اتفاق الإطار مع إسرائيل: محاولة لتحديد مساره الدستوري
02/07/2026
وقع لبنان مع إسرائيل اتفاقا إطاريا بتاريخ 26 حزيران 2026 برعاية الولايات المتحدة الأميركية بعد أشهر من المفاوضات الرسمية التي عقدت في العاصمة الأميركية واشنطن. وقد جاء هذا الاتفاق في ظلّ توسّع الاحتلال الإسرائيلي كي يشمل مناطق كبيرة من جنوب لبنان واستمرار تهجير مئات آلاف المواطنين من قراهم ومنعهم من العودة إليها.
وقد أثار هذا الاتفاق موجة انتقادات كبيرة من جهات متعددة تنتمي تقريبا إلى كل ألوان الطيف السياسي نظرا لبنوده الإشكالية وتداعياتها المصيرية على مستقبل لبنان. ولعلّ أبرز هذه البنود الخطيرة غياب أي جدول زمني واضح لانسحاب الاحتلال الإسرائيلي إذ يكتفي الاتفاق بالتكلم في بنده الثاني عن "إعادة انتشار تدريجي خارج الأراضي اللبناني"، علمًا أن ذلك مشروط بنزع سلاح الجماعات المسلّحة وتفكيك بنيتها التحتية وفقا لترتيبات أمنيّة يشير إليها ملحق أمني لم يتمّ الإعلان عنه رسميّا حتى الآن على الرغم من نشر نسخ مسرّبة عنه من قبل وسائل إعلام عدّة. وما يفاقم من خطورة هذا البند هو أن التحقق من تطبيقه مرهون بوجود "مجموعة تنسيق عسكرية من أجل لبنان" يتمّ استحداثها من قبل إسرائيل ولبنان مهمتها الإشراف على تنفيذ البنود العسكرية من الاتفاق، على أن تلتزم اسرائيل بعد تأكدها من حسن التطبيق على إعادة التموضع المشروط والتدرجي وفقا لمراحل تنفرد هي بتقريرها.
وإذ كان هذا البند الثاني من الاتفاق الإطار يعترف بضرورة بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها ما يفترض ضمنيا نهاية الاحتلال، لكنه يعطي بالمقابل لإسرائيل حرية كبيرة في تفسير كيفية تطبيقه إذ يمكنها التذرع بأن الدولة اللبنانية لم تتخذ جميع الخطوات المطلوبة لنزع سلاح حزب الله ما يتيح لها الإبقاء على احتلالها ريثما تتأكد من حسن تطبيق الاتفاق وفقا لرؤيتها الاعتباطية للأمور. وهكذا يؤدي البند الثاني إلى قلب المعايير إذ أن المبدأ المعتمد في القانون الدولي هو عدم مشروعيّة أي احتلال لدولة أجنبية ما يوجب إزالته فورا بينما نصّ الاتفاق يجعل من الانسحاب الاسرائيلي هو الاستثناء بحيث بات يتوجب إقناع الحكومة الاسرائيلية كي تقبل بالتخلي عن احتلالها غير المشروع لأراضي الدولة اللبنانية.
ولا شك أن أكثر البنود خطورة في الاتفاق البند 13 الذي نص على أن "تلتزم إسرائيل ولبنان باتخاذ تدابير حسنة النية، تشمل وقف جميع الأعمال العدائية أو السلبية في المحافل السياسية والقانونية الدولية، والعمل على البحث عن رفات الضحايا وإعادته، والإفراج عن المعتقلين". فإذا وضعنا جانبا أن المستفيد الفعلي من هذا البند هو إسرائيل نظرا للانتهاكات الصارخة التي ارتكبتها للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني منذ 2023 إلى اليوم، لا بد من التساؤل حول جدوى تنازل الدولة اللبنانية عن حقّها وموافقتها على منح إسرائيل عفوا عاما ليس فقط على المخالفات السابقة لكن أيضا على المخالفات المستقبلية التي قد ترتكبها كون لبنان بات ملزما بالصمت والاكتفاء بالمراقبة كأي طرف ثالث طيلة فترة التفاوض.
جراء ما تقدم، لا بد من التساؤل حول المسار الدستوري الذي يجب اعتماده من أجل تبني اتفاق الإطار من قبل الدولة اللبنانية. فبغض النظر عن الظروف التي أرغمت لبنان على عقد مفاوضات أفضت إلى توقيع هذا الاتفاق، ومن دون الدخول في الجدل السياسي حول إيجابيات هذا الأخير أو سلبياته، كان من المفيد عرض الموضوع من الناحية الدستورية وتحليل كل الفرضيات في هذه النقطة تحديدا.
طبيعة الاتفاق في النظام الدستوري اللبناني
خلافا لإعلان وقف إطلاق النار الذي تم الإعلان عنه في 16 نيسان 2026 من قبل وزارة الخارجية الأميركية، وللبيان المشترك الذي صدر عن لبنان والولايات المتحدة ودولة إسرائيل في 3 حزيران من العام نفسه، اتّسمت اتفاقية الإطار بطبيعة رسمية معززة كونها جرى التوقيع عليها في حفل رسمي من قبل سفيرة لبنان في واشنطن التي كانت جزءا من الوفد الرسمي الذي تولى التفاوض مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة.
ولا شك أن توقيع سفيرة لبنان تم بناء على تعليمات حصلت عليها من المرجعية الدستورية الصالحة أي رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة عملا بالمادة 52 من الدستور التي تنيط صلاحية التفاوض لعقد الاتفاقيات الدولية بهما. وقد تأكد هذا المنحى من خلال محضر مجلس الوزراء رقم 65 الذي أخذ علما بتاريخ 25 حزيران 2026 "بالتفويض المعطى من قبل السيد رئيس الجمهورية بالاتفاق مع السيد رئيس مجلس الوزراء إلى الوفد المفاوض في واشنطن (الولايات المتحدة الأميركية)، وكلفهم إجراء ما يلزم توصلاً إلى النتيجة المرجوة وذلك حسب الأصول، علماً أن أي اتفاق قد ينتج عن هذه المفاوضات يخضع إبرامه لموافقة مجلس الوزراء، بحسب المادة ٥٢ من الدستور".
وهكذا يتبين أن السلطات الدستورية في لبنان تعتبر أن اتفاق الإطار هذا يدخل في خانة المعاهدات الدولية، وهو بالتالي يخضع لأحكام المادة 52 من الدستور التي تحدد كيفية التفاوض من أجل عقد وإبرام تلك المعاهدات.
ولا بد من التذكير أن الدستور اللبناني لا يعرف التمييز الموجود في دول أخرى من العالم بين المعاهدات (Traités) التي تحتاج إلى إبرام رئيس الجمهورية والاتفاقيات (ِAccords) التي يمكن أن تنفرد الحكومة أو وزير الخارجية مثلا بالموافقة عليها. لا بل أن حتى الدستور الفرنسي للجمهورية الخامسة الذي يقيم مثل هكذا تمييز لا يحدّد أي معيار مادي يسمح بالتفريق بين النوعين من الاتفاقات الدولية إذ أن أهمية موضوع لا تجعل منه معاهدة تحتاج إلى تدخّل رئيس الجمهورية بينما المواضيع الأقل أهمية يتم الاكتفاء بموافقة الحكومة. لذلك يعتبر المعيار الشكلي هو المتبع للتمييز بين مختلف أنواع الاتفاقات الدولية إذ بمجرد تدخل رئيس الجمهورية للتفاوض مباشرة أو عبر ممثلين عنه يجعل من هذا الاتفاق معاهدة تخضع لأصول الإبرام التي يحددها الدستور[1]، بينما المعيار المادي يصبح متّبعا من أجل التفريق بين المعاهدات التي يحتاج إبرامها إلى إجازة مسبقة من مجلس النواب وتلك التي يتم الاكتفاء بإبرام رئيس الجمهورية لها بعد موافقة مجلس الوزراء فقط، وهي في الحالتين معاهدات دولية يفاوض عليها رئيس الجمهورية.
فحتى البيانات الصادرة عن الخارجية الأميركية تقول أنها صدرت بالاتفاق مع الدولة اللبنانية. ومن المعلوم أن رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة كان يتولى الموافقة عليها عبر المفاوضين المعينين لهذه المهمة، ما يعني أن الآلية الدستورية المحددة في المادة 52 من الدستور هي المعنية كونها الوحيدة التي يعرفها النظام الدستوري اللبناني، ما يجعل من بيانات وقف إطلاق النار التي فاوض ووافق عليها لبنان تدخل في خانة الاتفاقيات الدولية.
لا بل أن التحليل نفسه ينطبق على اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل الذي وافق عليه رئيس الجمهورية منفردا عبر رسالة وقعها في 27 تشرين الأول 2022 موجهة إلى الوسيط الأميركي لكن بمجرد أن تولى رئيس الجمهورية التفاوض يكون المعيار الشكلي قد تحققت شروطه وبات الاتفاق يخضع لمندرجات المادة 52 من الدستور. لا بل أن التدقيق في نص اتفاقية الترسيم يبين أنها تعلن في أكثر من موضع عن "اتفاق الطرفين" على القيام بتدابير معينة من بينها مسائل ذات طبيعة مالية، وهو ما يؤكد مجددا أن استخدام مصطلحات معينة (رسالة، بيان، إعلان…) لتوصيف النص الذي جرى توقيعه لا يؤثر على طبيعته كاتفاق دولي وفقا للدستور اللبناني. ويمكن تطبيق التحليل نفسه على الترتيبات التي أقرها مجلس الوزراء في 27 تشرين الثاني 2024 بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار مع اسرائيل، علما أن اتفاق ترسيم الحدود البحرية لم يُعرض حتى على موافقة مجلس الوزراء ما يطرح تساؤلات جدية حول دستوريته.
إن غياب أي نص دستوري يميز بين المعاهدات لم يمنع مجلس شورى الدولة اللبناني في قرار نادر له من استنباط وجود فئة "الاتفاقات الموجزة" إذ اعتبر التالي: "وحيث أن الاتفاق المعقود بين الحكومة اللبنانية والمندوبية الفرنسية قد تمّ بموجب تبادل الكتب بين ممثلي الفريقين وإن مثل هذا الاتفاق عندما يعقد بين دولتين يدخل في فئة الاتفاقات الموجزة التي لا تحتاج إلى تصديق من السلطة التشريعية وإبرام من رئيس الدولة إلا إذا وضعت على عاتق الدولة الالتزامات المنصوص عليها في المادة 52 من الدستور أي عندما تنطوي على شروط تتعلّق بماليّة الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة " (قرار رقم 460 تاريخ 2 تموز 1957).
لكن اتفاق الإطار لا يمكن وصفه بأنه يدخل من ضمن فئة الاتفاقات الموجزة لأنه يحتاج إلى إبرام انطلاقا من موقف مجلس الوزراء نفسه المذكور سابقا والذي اعتبر بموجبه أن التوقيع عليه من قبل المفاوضين لا يكفي بل يتوجب عرضه في جلسة لمجلس الوزراء من أجل إقراره.
جراء ما تقدم، وبما أن اتفاق الإطار تم التوقيع عليه انطلاقا من المادة 52 من الدستور فإن ذلك يطرح تلقائيا مسألة كيفيّة متابعة مساره الدستوريّ كي يصبح ملزما للدولة اللبنانية. إذ من المعلوم أن مجرد التوقيع على الاتفاقيات الدولية لا يكفي كي تصبح نافذة، وهذا طبعا في النظام الدستوري اللبناني خلافا لما قد يكون عليه الحال في دول أخرى.
المسار الدستوري لاتّفاقية الإطار
تمنح المادة 52 من الدستور رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة صلاحية التفاوض من أجل عقد المعاهدات الدولية وإبرامها، وهي باتت تشترط بعد تعديلات اتفاق الطائف الحصول على موافقة مجلس الوزراء قبل الإبرام. ولا شك أن منح تلك الصلاحية إلى رئيس الجمهورية هو أمر تقليدي في غالبيّة النظم الدستورية كون العلاقات الدولية يجب أن تكون من صلاحيات السلطة التنفيذية إذ يتوجب التفاوض مع جهات أجنبية السرية وسرعة القرار، هذا فضلا عن أن العلاقات الدولية تعكس تاريخيا المصالح المتقلبة للدول وتطورها ما يعني أنّه لا يمكن إخضاعها لقواعد مسبقة صارمة كما يتم إخضاع مثلا الحكومة داخل الدولة إلى القانون.
لكن النظام اللبناني كونه يقوم على منطلقات ديمقراطيّة لا يقبل بحصر صلاحية العلاقات الدولية بالسلطة التنفيذية كما كان يحدث في الملكيّات المطلقة، بل هو يتبنى نظاما مختلطا يمزج بين صلاحيات رئيس الجمهورية والحكومة من جهة وصلاحيات مجلس النواب من جهة ثانية. فالمادة 52 من الدستور تضيف بأن "المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فلا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب".
وهكذا يصبح جليا أن التفاوض هو من صلاحيات رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، أما الإبرام فهو أيضا من صلاحيات رئيس الجمهورية كونه رئيس الدولة شرط الحصول على الموافقة المسبقة لمجلس الوزراء. لكن بعض تلك المعاهدات لا يمكن أن يبرمه رئيس الجمهورية إلا بعد الحصول على موافقة مجلس النواب وهو ما يتم في لبنان عبر إقرار قانون "يجيز للحكومة" (والصواب منح الإجازة لرئيس الجمهورية) إبرام المعاهدة التي جرى التفاوض عليها وتوقيعها من قبل السلطة التنفيذية. وهكذا يتبين أن المبدأ هو انفراد السلطة التنفيذية بالإبرام بينما الاستثناء هو تدخل مجلس النواب.
وفي حال وضعنا جانبًا إشكالية توقيع اتفاقيّة مع دولة لا يعترف بها لبنان، لا تطرح مسألة ضرورة حصول اتفاق الإطار على موافقة مجلس الوزراء أي إشكالية لا سيما وأن هذا الأخير عندما أخذ علما بتعيين المفاوضين أشار في قراره المذكور أعلاه أن إبرام الاتفاق يحتاج إلى عرضه على مجلس الوزراء للموافقة، وهي موافقة تحتاج إلى الحصول على غالبية الثلثين من مجلس الوزراء وفقا للفقرة الأخيرة من المادة 65 من الدستور كون الاتفاق الدولي يعتبر من ضمن المواضيع الأساسية التي تحتاج إلى هذه الغالبية المشددة.
لكن المعضلة لا تكمن في دور مجلس الوزراء بل في مدى حاجة الاتفاق لموافقة مجلس النواب عليه قبل إبرامه النهائي، وهذه إشكالية يعسر حلها لكن من الممكن شرح بعض المبادئ التي تسمح لنا بتكوين صورة أفضل عن الموضوع.
تجد المادة 52 من الدستور مصدرها في المادة الثامنة[2] من القانون الدستوري الفرنسي للجمهورية الثالثة الصادر في 16 تموز 1875 والتي نصّت على الآلية نفسها للتفاوض والإبرام لكن مع منح دور أكبر للبرلمان. فرئيس الجمهورية بوصفه الممثل الأعلى والوحيد للدولة أمام القوى الخارجية هو من يتولّى التفاوض وإبرام المعاهدات لكن البعض منها يحتاج إلى موافقة مجلسي الشيوخ والنواب المسبقة وهي المعاهدات المتعلقة باتفاقيات السلام والتجارة وتلك التي ترتب تبعات مالية والمعاهدات المتعلقة بحقوق الأشخاص والملكية في الخارج. وتضيف المادة بأن التخلي أو تبادل أو ضمّ أراضٍ إلى الجمهورية الفرنسية لا يمكن أن يتمّ إلا بقانون.
وهكذا يتبيّن أن النصّ الفرنسيّ جاء أوسع من المادة 52 من الدستور التي استعادت فقط المعاهدات التجارية وتلك التي تنطوي على شروطٍ ماليّة، لكنّها أضافتْ فئةً جديدة لا مثيل لها في فرنسا أي المعاهدات التي لا يمكن فسخها سنويا.
ومن المعلوم أن حاجة المعاهدات التجارية وتلك التي تؤدي إلى إنفاق من خزينة الدولة إلى الموافقة المسبقة لمجلس النواب ينبع من مبدأ ضرورة الحصول على موافقة ممثلي الشعب على كل إنفاق أو قرض يرتب أعباء على المالية العامة، وهذا مبدأ ديمقراطي تقليدي يجد مصدره في ضرورة الحصول على موافقة السلطة التشريعية المنتخبة على الضرائب.
وإذا كان الدستور اللبناني يذكر هذه الفئة من المعاهدات لكن المعاهدات السياسية تغيب عنه كتلك المتعلقة بالسلام وعقد التحالفات أو الهدنة. لا بل إن مسألة إعلان الحرب غابت عن الدستور اللبناني منذ 1926 ولم يتم لحظها إلا سنة 1990 عندما تم تعديل المادة 65 من الدستور بحيث أصبح "الحرب والسلم" من المواضيع الأساسية التي تحتاج إلى موافقة ثلثي مجلس الوزراء. ويصبح هذا الغياب أكثر غرابة في حال تذكرنا أن المادة 9 من القانون الدستوري الفرنسي ذاته لسنة 1875 تعلن بأن رئيس الجمهورية لا يمكن له إعلان الحرب إلا بعد موافقة البرلمان.
ولا شكّ أن غياب تلك المعاهدات السياسيّة عن الدستور اللبنانيّ لا يمكن تفسيره تاريخيا إلا من خلال العودة إلى حقبة الانتداب حيث كانت السلطات الفرنسية هي التي تتولى الإشراف على علاقات لبنان الدولية في جميع المجالات. وعلى الرغم من أن المادة 52 من الدستور كانت موجودة في الدستور منذ إقراره سنة 1926 لكنها كانت تنص صراحة على حفظ صلاحيات الدولة المنتدبة ولم يتم إلغاء هذا الأمر إلا سنة 1943 مع تعديلات الاستقلال.
وقد واجه لبنان تلك الإشكالية أول مرة سنة 1945 عندما اضطرّ إلى إعلان الحرب على ألمانيا كشرط للانضمام إلى ما بات يعرف بمنظمة الأمم المتحدة وقد استقرّ الرأي حينها على ضرورة الحصول على موافقة مجلس النواب المسبقة قبل أن يتولى رئيس الجمهورية إعلان الحرب بمرسوم.
والحاجة إلى الحصول على موافقة البرلمان قبل إعلان الحرب أو عقد معاهدات سلام ينبع من خطورة هذه المواضيع وأهميتها الاستثنائية إذ أن مصير البلاد كله يتوقف عليها ما يوجب تدخل ممثلي الشعب كي يتمكن من تحديد مصيره. لا بل أن تدخل البرلمان يمكن تبريره بسبب مختلف ألا وهو أن السلطة التنفيذية لا سيما في الملكيات المطلقة قد تفضل مصلحتها الخاصة على مصلحة الأمة من خلال الارتباط بالخارج ما يشرح لماذا يندلع جدل سياسي دائم حول الخيانة العظمى عند عقد مثل تلك الاتفاقيات، وهو نقاش بات ينتشر اليوم في لبنان بسبب العدوان الاسرائيلي ومصير سلاح حزب الله.
ويعتبر "دوغي" أن اتفاقيات السلام لا تشمل الأحلاف التي يمكن لرئيس الجمهورية أن يبرمها بمفرده ولا حتى اتفاقيات السلام التي تعقب حربا لم تكن فرنسا طرفا بها حتى لو وقّعت عليها[3]. ويضيف "أوجين بيار" بأن اتفاقية السلام يجب فهمها بشكل حصري، وأن المعاهدات التي تهدف إلى تجنّب الحرب لا تحتاج إلى موافقة البرلمان[4]، كذلك الأمر بالنسبة لإعلان الحياد أو قطع العلاقات الدبلوماسيّة اللذين يدخلان أيضا من ضمن اختصاص السلطة التنفيذية الحصري. من هنا نفهم لماذا لم تعرض اتفاقية الهدنة بين لبنان واسرائيل سنة 1949 على مجلس النواب إذ ينقل الرئيس بشارة الخوري في مذكراته أن مجلس الوزراء فوّض وزارة الدفاع في 28 شباط 1949 بإجراء المباحثات ومن ثم تمّ التوقيع "على الهدنة بالأحرف الأولى من أسماء المفاوضين. وفي 22 آذار اجتمع مجلس الوزراء ودرس الاتفاق وأقره، ووقع المفاوض اللبناني عليه نهائيا في 23 آذار في مخفر رأس الناقورة"[5]. وبالفعل نصت المادة الثامنة من اتفاقية الهدنة على التالي: "لا يخضع هذا الاتفاق للإبرام، بل يصبح نافذا فور التوقيع عليه"، وأضافت المادة بأن هذه الهدنة جرت بناء على قرار مجلس الأمن من أجل "تسهيل الانتقال من المهادنة الحالية إلى سلم دائم في فلسطين" على أن يبقى نافذا "حتى الوصول إلى تسوية بين الفريقين".
جرّاء ما تقدم، يمكن الجزم بأن اتفاقية الإطار ليست اتفاقا تجاريا وهي أيضا ليست معاهدة ترتب أعباء على مالية الدولة ولا يمكن التذرع بوجوب إنفاق محتمل ما في المستقبل من أجل اشتراط الحصول على موافقة مجلس النواب. وقد اعتبر أكثر من فقيه دستوريّ أن التوسّع في تأويل التبعات المالية قد يجعل من جميع المعاهدات بحاجة إلى موافقة البرلمان، ما يخالف هدف النص الدستوري الذي يجعل من انفراد رئيس الجمهورية بالإبرام هو المبدأ. لذلك يجدر تفسير هذا النص بشكل ضيق بحيث يفهم منه فقط المعاهدات التي ترتّب إنفاقا محدّدا على الدولة لا يمكن تنفيذه إلا في حال تم فتح اعتماد في موازنة الدولة بحيث يصبح الإنفاق نتيجة مباشرة لتطبيق المعاهدة[6].
أن أولوية صلاحية السلطة التنفيذية في العلاقات الدولية يمنحها قدرة أكبر على التحكم بالمسار الدستوري للمعاهدات الدولية. فاتفاق "جلاء القوات الإسرائيلية" سنة 1983 الذي بات يعرف باتفاق "17 أيار" المعقود بين لبنان وإسرائيل نص في مادته العاشرة على التالي: "يتم إبرام هذا الاتفاق من قبل الفريقين طبقا للأصول الدستورية لدى كل منهما". وعلى الرغم من أن هذا الاتفاق لم يكن اتفاقية سلام بالمعنى الرسمي للكلمة إذ هو نصّ فقط الى انهاء حالة الحرب على أن يتم عقد اتفاقات لاحقة بعد الانسحاب الاسرائيلي من أجل فتح الحدود والسماح بانتقال السلع والمنتجات والأشخاص (المادة 8) وإلغاء جميع المعاهدات والقوانين والأنظمة "التي تعتبر متعارضة مع هذا الاتفاق" (المادة 9)، لكن الحكومة قررت عرضه على مجلس النواب من أجل الحصول على موافقته قبل إبرامه، علما أن المادة العاشرة من الاتفاق يشترط فقط إبرامه وفقا للأصول الدستورية ما يعني انه كان بالامكان أيضا الاكتفاء بابرامه من رئيس الجمهورية منفردا دون الحاجة إلى تدخل مجلس النواب. وبالفعل سيعمد مجلس النواب إلى إقرار "الاتفاق الرامي الى انسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي اللبنانية" في جلسة عقدت بتاريخ 13 حزيران 1983 مجيزا للحكومة إبرامه، لكن التطورات السياسية اللاحقة دفعت برئيس الجمهورية أمين الجميل حينها إلى عدم إصدار القانون الذي يجيز الإبرام ومن ثم عمد مجلس الوزراء في 5 آذار 1984 إلى الموافقة على قرار نص على "إلغاء هذا الاتفاق غير المبرم واعتباره باطلا وكأنه لم يكن وإلغاء كل ما يمكن أن يكون ترتب عليه من آثار".
إن خطورة اتفاق الإطار تحتّم على الحكومة عرضه على مجلس النواب ليس لاطلاعه فقط على مضمونه، بل أيضا لطلب موافقته المسبقة عليه قبل إبرامه. وقد أقر الدستور للسلطة التنفيذية بصلاحية استنسابية تتعلق بمتى يتم عرض المعاهدات على البرلمان إذ أن المادة 52 نفسها نصت أيضا على أن الحكومة "تطلع مجلس النواب عليها حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد والسلامة العامة". ولا شك أن المقصود بهذا النص بشكل رئيسي المعاهدات السياسية إذ يمكن للحكومة إبرامها وتطبيقها مع منحها حرية اختيار متى تطلع مجلس النواب، علما أن ذلك يقتصر على مجرد الإطلاع من دون الحاجة إلى الحصول على موافقته.
وقد اعتبر العديد من الفقهاء أن الحكومة حتى لو طلبت من البرلمان إجازة للإبرام يمكن لهذا الأخير اعتبار أن المعاهدة المعنية لا تحتاج إلى تدخله ما يعني ترك القرار النهائي إلى السلطة التنفيذية فقط[7]. فعلى مجلس النواب في حال اعتبر أن اتفاق الإطار يحتاج إلى موافقته أن يطالب الحكومة بذلك لا بل يمكن له تهديدها بسحب الثقة منها في حال امتنعت عن الاستجابة لرعبته تلك.
وقد اعتبر "أوجين بيار" أن انفراد رئيس الجمهوريّة بإبرام معاهدة ما لا يمنع النواب من المطالبة بضرورة إخضاعها لموافقة البرلمان لكنه يضيف أن ذلك لا يعني حق هذا الأخير بإجراء تصويت من شأنه "تمزيق" توقيع رئيس الجمهورية بحيث يتم إلغاء الإبرام[8]. ولا شك أن هذا النقاش يظهر مدى ارتباط المعاهدات الدولية بالاعتبارات السياسية والتوازن القائم بين مختلف أطراف السلطة التي قد تجد أن المطالبة بموافقة البرلمان أو السكوت عن ذلك يصب في تحقيق مصالحها. لكن "أوجين بيار" يضيف أن المعاهدات حتى لو لم تكن ضمن الفئة التي تحتاج إلى موافقة البرلمان يتوجّب إقرارها في هذا الأخير في حال تضمّنت بنودًا من شأنها تعديل أو إضافة أحكام معنية على القوانين النافذة[9]. لا بل هو يقول حتى لو تبين للحكومة بأن المعاهدة لا تتضمن ما من شأنه تبرير تدخل البرلمان يمكن لها تعليق موافقتها النهائية على الحصول على موافقة المجلس إذ شعرت بأن الاتفاقية المعنية ستلقى معارضة داخل البرلمان أو أنها ستهدد المصالح التي من المفترض أن يدافع عنها ممثلي الشعب. والأمر نفسه ينسحب على المعاهدات التي تعالج موضوعا لا علاقة له بالمواضيع المحجوزة دستوريا لموافقة البرلمان لكن يتوجّب على الحكومة عرضها على هذا الأخير لإقرارها في حال كانت الدولة الأخرى التي جرى التوقيع على المعاهدة معها تحتاج إلى الحصول على موافقة برلمانها سواء كان ذلك إلزاما دستوريا عليها أو مجرد خيار من أجل رفع المسؤولية عنها[10].
لا بد أيضا من الملاحظة أن اتفاق الإطار نصّ في بنده الثاني على وجود ملحق أمني ما يطرح مسألة هل أن الحكومة في حال قررت الحصول على موافقة البرلمان أو حتى مجرد إطلاعه ملزمة بعرض هذا الملحق الذي يتسم بالسرية عليه؟ وقد أجاب "اوجين بيار" على ذلك معتبرا أنه في حال كان الاتفاق يدخل في عداد المعاهدات التي تحتاج إلى موافقة البرلمان، فإنه من المنطقي القول بأن هذا الأخير لن يكون حرا أو مطلعا كفاية على المعاهدة في حال صوت عليها من دون البنود السرية ما يجعل الأمر مخالفا للدستور[11].
وهكذا يتبين أن الحجج لا تحسم مسألة ضرورة إخضاع اتفاق الإطار لموافقة مجلس النواب لكنها تشير بشكل قوي إلى الطبيعة السياسية لهذه المسألة. ولا شك أن أبرز حجة يمكن استخدامها لتبرير موافقة البرلمان تتعلق بالمعاهدات التي لا يمكن فسخها سنة فسنة وفقا لتعبير المادة 52 من الدستور. وقد اعتبر إدمون رباط أن هذا النوع من المعاهدات لا يتعلق فقط بالمعاهدات الاقتصادية والمالية لكن أيضا السياسية "مهما بلغت أهميتها، إذا ما كانت معقودة لمدة تتجاوز السنة"[12].
وعلى ما يبدو أن اتفاق الإطار لم يضع مهلة لتنفيذه لا بل هو جاء مفتوحا زمنيا من دون أي قيد على إسرائيل كي تنسحب وانطوى على تهديدات مستقبلية تتّسم بطبيعتها المطلقة. لذلك يمكن القول بأن الاتفاق في شقه هذا بات يندرج في خانة المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة ما يعني ضرورة إخضاعه لموافقة مجلس النواب. لكن هذا التحليل يصطدم بحقيقة أنّ اتفاقية الهدنة كانت دائمة وتجاوزت السنة لكنها لم تكن تعرض على مجلس النواب لإقرارها. لا بل أن موقف رباط نفسه يمكن انتقاده لأن الدستور يشير فقط إلى المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة بينما رباط اعتبر أن ذلك يعني المعاهدات التي تعقد لفترة أطول من سنة علمًا أنّ هذا التفسير لا يمكن التسليم به كون العديد من المعاهدات تتضمن أحيانا أحكاما خاصة بكيفية فسخها ما يعني أن الدولة تبقى حرة بفسخ المعاهدة، وهذا ما تكرسه المادة 56 من اتفاقية فيينا حول قانون المعاهدات لسنة 1969.
من جهة أخرى، حتى لو قررت الحكومة عدم طلب موافقة مجلس النواب لكن ذلك لا يعفيها من ضرورة الموافقة على إبرام الاتفاق على أن يقوم رئيس الجمهورية بإصدار مرسوم الإبرام ونشره في الجريدة الرسمية. فالاتفاقيات الدولية حتى لو انفرد رئيس الجمهورية إبرامها يتم نشرها في الجريدة الرسمية كي يتمكن الجميع من الاطّلاع عليها. ولعل أبرز مثال حديث على ذلك اتفاقية نقل المحكومين مع سوريا التي أبرمت بموجب المرسوم رقم 2574 بتاريخ 19 شباط 2026 لكن من دون إقرار قانون في مجلس النواب يجيز الإبرام.
ولا بدّ من التذكير هنا بقرار مجلس شورى الدولة الصادر سنة 1957 حول الاتفاقات الموجزة كونه اعتبر "أن مبدأ النشر الإلزامي لا يطبق على الاتفاقات الموجزة في الظروف الاستثنائية كحالة الحرب أو إذا كانت هذه الاتفاقات لا تأثير لها على حقوق المواطنين وواجباتهم". وبما أن اتفاق الإطار ليس من الاتفاقات الموجزة ويتوجب إبرامه من رئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس الوزراء فإن ذلك يفترض ضرورة نشره إلا إذا ارتأت الحكومة أن مصلحة البلاد وسلامة الدولة توجب عليها الامتناع عن ذلك وفقا للمادة 52 من الدستور، علما أن هذا التفسير الأخير هو استنتاج شخصي لكاتب هذه السطور كون الدستور بموافقته على إبقاء المعاهدات سرية دون اطلاع مجلس النواب عليها يفترض بشكل أولى حق الحكومة بعدم نشر المعاهدة كي تصبح بمتناول الرأي العام إذ ما الفائدة من عدم اطلاع البرلمان مع إلزام الحكومة بنشر المعاهدة في الجريدة الرسمية.
إن الطبيعة السياسية الإشكالية لأي معاهدة دولية تظهر حتى في الحدّ من صلاحيات القضاء في هذا المجال. فقد اعتبر مجلس شورى الدولة أن الاحتجاج بأن معاهدة ما تم إبرامها من دون موافقة مجلس النواب وهو ما يعرف بالتصديق الناقص لا يمكن أن يشكل سببًا لإبطالها لأنّ "المعاهدات والاتفاقيّات الدوليّة بكافة مراحلها تعتبر أعمالا حكومية". فعلى الرغم من أن القاضي الإداري يحقّ له التثبت من "صحة الوجود المادي توقيع الأطراف على المعاهدة الدولية وما إذا كانت قد استكملت عناصر الإصدار والنشر لنصوصها كاملة" لكن ذلك ينحصر بالجانب المادي "ويخرج عن اختصاص القضاء بطريق الطعن المباشر مسألة مراقبة صحة التعبير عن ارتضاء الدولة الالتزام بمعاهدة دولية وما إذا كان هذا الالتزام قد تمّ خلافا لأحكام قانونها الداخلي المتعلقة بالاختصاص بإبرام المعاهدات كسبب لإبطال رضاها باعتبار ذلك من الأعمال الحكومية المحصنة بمناعة قضائية بمنأى من كل رقابة قضائية ويندرج ضمن اختصاص السلطة الاشتراعية" (قرار رقم 431 تاريخ 26 آصار 2002).
وهكذا يتبين أن السلطة القضائية وفقا لهذا الاجتهاد لا صلاحية لها للبت في مدى حاجة اتفاق الإطار لموافقة مجلس النواب ما يعني أن الأمر متروك برمته للتوازن السياسي بين مختلف أركان السلطة. فالطبيعة السياسية للاتفاقيات الدولية تخرج هذه المواضيع من طبيعتها القانونية الصرفة إذ لا يعقل إقحام القضاء في نزاع سياسي بامتياز ما يساعد الأحزاب السياسية على التنصل من مسؤوليتها والاختباء وراء القضاء.
لكن هذا الاجتهاد يمكن انتقاده كون مجلس شورى الدولة الفرنسي بات يقبل منذ قرار[13] شهير له صدر سنة 1998 التحقق من وجود قانون يجيز إبرام المعاهدات التي تحتاج إلى موافقة البرلمان المسبقة، لا بل هو بات يبطل مرسوم الإبرام في حال اعتبر أن الإبرام يحتاج إلى قانون من أجل إجازته.
لذلك، قد يكون مجلس شورى الدولة في لبنان مدعوًا إلى تطوير اجتهاده مثل نظيره الفرنسي لا سيما وأنه بات يعتبر بأنه صالح للنظر في مشروعية الأعمال الحكومية في حال كانت مشوبة بعيب فادح كصدورها بجلاء عن سلطة غير صالحة. وهذا ما كرسه مجلس الشورى مؤخرا عندما وافق على النظر بمراسيم رد القوانين التي أصدرتها حكومة نجيب ميقاتي المستقيلة عندما كانت تمارس وكالة صلاحيات رئيس الجمهورية، لا بل هو قضى في النهاية بإبطالها على الرغم من دخولها ضمن فئة الأعمال الحكومية.
في الخلاصة، يمكن القول أن اتفاق الإطار يكرس مجموعة من المبادئ البديهية التي لا تحتاج أصلا إلى تكريس قانوني جديد كبسط سيادة الدولة على كل أراضيها، وحصرية السلاح بيدها ومنع تمويل أي طرف كان بطرق غير قانونية. لكن هذا الاتفاق يحتوي بالمقابل على تعهدات ملزمة لا سيما في البند 13 وهو يقبل برهن زوال الاحتلال بتفسير إسرائيل لهذه المبادئ الدستورية البديهية إذ هي ستبقي على احتلالها في حال اعتبرت أن نزع سلاح حزب الله لا يتم بالطرق التي تعتبرها مناسبة.
فأمام خطورة هكذا نص وأفقه الزمني المفتوح لا بدّ من القول أنه من الأفضل إخضاعه لموافقة مجلس النواب ومناقشته من قبل الجميع بدل الاكتفاء بتوقيعه من دون تقديم أي شرح للمواطنين كما حصل حتى الآن. لكن المطالبة بضرورة موافقة مجلس النواب (بعد غيابه أو تغييبه عن جميع الاتفاقات المشابهة منذ 2022) لا يجب أن تكون مجرد ذريعة سياسية تتحكم بها الأهواء السياسية. فمن يطالب بالذهاب إلى مجلس النواب عليه أن يوافق أولا على دعوة المجلس وعدم تعطيله كي يتمكن من ممارسة دوره، وعليه ثانيا ان يرضخ لنتيجة التصويت النهائية، ما يعني أنه في حال أقرّ البرلمان الاتفاق فإنه سيتمتع بحصانة قانونية أقوى وسيصبح ملزما للدولة اللبنانية بشكل لا يرقى إليه الشك. فالمؤسسات الدستورية ليست لعبة مزاجية يتم الركون إليها متى كانت متوافقة مع المصالح السياسية، إذ متى قالت كلمتها على الجميع التسليم بها ومعارضتها فقط بالطرق الديمقراطية وليس عبر التهويل بالفتنة وما تخفيه من تهديد مبطن باستخدام العنف لقمع الخصوم.
[1] “La Constitution ne fournit cependant aucun critère matériel de détermination : ni l'objet d'un engagement, ni son « importance » ne permettent d'affirmer que l'on est en présence d'un traité ou d'un accord. Constitue un « traité » au sens du droit constitutionnel l'instrument qui est négocié par le président de la République, ou en son nom, ratifié par lui ; constitue un « accord » l'instrument qui est négocié par le ministre des Affaires étrangères, ou en son nom ou au nom du gouvernement, et qui fait l'objet d'une approbation” (Nguyen Quoc Dinh, Patrick Daillier, Droit International Public, LGDJ, 9éme édition, p. 198.
[2] “Le Président de la République négocie et ratifie les traités. Il en donne connaissance aux Chambres aussitôt que l'intérêt et la sûreté de l'Etat le permettent. - Les traités de paix, de commerce, les traités qui engagent les finances de l'Etat, ceux qui sont relatifs à l'état des personnes et au droit de propriété des Français à l'étranger, ne sont définitifs qu'après avoir été votés par les deux chambres. Nulle cession, nul échange, nulle adjonction de territoire ne peut avoir lieu qu'en vertu d'une loi”.
[3] Léon Duguit, Traité de droit constitutionnel, Volume 4, p. 800.
[4] Eugène Pierre, Traité de droit Parlementaire, p. 630.
[5] بشارة الخوري، حقائق لبنانية، الجزء الثالث، ص. 202.
[6] “En un certain sens tous les traités engagent éventuellement les finances de l'Etat : s'ils sont violés, ils peuvent donner occasion à des guerres coûteuses ou à des demandes d'indemnités de la part des nations contractantes. Mais ce ne peut être dans cette signification que le mot est pris ici; car alors cette seule exception absorberait complètement la règle, et l'on retomberait dans le régime qui soumet indistinctement tous les traités au pouvoir législatif . Ces mots doivent être entendus dans un sens étroit et précis: ils désignent les traités qui, par quelqu'une de leurs clauses, impliquent une dépense déterminée, et qui ne pourraient point être complètement exécutés sans un crédit correspondant. Il faut que la dépense à faire pour l'exécution du traité soit une conséquence directe et nécessaire de celui-ci” (A. Esmein, Eléments de droit constitutionnel Français et comparé, Volume II, Sirey, 1921, p. 185).
كذلك:
“On a considéré que l'intervention des Chambres n'est nécessaire que si le traité exige, pour son exécution, une ouverture de crédits immédiate et certaine, et non de simples dépenses soumises à l'éventualité d'événements hypothétiques comme celui d'une guerre” (Barthélemy et Duez, Traité de droit constitutionnel, Paris, Librairie Dalloz, 1933, p. 838).
[7] “La chambre saisie d’un traité peut déclarer que ce traité ne rentre pas dans l’énumération de l’article 8, qu’il peut être ratifié par le président de la République seul et déclarer en conséquence qu’elle s’en rapporte à la sagesse du gouvernement. La chambre a adopté une résolution en ce sens le 28 novembre 1891 à propos d’un traité avec le Dahomey” (Léon Duguit, Traité de droit constitutionnel, Volume 4, p. 801)
[8] Eugène Pierre, Traité de droit Parlementaire, Supplément, p. 737.
[9] بالفعل باتت المادة 53 من دستور الجمهورية الخامسة (1958) تنص على أن المعاهدات التي من شأنها تعديل أحكام ذات طبيعة تشريعية لا يمكن إبرامها أو الموافقة عليها إلا بعد الحصول على موافقة البرلمان.
[10] “On ne doit pas non plus considérer comme limitative l'énumération des matières inscrites dans l'article 8 de la loi constitutionnelle du 16 juillet 1875 ; d'une part, des traités dont les clauses auraient une répercussion sur le droit intérieur du pays, qui impliqueraient dérogation ou addition à des lois existantes doivent être soumis à l'approbation des Chambres¹ ; d'autre part, il est tout à fait légitime qu'en négociant avec des Puissances étrangères sur des questions qui ne rentrent pas nécessairement dans la compétence constitutionnelle des Chambres, le Gouvernement se réserve le droit de n'échanger les signatures définitives qu'après avoir obtenu l'assentiment du Pouvoir législatif, s'il lui apparaît que certaines clauses du traité en cours d'examen pourraient rencontrer des contradictions dans les Chambres². Sauf dans le cas où l'intérêt et la sécurité de l'État l'exigent, il importe de ne pas mettre à exécution des traités internationaux sans avoir l'assurance qu'ils ne froissent aucun des intérêts que les représentants du pays ont mission de défendre.Même lorsqu'il s'agit de régler par une convention internationale des matières qui ne rentrent pas dans l'énumération de notre loi constitutionnelle, il convient de solliciter l'approbation des Chambres, si le Gouvernement avec lequel la France a traité est obligé de consulter son Parlement ou s'il a résolu de se soumettre volontairement à cette obligation pour dégager sa responsabilité” (Eugène Pierre, Traité de droit Parlementaire, Supplément, p. 748)..
[11] Eugène Pierre, Traité de droit Parlementaire, Supplément, p. 738.
[12] ادمون رباط، الوسيط في القانون الدستوري اللبناني، دار العلم للملايين، بيروت، 1970، ص. 699.
[13] “(...) qu'il résulte de la combinaison de ces dispositions que les traités ou accords relevant de l'article 53 de la Constitution et dont la ratification ou l'approbation est intervenue sans avoir été autorisée par la loi, ne peuvent être regardés comme régulièrement ratifiés ou approuvés au sens de l'article 55 précité ; qu'eu égard aux effets qui lui sont attachés en droit interne, la publication d'un traité ou accord relevant de l'article 53 de la Constitution ne peut intervenir légalement que si la ratification ou l'approbation de ce traité ou accord a été autorisée en vertu d'une loi ; qu'il appartient au juge administratif de se prononcer sur le bien-fondé d'un moyen soulevé devant lui et tiré de la méconnaissance, par l'acte de publication d'un traité ou accord, des dispositions de l'article 53 de la Constitution” (Conseil d'Etat assemblée, 18 décembre 1998, arrêt SARL du parc d’activités de Blotzheim et SCI Haselaecker).