حين تنفتح خليّة العفو العامّ: عمل عدالة، لا استكمالٌ للجريمة

نزار صاغية

19/06/2026

انشر المقال

مؤخّرًا، وفي خضم الحرب، برزتْ مبادرة سياسيّة جديدة بمنح العفو العامّ، كادت أن تثمر قانونًا لولا فشل المساومات في حسم بعض تفاصيله. وفيما كان المُحرّك الأساسيّ لهذا العفو هو مشهد فتح المُعتقلات في سورية وحراك الموقوفين في رومية وخصوصًا ما يُعرف ب “الموقوفين الإسلاميّين”، فإنّ ورشة العفو سرعان ما توسّعتْ كما في فترة 2018-2020 في اتجاه منح عفو شبه شامل، يفترض أن يشمل آلاف الموقوفين احتياطيّا، ولكن أيضًا آلاف الذين اعتادوا دوس القوانين من دون أيّ مُساءلة أو صدرت أحكام مبرمة بحقّهم وإن أنهُوا تنفيذ عقوباتهم منذ أمد طويل. وما زاد من قابليّة هذه الورشة للانتقاد هو أنّها انْطلقت بعد أسابيع من تعطيلٍ شبه تامّ للعمل البرلمانيّ بفعل حربٍ مدمّرة، ووسط انقسامٍ حادّ بين مكوّنات المجتمع حولها وقلقٍ عارم حيال التداعيات التي قد تنشأ عنها.

وقد أدّى تركيز النّقاش على الموقوفين الإسلاميين، بين مؤيّد ومعارض، إلى تحويل هذه القضيّة إلى ما يشبه الشجرة التي تخفي غابةً من الإعفاءات التي يُراد حجبها أو على الأقلّ تمريرها تحت جنح الصمت. وما أسهم في  ذلك هو إصرار اللجان المشتركة على اعتماد ما أسميناه مبدئيّة العفو بمعنى أن العفو يكون شاملًا بموجب القانون ولا يُستثنى منه إلا ما ينصّ القانون عليه صراحة، وهو توجّهٌ يناقض تمامًا النظام الدستوريّ ومبدأ المساواة أمام القانون الذي يفترض على العكس تماما مبدئيّة المحاسبة وأن يكون منح العفو هو الاستثناء الذي يجدر تبريره بضرورة اجتماعيّة مع حصره في حدودها. وبفعل هذه المبدئيّة، ستؤدّي المُبادرة النيابيّة في حال إقرارها إلى تمرير العفو العامّ عن عددٍ كبيرٍ من الجرائم من دون تبيان أيّ مبرّرات له بل حتّى من دون الإعلان عن إرادة العفو عن هذه الجرائم أو تحمّل المسؤولية السياسية من جرّاء ذلك. وفيما دفعَنا هذا الأمر إلى تركيز تعليقاتِنا على التّحذير من خطورة المنهجيّة المُعتمدة في هذه المبادرة وخطورة النّصوص المقترحة تمامًا كما فعلنا في فترة 2018-2020، فإنّ هذا الأمر لا يعني أنّنا ننفي وجود أسبابٍ وجيهة لمنح العفو العامّ عن جرائم معيّنة. بمعنى أنّ ما رفضناه ونرفضه ليس العفو العامّ بحدّ ذاته، بل المبادرات التشريعية المقدّمة ومنها المبادرة الأخيرة، والتي تكاد تحوّل العفو العامّ إلى كعكةٍ تتحاصص عليها القوى السياسية واللوبيات التي ترتبط بها بمعزل عن أيّ مبررات واضحة أو رؤية شاملة للمصلحة العامة بل على نقيضها، وهو عفوٌ عامّ يظهر في زمن الحرب بمثابة غنيمة حرب توزّعها هذه القوى على قادتها وزبائنها غالبًا على أساس طائفيّ، بما يعزّز هيمنتها على المجتمع ويزيد من انقساماته وينهش ما تبقّى من عدالة فيه.

وأكثر من ذلك، لا نبالغ إذا قلنا أنّ الأسباب الحقيقية الموجبة لهذه المبادرة تبقى خارج الأسباب المُعلنة لها والتي تكاد تنحصر في الخلل الحاصل في المرفق القضائي وفي إدارة السجون. وهي بالمناسبة الأسباب التي تختزل ولو بعناوين مختلفة الأسباب الموجبة لمجمل لاقتراحات المقدّمة خلال الشهرين المنصرمين، والتي خلَتْ من أيّ أسبابٍ تتصل بالقضاء العسكريّ أو الاستثنائيّ أو انتهاج التعذيب أو التدخّلات السياسيّة في القضاء أو أيّ أسبابٍ اجتماعيّة أو سياسيّة أو اقتصاديّة أخرى. وينطبق هذا الأمر حتّى على اقتراح كتلة الاعتدال التي لا تخفي أبدًا في خطابها الإعلاميّ الهدف منه وهو تحقيق الإفراج عن جميع الموقوفين الإسلاميّين تصحيحًا لما تعتبره “مظلومية” ارتكبت بحقّهم. ولربّما فعلتْ ذلك بهدف تجنّب أيّ استفزاز للجيش أو لأيّ من القوى السياسيّة، بما يسهّل الأخذ بمبادرتها.

وما نريده في هذا المقال، ليس أن نكرّر تحذيراتنا وملاحظاتنا بشأن هذه المبادرة، بل الذّهاب في منحى مختلف نحو إطلاق مبادرةٍ للتّفكير بالحالات التي قد تقدّم فيها آلية العفو العامّ إجابةً مُفيدة وربّما ضرورية في السّياق اللبنانيّ. ولهذه الغاية، عمدْنا إلى تصنيف هذه الحالات ضمن 4 فئات، سنفصّلها واحدةً واحدة وصولًا إلى بلورة خلاصات في شأنها. وقبل المضيّ في ذلك، تجدر الإشارة إلى أننا سنتناول هنا، ليس فقط العفو التامّ عن كامل العقوبة إنما أيضا كلّ أشكال تخفيف المسؤوليّات الجنائية أو التسامح تجاهها ومنها بشكل خاصّ العفو العامّ المخفّف الذي يتمثّل في تخفيض العقوبات عن الجرائم المستثناة من العفو العامّ التامّ. وليس أدلّ على أهميّة العفو المخفّف في هذه المبادرة هو أنّه المدخل الفعليّ لتحقيق الهدف المعلن لأصحابها وهو الإفراج عن معظم الإسلاميّين المحكومين بجرائم القتل والإرهاب وكلها جرائم مستناة من العفو التامّ، فضلًا عن كون الخلاف المستمرّ حول شروطه هو السبب الظاهر في إفشال عقد جلسة تشريعية لإقرار قانون العفو العام في 21 أيار الماضي.

العفو العامّ على ضوء تعطيل مرفق العدالة: لحظة الفصل بين المهمّ والأهمّ

الحالة الأولى التي من شأنِها أن تبرّر العفو العامّ هي طبعًا الخلل الذي أصاب المرفق العام القضائي، والذي أدّى إلى تعطيله بصورة شبه تامّة خلال سنوات الأزمة بما تخلّلها من إضرابات واعتكافات وإحباط لدى مجمل العاملين في الوظيفة العامّة تبعًا لانهيار قيمة العملة الوطنية. وكما سبق بيانه، هذا هو في الواقع السبب المعلن الأبرز إن لم يكن الوحيد الذي نستشفّه من الأسباب الموجبة للاقتراح كما عدّلته اللجان المشتركة، حيث وردت إشاراتٌ متكرّرة إلى “التأخير المزمن في إصدار الأحكام” و”الأزمات المتلاحقة التي طالت مرفقي القضاء وإدارة السجون وأفضت إلى أزمة إنسانية حادّة” و”الإضرابات والاعتكافات التي طالت الجسم القضائي” و”تعذّر سوق الموقوفين إلى جلسات المحاكمة”. فإذا تمّ سرد كل ذلك، انتهت الأسباب الموجبة إلى وجوب إقرار العفو العامّ طالما “أن العدالة المتأخرة تفقد معناها العملي” و”أن العدالة الناجزة هي وحدها العدالة الفعلية”.

ومن دون التقليل من تداعيات تعطيل المرفق العامّ على المتّهمين ومنها إطالة أمد التوقيف الاحتياطيّ، يبقى أنّ إثارة حجّة “العدالة المتأخّرة” إنّما هو حقّ يُراد منه باطل. إذ أن هذه الحجة تُثار بشكل خاصّ في سياق الحديث عن حقوق الضحايا الذين يتعيّن عليهم غالبًا انتظار سنواتٍ قبل نيل العدالة وبهدف تعجيل إجراءات المحاكمة، فيما أنّ الأسباب الموجبة تناولتها هنا من أجل تعميم العفو العامّ من دون إيلاء أي اهتمام بحقوق الضّحايا أو تسهيل وصول دعاويهم الشخصية إلى منتهاها. وكان من الأحرى بالمبادرة التشريعيّة على العكس من ذلك أن ترى أنّ تكديس الملفّات خلال السنوات الماضية إنّما يُعيق عمل القضاء ويتسبّب بمزيدٍ من التأخير، مما يفرض على المشرّع أن يتدخّل لتخفيف عبء هذه الملفّات فلا تتشتّت جهوده بل تنحصر في القضايا الأكثر خطورة. وهذا ما ورد عرضًا ضمن الأسباب الموجبة المذكورة، بقولها أنّ من شأن إقرار العفو العامّ “أن يمكّن السلطة القضائية من تسريع البتّ في الملفّات المتبقيّة”.  

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا التدخّل الذي يستمدّ مشروعيّته من إرادة تسريع الملفّات الأهمّ وتقصير آماد التوقيف الاحتياطي، إنما يبرّر منح العفو العامّ فقط للجرائم الأقلّ أهميّة أي المخالفات والجنح البسيطة كما قد يبرّر وضع سقوف للتوقيف الاحتياطيّ في الجرائم المستثناة حاليا من سقوف المادة 108 من قانون المحاكمات الجزائية. بالمقابل، تبقى هذه الأسباب قاصرةً عن تبرير منح العفو العامّ لأيٍّ من الجنح الخطيرة أو الجنايات، حيث تبقى الأولوية في تسريع التحقيقات والمحاكمة فيها بالنظر إلى انعكاساتها على حقوق المجتمع والضحايا، ويخشى أن يؤدي شملها ضمن العفو بحجة تأخير النظر فيها إلى نسف هذه الحقوق وتعميم الإفلات من العقاب ومعه الفوضى. وفيما كان يُنتظر هنا أن يدعّم المشرّع أسبابَه المُوجبَة بنشر أرقام المحاكم عن عدد الملفّات العالقة وطبيعتها والاختناق الذي تتسبّب به، آثرت اللجان المشتركة عدم الخوض في هذه الأرقام، مكتفيةً بتحميل السلطة التنفيذية مسؤولية وضع “سياسة عامة واضحة … ترمي إلى تفعيل المحاكمات وإصلاح أوضاع السجون وأماكن التوقيف وإعادة تأهيلها وفق معايير إنسانيّة وقانونيّة ضمن خطّة زمنية محددة”.

العفو العامّ تصحيحًا لأخطاء العدالة: لحظة معالجة الظلم ومنابعه

الحالة الثانية التي من شأنها أن تبرّر العفو العامّ تتمثّل في تضافر الأدلّة على حصول مظالم في التّحقيقات والمحاكمات، وهي مظالم يسهّلها واقع القضاء في ظلّ سواد الهيمنة السياسية على التعيينات القضائية والتدخّل في أعمال القضاة. كما تسهّلها أصول المُحاكمات المُعتمدة لدى القضاء الاستثنائيّ وبالأخصّ القضاء العسكريّ. واللافت أنه على الرغم من الإثارة الإعلامية المتكررة لهذه المعطيات وخصوصًا عند الحديث عن مظلوميّة الإسلاميين، فإن الأسباب المُوجبة للمبادرة خلتْ من أيّ ذكر لها، كما خلت تبعًا لذلك من أيّ إشارة إلى وجوب إجراء إصلاحات تشريعية أو تعهّدات في هذا الشأن، منعًا لتكرار هذه المظالم. جلّ ما ورد في أسباب المبادرة بعد اختزال دور المشرع بتصحيح المظالم، هو حفظ حقّه بإصلاح قد يأتي أو لا يأتي، وذلك بقولها أن العفو العام ليس “بديلا عن الإصلاح القضائي أو السجنيّ… ولا معالجة للاختلالات البنيوية التي تستوجب وضع سياسة عامة شاملة”، وكل ذلك قبلما يختزل ذلك في تحميل السلطة التنفيذية مسؤولية وضع سياسة عامة لتسريع المحاكمات وإصلاح الوضع في السجون.

والواقع، إن ذهاب المشرّع في اتجاه منح العفو العامّ على خلفيّة التدخّل في القضاء أو المُحاكمات غير العادلة، من دون أن يتّخذ أيّ إجراءٍ أو يتعهد باتخاذ أي إجراء من أجل تعزيز استقلاليّة القضاء أو ضمانات المحاكمة العادلة، يعني إبقاء سيف المحاكمة غير العادلة والتدخّل في القضاء وما قد ينتج عنهما من مظالم معلّقا على رؤوس جميع المواطنين. ويؤشّر هذا التوجّه من هذه الزاوية إلى تخلّي المشرّع عن إحدى أهم مسؤوليّاته وقوامها وضع التّشريعات التي من شأنها ضمان الحقوق الأساسية ومنها حقّ التقاضي أمام قضاء فاعل ومحايد ودرء المخاطر التي قد تنجم عن أيّ خلل في عمل السّلطات والمؤسّسات العامّة، فلا تتكرّر المظالم أبدًا. وما يزيد من قابليّة هذا التوجّه للانتقاد هو أنّ الكتل النيابيّة المؤيّدة للمبادرة تتحمّل أحزابُها الجزء الأكبر من التدخّل في القضاء، بما يجعله مرادفًا للتحكّم بعمل القضاء أكثر مما هو مجرّد إهمال أو تخلٍّ.   

وبذلك، تراكم القوى المُهيمنة امتيازات سلطةٍ تتحكّم بعصا القمع والمعاقبة بما يحقق غاياتها ويرّسخ هيمنتها على المجتمع، وامتيازات سلطةٍ تستحوذ في الآن نفسه على جزرة العفو العام التي تشكّل السبيل الوحيد لإبطال ما صنعته عصا القمع والمعاقبة. ومؤدى تراكم هذه الامتيازات من قبل هذه القوى، هو تلميع هالاتها ومرجعيّتها في مواجهة قضاءٍ يحمّل وحده مسؤوليّة المظالم. ومن هذه الزوايا كافّة، يبدو العفو العام المقترح ليس كتصحيح للمظالم بل كسبيل للتفاوض والمساومة مع الجهات المرتكبة وبكلمة أخرى كدوزنة لهذه المظالم، بما يتناسب ويتماشى مع مقتضيات المصالح السياسية وتحوّلاتها.  

ولكن بالإضافة إلى ما تقدّم لجهة وجوب ربط معالجة المظلومية بمعالجة منابعها، يجدر التذكير أنّ العفو العامّ لا يشكّل الأداة الوحيدة المُتاحة لمعالجة آثار المظالم وتصحيحها. إذ يبقى من الممكن بدلًا عن ذلك فتح باب إعادة المحاكمة، على نحو يؤدّي إلى تصحيح ما قد يكون شاب المحاكمة الأولى من تجاوزاتٍ وصولًا إلى تحديد المسؤوليات الجرميّة بصورة عادلة من دون أي تجنِّ. وقد تكون هذه الوسيلة في ظروف معيّنة هي الفُضلى، إذ تؤدّي إلى تصحيح إخلالات المحاكمة من دون التنازل عن المحاسبة والحقّ العام والأهمّ من دون حرمان المتّهم أو المحكوم عليه من إمكانية إثبات براءته، وخصوصًا إذا ترافقت مع إصلاحاتٍ قضائيّة وقانونيّة بما يحقّق ضمانات المحاكمة العادلة. هذا فضلًا عن أنّ من شأن إعادة المحاكمة أن يعرّي كلّ التجاوزات الحاصلة في المحاكمة السابقة في حال وجودها وأن يمهّد تاليا لمساءلة الأخطاء المرتكبة فيها ومنع تكرارها. ومن المهمّ في هذا السياق التذكير أنّ هذا الخيار بين العفو العام وإعادة المحاكمة قد طُرح في 2005 في قضية سمير جعجع الذي كان ما فتئ يتحدث عن مظلوميته وبراءته من التهم التي حوكم فيها، إلا أنّ هذا الأخير آثر آنذاك الاستفادة من منحة العفو العام، بما يجنّبه المثول مجدّدا أمام المحكمة والرضوخ لإجراءاتها. وفي الواقع وعلى الرغم ممّا لإعادة المحاكمة من أهميّة على صعيد العدالة، يبقى من المشروع التساؤل عن الفائدة منها في حال وجب إجراؤها وفق نفس الأصول وضمن نفس الإطار القانونيّ، على نحو قد ينتهي إلى نفس النتيجة. كما قد تبدو إعادة المحاكمة غير متلائمة في حال تمادت المظلومية زمنيّا على نحو يقود المشرّع إلى تغليب المسارات الأكثر سرعة، وخصوصًا إذا توفّرت لديه أسباب وجيهة أخرى للتسامح مع المعنيين به أو لنسيان الجرائم المنسوبة إليهم. وهذا ما يسمح لنا بالانتقال إلى الأسباب الأخرى للعفو العامّ.        

العفو العامّ أو نسبيّة القوانين والقيم في ظروف واقعية ضاغطة

الحالة الثالثة التي قد تستدعي العفو العام، هي بروز ظروفٍ واقعيّة ضاغطة مُزمنة أو مُستجدّة، تفرض على المشرّع اعتماد نسبيّةٍ أكبر في تقييم خطورة بعض الجرائم المُرتكبة على ضوئها، وتاليا العفو عنها بصورة كاملة أو مخفّفة. بمعنى أنّ الخلل الأساسيّ الذي يعمل المشرّع على معالجته في هذه الحالة لا يتّصل بالخلل الحاصل في التحقيق أو المحاكمة، بل قبل كلّ شيء في وجود ظروفٍ اجتماعيّة من شأنها أن تثير تساؤلات جدّية بشأن مدى انسجام القاعدة القانونية والعقوبات التي تمليها مع مفهومي المساواة والعدالة الاجتماعية. وعليه، وفيما يشكّل أيّ عفو عامّ أو تنازل عن المحاسبة عمومًا إخلالًا في مبدأ المساواة والعدالة، فإنّ ما يبدو مخلًا على ضوء هذه الظروف هو على العكس تمامًا إعمال المحاسبة والعقوبات المفروضة قانونًا بصورة صارمة. وبشكل عامّ، يكمن محرّك العفو العامّ هنا في مقاربة الجرائم والمسؤولية الجرمية ليس كأفعال منفصلة بذاتها، إنّما ضمن ظروفها وسياقاتِها التاريخيّة، على نحو يملي على المشرّع إعمال النسبية والتسامح.

والسّؤال الذي نطرحه في هذا الصّدد هو الآتي: ما هي الأفعال الجرميّة التي قد تكون ارتكبت في ظروف اجتماعية ضاغطة تستوجب تدخّل المشرع انطلاقًا من اعتبارات العدالة والإنصاف على النحو الموصوف هنا؟ وما يزيد هذا السؤال إلحاحًا هو أنه تمّ ربط أغلب الفئات المعنية بهذه الأسئلة بقوى سياسيّة طائفيّة (تمّ ربط “الموقوفين الإسلاميين” بالطائفة السنية، وتمّ ربط جرائم إنتاج المخدّرات والإتجار بها بالطائفة الشيعية وتمّ ربط “العملاء الفارين إلى إسرائيل وعائلاتهم” بالطائفة المسيحية) بما يزيد من مخاطر تحويل مسألة العفو العامّ عنها إلى مسألة مساومات ومحاصصات سياسيّة وعصبيّة مع تفريغه من اعتبارات العدالة أو أي اعتبارات عامّة.    

  • الجرائم الإرهابية المعزوة لل “إسلاميين”؟

ما نتناوله هنا هي الجرائم المعزوة لما يسمّى “الإسلاميين”، وهي في معظمها جرائم إرهابيّة أو جرائم انتساب إلى منظمات إرهابيّة. ويبرّر النّواب مطلبهم بالإفراج عن هؤلاء بعفو تامّ أو مخفّف أو حتى بوضع سقف للتوقيف الاحتياطيّ، بأنّ الأفعال المنسوبة لهؤلاء والتحقيقات والمحاكمات معهم كلها جرتْ تحت وطأة الحرب التهجيريّة القاتلة التي خاضها نظام الأسد الديكتاتوريّ ضدّ الشعب السوريّ وهيمنة حزب الله حليفه على السّلطة الحاكمة في لبنان. وعلى الرغم من أنّ العديد من الجرائم المرتكبة حصلت في لبنان وضدّ الجبش اللبناني، فإنّ هؤلاء رأوا أنّها كانت مجرّد امتدادٍ للصراع المُحتدم في سورية وما نتج عنه من احتقان للعصبيات ومظلومية سنيّة في كلتا الدولتين. وعليه، وبمعزل عن مسار محاكمة هؤلاء وصحة الأفعال المنسوبة إليهم، كيف بإمكان الدولة اللبنانيّة أن تبرّر ملاحقة الإسلاميّين اللبنانيين كما السوريين الذين انتصروا لثورة الشعب السوريّ وحقه بالحريّة ضدّ ديكتاتوريّة دمويّة بتهمة الانخراط في منظّمات إرهابية، فيما أنّها غضّت الطّرف تمامًا عن مقاتلي حزب الله الذين انخرطوا في حرب الدفاع عن هذه الديكتاتوريّة؟ وألا يتطلّب هذا الأمر بأقل تقدير إعادة تقييم هذه الأفعال من منظور سياقها التاريخيّ، بحيث تُصنّف ضمن الجرائم السياسيّة الحاصلة في ظروف استثنائيّة تكاد تشبه حربًا أهلية مصغّرة، مما يمهّد إعمال التّسامح والنّسبيّة في التّعامل معها؟ ونلحظ هنا إيجابًا أن مجرّد طرح السؤال يعكس تمايزًا مهمًّا وإيجابيًّا عن التوجّه التشريعيّ الغالب، وخصوصًا في أوروبا والولايات المتّحدة الأميركية، والذي يقوم على العكس من ذلك تماما على شيطنة الجرائم الإرهابية من خلال فصلها عن سياقاتها التاريخية وتفريغها من أيّ أبعادٍ سياسيّة، بغية تشديد قسوة التّعامل معها كإحدى جرائم الحقّ العامّ الأكثر خطورة، وهو الأمر الذي بات يحول دون إعمال أيّ تسامح حيالها فضلًا عن أنّه غالبًا ما يغلق الأبواب تمامًا أمام أي نقاش حول مدى ملاءمة منح العفو العام في هذه البلدان[1].  

إلا أنه ومن دون التقليل من أهمية هذا التمايز، فإنّه يقتضي لفت النظر إلى عدم وضوح المعطيات بشأن أوضاع هؤلاء والفئات التي ينتمون إليها والجرائم المنسوبة إليهم وتاليا ظروف ارتكابها وبخاصة لجهة تأثّرها أو ارتباطها بالتطوّرات في سورية. بمعنى أنّ الطّرف الأكثر مثابرةً ونشاطًا في طلب العفو لم يبذل أيّ جهد لتقديم معطيّات واضحة في هذا الخصوص. ولربما يعود ذلك إلى إرادةٍ مبيّتة في تجنّب الخوض في تفاصيل القضايا والجرائم المعزوة للإسلاميّين، على نحو يؤدّي إلى التعامل معها بصورة إجماليّة تحت مظلّة واحدة “المظلومية السنيّة”، من دون إجراء أي تمييز بين جريمة وأخرى أيًّا تكن درجة خطورتها، وتاليا بين سجين أو موقوف وآخر. وقد انعكس هذا التوجّه بشكل خاصّ في الحراكات والمطالبات الشعبية والتي أخذ غالبها طابعًا طائفيًّا واضحًا، برفض أي صيغة للعفو العامّ لا تضمن الإفراج عن جميع الموقوفين الإسلامين من دون أيّ استثناء. ومؤدّى ذلك في الواقع هو إضعاف المبرّرات المنطقيّة والقانونيّة لمنح العفو العامّ عن هذه الفئة وتاليا إفراغ النقاش حوله من اعتبارات العدالة أو أيّ أبعاد عامة، في مقابل توسيع هامش المساومات والبازارات والمكابشات السياسيّة والعصبية، بمعزل عن أيّ معيار موضوعيّ.  

  • جرائم المخدرات في بعلبك الهرمل؟

الفئة الثانية، والتي قد تعني عددًا أكبر من السجناء والموقوفين وإن يبقى الحديث عنها خافتًا أقله مقارنة مع فترة 2019-2020، هي فئة المحكومين أو المتّهمين أو الملاحقين بجرائم زراعة المخدّرات أو الإتجار بها في منطقة بعلبك – الهرمل. وتأخذ المظلوميّة المُدّعى بها هنا طابعًا جغرافيًّا وإن ارتبط هذا الطّابع باللون الطائفي الغالب في هذه المنطقة. وقد تترجم هذا الأمر بتصوير العفو عن هذه الفئة على أنه مطلب للقوى السياسيّة الشيعيّة (ثنائيّ أمل وحزب الله) في كعكة العفو العامّ الجاري طبخها. وتقوم سرديّة المظلوميّة هنا على الحرمان المزمن الذي تعاني منه هذه المنطقة على مختلف المستويات وإهمال الدولة المتمادي لمسؤوليّاتها التنمويّة تجاهها، ممّا يدفع أيناءها إلى توسّل العمل في نشاطات غير قانونية لكسب عيشهم؛ وأبرزها زراعة القنّب والاقتصاد المتّصل بها. وبالطبع، تزايد الحديث عن ضرورة العفو العامّ عن هذه الجرائم بعد صدور قانون الترخيص بزراعة القنّب للاستخدام الطبّي والصناعي، والذي فتح الباب أمام تشريع زراعة القنّب واستخدامها لغايات صحيّة. فعدا عن أن هذا القانون أسقط الآراء المسبقة حول خطورة هذه المادة، فإنّ العفو العام عن العاملين في مجال زراعتها أصبح شرطًا ضروريًّا لتمكين هؤلاء من تنظيف سجلاتهم العدليّة وتاليا التنافس للحصول على تراخيص قانونية بزرعها وفق القانون الجديد.

ولكن هنا أيضًا، ورغم التداول الواسع بهذه المظلومية في السّنوات الأخيرة كما سبق بيانه، لزمت الأسباب المُوجبة للمبادرة التشريعيّة الصّمت التامّ بشأنها، بما يحرم أيّ مراقب من إمكانيّة التحقّق من مبرّرات العفو عن جرائم المخدرات وفق الصيغة الواردة فيها. وهنا أيضًا بدا غياب المعطيات بمثابة مقدّمة لتوسيع دائرة العفو على نحو يشمل جميع أنواع الإتجار بالمخدّرات سواء اتّصلت بالقنّب الذي يزرع في المنطقة أو بموادّ أكثر خطورة مثل الهيرويين والكوكايين أو الكبتاغون، والتي غالبًا ما يرتبط الإتجار بها بالانخراط ضمن عصابات مسلّحة وشبكات عابرة للحدود، فضلا عن تلازم هذه الجرائم مع جرائم تهريب وإتجار أكثر خطورة، بما فيها الإتجار بالأعضاء البشرية. بالمقابل، استثني صراحة من العفو العام حالات قليلة جدّا وهي جنايات الإتجار التي تتوفر فيها الشروط القانونية للتكرار وفق مفهوم قانون العقوبات، وهو استثناء سينحصر عمليا في حالات نادرة جدّا بفعل صعوبة توفّر شروط التكرار، أقله بالنسبة إلى كبار المتهمين في هذه القضايا.

وبالواقع من شأن لزوم المبادرة الصّمت في شأن منح العفو العامّ لهذه الفئة، أن يفرغ النقاش هنا أيضا من أي اعتبارات عدالة أو أي اعتبارات عامّة، في مقابل حصره ضمن هامش اعتبارات فئوية تبقى مستترة وهي تأخذ غالبًا ليس فقط لونًا طائفيّا إنما عشائريًّا أيضًا. فضلًا عن ذلك، يحول غياب المبرّرات الموضوعيّة للعفو هنا دون التزام المشرّع بأيّ إجراء لتصحيح الأوضاع الاجتماعية الضاغطة في هذه المنطقة والتي قد تكون دفعته إلى العفو العام. ومن هذه الزاوية، يبدو منح العفو عن هذه الجرائم بمثابة تطبيعٍ مع الظّروف الاجتماعيّة الاقتصاديّة الضّاغطة في المنطقة وتاليا مع الخروج عن القانون ماضيًا ومستقبلًا بفعل هذه الظروف، أكثر ممّا هو أداة للتعبير عن التسامح الاجتماعي بالنظر إلى الصعوبات المترتبة عليها. وعليه، يبدو منح العفو العام أشبه بمحطة تهيئ لعفو عامّ جديد سيأتي لا محالة.  

  • العمالة والجرائم المرتبطة بها

آخر الجرائم التي برزت مطالبات بوجوب منحها العفو العام على خلفية حصولها في ظروف اجتماعية ضاغطة، هي جرائم العمالة التي تُربط عادةً بعناصر جيش لبنان الجنوبيّ (جيش لحد) الفارّين إلى إسرائيل وعائلاتهم. وكان قد تمّ إقرار مبدأ إعفاء أفراد عائلات هؤلاء العناصر الذين لم يتورطوا بأي تعاون أمني أو عسكري بموجب القانون 194/2011 من دون أن يصدر المرسوم التنفيذيّ في هذا الشأن، ممّا دفع أصحاب المبادرة إلى تكريس العفو حكمًا من دون اشتراط صدور المرسوم، بل حتى من دون اشتراط تخلّيهم عن الجنسية الإسرائيلية.

ومن المهمّ التّذكير في هذا الصدد بالنّقاش الحاصل في سنة 2000 في أعقاب تحرير الشّريط الحدوديّ، حيث أثار كثيرون الاحتلال كواقع ضاغط يفرض النسبية والتسامح في التعامل مع العملاء، سواء الذين مكثوا في لبنان أو فرّوا إلى إسرائيل. إلا أن السّلطة الحاكمة آثرتْ آنذاك أن تنتهج التّسامح النسبيّ ليس من خلال معالجة تشريعيّة بل من خلال معالجة قضائيّة أمام المحكمة العسكرية مضبوطة سياسيّا. وعليه، شهدنا مئات المحاكمات التي انتهت أغلبها إلى عقوبات مخفّضة بما يتناسب مع الإرادة السياسيّة بإعمال التّسامح ولو لدرجة معينة. والأمر المؤسف الذي سجّلتُه آنذاك هو أن السلطة الحاكمة وجدت آنذاك مصلحة في إبراز “محاكمة العمالة” والتسامح معها من موقع المنتصر، على نحو حجب مجموعة كبرى من الجرائم المتّصلة منها، مثل جرائم التعذيب أو القتل أو الاستغلال على أشكاله، وهي الجرائم التي انكشف بعض من فظائعها في قضية عامر الفاخوري المسؤول السابق عن سجن الخيام. وقد انتظر الأمر التحوّلات السياسيّة الحاصلة بعد 2005 لتنشأ مبادرات تشريعيّة لإعادة النظر في المسؤوليّات الجزائيّة للعملاء الفارّين إلى إسرائيل وعوائلهم. ومن المهمّ بمكان التذكير بما ورد في الأسباب الموجبة للمبادرة التشريعية التي سيتمّ إقرارها معدّلة بموجب القانون 194/2011  حيث ورد تبرير للعمالة قوامه “ولما كان هؤلاء المواطنون غير مسؤولين في الأصل عمّا أصابهم بسبب تخلي الدولة عنهم منذ بدء الأحداث اللبنانية وتركهم لمصيرهم الأسود تحت نير الاحتلال الإسرائيلي وليس هناك أي سابقة تاريخية مماثلة لمحاكمة شريحة من الشعب عزلت جغرافيا وبفعل إرادات خارجية”. كما ورد تبرير للفرار إلى إسرائيل “بواقع غريزة حبّ البقاء وخوفًا من الانتقام”. إلا أنّه وعلى خلاف الأسباب الموجبة لهذه المبادرة، انتهت العملية التشريعية بحصر غاياتها ومضامينها بعوائل العملاء فضلا عن ربطها بصدور مرسوم لاحق وهو المرسوم الذي حال عدم صدوره دون استفادة هؤلاء من العودة. وينتظر في الواقع أن يتطوّر النقاش في هذه المسألة على ضوء التطوّرات السياسية والعسكرية الراهنة وانعكاساتها المحتملة على مفهوميْ العداوة والعمالة.            

وعليه، ورغم أهميّة إعمال النّسبيّة والتّسامح في حالات كالتي سبق عرضها، يبقى أنّ هذا الأمر يستدعي ليس فقط إعادة تكوين الوقائع والظروف التي حصلت فيها هذه الجرائم، إنّما أيضًا قياس درجة التّسامح المتناسبة والأهمّ الفصل بين ما هو قابل للتّسامح وما لا يقبل التّسامح على ضوء القيم التي قد يعتبر المشرّع أنها سامية لدرجة يصبح معها أيّ انتهاك ضدّها بمثابة جريمةٍ لا تغتفر أيًّا كانت الظروف الاجتماعيّة عند حصوله. فهل يمكن مثلًا التسامح مع زرع تفجيرات في أماكن مكتظّة بغية قتل مدنيّين كما حصل في الضاحية، بهدف ممارسة ضغوط على حزب الله أو الانتقام منه على خلفية تحالفه مع النّظام السوري إبان الحرب السورية؟ أو هل يمكن التسامح مع جرائم الانخراط في عصابات مسلّحة عابرة للحدود أو الإتجار بالأعضاء أو بالبشر بحجة النقص في التنمية أو قلّة فرص العمل؟ أو هل يمكن التّسامح مع الانخراط في أعمال قتل الأسرى والتعذيب الممنهج أو الاعتداء على المدنيين انتقامًا أو في سياق عقاب جماعيّ، بفعل العمالة مع قوى الاحتلال؟ ومن هذه الزوايا كافّة، تهدف ورشة العفو ليس فقط إلى تحديد نسبة التّسامح عن جرائم معيّنة في حال حدوث ظروف ضاغطة غير متوقعة، بل أيضا إلى اصطفاء المشرّع (الدولة) القيم التي يجدر التمسّك بفرضها في مجمل الظروف، على أساس أنها القيم العليا التي يتأسّس عليها العقد الاجتماعي. بمعنى أنّه يتعيّن على المشرّع في هذه الحالة أن ينظر في الآن نفسه إلى الماضي بحثًا عن الجرائم التي يجدر نسيانها أو التسامح معها، وإلى المستقبل الذي يطمح إليه. وبالطّبع، لا يسوغ تحقيق الهدف الأول ولا الثاني من دون استعادة للظروف التي حصلتْ فيها هذه الجرائم ومن دون تصوّر واضح لمدى قابليّتها للتسامح على ضوء القيم المراد ترسيخها. ويكتسي الهدف الثاني في الوضع اللبنانيّ فائدةً كُبرى طالما أنّه يسمح باستدراك السّقوط المُريع الحاصل بموجب قانون العفو العامّ 1991 حيث تمّ استثناء الجرائم المُرتكبة ضدّ القادة السياسيين والدينيين على خلفية أنهم رموز وطنية، فيما شمل العفو العامّ المجازر الكبرى المُرتكبة ضد مدنيّين على أساس طائفيّ (الدامور والسبت الأسود ومجازر الجبل … إلخ) أو عرقيّ (صبرا وشاتيلا)، والتي تصنّف ضمن الجرائم ضدّ الإنسانية. وهذا ما اعتبرناه آنذاك إيذانًا بتكريس النظام الذي يقيم المقام الأعلى للزعامات (النظام الكاريسماتي) وهو النظام الذي سيحكم لبنان طوال العقود الماضيّة، على حساب المواطنة وحقوق الإنسان، والتي كان المشرع ليرسّخها لو أنه استثنى من العفو على العكس من ذلك جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية.

ومن هنا، ومع أهميّة انفتاح المشرّع على التّسامح في محاسبة الجرائم الحاصلة في ظروف اجتماعيّة ضاغطة، يخشى أن يفقد التّسامح معناه ومغزاه كعمل عدالة، وأن يأتي بمثابة منّة أو امتياز تمنح دون استحقاق أو أيضًا بمثابة رضوخ للجهة المنتهكة وتاليا استكمالٍ للجريمة، في حال أتى مُنسلخًا عن أي مبرّرات واضحة والأهمّ عن أيّ ضوابط قيميّة للمستقبل الذي يؤمل تأسيسه. وفي هذه الحالة، يشكّل العفو العامّ وفق تعبير “كوندورسيه” ليس فقط إنكارًا للعدالة بل أيضًا إنكارًا لشرف الأمة وسماحتها[2].

العفو العامّ كأداةٍ لإعادة اللّحمة الاجتماعيّة

الحالة الرابعة التي قد تستدعي العفو العامّ، هي  نشوء ظروفٍ يستشعر فيها المشرّع حاجةً للتدخّل لإعفاء جرائم معيّنة، بالنظر إلى تحوّل محاكمتها إلى أداةٍ لتهديد الوحدة الوطنية. بمعنى أنّ العفو يهدف في هذه الظروف إلى إرساء مصالحةٍ اجتماعيّة بين مكوّنات المجتمع وإعادة الوصل بينها، من خلال الاتّفاق على نسيان جرائم معينة أو على الأقلّ إنهاء المُنازعات والمُحاكمات حولها والعفو من المسؤوليّات النّاجمة عنها،  وذلك حفاظًا على وحدة المُجتمع. بمعنى أن الدّافع إلى هذا العفو لا ينطلق من اعتبارات العدالة أو من الظروف الضّاغطة التي حصلتْ في ظلّها الجريمة المراد التسامح معها كما رأينا في الحالات أعلاه، بل من ضرورة طيّ صفحة الماضي صونًا لوحدة المجتمع ودرءًا لمخاطر المحاسبة وتداعياتها على وحدة الوطن. ويستمدّ هذا العفو مشروعيّته من أولويّة وحدة المجتمع على المحاسبة، طالما أنه يسهم في وضع حدّ للانقسام فيما أن المحاسبة تذهب على العكس من ذلك إلى تأبيده: فما فائدة العقاب في حال انقسام المجتمع أو زواله؟ وألا يصبح الحقّ العامّ في هذه الحالات مرادفًا لحقّ فئةٍ ضدّ فئةٍ أخرى، بما يفقده أصلا طابعه العامّ؟

ومن أقدم حالات هذا العفو الموثّقة تاريخيّا، العفو عن أوليغارشيا الثلاثين التي حكمت آثينا تبعًا لهزيمتها أمام اسبارطة في سنة 403 قبل المسيح. هذا العفو الذي اصطُلح على اعتباره أول عفو ديمقراطي تمثّل في القسم الذي أدّاه الآثينيون فردًا فردًا وقوامه عدم تذكّر المآسي الناجمة عن جرائم أيّ من مناصري هؤلاء. ويلحظ أنّ هذا العفو قد هدف ليس إلى إبراء ذمّة “الثلاثين”، بل إلى إبراء ذمّة جميع مُناصريهم المستفيدين من حكمهم، بعدما اعتبر بشكل واضح وصريح أن “الثلاثين” هم الذين يتحمّلون وحدهم مسؤولية ما حصل من جرائم في حقبة حكمهم. ويلحظ أن العفو الآثيني قد ذهب هنا إلى استثناء الحكّام الثلاثين وتحميلهم كامل المسؤوليّة وذلك بخلاف عفو 1991 الذي ذهب على العكس من ذلك تمامًا إلى تحويل أمراء الحرب إلى رموزٍ وطنيّة وإحاطتِهم تاليًا بهالاتٍ تضمن تحوّلهم مع انتهاء الحرب من أمراءٍ لها إلى أمراءٍ للسّلم. ويقدّم هذا الاختلاف الجوهريّ دليلًا على الطابع السلطوي وغير الديمقراطي لعفو 1991 والذي بدا بمثابة مصالحةٍ بين مكوّنات الأوليغارشيا بما يسمح لها بالانتقال من أمرة الحرب إلى أمرة السلم وتاليًا تكريسها على أنقاض الديمقراطيّة التي دمّرتها الحرب. وعليه، وفيما جاء العفو الآثينيّ ليغلق صفحة الأوليغارشيا تبعًا لانتصار الديمقراطيّة، جاء العفو اللبنانيّ ليوطّد حكم الأوليغارشيا الذي أسّستهُ الحرب تحت ستار إغلاق صفحة الحرب.

لكن، ومع التسليم بأهمية منح العفو العامّ في حالاتٍ كهذه، فإنّ المثل اللبنانيّ يشكّل دليلًا ساطعًا على المنزلقات التي قد يرشح عنها في ظروفٍ كهذه، وخصوصًا في الأنظمة غير الديمقراطيّة مثل لبنان. ومن هنا نشأت نظرية “العدالة الانتقالية” التي تهدف إلى إنجاح الانتقال من مرحلة (حرب أو ديكتاتورية أو فساد معمم) إلى مرحلة (ديمقراطيّة من حيث المبدأ) مع الحفاظ على العدالة قدر الإمكان، أقلّه لجهة ترميم حقوق الضحايا وإثبات الحقيقة وإصلاح المؤسّسات العامّة. ويراهن مناصرو العدالة الانتقاليّة على اكتسابها المشروعية الدولية من أجل تمكين القوى الاجتماعية من إخضاع قوانين العفو العام لما تفرضه من ضوابط.   

وعلى الرغم من ارتباط بعض الجرائم المذكورة أعلاه بمكوّنات اجتماعيّة، فإنّ ربط العفو عنها بمقتضيات المصالحة الوطنيّة يبقى محدودًا، بالنظر إلى صعوبة اعتبارها عوامل انقسام حاسمة بين مكوّنات المجتمع، أقلّه في الوقت الراهن. وبالمقابل، ولئن يبقى محور الانقسام الأكبر اليوم هو النشاط العسكريّ لحزب الله وما تفرّع عنه داخل لبنان وخارجه، وهو انقسامٌ ما برح من غير الممكن توقّع ما سيؤول إليه في ظل الاحتلال واستمرار الحرب، من المرجّح أن تستدعي تطوّرات هذا الانقسام وتداعياته تدخّلًا تشريعيًّا على أكثر من مستوى، وصولًا إلى إعادة اللحمة الوطنيّة. ولا نستبعد أن يشكل العفو العامّ أحد أهمّ أشكال هذا التدخّل وأن يأتي ربّما ضمن سلّة واسعة من الإصلاحات الدستوريّة والمؤسساتيّة.

يؤمل إذاك أن نقارب كمجتمع هذا الاستحقاق ليس كمناسبةٍ لتحقيق محاصصة جديدة لأوليغارشيا قديمة أو جديدة إنّما كاستحقاق وطنيّ تأسيسيّ لمجتمعٍ حان له أن يبني ديمقراطيّة حقيقيّة خارج حدود انقساماتِه الموروثة.


[1]Sophie Dimitroulias La normativité de l’ordre juridique européen à l’épreuve de la terreur.in Une histoire politique de l’amnistie, Droit et Justice PUF, Paris, 2007.

[2]  Une histoire politique de l’amnistie, op.cit, p. 73.