اقتراح لتبني إلزامية الاقتراع: المثالية في مواجهة الواقع
12/01/2026
تقدّم النائبان بولا يعقوبيان وملحم خلف بتاريخ 16 كانون الأول 2026 باقتراح قانون معجل مكرر يرمي إلى تعديل المادة الثالثة من قانون الانتخابات رقم 44 الصادر سنة 2017 وذلك بهدف جعل اقتراع اللبنانيين في الانتخابات النيابيّة إلزاميًّا، مع استثناء فئات معيّنة من الناخبين بشكل صريح في النص المقترح، وفرض غرامة على المخالفين.
يستبدل النص الجديد للمادة الثالثة عبارة "لكلّ لبنانيّ أو لبنانيّة … أن يمارس حقّه في الاقتراع" بعبارة "على كل لبناني أو لبنانية … أن يمارس واجبه في الاقتراع"، من دون تعديل باقي النص الأصلي.
إلّا أنّ الاقتراح يضيف فقرات جديدة على المادة الثالثة، إذ ينص في فقرة ثانية أنّ "كلّ من يتخلّف عن ممارسة الاقتراع دون عذر مشروع يعاقب بغرامة تتراوح بين الحدّ الأدنى الرسمي للأجور وخمسة أضعافه". ويتابع الاقتراح مضيفًا عددًا من "الأعذار المشروعة" التي تعفي الناخبين من إلزاميّة الاقتراع وهي : "وجود مانع قانوني يحول دون الاقتراع، والعجز أو المرض، والقيام بوظيفة أو خدمة عامة تفرِض على الناخب البقاء في مركز عمله طوال مدّة الاقتراع، والقوّة القاهرة الناتجة عن حوادث طارئة أو عن أسباب يعود تقديرها للقضاء".
كذلك ينيط الاقتراح بقلم الاقتراع مهمّة تنظيم محضر "بأسماء الناخبين المتخلّفين عن الاقتراع فور الانتهاء منه ويحيلها فورًا بواسطة لجنة القيد التابع لها إلى القاضي المنفرد الجزائي المختص، وتخضع هذه المخالفات للأصول الموجزة المنصوص عليها في المادة 203 وما يليها من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة."
أمّا الأسباب الموجبة للاقتراح، فهي تنطلق من فكرة أنّ "الانتخاب هو الوسيلة التي يعبّر فيها الشعب عن كونه مصدرًا للسلطات ممّا يرتّب مسؤوليّة وطنيّة كبرى على كلّ ناخب وهي ترتقي بالاقتراع ليكون واجبًا مقدّسًا ولس مجرّد حقّ اختياريّ".
ويعود الاقتراح إلى السوابق التاريخيّة اللبنانيّة في مسألة إلزاميّة الاقتراع فيذكّر أنّ "المشرّع اللبناني قد تبنّى في القدم هذه النظرة لسدادتها، فنصّت المادة 23 من قانون الانتخاب الصادر بتاريخ 10 آب 1950 المعدّلة بالمرسوم الاشتراعي رقم 6 تاريخ 4/11/1952 والمرسوم الاشتراعي رقم 37 تاريخ 18/2/1953 على ما يلي: "الاقتراع إجباريّ لكلّ ناخبٍ ذكر مقيّد اسمه في قائمة الانتخاب" وقد ذكّرت الأسباب الموجبة بأنّ الغرامة المفروضة على المتخلفين كانت حينها "من خمسين إلى مئة ليرة لبنانية" وأنّ القانون نصّ على أربعة أعذار مشروعة هي: "الغياب عن الأراضي اللبنانية والعجز، والمرض، والقيام بوظيفة أو مصلحة عامة تقضي قيام الناخب في مركز عمله، والقوة القاهرة الناتجة عن حوادث طارئة". واستعادت الأسباب الموجبة بقية المادة من قانون الانتخاب القديم التي تنصّ على صلاحيّة "الحاكم المنفرد" في البتّ بالمخالفات وذلك على أساس الأصول الموجزة المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائيّة".
وقد أنهت الأسباب الموجبة معتبرة أنّ "تراجع القوانين الانتخابيّة اللاحقة عن هذا المبدأ وتكريسها للحقّ الاختياريّ بالاقتراع، لا يعني أنّ ما ذهبت إليه هو الخيار الصائب، لا بل على العكس فإنّ إلزاميّة الاقتراع تبقى الوسيلة الأكثر تحقيقًا لصحة وصدقيّة التمثيل من خلال ضمان عدم تكوين السلطات بنسب هزيلة من أعداد الناخبين".
انطلاقًا مما تقدّم، لا بدّ من الإشارة إلى الملاحظات التالية:
اقتراح إلزاميّة الاقتراع يتكرر من دون معالجات جوهريّة لواقع الانتخابات
إنّ مسألة إلزاميّة الاقتراع كانت قد شكّلت محور اقتراح تقدّم به النائب فريد البستاني في بداية ولاية المجلس عام 2022 من دون أنّ يسلك هذا الاقتراح مساره التشريعي في اللجان وصولًا إلى الهيئة العامّة، بل ظلّ مجمّدًا ولم تتمّ إحالته إلى أيّ لجنة برلمانيّة.
يبقى أنّ الاقتراح القديم والجديد يتشاركان في عدم تطرّقهما إلى مسائل عدّة إشكاليّة تعيق عمليّة الاقتراع على أساس القانون الحالي، وهي مرجّحة للتفاقم في حال جعل الاقتراع إلزاميًّا. وفيما تناول المرصد البرلماني هذه المسائل في مقال سابق له، لا بدّ من مراجعتها والتذكير بها سريعًا هنا.
إنّ الصعوبات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقات الجسديّة في الوصول إلى أقلام الاقتراع بسبب عدم تجهيزها كلّها يطرح السؤال حول صوابيّة فرض واجب الاقتراع تحت طائلة الغرامة في ظلّ عدم تأمين إمكانيّة الاقتراع لجميع الناخبين.
كذلك، لا بدّ من التذكير أن المواطن ينتخب في لبنان في مكان قيده على الرغم من أن العديد من اللبنانيين باتوا يقطنون في مناطق بعيدة عن بسبب النزوح السكاني العائد إلى عوامل متعددة منها الظروف الاقتصادية وسنوات الحرب الطويلة التي خلقت هجرة داخلية لم تتمّ معالجتها بكل تداعياتها حتى اليوم. لذلك بات الناخب مرغمًا على العودة إلى منطقة قيده من أجل ممارسة حقّه السياسيّ بالاقتراع على الرغم من انفصال مصالحه عنها لفترة زمنيّة مديدة، ما يعني أنّ الزاميّة الاقتراع ستشكّل بالنسبة لعددٍ لا يستهان به من المواطنين عبءًا يجب أخذه بعين الاعتبار عند مناقشة هذا الاقتراح.
من جهة اخرى، إنّ إلزاميّة الانتخاب تتطلّب من الحكومة تأمين جوٍّ ديمقراطيّ يشجع التعددية ويسمح بحريّة الاختيار ما يتيح للناخبين إمكانيّة الاطلاع على البرامج وحسم قراراتهم من دون الضغوط التي قد يتعرضون لها والناجمة عن الترغيب والترهيب عبر المال والسلاح. ولا شكّ أنّ مراجعة تجارب الانتخابات السابقة تبيّن التفاوت بين الدوائر الانتخابيّة لناحيّة تأمين جوّ ديمقراطيّ سليم، حيث أنّ انتشار المال الانتخابيّ في كافة الدوائر ووجود شبكة هائلة من المصالح التي تسيطر عليها مختلف أحزاب السلطة عبر الزبائنية وصرف النفوذ إضافة إلى انتشار السلاح والخطاب التحريضي القائم على الاستقطاب الطائفي، كل تلك العوامل تؤدي إلى حرف إلزاميّة الاقتراع عن غايتها المعلنة كوسيلة لتشجيع الديمقراطية ومشاركة المواطنين في الحياة العامة وتحويلها إلى وسيلة للحدّ من حريات المواطنين وتعريضهم للخطر.
وفيما باتت الإشكاليّات المذكورة تتكرّر عند كلّ استحقاق انتخابيّ، فإنّ ما أفرزته الحرب الأخيرة نتيجة العدوان الإسرائيليّ من دمار ونزوح سكانيّ خصوصًا في جنوب لبنان يلقي بثقله على عمليّة الانتخاب ويشكّل عائقًا جديدًا يجب على الحكومة معالجته وعلى المجلس النيابي أخذه بعين الاعتبار عند نظره في مسألة إلزاميّة الاقتراع.
وعلى الرغم من أنّ الحل القانونيّ بات معروفا ويكمن في اعتماد مراكز الاقتراع الكبرى (الميغاسنتر) لكن الخلاف السياسي بين الكتل المهيمنة على البرلمان أدّت إلى تجميد هذا الإصلاح المهم الذي يشكل حلا لمسألة الدمار والنزوح كما لمسألة ممارسة الضغوط على الناخبين في قراهم من قبل الجهات المهيمنة هناك بالإضافة إلى مساهمته في تشجيع الأشخاص الذين باتوا يعيشون بعيدًا عن مناطق قيدهم من ممارسة حقوقهم السياسية بالاقتراع في مراكز توجد على مقربة من مكان سكنهم الفعلي.
مع ذلك كلّه، تبقى مسألة إلزاميّة الاقتراع موضع تساؤل، في ظلّ الاضطرابات الكبيرة التي يعيشها لبنان وعدم سلامة العمليّة الانتخابيّة بشكل يؤمّن تساوي الفرص بين المرشحين وحريّة الاختيار الكاملة للناخبين، إضافة إلى نتائج الحرب الأخيرة وهشاشة السلم الأهلي في ظل الانقسامات السياسية العميقة.
الاقتراع الإلزامي وإمكانيّات التطبيق الفعليّة
إن إلزامية الاقتراع تطرح منطقيا مسألة النتائج المترتبة على المواطنين الذين يتخلفون عن القيام بهذا الواجب، ما يعني أن أي تكريس لمبدأ إلزامية الاقتراع يستوجب تنظيم العقوبات التي ستلحق بالمخالفين.
ومن الملاحظ أن الاقتراح انتبه لهذه النقطة إذ منح القاضي المنفرد الجزائي صلاحية النظر في تلك المخالفات وهو ما يتوافق مثلا مع التجربة البلجيكيّة التي تخوّل السلطة القضائية إنزال العقوبات بالمخالفين علمًا أن إلزاميّة الاقتراع منصوص عليها في المادة 62 من الدستور البلجيكي.
إلّا أنّه ثمّة عوائق عمليّة على تطبيق هذه الإلزاميّة في لبنان أوّلها ما يمكن أن ينتج عنها من اكتظاظ لدى المحاكم من جرّاء معالجة كافة المخالفات، مع الأخذ بعين الاعتبار الصعوبات التي يواجهها القضاء في لبنان لناحية موارده البشرية والمادية. لهذا السبب، كان من الممكن على الاقتراح الأخذ بالتجربة البلجيكيّة التي تسمح للناخبين بالتقدّم مسبقًا من المحاكم بأعذار مشروعة لعدم الانتخاب مع كل المستندات التي تثبت ذلك الأمر الذي يمنع من ملاحقة المواطن المعني في حال وافقت السلطة القضائية على عذره.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ قانون الانتخابات البلجيكي يسمح للأشخاص الذين هم في أوضاع تمنعهم من الاقتراع من توكيل مقترع آخر للقيام بذلك بدلًا منهم (المادة 147 مكرّر من القانون البلجيكي). ولا شكّ أن هذا الحلّ ضروريّ للتخفيف من وطأة إلزاميّة الاقتراع على الناخبين الذين تمنعهم أحوالهم الصحيّة أو طبيعة عملهم من التقدّم بنفسهم من مراكز الاقتراع والقيام بواجبهم الانتخابي. لكن تبنّي هذا الحل الذي لا وجود له في لبنان يثير مخاوف عديدة لا يمكن حصر تداعياتها السلبية كون الإقتراع بالوكالة قد يكون وسيلة لتعزيز الفساد الانتخابي أو ممارسة الضغوط على المواطنين عبر حصول أفراد تابعين للأحزاب النافذة على توكيلات بطرق لا تمت للحرية أو للديمقراطية بصلة.
فضلًا عمّا تقدّم، لا بدّ من الإشارة إلى تصاعديّة العقوبات في القانون البلجيكي. ففيما يكتفي الاقتراح في تحديد عقوبة تتراوح بين "الحدّ الأدنى الرسمي للأجور وخمسة أضعافه"، يضع القانون البلجيكي عقوبة تصاعديّة تبدأ بتوجيه تنبيه وصولًا إلى غرامة ماليّة بالنسبة للمخالفة الحاصلة للمرة الأولى، مع النص على عدم جواز إصدار أحكام بالسجن بخصوص هذا النوع من المخالفات. أمّا في حال تكرار المخالفة لأربع مرّات على الأقلّ في مدّة خمس عشرة سنة، فإنّ المقترع يشطب من القوائم الانتخابيّة لمدّة عشر سنوات وفي هذه الفترة لا يمكنه أن يستفيد من أيّة تسمية أو ترقية أو تمييز من أيّة جهة رسميّة (المادة 210 من القانون).
بالتالي، فإنّ تصاعديّة العقوبة تساهم في فعاليّتها وفي تعزيز طابعها الردعيّ فضلًا عن أنّ القانون البلجيكي يترك للقاضي حقّ التّقدير بعدم فرض عقوبة ماليّة ما قد يساهم في التخفيف من طابع العقوبة نظرًا لتعدّد الحالات والأسباب لدى المقترعين. وإذا كان الاقتراح يذكر بعض الحالات التي تشكّل عذرًا مشروعًا لكنه يترك التقدير النهائيّ لها للسلطة القضائية ما يشكّل حلًّا منطقيًّا نظرا لصعوبة حصر الأسباب التي قد تعيق المواطنين نهار الانتخاب من ممارسة واجبهم القانوني.
إن إلزامية الاقتراع كما يريدها الاقتراح وشمولها للبنانيين المقيمين والمغتربين ستؤدّي إلى تضخّم هائل في الملفّات المتراكمة أمام القضاء وتأخّر كبير في إصدار الأحكام ما يعني عمليا فقدان العقوبات لطابعها الردعي وضياع الغاية من الاقتراح ألا وهي تشجيع المواطنين على ممارسة حقهم الانتخابي. لا بل أن التجارب تظهر أن الدّول التي تتبنّى الاقتراع الإلزامي لا تجهد نفسها في ملاحقة المخالفين وعدد الأحكام الصادرة تظل متواضعة نسبةً لأعداد المتخلفين عن الاقتراع ما يجعل من مبدأ الإلزامية محدود التأثير عمليا.
الاقتراع الإلزامي بين سيادة الأمة وحرية الفرد
إن مبدأ إلزامية الاقتراح يطرح أسئلة فلسفية تتعلق بالتوازن الواجب ايجاده بين الحرية الفردية والواجب تجاه المجتمع. فقد هدف هذا المبدأ إلى الحدّ من ظاهرة نسب المشاركة المتدنية في الانتخابات عبر حث المواطنين على ممارسة واجبهم الانتخابي كي يصبحوا مواطنين فاعلين في مجتمعهم. فنسب المشاركة المرتفعة تضمن تمتع السلطة السياسية بشرعية ديمقراطية أكيدة، كما تساهم في الحد من نفوذ الأحزاب المتطرفة التي لا تستطيع عادة جذب العدد الأكبر من المواطنين.
لكن هذه النظرة الإيجابية يمكن رفضها انطلاقا من اعتبارات مختلفة. فأهمية الاقتراع لا تنبع فقط من عدد الناخبين لكن، وهذا الأهم، من قانون الانتخابات الذي يضمن عدالة التمثيل. لذلك يصبح الاقتراع الإلزامي وسيلة تستخدمها النظم الاستبدادية من أجل ترهيب المواطنين وإرغامهم على إعلان الولاء العلني للسلطة، لا بل حتى من دون وجود موجب قانوني يلزم المواطنين بالاقتراع قد يجد هؤلاء أنفسهم مضطرين إلى الإدلاء بصوتهم خوفا من تداعيات تمنعهم عن ذلك. حتى في الدول الديمقراطية قد يكون تدني نسبة المشاركة في الانتخابات نتيجة عدم رضا المواطنين على قانون الانتخابات الذي تهيمن عليه الأحزاب التقليدية ما يثبط من عزيمة الناخب ويدفعه إلى اليأس من إمكانية التغيير عبر صندوق الاقتراع.
علاوة على ذلك، إن فرض الاقتراع على المواطن يشكّل انتهاكًا لحريته كون حق الاقتراع يجب أن يتضمن منطقيا قدرة الفرد على رفض ممارسة هذا الحق. وما يؤكد هذا الأمر هو أن تمنع المواطن عن الاقتراع قد يكون بحد ذاته تعبيرا عن موقفه الرافض للنظام السياسي القائم، أي أن الحرية لا تكمن فقط في الاقتراع بل في القدرة على رفض المشاركة في الانتخابات كوسيلة للتشكيك بشرعية النظام القائم.
من جهة أخرى، لا معنى لإلزامية الاقتراع لا بل قد تكون له نتائج عكسية وسيئة جدا. فالناخب قد يقترع بورقة بيضاء أو قد يقترع عن عمد بطريقة تجعل من صوته لاغيا، أو قد يقترع بشكل عشوائي لأي مرشح من دون أي تفكير مسبق فقط لتجنب العقوبة. فكل هذه الاحتمالات تفقد مبدأ الاقتراع الإلزامي جدواه وتجعل منه أقرب إلى العقوبة من وسيلة ديمقراطية لتعزيز المواطنة. لذلك، إن إلزام المواطنين بالاقتراع يجب أن يترافق مع وجود نظام قانوني متكامل يرتب نتائج على الأوراق البيضاء بحيث تعتبر مثلا الانتخابات لاغية في حال تجاوزت أعداد هذه الأوراق نسبة معينة.
جراء ما تقدّم، يصبح جليّا أنّ الاقتراع ليس مسألة فردية تتعلق بحقوق المواطن الشخصية فقط بل هو في جوهره مسألة سياسيّة تتعلّق بموقع الفرد داخل المجتمع. فعملا بنظرية السيادة الوطنية (Souveraineté nationale) المعمول بها في لبنان (النائب يمثل الأمة جمعاء وفقا للمادة 27 من الدستور)، الانتخاب هو واجب على المواطنين لأن السيادة لا تعود لهم بل للأمة، أي لكيان اعتباري يمنح شريحة معينة من المواطنين الحق في اختيار الممثلين عن الأمة. لذلك ليس الاقتراع حقا فرديا يمكن للمواطن التصرف به كما يشاء لكنه وظيفة منحتها الأمة له من أجل اختيار ممثلين ليس فقط عنه بل عن جميع المواطنين في المجتمع بما فيهم أولئك الذين لا يحق لهم الانتخاب. الوظيفة الانتخابية هي واجب على الناخب يمارسه باسم الأمة وبالتالي يندرج مبدأ الزامية الاقتراع ضمن هذا التصور للسيادة الوطنية.
لا يعالج الاقتراح كلّ هذه الإشكاليات، إذ هو لا يهدف إلى تقديم حلّ فلسفيّ للتّوازن بين الحرية الفردية والواجبات تجاه المجتمع، ولا هو يأخذ بعين الاعتبار طبيعة النظام السياسي المهيمن على الدولة والمجتمع في لبنان بل يكتفي بتبني نظرة مثالية للاقتراع، وكأن هذا الحق يمكن فصله عن الواقع وكأن مجرد تعديل نص قانوني كفيل بجعل الحياة السياسة فاضلة.