصلا في مراقبة كيفية إلزام المدارس، لا سيما البعيدة منها، بتنظيم تلك الزيارة. فالقانون لا يجب أن يتدخّل في هكذا تفاصيل التي من الأفضل أن تظلّ خاضعة لتقدير السلطة التنفيذية أولا والمدارس ثانيا. وفي مطلق الأحوال ليس من المحبّذ إطلاقا فرض زيارة المتحف الوطني بهذه الطريقة المبالغ بها.