الثغرات في قانون الانتخابات النيابية: قراءة تحليلية نقدية

أديب إسماعيل محفوض

11/02/2026

انشر المقال

أدخل قانون الانتخابات النيابية اللبناني رقم 44/2017 نظام التمثيل النسبي إلى بنية انتخابية طالما حكمها النظام الأكثري، غير أنّ تصميمه الداخلي—وخاصة اقتران النسبية بصوت تفضيلي محصور، وترسيم دوائر غير مؤطّر بمعايير ملزمة لتكافؤ وزن الصوت، وقصور آليات الضبط والردع في الرقابة على التمويل والإعلام، وبقاء إدارة الانتخابات ضمن نموذج غير مستقلّ بالكامل—أنتج «نسبية مُقيَّدة» تقلّ فيها الوظيفة الإصلاحية للنسبية وتستمر معها ديناميات الزعامة المحلية والطائفية والمال الانتخابي (قانون الانتخاب، 2017؛ بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات، 2022).

يحلّل هذا البحث الثغرات من داخل آليّات القانون: هندسة الدوائر والحاصل الانتخابي وآثارهما على "تفاوت القوة التصويتية"؛  الصوت التفضيلي بوصفه عنصرًا يعيد توجيه المنافسة داخل اللائحة ويحدّ من التنافس البرامجي؛ الرقابة على التمويل والإعلام وتكافؤ الفرص؛  بنية تسوية النزاعات الانتخابية وفعالية الطعون؛ واختبار الشمول السياسي من زاوية مشاركة النساء والتمثيل الفعلي. ويستند التحليل إلى النص الرسمي للقانون وخلاصات تقارير رقابية دولية، إلى جانب التوثيق الميداني للجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات حول انتخابات 2022، والمعايير الأوروبية المقارنة (مدونة لجنة البندقية) (بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات، 2022؛ لجنة البندقية، 2002؛ الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات، 2022).

يخلص البحث إلى أنّ الإصلاح لا يستقيم بتعديلات جزئيّة معزولة، بل يتطلّب «حزمة» متكاملة: إعادة هندسة الصوت التفضيلي بما ينسجم مع النسبيّة، تقنين معايير ترسيم الدوائر لضمان المساواة في وزن الصوت، بناء إدارة انتخابية دائمة مستقلة بصلاحيات تقريرية وزجرية نافذة، وتعزيز قواعد الشفافية المالية وتفعيل آليات المحاسبة، وتطوير مسار الطعون والتحقيق الانتخابي لضمان فعالية تصحيح النتائج خلال فترة الانتخابات، إلى جانب تدابير مرحلية لتعزيز مشاركة النساء (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2022؛ لجنة البندقية، 2002).

مقدّمة

لا تُقاس قيمة التحول نحو التمثيل النسبي بعبارة «اعتماد النسبية» في ذاتها، بل بمدى اتّساق بقية عناصر التصميم القانوني مع فلسفة النسبية: تحويل التنافس من احتكار أغلبيّ إلى تمثيل أقرب إلى الوزن الحقيقيّ للقوى السياسية، ضمن تكافؤ في وزن الصوت وتكافؤ في الفرص بين المرشّحين واللوائح، وإدارة انتخابية تتمتع بالاستقلالية والقدرة على ضبط المخالفات. وفي لبنان، جاء قانون 44/2017 إدخالًا للنسبية ضمن بيئة دستورية–سياسية تقوم أصلًا على توزيع المقاعد طائفيًا، وعلى توازنات دقيقة بين القوى التقليدية، ما جعل «النسبية» تُقرأ عمليًا كآلية توزيع داخل حدود طائفية ومحليّة صلبة (قانون الانتخاب، 2017).

تُظهر خلاصات بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة انتخابات 2022 أنّ جودة العملية الانتخابية ليست محصلة النص فقط، بل محصلة قابلية تطبيقه: رقابة التمويل، تكافؤ الإعلام، سرية الاقتراع، أداء أقلام الاقتراع، والشكاوى والطعون (بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات، 2022).  كما تبرز تقارير رقابية دولية أخرى—ومنها تقرير المعهد الديمقراطي الوطني—إشكاليات تتعلق بالمنافسة، والمال السياسي، والبيئة الإجرائية.

بناءً عليه، يقارب هذا البحث القانون من الداخل: كيف تُحتسب المقاعد؟ ما أثر ترسيم الدوائر على المساواة في وزن الصوت؟ كيف يعمل الصوت التفضيلي على إعادة هندسة المنافسة؟ هل تمتلك هيئة الإشراف وأجهزة الدولة أدوات ضبط وردع فعّالة في التمويل والإعلام؟وهل تسمح منظومة الطعون بتصحيح الخلل ضمن فترة الإنتخابات؟ ثم يُترجم الاستنتاجات إلى مقترحات إصلاحية قابلة للصياغة التشريعية.

النسبية داخل قيد محلي–طائفي

يكرّس قانون 44/2017 النسبية بوصفها طريقة احتساب وتوزيع للمقاعد، لكنه يُبقي التّمثيل مربوطًا بتركيبة الدائرة وبالتوزيع الطائفي للمقاعد داخل كل دائرة، ما جعل النتيجة الانتخابية حصيلة تفاعل بين «قواعد نسبية» و«قواعد قيدية» تُحدِّد سلفًا نطاق التنافس الممكن.

وفق مدوّنة لجنة البندقية، تُعد المساواة في التصويت—بوجوهها المختلفة—شرطًا لازمًا للانتخابات الديمقراطية، ومن أبرزها المساواة في «قوة الصوت» عبر توزيع متوازن للمقاعد بين الدوائر (لجنة البندقية، 2002). وفي البيئات الانقسامية، لا تمنع النسبية بذاتها إعادة إنتاج الانقسام إذا صُمِّمت قواعدها بطريقة تعيد ربط المنافسة بالهويات الفرعية بدل البرامج العامة. من هنا تبرز فكرة «النسبيّة المقيدة»: نظام يستخدم النسبية لكنه يقيّد آثارها بعناصر تصميمية ترفع كلفة الاختراق السياسي وتعيد توجيه المنافسة إلى مسارات محلية/فئوية.

ترسيم الدوائر ووزن الصوت

ينبغي قانونًا أن يقدّم ترسيم الدوائر ضمانةً لعدم تفاوت «قوة الصوت» بين ناخب وآخر. وعندما يغيب معيار ملزم يحدّ من الانحرافات بين الدوائر (عدد ناخبين/مقعد، أو كتلة سكانية/مقعد)، تصبح الدائرة قابلة—نظريًا وعمليًا—للتحول إلى أداة إعادة توزيع للفرص السياسية. معيار لجنة البندقية واضح: المقاعد يجب أن تُوزَّع بين الدوائر على نحو متوازن، وأي انحراف يجب أن يكون محدودًا ومبرّرًا (لجنة البندقية، 2002).

وبالنظر إلى التوزيع الرقمي للمقاعد في انتخابات 2022، يتجلى انحراف المعيار الديمقراطي (صوت لكل مواطن) بشكل صارخ؛ إذ نجد أن القيمة التمثيلية للصوت تختلف جذرياً بين دائرة وأخرى. فعلى سبيل المثال، في دوائر مثل (بيروت الأولى) أو (بعلبك الهرمل)، نجد تفاوتًا ملموسًا في "الحاصل الانتخابي" المطلوب للفوز بمقعد واحد مقارنة بدوائر صغرى أو ذات كثافة ناخبين مختلفة. هذا التباين الحسابي يؤدي إلى ما يُعرف بـ «الصوت الهجين»، حيث يمتلك الناخب في دائرة معينة قدرة تأثيرية تفوق زميله في دائرة أخرى بأضعاف، مما يفرغ المادة السابعة من الدستور اللبناني (المساواة في الحقوق) من مضمونها العملي، ويجعل الدوائر الانتخابية جزرًا تمثيلية غير متكافئة.

في لبنان، يحدد القانون دوائر متعددة الأحجام والتركيبات. وبغض النظر عن المبررات السياسية أو الإدارية، فإن غياب نص معياريّ يضع حدًا لأثر هذا التفاوت على «تكافؤ القوة التصويتية» يفتح الباب لمراجعة تشريعية ضرورية: ضبط معيار المساواة في وزن الصوت ضمن القانون نفسه، بدل إبقائه رهينة تفاهمات سياسية.

الحاصل الانتخابي و"الأصوات غير المترجمة"

يقوم الاحتساب النسبي في القانون على مفهوم الحاصل الانتخابي وتوزيع المقاعد على اللوائح وفق تجاوز الحاصل، ثم توزيع المقاعد داخل اللائحة وفق الأصوات التفضيلية وترتيباتها. لكن الأثر العملي للحاصل مرتبط بحجم الدائرة وعدد المقاعد: كلما صغرت الدائرة ارتفع الحاصل وتضاءلت فرص اللوائح الجديدة؛ إذ أنّ تقليل عدد المقاعد في الدائرة يؤدّي إلى رفع الحاصل الانتخابي، ما يخلق كتلة من الأصوات لا تترجم إلى مقاعد، وهي أصوات اللوائح التي لا تتخطى العتبة الانتخابية (الحاصل). هنا لا تكون المشكلة في النسبية كمبدأ، بل في مزيج (حجم الدائرة/عدد المقاعد/قيود الصوت التفضيلي) الذي قد يرفع «العتبة الفعلية» ويحدّ من التعددية.

تقرير بعثة الاتحاد الأوروبي يتعامل مع البيئة القانونية والمؤسساتية بوصفها محددًا للمنافسة وتكافؤ الفرص، ويربط بين عناصر النظام الانتخابي وبين النتائج العملية (بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات، 2022). وعليه، تُقارب العدالة التمثيلية هنا كمسألة تصميم: إذا أُريد للنسبية أن توسع التمثيل، ينبغي أن يحدّ القانون من الآثار الإقصائية غير المقصودة (أو المقصودة سياسيًا) الناتجة عن الدوائر الصغيرة والعتبات المرتفعة عمليًا.

وعلى مستوى العوائق اللوجستية وتأثيرها على حرية الاقتراع، يبرز تقرير الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات أنّ عدم اعتماد 'الميغاسنتر' لم يكن مجرد قصور تقني، بل تحوّل إلى أداة لخفض نسبة المشاركة وتعميق أثر 'الزبائنية الجغرافية' عبر استغلال بدل النقل كوسيلة للضغط السياسي وتوجيه خيارات الناخبين، مما ساهم في تقويض فلسفة التمثيل التي بُنيت عليها النسبية (الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات، 2022).

الصوت التفضيلي: التنافس داخل اللائحة وتآكل الوظيفة النسبية

يُعد الصوت التفضيلي في قانون 44/2017 أكثر عناصر التصميم تأثيرًا في سلوك الناخبين والمرشحين، لأنه يحوّل جزءًا كبيرًا من التنافس من صراع بين لوائح إلى صراع داخل اللائحة الواحدة. وهو ما يخلق مفارقة بنيوية: النسبية تقوّي منطق القائمة والبرنامج، بينما الصوت التفضيلي—خصوصًا عندما يُقيَّد ضمن نطاق جغرافي ضيق—يقوي منطق الشخص والشبكة المحلية.

عمليًا، يدفع الصوت التفضيلي المرشح إلى بناء حملة تفاضلية ضد حلفائه داخل اللائحة لاستقطاب الصوت التفضيلي، فيتزايد الاستثمار في شبكات الخدمات والولاءات والقدرة على التعبئة الميدانية، بدل الاستثمار في خطاب سياسي–برامجي موحّد. وتزداد هذه الديناميكية في المجتمعات المحلية المتماسكة أو ذات البنى الزبائنية التقليدية. وقد رصدت بعثة الاتحاد الأوروبي ممارسات تؤثر على حرية الاختيار وتكافؤ المنافسة، ومنها ممارسات شراء أصوات وضغوط وسلوكيّات تؤثر على سرية الاقتراع في بعض الحالات، ما يسلط الضوء على التفاعل بين التصميم القانوني والبيئة الزبائنية (بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات، 2022).

كما يؤدي الصوت التفضيلي إلى «إعادة ترتيب» داخل اللائحة قد يقوض منطق تمثيل اللائحة بحسب قوتها الكليّة، ويجعل المقعد داخل اللائحة أشبه بمسابقة محلية على الصوت التفضيلي. من زاوية العدالة الانتخابية، لا يكون الإشكال في إعطاء الناخب حق اختيار مرشح داخل لائحة، بل في درجة التقييد التي تجعل هذا الاختيار محكومًا بعلاقات محلية ضيقة، وبما يحوّل النسبية إلى غطاء شكلي لمنافسة محلية–طائفية.

ولتحقيق اتساق أكبر مع فلسفة النسبية، تُطرح بدائل تشريعية واضحة:

  • إعادة رفع نطاق الصوت التفضيلي إلى مستوى الدائرة الكبرى بدل القضاء؛
  • أو استبداله بترتيب لائحي (مفتوح/مغلق وفق ضوابط ديمقراطية داخلية)؛
  • أو اعتماد صوتين تفضيليين ضمن الدائرة الكبرى لتخفيف الاحتكار داخل الشبكات المحلية. وتُقيَّد هذه البدائل وفق معيار واحد: أيها يقلل التنافس الداخلي الهدّام ويعزز التنافس البرامجي ويحد من الزبائنية؟

هيئة الإشراف: استقلالية صلاحيات الضبط والردع:

تتوقّف فعالية أي قانون انتخابي على وجود جهاز رقابيّ قادر على فرض الإلتزام والمحاسبة. وفي التجارب المقارنة، تتجه الأنظمة الديمقراطية إلى إدارة انتخابيّة مستقلة ودائمة. معيار لجنة البندقيّة يشدد على أهمية الحياد والاستقلال في الإدارة الانتخابية كركيزة للنزاهة (لجنة البندقية، 2002).

وفي السياق المقارن، تبرز تجربة الهيئة المستقلة للانتخابات في الأردن أو الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس كأمثلة إقليمية انتقلت من نموذج الإدارة التابعة للسلطة التنفيذية (وزارة الداخلية) إلى نموذج الهيئة الدائمة والمستقلة ماليًا وإداريًا. إن تبنّي لبنان لهذا النموذج ليس مجرد ترف تنظيمي، بل هو ضرورة لتجاوز «تضارب المصالح» الذي تفرضه إدارة السلطة التنفيذية للعملية الانتخابية. فالمعايير الدولية، التي طبّقتها دولٌ ذات سياقات انتقالية، أثبتت أن استقلالية الإدارة هي الضمانة الوحيدة للحدّ من استغلال موارد الدولة في الحملات الانتخابية، ولضمان تطبيق فعلي وسلطة ردع حقيقية لسقوف الإنفاق المالي التي تبقى في القانون اللبناني مجرد نصوص بلا مخالب.

وتشير تقارير مراقبة 2022 إلى أهمية تعزيز الأطر التي تضمن تكافؤ الفرص، وإلى مسائل تتعلق بالإدارة الانتخابية وأداء العاملين يوم الاقتراع وسرية التصويت (بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات، 2022). وبالتالي، فإنّ نقطة الضعف ليست وجود هيئة فحسب، بل مدى استقلاليتها وقدرتها الفعلية على إصدار قرارات نافذة في الزمن الانتخابي.

وفي هذا الإطار، وثّقت عمليات الرصد الميداني لانتخابات 2022 فجوةً واسعةً بين النص القانوني الناظم لهيئة الإشراف وقدرتها على الإنفاذ؛ حيث سُمح بتفشّي مخالفاتٍ جسيمة تتعلّق بالترهيب الانتخابيّ وخرق سريّة الاقتراع داخل مراكز الاقتراع وفي محيطها. وهو ما اعتبره مراقبو الجمعية اللبنانيّة من أجل ديمقراطيّة الانتخابات (لادي) عجزاً بنيوياً يحول دون حماية إرادة الناخب من الضغوط المباشرة (الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات، 2022).

تمويل الحملات: الشفافيّة، الرقابة، والجزاء:

إنّ القواعد التي تضبط سقوف الإنفاق تصبح عديمة الجدوى ما لم تقترن بمنظومة رقابية متكاملة تقوم على الركائز التالية:

  • الإفصاح الدوري:  الذي يلزم المرشحين بتقديم كشوفات مالية متتابعة خلال الحملة وليس فقط بعدها، مما يسمح بالرقابة "الآنية" على تدفق الأموال.
  • التدقيق المستقل:  عبر منح هيئة الإشراف صلاحية الاستعانة بشركات تدقيق متخصصة أو خبراء مستقلين للتحقق من صحة الحسابات بعيداً عن الروتين الإداري.
  • القرارات السريعة (الناجزة): وهي القدرة على إصدار أحكام وقرارات زجرية فور وقوع المخالفة وقبل فوات الأثر الانتخابي، لمنع المرتشي أو المتجاوز للسقوف من حصد ثمار مخالفته يوم الاقتراع.

هذه المنظومة الرادعة لتجاوز سقوف الإنفاق هي ما افتقدته انتخابات 2022؛ حيث تشير التقارير الرقابية الدولية والميدانية إلى أنّ غياب هذه الأدوات سمح للمال الانتخابي بتشويه مبدأ تكافؤ الفرص، وحوّل سقوف الإنفاق إلى مجرد أرقام شكلية لا تعكس واقع الإنفاق الفعلي الضخم الذي طبع بيئة المنافسة (بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات، 2022).

إنّ الثغرة الجوهرية هنا ليست النص وحده، بل آليات التطبيق والردع: فإذا كانت المخالفة المالية لا تُواجه بقرار مؤثر أثناء الحملة، تتحول القاعدة إلى مجرد إعلان شكلي. لذلك، يرتبط الإصلاح الحقيقي بإعادة هندسة الرقابة المالية: عبر توسيع صلاحيات الوصول إلى المعلومات، وإلزامية النشر، واعتماد تدرّج في الجزاءات يبدأ بالغرامة وينتهي في الحالات الجسيمة بعقوبات تمس النتيجة (صحّة التمثيل).

الإعلام وتكافؤ الوصول: في مواجهة الاستقطاب والاصطفاف الإعلامي

تؤكد تقارير الرقابة الدولية، ولا سيما تقارير بعثة الاتحاد الأوروبي لعام 2022، وجود خلل بنيويّ في تكافؤ الفرص الإعلامية؛ حيث اعتمدت هذه التقارير منهجية دقيقة في رصد التغطية، شملت قياس زمن الظهور ونبرة الخطاب في القنوات المحلية، مما كشف عن انحيازات واضحة تعكس طبيعة الملكية والولاء السياسي للوسائل الإعلامية.

وعليه، فإنّ ضمان "تكافؤ الوصول" في بيئة إعلامية شديدة الاستقطاب لا يمكن أن يتحقق عبر الشعارات العامة، بل يتطلب تحويل هذا المبدأ إلى معايير ملزمة وقابلة للقياس (مثل تقنين زمن الظهور العادل)، مقرونةً بـآلية شكاوى ناجزة (سريعة) تبتّ في المخالفات فور وقوعها، ومنظومة جزائية تمتلك قوة الإلزام، لضمان عدم تحوّل الفضاء الإعلامي إلى أداة لترجيح كفة طرف على آخر بفعل النفوذ المالي أو السياسي (بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات، 2022).

الطعون وتسوية النزاعات: الفعالية، التحقيق، وحماية صحّة التمثيل

لا تقتصر غاية الطعون الانتخابية على مراقبة الإجراءات فحسب، بل تمتد لتشمل القدرة على تصحيح النتائج وإحقاق صحة التمثيل. فالفلسفة القانونية للطعن تقوم على مبدأ "رد الاعتبار لإرادة الناخبين" التي قد يشوبها تزوير أو خلل جسيم. إذ لا قيمة لضمانات النزاهة إذا لم تتوافر وسيلة قضائية فعالة لتصحيح هذا الخلل. وهو ما تؤكّده معايير لجنة البندقية التي تربط بين النزاهة الانتخابية ووجود آليات تظلم فعالة (لجنة البندقية، 2002).

وفي لبنان، تُثار باستمرار أسئلة حول قدرة منظومة الطعون على إجراء تحقيق انتخابي شامل (فرز، تدقيق محاضر، تقصٍّ ميداني) يتجاوز التدقيق الورقي الشكلي. إن الفعالية في هذا المسار تتطلب منح المجلس الدستوري أدوات تحقيق واسعة تضمن أن الحكم الصادر يؤدي فعلياً إلى إبطال أي نيابة غير مشروعة واستعادة المقعد لمن يستحقه قانوناً، وذلك ضمن مهل زمنية تمنع استمرار الخلل طوال الولاية التشريعية، وتجعل تصحيح التمثيل ممكناً قبل أن يصبح الحكم القضائي متأخراً في أثره السياسي.

الشمول السياسي: مشاركة النساء نموذجًا

الشمول السياسي ليس عنصرًا تجميليًا، بل اختبار لمبدأ المساواة في التمثيل. ويقدم تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات الخاص بانتخابات 2022 من منظور جندري إطارًا توثيقيًا ومعطيات حول التحديات التي تواجه تمثيل النساء. كما يشكل الالتزام الدولي بمبدأ المساواة في الفرص ركيزة معيارية في هندسة النظم الانتخابية الحديثة (لجنة البندقية، 2002). في ضوء ذلك، تصبح الكوتا المرحلية خيارًا تشريعيًا قابلًا للدفاع عنه من منظور «المساواة الفعلية»، لا باعتباره امتيازًا، بل تدبيرًا تصحيحيًا لمعالجة اختلال بنيوي.

حزمة إصلاحية شاملة: مسارات تشريعية ومؤسساتية

استنادًا إلى التحليل أعلاه، نقترح حزمة إصلاحية ذات بنود مترابطة، لأن أي تعديل جزئي سيفقد أثره الإصلاحي نتيجة تداخله مع بقية الثغرات البنيويّة للقانون:

  1. إعادة هندسة الصوت التفضيلي:  رفع نطاقه إلى الدائرة الكبرى أو استبداله بترتيب لائحي ينسجم مع فلسفة التمثيل النسبي.
  2. تقنين معايير ترسيم الدوائر وتكافؤ وزن الصوت: إدراج معيار ملزم لـحدود التفاوت المسموح بها في القوة التصويتية بين الدوائر، وتفسير تشريعي واضح لمبدأ المساواة في وزن الصوت(لجنة البندقية، 2002).
  3. إنشاء إدارة انتخابية دائمة مستقلة:  تتمتع بصلاحيات تنفيذية ورقابية وميزانية مستقلة، مع نقل وظائف الرقابة المالية والإعلامية والشكاوى إليها بشكل كامل (لجنة البندقية، 2002).

وفي هذا السياق، تتقاطع الخلاصات القانونية لهذا البحث مع التوصيات التي ترفعها الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات، والتي تؤكد على وجوب منح هذه الهيئة استقلالاً مالياً وإدارياً تاماً عن السلطة التنفيذية، مع تعزيزها بصلاحيات تقريرية وزجرية نافذة تمكّنها من ملاحقة المخالفات والجرائم الانتخابية بشكل مباشر وفوري، بما يضمن تفعيل مبدأ المحاسبة والحد من الإفلات من العقاب، وتحويل دور الهيئة من الرصد الشكلي إلى الدور الضابط والفاعل في حماية نزاهة العملية الانتخابية (الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات، 2022).

  1. تطوير قواعد التمويل: إقرار نظام التصريح الدوري العلني عن النفقات، والتدقيق المستقل، واعتماد جزاءات متدرجة سريعة وناجزة خلال الحملة الانتخابية (بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات، 2022).
  2. الإعلام والدعاية: وضع معايير ملزمة قابلة للقياس، وتفعيل آلية شكاوى سريعة، وربط الإنفاق الإعلاني بسقوف التمويل الانتخابي (بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات، 2022).
  3. الطعون والتحقيق الانتخابي: تدعيم آليات التحقيق الفني، توسيع إمكانات التدقيق وإعادة الفرز حيث يلزم، وإعادة النظر في المهل القانونية بما يضمن حماية صحة التمثيل بفعالية (لجنة البندقية، 2002).
  4. تدابير شمول مرحلية: اعتماد كوتا نسائية لا تقل عن 30% ضمن اللوائح أو ترتيب إلزامي داخلها، استنادًا إلى تقارير الرصد الجندري والمعايير الدولية (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2022).

ثامناً: خاتمة

يؤكد تفكيك قانون 44/2017 أنّ الإشكال ليس في إدخال النسبية كنص، بل في «تركيب» النسبية ضمن قيود تصميمية وإدارية تُضعف وظيفتها الإصلاحية: صوت تفضيلي يعيد إنتاج المنافسة المحلية داخل اللائحة، دوائر غير مؤطّرة بمعيار ملزم لتكافؤ وزن الصوت، رقابة مالية وإعلامية تعاني فجوة إنفاذ، ومسار طعون يحتاج إلى تعزيز فعاليته في الزمن الانتخابي (بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات، 2022؛ لجنة البندقية، 2002).

وعليه، فإن الإصلاح الجاد يتطلب حزمة مترابطة تعيد بناء شروط المساواة السياسية: مساواة في قوة الصوت، مساواة في الفرص، وشفافية قابلة للإنفاذ، وإدارة انتخابية مستقلة، وتسوية نزاعات فعالة، وتدابير مرحلية للشمول السياسي. بهذا فقط تُترجم النسبية من «آلية احتساب» إلى «أداة عدالة تمثيلية» تعيد الثقة بين المواطن والدولة وتحصّن المسار الديمقراطي.

لائحة المراجع

أولاً: المراجع العربية

  1. الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات (لادي)،2022، التقرير الختامي لمراقبة الانتخابات النيابية 2022. بيروت.
  2. المديرية العامة لرئاسة مجلس الوزراء، (2017) ، قانون رقم 44 تاريخ 17/06/2017 (قانون انتخاب أعضاء مجلس النواب)، بيروت، الجريدة الرسمية.
  3. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي( (UNDPوالجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات (LADE) ، (2022)، تقرير مراقبة الانتخابات النيابية للعام 2022 من منظور جندري. بيروت.
  4. الوكالة الوطنية للإعلام. (2022، 20 تشرين الأول). المجلس الدستوري رد 5 طعون بالانتخابات النيابية، بيروت.

ثانياً: المراجع الدولية (المعرّبة)

  1. بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات، (2022) ، الانتخابات النيابية اللبنانية – 15 أيار 2022: التقرير النهائي، بروكسل.
  2. لجنة البندقية (اللجنة الأوروبية للديمقراطية عن طريق القانون) (2002)، مدونة قواعد السلوك الجيد في الشؤون الانتخابية: المبادئ التوجيهية والتقرير التوضيحي. ستراسبورغ، مجلس أوروبا.