اقتراح لدمج المساعدات في رواتب القطاع العام: حلّ ترقيعي لأزمة مستمرة
04/06/2026
تقدّم النائب بلال عبد الله بتاريخ 19/1/2026 باقتراح قانون يرمي إلى دمج المساعدات الاجتماعية في صلب الراتب. يرمي الاقتراح تفصيلًا، إلى دمج في أساس الراتب 50% من مجموع المساعدات الاجتماعية والملحقات التي تُمنح للموظفين والأجراء والمستخدمين والمتعاقدين في الإدارات العامة والمؤسسات العامة والجامعة اللبنانية واتحاداتها، وعناصر القوات المسلّحة والمديريات العامة الأمنية والمديرية العامة للجمارك مهما كانت تسمية هذه المساعدات والملحقات، باستثناء التعويض العائلي وتعويض النقل. كما ينص الاقتراح على أنه تُدمج جميع المساعدات التي تُمنح لجميع المتقاعدين في تلك الجهات، وللمتعاقدين والأجراء الذين اختاروا المعاش التقاعدي بدل تعويض نهاية الخدمة في صلب الراتب التقاعدي إلى حين إقرار سلسلة رتب ورواتب جديدة. وأخيرًا، ينص الاقتراح على أنه يعمل بهذا الاقتراح اعتبارًا من 1/1/2026.
تبرر الأسباب الموجبة تقديمه بالانهيار الاقتصادي والنقدي الذي أدى إلى تراجع كبير في قيمة رواتب العاملين في القطاع العام ومعاشات المتقاعدين منهم، ما أفقدها جزءاً كبيراً من قدرتها الشرائية. وللتخفيف من تداعيات هذه الأزمة، اعتمدت الدولة خلال السنوات الماضية مساعدات اجتماعية وملحقات مالية استثنائية مُنحت خارج صلب الراتب. وتشير الأسباب الموجبة أن استمرار العمل بهذه المساعدات لفترة طويلة أدى إلى تشويه هيكلية الأجور وإلى تفاوت بين الفئات الوظيفية، كما أثار إشكاليات قانونية ومالية، لا سيما في ما يتعلق باحتساب الحقوق التقاعدية. عليه، فإن إعادة دمج جزء من هذه المساعدات في أساس الراتب للعاملين في الخدمة الفعلية، ودمجها بالكامل في الراتب التقاعدي للمتقاعدين، يهدف إلى إعادة الانتظام الجزئي للأجور، ويحقّق قدر أكبر من العدالة والمساواة، وحماية الحقوق المكتسبة للمتقاعدين، وذلك بصورة انتقالية ومؤقتة إلى حين إقرار سلسلة رتب ورواتب جديدة وشاملة.
عليه نبدي الملاحظات التالي:
حلّ ظرفي لا يفي بالمطلوب
يأتي هذا الاقتراح في سياق السعي إلى تحسين الأوضاع المعيشية للعاملين والمتقاعدين في القطاع العام بعد التدهور الكبير الذي أصاب القدرة الشرائية للرواتب والمعاشات التقاعدية خلال السنوات الأخيرة. فيعمد إلى تحويل جزء من المساعدات الاجتماعية المؤقتة والاستثنائية إلى عناصر أكثر استقرارًا ضمن الراتب أو المعاش التقاعدي، بما يساهم في تعزيز الحقوق الوظيفية والتقاعدية ويحدّ من الاعتماد على تدابير مؤقتة قابلة للتعديل أو الإلغاء بقرار سياسي ما يخلق حالة من الهشاشة لدى الموظفين يسهل استغلالها لتحقيق مصالح سياسية.
في المقابل، يبقى الاقتراح محصوراً ضمن إطار المعالجة الجزئية للأزمة، إذ لا يشكل بديلاً عن إصلاح شامل لنظام الأجور في القطاع العام. فهو لا يعيد النظر في هيكلية الرواتب ولا يعالج الخلل العميق الذي نتج عن انهيار قيمة العملة وارتفاع مستويات الأسعار، بل يقتصر على دمج جزء من المساعدات التي أُقرّت أساساً كإجراءات استثنائية ومؤقتة.
كما يُلاحظ أن الاقتراح يكرّس نهج المعالجات المرحلية بدلاً من اعتماد سياسة متكاملة لإعادة تكوين الأجور والمعاشات على أُسس عادلة ومستدامة، الأمر الذي قد يؤدّي إلى استمرار التفاوتات القائمة بين الفئات الوظيفية المختلفة.
ومن الملاحظ أيضا أن الأسباب الموجبة لا تشير مثلا إلى وجود دراسة واضحة للكلفة المالية المترتّبة على هذا الدمج أو لمصادر تمويله، ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة الخزينة العامة على تحمل أعبائه واستدامته، في المدى المتوسط والطويل، في ظل عجزها الحالي.
صياغة قانونية ملتبسة
من الملاحظ أن المادة الأولى من الاقتراح تشير إلى دمج خمسين بالمئة من مجموع المساعدات الاجتماعية في أساس الراتب من دون تحديد كيفية ومتى يجب احتساب تلك المساعدات. فهذه المساعدات ظرفية وهي تختلف بين الإدارات ولم تكن ثابتة خلال السنوات الماضية. فهل أراد الاقتراح القول بأن المساعدات التي يتوجب دمجها هي تلك التي يتم منحها الان عند صدور القانون، أو أنها تلك التي حصل عليها الموظف فقط بشكل مستمر في فترة محددة، أو تشمل حتى المساعدات التي تقاضاها في الماضي على الرغم من أنها لم تعد موجودة اليوم.
كذلك يضيف الاقتراح بأن الموظف سيستمر في الحصول على النصف الثاني من المساعدات التي لن تدمج في أساس الراتب "إلى حين صدور سلسلة رتب ورواتب جديدة". وهنا يبرز السؤال حول التداعيات القانونية لهكذا نص على طبيعة الراتب. فالمساعدات هي تقديمات اختيارية يعود للسلطة التنفيذية منحها وفقا لشروط معينة لكنها تخضع لسلطة تقديرها الاستنسابية، ما يعني أن هذا الاقتراح بجعله هذه المساعادات دائمة، يكون قد بدّل في طبيعتها إذ جعلها إلزامية ومستمرة. لذلك، باتت الحكومة مرغمة على دفعها، الأمر الذي يعني أن منحها بشكل ثابت يجعلها تصبح في الحقيقة جزءا من الراتب نظرا لديمومتها والمثابرة على دفعها.
وهكذا يتبين أن هذا الاقتراح يؤدي إلى زيادة حقيقية في راتب الموظفين من دون تبني ذلك رسمّيا، ما يعني أنه يتحايل على التعريف القانوني للراتب كونه يخلق حقًّا دائمًا يترتّب على الدولة من دون وصفه بأنه كذلك. فالموظف سينظّم حياته انطلاقًا من هذا الراتب الجديد الذي بات يتّصف بالثبات، وهو سيبني استقراره الاجتماعي انطلاقًا من هذا الراتب الذي يضم جميع تلك المساعدات، لكنه لن يتمكن من الاستفادة من التداعيات القانونية لراتبه المقنّع الجديد بسبب الانفصال الذي سيحدثه الاقتراح يبين الرتاب الحقيقي الذي يتقاضاه الموظف عند استحقاقه والراتب القانوني الذي لا يزال يحتسي من دون هذه المساعدات.
في الخلاصة، يمكن اعتبار الاقتراح خطوة إيجابية فقط لأنه يساهم في تكريس تخفيف بعض الأعباء الآنية التي يعاني منها العاملون والمتقاعدون في القطاع العام وذلك عبر تحصين تلك المساعدات من القرار الاستنسابي للحكومة، لكنه لا يشكل معالجة فعلية لأزمة الرواتب التي تستوجب إقرار سياسة متكاملة لإعادة هيكلة الرواتب والمعاشات بما يضمن العدالة والاستدامة والقدرة الشرائية الفعلية. فإقرار هذا الاقتراح يشكل في الحقيقة اعترافا بفشل السلطة عن القيام بدورها، لأن تصحيح الرواتب كي تواكب غلاء المعيشة هو واجب على الدولة وليس منة تتحكم بها الأهواء السياسية.