طعن ثالث بقانون التمديد: هل يؤدي تأخّر صدور القرار إلى القبول بالتمديد منعا للفراغ؟
01/04/2026
شهد المجلس الدستوري تقديم طعن ثالث بقانون التمديد لولاية المجلس النيابي حتى 31 أيار 2028، والذي كان قد صدّق عليه في الجلسة التشريعيّة التي حصلت في التاسع من آذار الفائت. ويأتي هذا الطعن بعد طعنين آخرين كان تقدّم بهما كل من التيار الوطني الحرّ والقوات اللبنانيّة مع من النواب المقربين منها.
أمّا الطعن الجديد، فتقدّم به النواب نجاة عون صليبا وإلياس جرادة وملحم خلف وحليمة قعقور وسينتيا زرازير وأسامة سعد وأنطوان حبشي ووضاح الصادق وزياد الحواط وفريد البستاني بتاريخ 24 آذار 2026، أي أنّه جمع بين نواب تغيريين ومستقلين بالإضافة إلى نواب من التيار الوطني الحرّ والقوات اللبنانيّة.
بدأت مراجعة الطعن الجديدة بملاحظة أوّليّة ذكّرت فيها بسوابق الطعن بقوانين التمديد أمام المجلس، لافتة إلى ضرورة عدم تعطيل دور المجلس الدستوري بسبب تباين الأفكار داخله ما قد يؤدّى، كما في تجارب سابقة، إلى بقاء القانون المطعون فيه نافذًا جرّاء عدم البتّ به، وذلك بالرغم من النقاش الدستوري الواسع الذي يثيره. ودعا الطاعنون بذلك المجلس الدستوري إلى حسم الطعن الحاضر حفاظًا على "مبدأ دوريّة الانتخابات ومبدأ سيادة الشعب بوصفه مصدر السلطات" عبر ممارسة المجلس "رقابته الدستورية بما يضمن وضوح القاعدة الدستوريّة واستقرارها".
ويبدأ الطعن بالتشديد على أنّ دوريّة الانتخابات "لا تشكل مجرد قاعدة تنظيمية في النظام الدستوري، بل تمثل أحد المقومات الأساسية للشرعية الديمقراطية"، وبالتالي، فإنّ إمكانيّة "اللجوء إلى تدابير مؤقتة تمسّ المهل الانتخابية" وإن كانت ممكنة في ظروف استثنائيّة، فإنّها تبقى"خاضعة لقيود صارمة يفرضها الدستور، وفي طليعتها مبدأ الضرورة ومبدأ التناسب، اللذان يفرضان أن يكون أي خروج على القواعد الديمقراطية محدوداً بالمدة الضرورية حصراً لمعالجة الظرف الاستثنائي."
على هذا الأساس، اعتبر الطاعنون أنّ التمديد لسنتين كما ينص عليه القانون لا يشكل مجرد "إجراء تقني لتنظيم الانتخابات أو لمعالجة ظرف مؤقت، بل يؤدي عملياً إلى تعليق ممارسة الشعب لسيادته عبر الانتخابات لفترة طويلة، الأمر الذي يفقد التدبير طابعه الاستثنائي ويحوّله إلى خروج فعلي عن مبدأ دورية الانتخابات."
وهكذا تطلب الجهة الطاعنة من المجلس الدستوري وقف تنفيذ القانون المطعون فيه ومن ثم إبطاله. ومن ثمّ يذهب الطعن لمسألة "مخالفة مبدأ سيادة الشعب ودورية الانتخابات"، معتبرا بأنّ النظام الدستوري اللبناني يقوم على مبدأ أن الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة، يمارسها عبر المؤسسات الدستورية التي تستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية، كما كرّست مقدمة الدستور، ما يعني أن الشرعية التمثيلية تقوم على "التجديد الدوري للتفويض الشعبي الذي يمنحه المواطنون لممثليهم عبر الانتخابات"، وبالتالي فإنّ الانتخابات الدوريّة ليست مجرد "إجراء تنظيمي أو تقني في الحياة الدستوريّة، بل تشكل الآلية الجوهرية التي تُترجم من خلالها سيادة الشعب وتُجدَّد عبرها شرعية السلطة التمثيلية"، وأنّ مبدأ دوريّة الانتخابات يضمن خضوع السلطة لإرادة الناخبين ويكرّس مبدأ تداول السلطة، ما يضمن "عدم تحول التفويض الشعبي إلى سلطة دائمة أو غير خاضعة للمساءلة السياسية". وقد استشهد الطعن بقرار المجلس الدستوري رقم 1/1997 الذي أشار إلى "أن مبدأ دورية الانتخابات يشكل أحد المقومات الأساسية للنظام الديمقراطي وأنه يرتبط مباشرة بمبدأ سيادة الشعب الذي يشكل أساس الشرعية الدستورية للمؤسسات التمثيلية."، كما بقرار المجلس رقم 7/2014 المتعلق بقانون تمديد ولاية مجلس النواب، الذي نصّ على أنّ التمديد النيابي لا يمكن أن يشكل قاعدة عامة في النظام الدستوري، بل يجب أن يبقى تدبيراً استثنائياً ومحدوداً بظروف قاهرة تفرضه، وأن أي مساس بدورية الانتخابات يجب أن يبقى محصوراً في أضيق الحدود التي تفرضها الضرورة.
وقد تطرّق الطاعنون أيضًا إلى قرارات المجلس الدستوري الفرنسي في هذا الصدد الذي وعلي حدّ قولهم "اعتبر في العديد من قراراته أن الانتخابات الدورية تشكل أحد الأسس الجوهرية للنظام الديمقراطي وأن المشرّع لا يملك سلطة تقديرية مطلقة عندما يتعلق الأمر بتنظيم الحياة الديمقراطية."
وقد خلص الطاعنون في هذا الموضوع إلى أنّ " الولاية النيابية لا تشكل امتيازاً خاصاً بالمجلس النيابي، بل هي تفويض مؤقت يمنحه الشعب لممثليه لمدة محددة" ما يعني أنّ تمديدها خارج ما تفرضه الضرورة القصوى يؤدّي إلى المسّ بمبدأ سيادة الشعب. وبالتالي، فإنّ قانون التمديد لسنتين يسلب الشعب حقّه في تجديد التفويض النيابي، ما "يضعف الصلة الديمقراطية بين الناخبين وممثليهم". ويذهب الطاعنون إلى اعتبار أنّ التمديد المطعون فيه يعلّق "ممارسة الشعب لسيادته عبر الانتخابات لمدة طويلة، وهو ما يتعارض مع الأسس التي يقوم عليها النظام الديمقراطي".
في فقرة لاحقة، ناقش الطعن مسألة مخالفة القانون المطعون فيه مبادئ الضرورة والتناسب في التدابير الاستثنائيّة. فيشير إلى أنّ مبدأ الضرورة يقضي "بأن لا يُصار إلى اعتماد تدبير استثنائي يمس القواعد الدستورية إلا إذا كان هذا التدبير الوسيلة الوحيدة الممكنة لمواجهة ظرف استثنائي يجعل تطبيق القاعدة الدستورية مستحيلاً بصورة فعلية"، بينما يتبيّن أنّ التمديد لسنتين كاملتين "يتجاوز بوضوح ما يمكن اعتباره مهلة ضرورية لمعالجة ظرف استثنائي مؤقت" فيما أنّ التدبير الاستثنائي الناتج عن الضرورة يجب أنّ يكون محدودًا بالمدة اللازمة حصرًا لتجاوز الظرف الاستثنائي، لا أن يمتدّ بشكل يؤدّي إلى تعطيل الحياة الديمقراطيّة.
أما بشأن مبدأ التناسب، عرّفه الطعن بأنّه "يقضي بأن يكون التدبير المعتمد متناسباً مع الهدف المشروع الذي يراد تحقيقه، وألا يتجاوز الحد الأدنى اللازم لتحقيق هذا الهدف." على هذا الأساس، اعتبر الطعن أنّ "تمديد ولاية المجلس النيابي لمدة سنتين لا يمكن اعتباره تدبيراً متناسباً مع أي ظرف استثنائي مؤقت، إذ إن مثل هذه المدة الطويلة تتجاوز بكثير ما يمكن اعتباره مهلة معقولة أو انتقالية لتنظيم الانتخابات."
وقد عاد الطعن واستند على اجتهاد المجلس الدستوري في القرارين المذكورين سابقًا للتركيز على ما جاء فيهما لناحية أنّ "مبدأ دورية الانتخابات يشكّل أحد المقومات الأساسية للنظام الديمقراطي" وأنّ " التمديد لا يمكن تبريره إلا بوجود ظروف استثنائية حقيقية تفرضه، وأنه يجب أن يبقى محصوراً بالمدة الضرورية لمعالجة هذه الظروف"، فخلص الطعن بالقول أنّ "التمديد لمدة سنتين يتجاوز بكثير حدود التدبير المؤقت الذي أشار إليه اجتهاد المجلس الدستوري، فإنه يشكل خروجاً عن الضوابط الدستورية التي تحكم التدابير الاستثنائية."
وقد استند الطعن أيضًا على اجتهاد المجلس الدستوري الفرنسي الذي قال بأنه "أي تدبير استثنائي يمسّ ممارسة الحقوق الديمقراطية يجب أن يكون ضرورياً ومتناسباً مع الهدف الذي يراد تحقيقه، وأن يتقيد بحدود زمنية صارمة"، وأنّ "المشرّع لا يملك سلطة تقديرية مطلقة عندما يتعلق الأمر بتنظيم الحياة الديمقراطية، بل يبقى خاضعاً لرقابة القاضي الدستوري الذي يتحقق من احترام مبدأ التناسب".
على هذا الأساس، توصّل الطاعنون إلى أنّ التمديد لسنتين هو تعطيل لمبدأ دوريّة الانتخابات يتجاوز بكثير ما يمكن اعتباره مهلة انتقاليّة لازمة لتنظيم العمليّة الانتخابيّة، ما يفقد التمديد صفته لاستثنائيّة ويحوّله إلى تعليق فعلي لممارسة الشعب سيادته عبر الانتخابات.
بعد الانتهاء من هذه الفقرة، تطرق الطعن إلى ما يعتبره "تعديلًا غير مباشر لمدة الولاية النيابية المنصوص عليها دستورياً".
وأشار الطعن أوّلًا إلى أنّ "إن الدستور اللبناني يحدد مدة الولاية النيابية كعنصر أساسي في ضمان سيادة الشعب وحماية التوازن بين المؤسسات، ويعتبر هذا التحديد جزءاً من البناء الدستوري للنظام السياسي. وعلى الرغم من أن ما ذهبت إليه الجهة الطاعنة ليس دقيقا لأن الدستوري يخلو من هكذا تحديد لولاية مجلس النواب لكن الطعن اعتبر أن المدة كونها محددة دستورياً فهي ليست مجرد إجراء تنظيمي، بل تعكس حق الشعب في تجديد تفويضه لممثليه عبر الانتخابات الدورية."
واعتبر الطعن أنّ التمديد الذي يقوم به القانون المطعون فيه "يؤدي عملياً إلى تغيير غير مباشر لمدة الولاية النيابية، مستغلاً الظرف الاستثنائي الناجم عن الحرب والأزمة الراهنة لتبرير هذا التمديد". وبعد تكرار الطعن تشديده على أنّ التدابير الاستثنائيّة يجب أن تفرضها ضرورات قصوى، أشار الطعن مستشهدًا بالفقه الفرنسي أنّ "القواعد التي تحدد مدة الولاية الانتخابية تشكل جزءاً من البناء الدستوري للنظام السياسي، وأن تعديلها لا يمكن أن يتم إلا عبر تعديل دستوري صريح، لأن أي تغيير عملي فيها يؤدي إلى إعادة تحديد شروط ممارسة السيادة الشعبية"، ما يبيّن بحسب الطعن أنّ القانون بتمديده لسنتين لم يقم بمجرد إجراء تقني أو ظرفي بل تجاوز حدّ الضرورة "واستغل هذا الظرف لتغيير فعلي لمدة الولاية النيابية، وهو ما يمثل تعدياً غير مشروع على مدة الولاية المنصوص عليها دستورياً، ومساساً بسيادة الشعب ودورية الانتخابات."
يعد ذلك، أعاب الطعن على السلطة التشريعيّة، في سنّها هذا القانون، انحرافها في استعمال صلاحياتها عندما قامت بتمديد ولايتها ما يضعها في موقع الخصم والحكم في آن واحد. واستند الطعن على الفقه الدستوري المقارن الذي أوضح "أن مثل هذه الحالات قد تشكل انحرافاً في استعمال السلطة التشريعية عندما يؤدي التشريع إلى تحقيق مصلحة مباشرة للسلطة التي تصدره".
واعتبر الطعن أنّ مفهوم القوة القاهرة الذي استند عليه المشرّع في قانونه له شروط صارمة، فإنّ مجرد وجود حرب أو توتر أمني أو خطر سياسي لا يكفي بحد ذاته لاعتبار الانتخابات مستحيلة، وقد أثبتت تجارب عدد من الدول أن الانتخابات ممكنة ولو في ظروف قاسية وفي ظلّ الحروب، "وعليه فإن استخدام مفهوم القوة القاهرة بصورة فضفاضة يؤدي إلى تحويل الاستثناء إلى قاعدة وتعليق الحياة الدستورية لأسباب سياسية".
ويضيف الطعن أنّ مبدأ الاستثناء المؤقت ركيزة أساسية للرقابة الدستورية على التدابير الاستثنائية (كتمديد ولاية مجلس النواب)، إذ يجب أن يبقى محدوداً بحدود صارمة، تتمثل في:
- الارتباط الزمني الضيّق: يقتصر على المدة الضرورية لمعالجة الظرف الاستثنائي فقط.
- الارتباط بزوال السبب: يعود النظام الدستوري لطبيعته فور انتهاء الظرف الذي فرضه.
وبالتالي، فإنّ التدقيق بالزمن والسبب هو الضمانة القانونية لمنع انتهاك المبادئ الدستورية لا سيما مبدأ دورية الانتخابات، "غير أن القانون المطعون فيه يفتح المجال أمام تمديد فعلي لولاية المجلس النيابي لفترة تمتد حتى سنتين، دون وضع أي ضمانة دستورية حقيقية لإعادة العملية الانتخابية ضمن مهلة محددة وواضحة". ويخلص الطعن مجددًا إلى أنّ القانون لا يقتصر على تنظيم موعد الانتخابات، بل يغيّر عمليًا مدة الولاية النيابية المحددة دستوريًا باستغلال الوضع الاستثنائي، علمًا أن السنتين مدة طويلة تتجاوز الظرف الآني.
ويشير الطعن أخيرا إلى أنه لا يمكن استغلال الحرب لتجاوز الظرف الاستثنائي وتمديد الولاية، و أنّ هذا القانون يمثل تعديلاً لقاعدة دستورية أساسية دون الآليات الدستورية، وهو يخالف مبدأ سمو الدستور على القوانين العادية. ويضيف الطعن أنّ الأمر يزيد خطورة نظرًا بأن التمديد يتم بقانون من المجلس النيابي نفسه، مما يجعل السلطة المستفيدة هي المقررة له، الأمر الذي يثير إشكالية دستورية حول حدود السلطة التشريعية وصلاحيتها بتعديل ولايتها الزمنية.
وفي النهاية، لا بد من الإشارة إلى الإشكالية التي قد يثيرها هذا الطعن الذي تم تقديمه بتاريخ لاحق للطعنين السابقين. فالمجلس الدستوري الحالي بات يعتبر أن كل طعن جديد يؤدي إلى منح المجلس مهلة جديدة إضافية من أجل إصدار قراره ما يعني أن المجلس الدستوري قد يتمكن من إصدار قراره في الطعن قبيل نهاية شهر نيسان. لكن المجلس الدستوري في قراره حول التمديد الذي حصل سنة 2014 اعتبر أن "قانون تمديد ولاية مجلس النواب صدر قبل انتهاء الولاية بتسعة أيام فقط، وقدم الطعن في دستوريته قبل أسبوع من انتهاء الولاية، ما أدى إلى تقليص الخيارات أمام المجلس الدستوري إلى حدّ كبير"، الأمر الذي دفعه إلى رد الطعن للحيلولة دون التمادي في حدوث الفراغ في المؤسسات الدستورية.
وبما أن ولاية مجلس النواب قبل التمديد تنتهي في 21 أيار 2026، فإن ذلك يعني أن المجلس الدستوري يمكن له أن يبطل قانون التمديد في نهاية الشهر الحالي لأن مجلس النواب لديه متسعا من الوقت كي يجتمع في الشهر المتبقي من ولايته من أجل إقرار قانون تمديد جديد لكن لمدة أقصر تحترم مبدأ دورية الانتخابات، ولا يجوز له بالتالي التذرع بعدم توفر الوقت الكافي كي يقضي برد الطعن بحجة منع الفراغ. فواجب المجلس الدستوري هو صون الدستور قبل أي اعتبار آخر، وما على مجلس النواب سوى استخلاص النتائج القانونية الضرورية من قرارات المجلس الدستوري وإقرار قوانين تتوافق معها.