البرلمان في ظلّ الحرب: انكفاءٌ سياسيّ كامل
18/04/2026
عقب التوسّع المستجدّ للعدوان الإسرائيليّ في 2 آذار 2026، دخل لبنان مرحلةً جديدة من العنف طالتْ مناطقه المختلفة ما أدّى إلى حركة نزوح كثيفة لا سيما من جنوب لبنان وخلق مشكلات اجتماعيّة كبيرة تُضاف إلى الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها لبنان أصلًا.
وقد بادرت السلطة التنفيذية، كونها المخوّلة أخذ قرارات سريعة وفعّالة في هكذا ظروف، إلى اتخاذ خطوات على مختلف الأصعدة من أجل التخفيف من هذه الكارثة الإنسانية عبر تأمين مأوى للنازحين وتوزيع المساعدات بالإضافة إلى تحريك الأجهزة الأمنية للحفاظ على الأمن والسلامة العامة، كما رصد عدد الضحايا ووضع المستشفيات وضمان حركة الاستيراد والتّصدير وإنتاج المواد الغذائيّة الأساسيّة لتلبية حاجات السوق اللبناني. أمّا على الصعيد السياسيّ، فقد أطلقت رئاسة الجمهوريّة بالتنسيق مع رئاسة الحكومة حراكًا دبلوماسيًا من أجل وقف إطلاق النار، والتنديد بالاعتداءات الإسرائيلية مع التشديد على سيادة الدولة والمضي بقرار حصر السلاح وتفردها بقرار الحرب والسلم.
من الملاحظ أن نشاط الحكومة هذا، على الرغم من الانتقادات التي وجهت لهذه الأخيرة، قابله شللٌ شبه تامّ في السّلطة التشريعيّة، ما عدا الحركة السياسيّة لرئيس المجلس النواب نبيه برّي، إذ تمّ إلغاء جميع اجتماعات اللجان النيابيّة تقريبًا، كما أنّ حركة تقديم اقتراحات القوانين باتت في حدّها الأدنى، بينما الهيئة العامة لم تجتمع إلا جلسة تشريعية واحدة ومن أجل إقرار قانون تمديد ولاية مجلس النواب.
بالتالي، فإنّ سؤالًا يطرح حول سبب هذا الجمود وحول إذا ما كان أمرًا يمكن تبريرُه بضرورة انكفاء السلطة التشريعيّة إفساحًا في المجال أمام السّلطة التنفيذيّة لاستلام زمام الأمور كاملًا طلبًا للفعاليّة في التحرّك، أمّ أنّ هذا الجمود يعبّر عن فشل مجلس النّواب في ممارسة دوره الدستوريّ من أجل حماية المجتمع والدولة خلال الحرب. لذلك، كان من المفيد مقارنة عمل البرلمان خلال الحرب مع دول أخرى ما يسمح لنا باستخلاص نتائج لا تتعلق فقط بكيفية مواجهة الحرب من قبل المؤسسات الدستورية، لكنها تسمح لنا بتكوين فهمٍ أفضل لطبيعة السلطة في لبنان وتحديد دور البرلمان الفعلي في النظام السياسي اللبناني. ومن أهمّ تلك التجارب التي يمكن العودة إليها هي تجربة البرلمان الفرنسي خلال الحرب العالميّة الأولى بسبب التّقارب الشديد بين النظام الدستوريّ في كل من لبنان والجمهورية الثالثة الفرنسية (1875-1940).
التجربة الفرنسية في الحرب العالمية الأولى: انكفاء السلطة التشريعيّة أمام اندلاع الصراع وضرورياته
عند اندلاع الحرب العالميّة الأولى، ظهر البرلمان الفرنسي بمظهر المتخلي عن صلاحياته للحكومة، وموافقا بالتراجع عن دوره بشكل طوعيّ وذلك من أجل الفعاليّة والسرعة في اتخاذ القرارات الضرورية. وقد عزز هذا التوجه شعور النواب والشيوخ انهم فشلوا في وضع خطّة عمل لمواجهة الحرب، وهي مسألة ناقشها البرلمان طويلًا قبل اندلاع الحرب لكن من دون التوصل إلى نتيجة مرضية. لذلك اقتنع النّواب والشيوخ بضرورة إعادة تقاسم الأدوار بين السلطات في فترة الحرب والاتّكال على فعاليّة السّلطة التنفيذيّة وقيادة الجيش وتمكينهم من استلام زمام الأمور. وقد أدّى فشل البرلمان في الإعداد للحرب إلى منح القوات العسكريّة حريّة كبيرة في إدارة العمليّات الحربيّة من دون رقابة السلطة التشريعيّة على أعمالها، أقلّه في الأشهر الأولى من الحرب، وذلك بالرغم من أنّ التحكّم بأهداف الحرب يبقى نظريًّا بيد السلطات المدنيّة.
على هذا الأساس، اجتمع البرلمان في الرابع والخامس من آب 1914 وقرّر تأجيل انعقاد البرلمان (ajournement)، كما وافق على حالة الحصار (état de siège) التي كان قد أعلنها رئيس الجمهوريّة بمرسوم صدر في الثاني من آب، من دون أن يكون لهذا الإعلان حدودٌ زمنيّة واضحة. وينصّ القانون على أنّ حالة الحصار تؤدي إلى الحدّ من الحرّيات العامة ونقل صلاحيّات السّلطات المدنيّة المتعلّقة بحفظ الأمن إلى السلطة العسكرية.
وقام البرلمان أيضًا بالتصويت على تأجيل جميع الاستحقاقات الانتخابيّة إلى ما بعد الحرب، ومنها الانتخابات المشيخيّة التي كانت مقرّرة في عام 1915. أمّا القرار الأهمّ للبرلمان كان عبر تفويضه للحكومة صلاحيّات تشريعيّة عبر منحها حقّ إصدار مراسيم اشتراعيّة تُمكّنها أيضا من تعليق وإلغاء وتعديل القوانين، ما أدّى إلى إصدار 34 مرسوما اشتراعيا لتنظيم الشؤون العسكريّة[1].
جرّاء ما تقدّم، لا بدّ من التساؤل أوّلًا حول سبب عدم إعلان حالة الطوارئ في لبنان ما كان ليعطي القوى المسلّحة كافة صلاحيات مشابهة لتلك الموجودة في حالة الحصار الفرنسيّة. إذ إنّ من شأن الحرب الدائرة في لبنان والتي توسّعت لتشمل كامل الجنوب وصولًا إلى البقاع وجبل لبنان كما طالت العاصمة بيروت أن تبرّر هذا الإجراء الاستثنائي، علمًا أنّ انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020 كان دفع بالسلطة اللبنانيّة إلى إعلان حالة الطوارئ في مدينة بيروت.
لا بدّ من التّذكير أنّ القانون في لبنان يفرض في حال تمّ إعلان حالة الطوارئ لمدّة تزيد عن ثمانيّة أيّام اجتماع مجلس النواب للنظر في هكذا تدبير، الأمر الذي كان سيشكّل مناسبةً لهذا الأخير كي ينخرط في جهود الحكومة لمواجهة آثار الحرب الإسرائيليّة، وإعطائه فرصة لمناقشة ليس فقط جهود الإغاثة لكن أيضا الأسباب التي دفعت إلى إعلان حالة الطوارئ عمومًا، ما يعني فتح النقاش السياسي حول أسباب الحرب التي يشهدها لبنان.
ومن الضروريّ التذكير هنا أنّه كان للمجلس النيابي الفرصة للقيام بدوره هذا، إذ إنّ المجلس النيابي كان في عقد استثنائي بموجب المرسوم رقم 2591 الصادر في 26 شباط 2026 يفتتح في الثاني من آذار حتى السادس عشر منه ، علمًا أنّ اليوم الذي يلي تاريخ انتهاء العقد الاستثنائي يصادف تاريخ بدء الدورة العاديّة للمجلس التي تستمر حتى نهاية شهر أيار.
لكن الملاحظ أن مجلس النواب شهد غيابًا كاملًا إذ أنّه لم يجتمع إلّا في جلسةٍ يتيمة بتاريخ 9 آذار كانت مخصّصة لتمديد ولايته لسنتيْن بسبب الأوضاع الاستثنائيّة على الرغم من مطالبة العديد من النواب بفتح جلسة مناقشة عامّة حول الأوضاع الراهنة، إلّا أنّ رئيس المجلس نبيه برّي تجاهل الأمر كليًّا.
أدّت هذه الجلسة إلى تظهير نمط عمل المجلس عند الاستحقاقات الكبرى، فقد ذكّر النواب بأنّ المطالبات العديدة لعرض موضوع قرار الحرب والسّلم وموضوع الأزمة الماليّة وموضوع التّرسيم البحريّ مع إسرائيل ومن ثمّ قبرص، كانت لقيتْ رفضًا من إدارة المجلس النيابي طيلة هذه الفترات، ما يبيّن نيّة هذه الإدارة بعدم طرح المواضيع الكبرى للنقاش في المجلس النيابيّ. وذكّر النواب بأنّ الحرب الماضيّة أُغلق فيها أيضًا باب المجلس النيابيّ ما ألغى دور المجلس طيلة تلك الفترة، وكأنّ المجلس النيابي يعمل حصرًا في فترة السلم لا فترة الحرب.
يتبيّن من ذلك أنّ المجلس النيابي اللبناني، وبالرغم من تراجعه عن أداء دوره في الاستحقاقات الوطنيّة الكبرى وفي المسائل التي تخصّ مصير البلاد، إلا أنّه على عكس البرلمان الفرنسي، لم يقم بذلك انطلاقًا من قناعة لدى الأكثريّة النيابيّة بضرورة التراجع لإفساح المجال للحكومة كي تعمل بحريّة، بل بقرار مفروض من رئيس المجلس الذي دأب على التحكّم منفردًا بجلسات البرلمان لناحية الدعوة لها وتحديد جدول أعمالها. وبالتالي، فإنّ الخلل في ديمقراطيّة عمل المجلس النيابي اللبناني المتأتيّة من ممارسة رئيسه قد تفسّر بشكل كبير انكفاء هذه المؤسسة عن العمل في الوقت الذي يكون لها دورٌ مهمّ يمكن أن تلعبه وتؤثّر فيه على مجريات الأمور.
لا بدّ من التذكير أنّ المسار الذي اتخذه البرلمان الفرنسي بالتراجع عن أداء دوره كان مدفوعًا أيضًا بشعور عامّ مناهض للسلطة التشريعيّة التي كان ينظر إليها بأنها مرتعٌ للخلافات السياسيّة والمناكفات الدائمة بين الأحزاب، ما دفع بالنواب والشيوخ إلى تأجيل مشهد الانقسام السياسيّ إلى ما بعد انتهاء الحرب التي ظنّوها قصيرة. ولا شكّ أنّ طابع الخلاف الدائم والغير مجدي يتحكّم أيضًا بصورة المجلس النيابي اللبناني الذي ينظر إليه كحلبة صراع سياسيّ عاجزة عن اجتراح خطوات فعّالة من أجل إيجاد حلولٍ مفيدة للمشاكل التي تواجهها الدولة.
لكن تحييد مجلس النواب يتخذ في لبنان طابعا مختلفا أيضا إذ هو يعكس رغبة في تجنب "الفتنة" عند النقاش بمواضيع ينقسم عليها اللبنانيّون بشكل عامودي كمسألة سيادة الدولة وحصرية السلاح. ففي فرنسا عقب اندلاع الحرب العالميّة الأولى، تمّ تشكيل حكومة وحدة وطنية تجمع مختلف الأطياف السياسية من أجل تعزيز مناعة المجتمع بينما الحرب في لبنان ترافقت مع انقسام حادّ واستقطاب كبير وصل إلى حدّ التخوين المتبادل والتهديد بالانتقام بعد انتهاء القتال. وهكذا يتبين أن انكفاء مجلس النواب الفرنسي كان سببه الرغبة بتقوية الحكومة وحشد جميع الطّاقات من أجل الدفاع عن الدولة ونبذ الخلافات السياسيّة، في حين أن غياب مجلس النواب في لبنان عبّر على العكس من ذلك تمامًا عن هشاشة النّظام السياسيّ اللبنانيّ الذي قرّر فقط الاجتماع من أجل التّمديد لنفسه أي تحقيق غاية سلطوية عبر تأجيل الانتخابات وحرمان المواطنين من ممارسة حقوقهم السياسية التي لا وجود لها إلا إذا توافقت أحزاب السلطة عليها.
في المقابل، فإنّ البرلمان الفرنسي، بالرغم من الدفع بإدارته إلى الانتقال إلى مدينة بوردو جنوب غرب فرنسا في آب 1914 تحت ضغط القيادة العسكريّة وتقدّم القوّات الألمانيّة، ورغم تشتت النوّاب والشيوخ بين من ذهبوا إلى التجنيد أو عادوا إلى دوائرهم الانتخابيّة، إلّا أنّه بعد أقل من خمسة أشهر بدأت المطالبات تتفاعل لدى البرلمانيين وتدفع نحو العودة إلى باريس لممارسة صلاحياتهم الدستوري. وقد حصل ذلك في كانون الأوّل من عام 1914، حيث نجحت العودة جرّاء تضافر الجهود بين الحكومة التي كانت بحاجة إلى مساندة البرلمان للحدّ من سلطة القيادة العسكريّة في باريس، وأعضاء مجلس النواب ومجلس الشيوخ الذين وجدوا أنّ الحرب بدأت تطول وأرادوا العودة إلى العاصمة لاستعادة دورهم[2]. وإنّما يدلّ ذلك على نيّة السلطة التشريعيّة الفرنسيّة بعدم إفلات زمام الأمور تحت حجّة الضغوطات، والتصميم على معاودة العمل صونًا لعمل المؤسسات الدستوريّة، الأمر الذي يفتقد إليه لبنان.
لا بد من الإشارة هنا أن هذا النمط بات مألوفًا في لبنان إذا خلال الحرب التي اندلعت في أيلول 2024 غاب أيضا مجلس النواب بالكامل، لا بل هو فشل في الانعقاد في الجلسة الحكمية التي يفرضها الدستور من أجل تجديد انتخاب مكتبه بسبب فقدان النصاب ما عكس رغبة لدى الكتل النيابية الكبرى بتعطيل عمل المجلس عبر إفقاده وظيفته السياسية. وهكذا يتبين أن الحياة السياسية في لبنان لا تحدث في المؤسسات الدستورية كما يجب في أي نظام ديمقراطي حقيقي لكن خارجها.
عودة البرلمان إلى ممارسة عمله في ظلّ الحرب
أخذ العمل البرلماني الفرنسي في ظلّ الحرب شكلين، الأوّل بدا فيه البرلمان كغرفة تسجيل لقرارات السلطة التنفيذيّة دون أي تدخل أو تدقيق ما دفع بليون دوغي (Léon Duguit) إلى اعتبار ذلك مسًّا بأصول الحكم البرلماني. لا بل أن جوزيف بارتيليمي (Joseph Barthélémy) أعطى توصيفا للبرلمان في فترة بداية الحرب الذي بات يعمل وفقا لمبدأ "الأفعال يجب أن يتغلّب على المداولات" (l'action doit dominer la délibération)، ما تترجم بإطلاق يد الحكومة وإعطائها الإمكانيات المادية من أجل خوض الحرب مع أقلّ قدر من المراقبة البرلمانيّة.[3]
فقد تمّ دعوة البرلمان إلى الانعقاد في كانون الأول 1914 من أجل ضرورة التصويت على الموازنة، وقد تمّ هذا التصويت من دون أي نقاشات ومن دون طرح أيّة أسئلة، ووافق البرلمان حينها أيضًا على المراسيم التشريعيّة التي كانت قد اتّخذت مسبقًا من قبل السلطة التنفيذيّة، لا سيّما القروض الضروريّة لتمويل الأعمال الحربيّة[4].
إلّا أنّ السلطة التشريعيّة الفرنسيّة لم تُرد الانكفاء تمامًا عن العمل بالرغم من الضغوطات التي واجهتها من السلطات العسكريّة كما من الحكومة التي أرادت أن تتفرّد في إدارة الأمور وأن تبعد عنها عناء المراقبة البرلمانية. غير أنّ البرلمان نجح في تحقيق عدد من المكاسب بوجه الحكومة مكّنته من الاستمرار في العمل، أوّلها تخلّي السلطة التنفيذية عن حقّها في اختتام العقد العادي الوحيد للبرلمان، إذ أنّ دستور الجمهوريّة الثالثة ينصّ على اجتماع هذا الأخير في عقد واحد في السنة يمتدّ لخمسة أشهر على الأقل على أن يعود لرئيس الجمهورية اختتامه في أي وقت بعد هذه الفترة. وهكذا استجاب رئيس الجمهورية لرغبة البرلمان في الانعقاد دائما في ظل الحرب حيث استمرّ العقد الذي افتتح في بداية عام 1915 حتّى عام 1919.
وقد مكّن ذلك السّلطة التشريعيّة من ممارسة رقابة غير منقطعة على أعمال الحكومة والجيش، والتصويت على سلفات الخزينة لتمويل استمراريّة المرافق العامّة والأعمال الحربيّة على أساس القاعدة الإثني عشريّة. كما نجح النوّاب والشيوخ أيضًا بالاتفاق مع الحكومة على اعطائهم الحقّ في الاختيار بين الالتزام بالتجنيد الإجباري أو بقائهم في باريس لمزاولة عملهم.
وعلى الرغم من أن البرلمان وافق على منح الحكومة تفويضا تشريعيا في بداية الحرب، إلّا أنّه في العام 1916 رفض طلب الحكومة المعروف بمشروع بريان (Projet Briand) وهو مشروع تفويض كان يرمي إلى منح الحكومة، حتّى انتهاء الأعمال الحربيّة، حقّ اتخاذ كلّ الإجراءات المفروضة بسبب ضرورات الدفاع الوطني من خلال مراسيم تشريعيّة تتخذ في مجلس الوزراء.[5] فالظروف الاستثنائية لم تشكل ذريعة من أجل انكفاء البرلمان وتخليه عن دوره بل استمر في الدفاع عن صلاحياته الدستورية.
لا بدّ هنا من التوقف عند نقطة جوهريّة تبيّن الفارق بين التجربة الفرنسيّة (والإسرائيليّة استطرادًا) والتجربة اللبنانيّة، وهي أنّ الحرب العالميّة الأولى قد خاضتها فرنسا بقواها الذاتيّة، أيّ أنّها انخرطت في الحرب كدولة، وحاربت عبر قواتها العسكريّة الشرعيّة، ما تطلّب إنفاق أموال من الخزينة العامة مع ما يستتبع ذلك من اتّباع إجراءات دستوريّة وقانونيّة لصرف هذه الأموال وإعطاء الحقّ للمؤسّسات الدستوريّة في مراقبتها كما مراقبة كيفيّة إدارة العمليّات الحربيّة عمومًا. أمّا في لبنان، فإنّ الدولة لا تخوض هذه الحرب عبر قواها المسلحة الرسميّة التي تخضع للمؤسسات الدستورية، ما يعني أن رقابة البرلمان تفقد أهميتها لأنه لن يتمكن من التأثير على المسار العسكري للحرب إن كان لناحية موازنة الجيش أو كيفية سير العمليات الحربية. ولا شك أن هذا الواقع الغريب من شأنه تهميش البرلمان وإفقاده دور السياسي الطبيعي ومنعه من تقرير مصير اللبنانيين بوصفه ممثلا عن الشعب صاحب السيادة.
لذلك، فإنّ جلّ ما يمكن للمجلس النيابي فعله بات يختصر بتفعيل لجانه وهيئته العامّة من أجل مراقبة أعمال الحكومة الإغاثيّة وإيواء النازحين وتوفير مستلزمات الحياة لهم، كما مناقشتها حول الأوامر المعطاة للقوات العسكريّة اللبنانيّة لجهة إعادة التموضع في الجنوب ومهمات الحفاظ على الأمن الملقاة على عاتقه. فبدل أن يشكل المجلس مساحة نقاش بين مختلف الكتل النيابيّة حول الخيارات السياسية الكبرى للبلاد، أصبح أشبه بسلطة إدارية رديفة بينما القرار السياسي يقع خارجه.
"برلمانيّة الحرب" أو كيف ابتدع البرلمان الفرنسي وسائل لممارسة عمله بالرغم من الضرورات الحربية
قامت المؤرّخة الفرنسيّة فابيان بوك في أطروحتها[6] حول عمل البرلمان في الحرب العالميّة الأولى بتوصيف هذا الأداء ب "برلمانيّة الحرب"، إذ إنّه تمحور حول طريقتين أساسيّتين في العمل خرجتا عن مألوف البرلمان الفرنسي بحكم ضرورة عدم إفشاء أسرار الحرب، حيث أنّ ظروف الحرب وضرورة الحفاظ على سريّة المعلومات المتداولة لم تسمح له بممارسة عمله بشكل طبيعيّ من خلال الجلسات العامّة، ما اضطرّه إلى تخطّي المبدأ الدستوريّ بعلانيّة أعمال الهيئة العامّة للمجلس[7] وإيجاد سبل أخرى تمكّنه من مراجعة الاقتراحات والمشاريع ومناقشتها كما مراقبة عمل الحكومة ومساءلتها بشكلٍ لا يضرّ بالأعمال الحربيّة.
وقد اتّخذت برلمانيّة الحرب هذه شكلين أساسيين :
أوّلًا، الدور المكثّف للجان، وهو دور بدأ في عام 1915، حيث باتت اللجان تقوم بأعمال أوسع من مجرد البحث في الاقتراحات والمشاريع، إذ أصبحت مكان النقاش الأساسيّ بين البرلمانيّين والحكومة. إذ بسبب ضرورة الحفاظ على سريّة المداولات، بات الاستماع إلى الوزراء ومساءلتهم يحصل في اللجان النيابيّة وليس في الهيئة العامة كون هذه الأخيرة يحكمها مبدأ العلنيّة في المداولات بينما مداولات اللجان سريّة. وقد أدّى ذلك إلى تطوّر في دور اللجان النيابيّة فأصبحت المكان الأبرز الذي تتمّ فيه مراقبة عمل الحكومة. على هذا الأساس، تمّ الاستماع في اللجان في العديد من المرّات إلى رئيس مجلس الوزراء والوزراء ومعاونيهم ومساءلتهم.
وقد لعبت لجنتا الجيش في المجلس النيابي ومجلس الشيوخ دورا محوريا من خلال الرقابة على أعمال الجيش عبر تقارير مفصّلة حول الذخائر والأسلحة ومشاكل الخدمات الصحية والتموين كما حول مسائل تتعلّق بالقيادة العسكريّة. لجنة الجيش أجبرت أيضًا إدارة وزارة الحرب على أخذ إجراءات عقابيّة بحقّ موظفين اعتبرتهم مقصّرين. كما أنّ اللجنة ساهمت في إعداد قانون حول الهاربين من التجنيد وقاومت وزير الحرب الذي اعتبر أن قراراته كافية لحلّ هذه المشكلة.
وقد توسّعت أعمال اللجان الرقابيّة إلى خارج أروقة البرلمان من خلال المهامّ الاستقصائيّة للنواب إذ قامت أيضًا بتحقيقات لاستقاء المعلومات (enquêtes d'information) في معامل تصنيع السلاح مثلًا وفي الخطوط الأماميّة للتأكّد من حسن استعمال الأسلحة والذخائر، بالرغم من مناهضة قيادة الجيش لهذه التحقيقات البرلمانيّة، إلّا أنّه قد تمّ إرساء مبدئها ما اعتبر مكسبًا للبرلمان في ممارسة رقابته[8].
بالمقارنة مع لبنان، يتبيّن من مراجعة سريعة لنشاط اللجان أنّ عدد اجتماعاتها تقلّص بشكل كبير بالنسبة إلى حركتها العاديّة. إذ لم تجتمع كلّ من لجنة الصحّة ولجنة التربيّة ولجنة الاقتصاد إلّا مرّة واحدة، ولجنة الأشغال لمرّتين، وذلك بعد مضي حوالي شهر ونصف على إعادة انطلاق الأعمال القتالية في الثاني من آذار 2026. ونظرًا إلى أنّ مسؤوليّة دعوة اللجان إلى الاجتماع غير مرتبطة برئاسة المجلس بل هي تقع على عاتق رؤساء اللجان وهم نواب من مختلف الكتل السياسيّة لا سيّما تلك المطالبة بفتح أبواب المجلس للمناقشة، فإنّ عدم تفعيلهم لعمل لجانهم والمباشرة في مساءلة أصحاب المسؤوليات من وزراء وقيادات أمنيّة عن الأوضاع الراهنة يعبّر أيضًا عن استسلام النواب لواقع الأمور وعدم وجود نيّة لديهم في تحمّل مسؤولياتهم في هذه الظروف الخطيرة التي تمرّ فيها البلاد.
لا بل أن الدور الرقابي والزيارات الاستقصائية التي قامت بها اللجان الفرنسية يمكن تطبيقها في لبنان أيضا. فاللجان قادرة على مساءلة الحكومة سياسيا حول موقفها السياسي والتطورات على صعيد المفاوضات الدولية وخططها من أجل تطبيق قراراتها بخصوص الحفاظ على سيادة الدولة والدفاع عن وحدة الأراضي اللبنانية وحصرية السلاح. ومن ناحية أخرى، فإنّ للجان وفقا للنظام الداخلي الحقّ في التنقل ومعاينة الأضرار ومراكز الإيواء وكيفيّة توزيع المساعدات، وبالتالي إصدار تقارير من شأنها تصويب عمل الحكومة وإطلاع الرأي العام على حقيقة الجهود المبذولة لمساندة النازحين.
ثانيًا، الرقابة البرلمانيّة المكثّفة على أعمال الحكومة، وهي عمليّة حصلت بين عامي 1916 و1917 خصوصًا من خلال عقد اجتماعات سرية للهيئة العامة (comité secret). فالاستماع إلى الوزراء في اللجان كان له نتائج محدودة إذ إنّه لا يؤدّي إلى طرح الثقة بالوزراء أو بالحكومة، كما أنّه أثار امتعاض بعض النوّاب لأنّ اللجان لا تسمح بمشاركة جميع هؤلاء في النقاش الحاصل. وفيما كان الاعتماد على اللجان ناشئًا عن ضرورة أن تبقى المداولات سريّة من أجل الحفاظ على أمن الدولة وعلى عمليات الجيش في ظلّ الحرب، تمّ الاستعاضة عن اللجان بعقد اجتماعات سرية للبرلمان كون الدستور يجيز ذلك. وقد استفاد البرلمان الفرنسي من هذا الحقّ الدستوري، ما مكّن النواب جميعًا من المشاركة في جلسات مساءلة الحكومة فيما كان ذلك يقتصر على عدد محدد من الشيوخ النواب داخل اللجان. وهكذا أصبح من الممكن طرح الثقة بالوزراء من دون إفشاء أسرار الدولة، لا بل أن الرقابة البرلمانية أدت إلى إسقاط ثلاث حكومات خلال الحرب.
أما في لبنان، اللجان لا تزال سريّة ويحق لأيّ نائب المشاركة في اجتماعاتها من دون الحقّ في التصويت إذا لم يكن عضوًا فيها، كما أنّ الهيئة العامة قادرة على الاجتماع سريًّا إذا ما اضطرّت إلى ذلك عملا بالمادة 35 من الدستور[9]، ما يمنح المجلس النيابي فعليًا كامل الوسائل من أجل الاجتماع وممارسة أعماله في ظلّ الحرب إذا ما أراد.
يبقى أنّ اندفاعة البرلمان الفرنسي في مراقبة الحكومات قد أثّر سلبًا على صورته إذ بات يعتبر من قبل الصحافة وبعض فقهاء القانون الدستوري على أنّه يتسبب بإضعاف الدولة في وقت حرج تشهد فيه البلاد عدوانًا خارجيًّا ما يتطلّب أعلى قدر من التماسك الداخلي. وقد لاقى البرلمان الفرنسي صعوبة في المحافظة على صورته كمجلس وطني حريص على وحدة ومكوناته في الأوقات الصعبة أمام تعدد الجلسات السريّة وما نتج عنها من تضييق على الحكومات وصولًا إلى إسقاطها[10].
ولا شكّ أن التضاد يظهر جليّا مع الكنيست الإسرائيلي الذي بسبب الحالة الطارئة قلّص في أول الأمر من اجتماعاته ومن نشاط لجانه واقتصر عمله على مناقشة مجريات الحرب وموازنة الدولة، وهي مواضيع حساسة تظهر انخراطه في تحديد الخيارات السياسية الكبرى للدولة واستمراره بمراقبة عمل الحكومة. لكن رئيس الكنيست قرر بعد فترة الشروع بمناقشة مواضيع أخرى البعض منها خلافية جدًّا كإنشاء لجنة تحقيق بأحداث السابع من تشرين الأول 2023 أو إقرار قانون يجيز الإعدام في الجرائم القتل المرتبطة بدوافع أمنية أو قومية وهو ما عرف بقانون "إعدام الأسرى" هذا فضلا عن مواضيع عادية كقانون يتعلق بالإعلام. وقد تمّ انتقاد هذا التوجّه من قبل الصحافة الاسرائيلية التي اعتبرت أنّ الكنيست كان يؤجّل النظر في المواضيع الخلافية أثناء الحرب إذ يقوم بالتركيز على تلبية حاجات المجتمع ومراقبة كيفية قيادة الحكومة للحرب مع التصويت على الاعتمادات التي يحتاجها الجيش[11].
لا بل أن الكنيست الإسرائيلي صوّت في عزّ المعارك في 30 آذار على الموازنة العامّة للدّولة التي هي الأكبر في تاريخ إسرائيل وذلك من أجل تجنّب إسقاط الحكومة والذهاب إلى انتخابات مبكرة لا تريدها السلطة الاسرائيليّة في ظلّ الحرب. وقد تضمّنت هذه الموازنة تخصيصًا كبيرًا من مداخيل الدولة للمصاريف الدفاعيّة. كلّ ذلك بيبّن مدى مواكبة مجلس النواب الإسرائيلي لسياسة الحكومة وانخراطه في رسم توجهاتها ومساندتها في المجهود العسكري التي تقوم به.
في الخلاصة، وعلى الرغم من أن الحرب العالمية الأولى استمرّت لسنوات طويلة بينما العدوان الإسرائيلي الشامل على لبنان جاء متقطعا ولفترات زمنية أقصر، لكن طريقة عمل مجلس النواب باتت تعكس نهجا يكشف في الحقيقة طبيعة النظام السياسيّ المسيطر على لبنان حيث تفقد المؤسسات الدستورية وظيفتها السياسية التي تكمن في اتخاذ الخيارات الكبرى كي يتمكن الشعب من تحديد مصيره عبر ممثليه الرسميين.
[1] Daugeron Bruno, “Le contrôle parlementaire de la guerre”, in Revue Jus Politicum.
[2] Rousselier Nicolas, “Le Parlement français et la Première Guerre mondiale”, in Parlement[s], Revue d’histoire politique, 2008/2 nº10, pp. 13 à 30.
[3] Daugeron Bruno, op. cit.
[4] “La Chambre des députés pendant la première guerre mondiale”, site web de l’Assemblée nationale.
[5] Daugeron Bruno, op. cit.
[6] Bock Fabienne, Un parlementarisme de guerre 1914-1919, Paris, Belin, 2002.
[7] Article 5 de la loi constitutionnelle du 16 juillet 1875 :"Les séances du Sénat et celles de la Chambre des députés sont publiques."
[8] Rousselier Nicolas, op. cit.
[9] المادة 35 من الدستور اللبناني : "جلسات المجلس علنيّة على أنّ له أن يجتمع سريًّا بناء على طلب الحكومة أو خمسة من أعضائه وله أن يقرر إعادة المناقشة في جلسة علنيّة في المبحث نفسه".
[10] Rousselier Nicolas, op. cit.
[11] Regular Knesset work continues while Israel is in war | The Jerusalem Post