اقتراح استثنائي حول المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى: الديمقراطية المغيبة في خدمة الهيمنة السياسية

وسام اللحام , نيقولا غصن

27/01/2026

انشر المقال

تقدم النائب حسن فضل الله من كتلة الوفاء للمقاومة والنائب قبلان قبلان من كتلة التنمية والتحرير بتاريخ 18 كانون الأول 2025 باقتراح قانون "يرمي إلى انتخاب الهيئة الشرعية للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وانتخاب الرئيس ونائبيه وتعيين الهيئة التنفيذية". 

ينص هذا الاقتراح في الفقرة "أ" من مادته الأولى على أنّه "خلافًا لأي نص آخر ولمرة واحدة، تنتخب الهيئة الشرعيّة في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى من قبل علماء الدين الشيعة اللبنانيين الذين أتمّوا الخمسين عامًا من العمر فما فوق". وتكمل هذه الفقرة بالقول "أن تقوم الهيئة المذكورة" أي الهيئة الشرعيّة، "بانتخاب الرئيس" وذلك "بعد تجميد المادة 16 من النظام الداخلي للمجلس وتعيين الهيئة التنفيذية". وتتابع المادة بالقول "ومن ثم تنتخب الهيئتان نائبي الرئيس والأمين العام للمجلس بأغلبية الأصوات". 

أمّا الفقرة "ب" من المادة عينها، فتنص على أنّه "يناط بالمفتي الجعفري الممتاز تشكيل لجنة لوضع الإجراءات التنظيميّة لإتمام عملية الانتخاب". 

في الأسباب الموجبة للاقتراح سرد تاريخي يبين "أنّ رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى قد شغرت بوفاة رئيسه في الرابع من أيلول 2021"، وأنّ "مدة ولاية الهيئتين التشريعية والتنفيذية قد انتهت وحيث أنّه بسبب الظروف التي عاشتها البلاد خلال السنوات الماضية لا سيما الحرب المستمرة على لبنان لم يتم ملء الشغور في المجلس ولا إعادة انتخاب الهيئات". وتكمل الأسباب الموجبة مشيرة إلى ضرورة تصحيح هذا الأمر و"إجراء انتخابات على مستوى رئاسة المجلس وفي الهيئتين المذكورتين أعلاه وفي أسرع وقت ممكن لذا جئنا بهذا الاقتراح المعجل المكرر آملين إقراره ونشره في أقرب فرصة ممكنة". 

أمام ما تقدّم، لا بدّ من إبداء الملاحظات التالية على الاقتراح : 

تضارب حول طبيعة الاقتراح

إنّ الأسباب الموجبة للاقتراح تشير إلى أنّ مقدّميه ونظرًا لضرورة الاستعجال في البتّ بمسألة إعادة تشكيل المجلس الشرعي تقدّموا بهذا الاقتراح بصيغة المعجل المكرر. إلّا أنّ صياغة الاقتراح وكيفيّة تسجيله في الأمانة العامة للمجلس النيابي يبيّنان عكس ذلك. 

إذ أنّ الاقتراح سجّل دون صفة الاستعجال المكرر في الأمانة العامة وبالتالي أخذ مساره الطبيعي فأحيل إلى لجنة الإدارة والعدل التي شرعت بدراسته في 20 كانون الثاني الحالي وقررت تأجيل البت به إلى جلسة لاحقة. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الاقتراح لا يستند إلى المادة 110 من النظام الداخلي التي تتناول مسألة الاستعجال المكرر ولا يعلل هذا الاستعجال، كما أنّه مكوّن من مادتين وليس من مادة وحيدة كما تفرضه صفة الاستعجال. 

بالتالي، فإنّ الذكر الوحيد لهذا الاستعجال المكرر موجود في الأسباب الموجبة للاقتراح فقط، بينما باقي النص يتخذ طابع الاقتراح العادي. وقد يكون في ذلك دلالة على رداءة الصياغة التي لا تخلو أيضًا من الأخطاء المطبعيّة والالتباس، ما يوحي أن الاستعجال كان في كتابة هذا الاقتراح المتسرّع أكثر منه في مساره البرلماني.


المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى : تراكم من التمديدات وتغييب المسار الديمقراطي

يزخر تاريخ المجلس الإسلامي الشيعي بالأحكام الاستثنائية التي قضت بتمديد ولاية الهيئات التي يتألف منها. وقد تكرر هذا الأمر في السنوات الأخيرة عبر التمديد له مرتين. التمديد الأولّ حصل بموجب القانون النافذ حكمًا رقم 3 الصادر بتاريخ 28 شباط 2017، الذي عمد إلى تمديد ولاية الهيئتين الشرعية والتنفيذية في المجلس لمدة ثلاث سنوات من تاريخ صدور القانون (أي حتّى 28 شباط 2020)، كما سمح القانون بملء المراكز الشاغرة في الهيئتين الشرعية والتنفيذية "بموجب قرار من رئيس المجلس أو من يقوم مقامه بعد موافقة الهيئة الحاصل فيها الشغور". 

وقد قام هذا القانون أيضًا بتعليق المادة 12 من قانون إنشاء المجلس (رقم 72 الصادر سنة 1967) بشكل استثنائيّ ولمرّة واحدة، كونها المادة التي تعلن استمرار ولاية رئيس المجلس حتى إتمامه الخامسة والستين من العمر، ما سمح بالتالي ببقاء الشيخ عبد الأمير قبلان رئيسًا له حتّى وفاته عام 2021 وأدّى بطبيعة الحال إلى الإطاحة بكلّ إمكانيّة لقيام انتخابات تعيد إنتاج السلطة في المجلس.

أمّا التمديد الثاني والأخير الذي شهده المجلس حصل بموجب القانون رقم 164 الصادر في 8 أيار 2020 الذي مدد ولاية الهيئتين التشريعية والتنفيذية حتى تاريخ 31 كانون الأول 2021، مع النص على إبقاء مفاعيل تعليق المادة 12 ساريًا لناحية الحد الأقصى لسن رئيس المجلس.

أمّا الأسباب الموجبة المرفقة بالقانون فقد أشارت إلى استحالة القيام بانتخابات في ظلّ جائحة الكورونا التي كانت مستفحلة حينها "ما أوجب على الحكومة فرض حالة تعبئة عامة، ومنع التجمعات، الأمر الذي يجعل من المتعذر إنجاز الأعمال التحضيرية للانتخابات". لكنّها أيضًا تحججت بصعوبة إعداد اللائحة الانتخابيّة للهيئة العامة الذي يتطلب "إجراء إحصاء والرجوع إلى قيود الإدارات الرسمية والعديد من المعاهد والحوزات الدينية والنقابات على اختلافها ومئات الجمعيات الخيرية والمؤسسات الثقافية والجتماعيّة والاقتصاديّة لتحديد ذوي صفة العضويّة في الهيئة العامة الناخبة". 

 

إقصاء الهيئة العامة للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى

يطرح هنا السؤال حول مدى السعي الجدّي من قبل أصحاب القرار في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى والجهات السياسية التي تقف وراءهم من أجل إعداد اللوائح الانتخابية التي تتكوّن منها الهيئة العامّة علمًا أن هذه الأخيرة تتألف من مجموعة كبيرة من الأفراد الذين يحق لهم الانتخاب، ما يعني صعوبة السيطرة عليهم والحدّ من القدرة على حسم نتيجة الانتخابات مسبقًا لصالح الأحزاب السياسية النافذة. ولا شكّ أن الطبيعة الديمقراطية للهيئة العامة يفسّر التهرّب الدائم من تكوينها عبر وضع لوائح الناخبين ومنحها الحقّ في ممارسة دورها الطبيعي بانتخاب الهيئة التنفيذية للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى عملا بالمادة السابعة من قانون إنشائِه رقم 72 الصادر سنة 1967 (تنظيم شؤون الطائفة الإسلامية الشيعية في لبنان).

وللتذكير، فإنّ المادة الخامسة من القانون المذكور تنصّ على أنّ للمجلس ثلاث هيئات، هيئة عامة وهيئة شرعية وهيئة تنفيذية.  فالهيئة التنفيذية "تتألف من نواب الطائفة الاسلامية الشيعية كأعضاء طبيعيين ومن اثني عشر عضوا من المدنيين" تنتخبهم الهيئة العامة لست سنوات (المادة 8) بينما تتألف الهيئة الشرعية "من اثني عشر عضوا من علماء الدين اللبنانيين تنتخبهم مجموعة علماء الدين اللبنانيين لمدة ست سنوات" وفقا للمادة التاسعة. ومن ثم تجتمع الهيئتان في جلسة مشتركة من أجل انتخاب رئيس المجلس (المادة 10) على أن يتم انتخاب أيضا نائب أول له من الهيئة الشرعيّة ونائب ثان من الهيئة التنفيذيّة (المادة 15).

ولا شكّ أن أهمية الهيئة العامة تظهر من خلال طبيعتها التعددية التي تسمح بتمثيل جميع الآراء داخل الطائفة.  

فقد نصت المادة السادسة من القانون على أنّ الهيئة العامة تتشكّل من أبناء الطائفة الإسلامية الشيعية التاليين: "قضاة الشرع والمفتين الحاليين والسابقين، علماء الدين اللبنانيين المتخرجين من المعاهد والحوزات الدينية، الوزراء والنواب الحاليين والسابقين، القضاة المدنيين، الأساتذة الجامعيين، المحامين والأطباء والصيادلة والمهندسين المسجلين في نقاباتهم، الموظفين المدنيين من الفئة الثانية وما فوق، رؤساء المجالس البلديّة في مراكز المحافظات ومراكز الأقضية والأعضاء البلديين في مدينة بيروت، ممثلي مجالس المؤسسات الاجتماعيّة والثقافية والجمعيات الخيرية حسب نظام كل منهما في بيروت وضواحيها ومراكز المحافظات ومراكز الأقضية، أصحاب الصحف ووكالات الأنباء ورؤساء التحرير وسبعة من المحررين المسجلين في الجدول النقابي تنتخبهم مجموعة المحررين المسجلين، رئيس وأعضاء مجلس نقابة محرري الصحافة، رؤساء وأعضاء غرف التجارة والصناعة والزراعة وجمعيّة أصحاب المصارف وجمعيّة التجار وجمعيّة الصناعيين، رؤساء وأعضاء مجالس إدارة المؤسسات العامة كالمصالح المستقلة وغيرها، رؤساء مجالس النقابات العمالية والمهنية والحرفية، أعضاء مجالس إدارة جامعة اللبنانيين في العالم وممثلو الهيئات المنظمة للجاليات اللبنانية وفروعها."

جراء ما تقدم، يصبح جليًّا أن القانون هدف إلى منع الهيمنة على السلطة الطائفية عبر احتكار تمثيلها من قبل جهة واحدة وذلك ليس فقط من خلال تبني مبدأ الانتخابات، لكن أيضا عبر توسيع الهيئة العامة بحيث تضم آلاف الشخصيات الموزعة على قطاعات مختلفة. 

لكن الواقع جاء معاكسًا بالكامل لما أراده القانون، إذ أنّ استعراضًا بسيطًا لتاريخ المجلس يظهر أن الانتخابات غابت عنه بالكامل خلال سنوات الحرب إذ جرى إقرار قوانين استثنائية ليس فقط لتمديد ولاية الهيئتين الشرعية والتنفيذية لكن أحيانا أيضا بتخويل الأعضاء المتبقّين في تلك الهيئات بتعيين أعضاء جدد للمراكز التي شغرت مع مرور الوقت، ما يعني أن الهيئة العامة التي يجب أن تنبثق عنها السلطة الطائفية بشكل ديمقراطي باتت بحكم المغيّبة.

وهكذا باتت الهيئة الشرعية والهيئة التنفيذية الممدّد لهما تقومان بانتخاب الرئيس من دون أن تكونا بدورهما قد انتخبتا وفقا لأحكام القانون. ففي سنة 1994 جرى انتخاب الإمام محمد مهدي شمس الدين رئيسا للمجلس، ومن ثم بعد وفاته عام 2001 ظلّ نائبه الشيخ عبد الأمير قبلان يسيّر شؤون المجلس حتى انتخابه رئيسًا في آذار سنة 2017 مع الاستمرار بإقصاء الهيئة العامة بنتيجة التمديدات المتعاقبة للهيئتين الشرعية والتنفيذية. لا بل أن القانون الذي مدد ولاية هيئات المجلس سنة 2017 منح رئيس المجلس أو من يقوم مقامه صلاحية تعيين أعضاء جدد في المراكز الشاغرة "بعد الحصول على موافقة الهيئة الحاصل فيها الشغور"، علما أن هذا القانون كان قد رفض رئيس الجمهورية إصداره، ما جعله نافذا حكما في شباط 2017 أي قبل شهر من انتخاب قبلان رئيسًا للمجلس الذي ضمن فوزه في الانتخابات كونه تمكّن من تعيين الأعضاء بوصفه قائمًا بمهام الرئيس. 
 

 محاولة جديدة لعرقلة إجراء انتخابات ديمقراطيّة 

إنّ الاقتراح الحالي المقدّم من الثنائي أمل-حزب الله ينتهج السياسة نفسها الهادفة إلى الإتيان برئيس للمجلس الاسلامي الشيعي الأعلى على أساس الاتفاق بين الحزبين ومن دون الحاجة إلى انتخابات فعليّة تقوم بها الهيئة العامة كما يحدده القانون. فالاقتراح يقصي هذه الأخيرة ويشكّل هيئة انتخابيّة مؤلّفة من علماء الدين الذين أتمّوا الخمسين من العمر فما فوق لانتخاب هيئة شرعيّة جديدة ومن ثم يضيف الاقتراح وفقا لصياغة مبهمة وركيكة أن الهيئة المذكورة (أي الشرعية) تتولّى "انتخاب الرئيس وتعيين الهيئة التنفيذية" على أن تجتمع الهيئتان الشرعية والتنفيذية لاحقا من أجل انتخاب نائبي الرئيس والأمين العام.

فإذا وضعنا جانبًا الشرط العمري الجديد الذي أتى من دون تبرير أو تفسير، يتبيّن أن هدف الاقتراح الفعلي هو منع الهيئة العامة مجدّدًا من ممارسة دورها الطبيعي عبر نقل صلاحيات انتخاب الرئيس إلى الهيئة الشرعية فقط ثم منح هذه الأخيرة صلاحية تعيين الهيئة التنفيذية التي لم تعد منتخبة من الهيئة العامة. 

وما يفاقم من فجاجة الاقتراح هو أن الهيئة التنفيذية تتألف من جميع النواب الشيعة كأعضاء حكميين إضافة إلى 12 عضوا منتخبا، ما يعني عمليًّا اليوم أن الهيئة باتت تتألف من 39 عضوا من بينهم 27 نائبا. وبما أن جميع نواب الذين انتخبوا عن المقاعد الشيعية ينتمون إلى ثنائي حركة أمل- حزب الله فإن ذلك يعني أن الأغلبية في الهيئة التنفيذية تدين بالولاء إلى جهة واحدة. من هنا تظهر نيّة الاقتراح الحقيقية بإقصاء أي تعدّدية محتملة داخل السلطة الطائفية كون عدد الأعضاء المنتخبين (12) لن يؤدي إلى أي تغيير في الجهة الممسكة بقرار الهيئة حتى لو كانوا جميعهم من اتجاه سياسي معارض للثنائي.   

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ إيكال مهمّة تنظيم العمليّة الانتخابيّة للمفتي الجعفري الممتاز تطرح السؤال حول أحقيّة هذا الأمر لا سيّما وأنّ هذا الأخير ليس عضوًا في الهيئة الشرعيّة بحسب القانون ولا يحمل صفة رسميّة ضمن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ما عدا عضويته القانونيّة في الهيئة العامّة المذكورة آنفًا. وما يفاقم من خطورة الأمر ليس فقط هذا التفويض المبهم الممنوح للمفتي الجعفري الممتاز لكن أيضا منح هكذا صلاحية خارقة إلى شخصية معروفة بولائها العلني والصريح إلى الثنائي ما يشكك في مدى حياديتها وقدرتها على إجراء انتخابات عادلة. 

لذلك فإنّ إقرار الاقتراح الحالي يعرّض مرّة جديدة أعضاء الهيئة العامّة لحتميّة سلب حقّهم في التصويت وإيصال رأيهم في اختيار ممثليهم في مجلس طائفتهم، ويؤدّي إلى تكريس هيمنة الثنائي أمل-حزب الله على المجلس وتهميش كل الشخصيات والقوى التي لا تدين بالولاء لهذا الثنائي. 

 

اقتراح معرّض لامكانيّة الإبطال من قبل المجلس الدستوري

سبق للمجلس الدستوري أن عالج قضية مشابهة عندما أصدر قرارًا يتعلّق بالطعن بالقانون رقم 140 الصادر في 9 تموز 2019 والمتعلق بتمديد ولاية الهيئتين الشرعيّة والتنفيذيّة في المجلس الإسلامي العلوي وانتخاب رئيس ونائب رئيس. 

ومن الملاحظ أن قانون تنظيم شؤون الطائفة العلوية في لبنان يتبنّى الهيكلية نفسها لقانون تنظيم الطائفة الشيعية عبر إنشاء مجلس إسلامي علوي يتألف من هيئتين شرعية وتنفيذية. وقد عمد القانون الصادر سنة 2019 إلى تمديد ولاية الهيئتين المذكورتين بدلًا من انتخاب هيئتين جديدتين، علمًا أنّه يقع على عاتقهما مهمّة انتخاب رئيس المجلس ونائبه الجديدين بحسب ما ينصّ عليه قانون إنشاء مجلس الطائفة. 

وقد اعتبر المجلس الدستوري في القرار رقم 22 بتاريخ 19 آب 2019 أنّ للمجلس النيابي سلطة شاملة في التشريع تشمل وضع وتعديل قوانين تنظم شؤون الطوائف "شرط عدم المساس باستقلاليتها في إدارة شؤونها الدينيّة". وبما أن القانون المطعون فيه الذي يمدّد "بصورة استثنائيّة ولاية الهيئتين الشرعية والتنفيذية في المجلس الإسلامي العلوي المنتخبتين من قبل الهيئة العامة لمدة أربع سنوات"، خلص المجلس الدستوري إلى اعتبار أنّ التمديد الاستثنائي لولاية الهيئتين الشرعيّة والتنفيذيّة لأربع سنوات لا تبرره ظروف استثنائيّة تجبر المجلس عن التخلي عن العمليّة الانتخابيّة واستبدالها بالتمديد. كما اعتبر أنّ انتخاب الرئيس ونائبه لمدّة سنتين استثنائيًّا لا مبرر له أيضًا. وأضاف المجلس الدستوري أنّ انتخاب الرئيس ونائبه من قبل هيئتين ممدد لهما، كانتا قد انتخبتا في عام 2003، "لا يعطي شرعية لانتخاب الرئيس ونائب الرئيس، بسبب فقدان الهيئة الناخبة صفتها التمثيليّة".

يفهم من ذلك أنّ تدخّل المجلس الدستوري من أجل إبطال هذا القانون لم يكن على خلفيّة منع المجلس النيابي من التدخّل تشريعيًّا بشؤون طائفة معترف بها، بل من زاوية منع تدخّل المشرّع بالشكل الذي قد يؤدّى إلى المساس باستقلاليتها في إدارة شؤونها الدينية. 

لذلك، فإنّ الاعتبارات عينها تطرح بشأن اقتراح القانون الحالي الذي من خلال إعطائه هيئة مستحدثة من علماء الدين على أساس قاعدة غير مبررة الحقّ في "انتخاب" الهيئة الشرعية التي ستحتكر انتخاب الرئيس.  كما أن إقصاء الهيئة العامة من عمليّة انتخاب أعضاء الهيئة التنفيذيّة، يؤدي إلى ضرب التعددية داخل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وتحويله إلى أداة بيد الثنائي أمل-حزب الله ما يقضي بشكل كامل على استقلاليته.

لكن المعضلة لا تقف عن هذا الحدّ: إذ أنّ الطعن بالقانون في حال إقراره يواجه إشكاليّات لا بدّ من الإشارة إليها. ففي حالة المجلس العلوي، قام القائم بمقام الرئيس بالطعن عملًا بالمادة 19 من الدستور التي تسمح لرؤساء الطوائف المعترف بها الطعن بالقوانين التي تتعلق بالشؤون الطائفية. أمّا في حالة المجلس الشيعي، فمن المستبعد أن يقوم رئيس مجلس النواب نبيه بري بالطعن بقانون تقدمت به كتلته. كما أنّه من الصعب تخيّل وجود طعن من قبل عشرة نواب ينتمون إلى الطائفة الشيعية نظرًا إلى أنّ جميعهم ينتمون إلى الثنائي المذكور الذي تقدم بالاقتراح. وفي ظل الممارسة المتبعة من قبل جميع النواب وباقي الجهات المخولة بالطعن أمام المجلس الدستوري بعدم التدخل في شؤون الطائفيّة للغير، يصعب توقّع إقدام رئيس الجمهورية مثلا أو رئيس مجلس الوزراء أو عشرة نواب من غير الشيعة على الطعن بالقانون نظرًا لافتقارهم إلى "الشرعية الطائفية".

ولا شكّ أن هذه الممارسة تعكس توافقا سياسيّا غير دستوري طالما أنه يؤدي إلى تخلي النواب عن مسؤولياتهم التشريعية بما يخالف المبادئ الدستورية التي يقوم عليها النظام البرلماني في لبنان. فقد ذكّر المجلس الدستوري في قراره حول المجلس العلوي أنّه "لكلّ نائب، إلى أيّ طائفة انتمى، الحقّ في اقتراح ومناقشة مشاريع القوانين أيًّا كانت مواضيعها بما فيها تلك المتعلقة بالمادتين 9 و10 من الدستور". وبالتالي أزال المجلس الالتباس حول إمكانيّة تدخّل جميع النواب في الشؤون الدينيّة طالما أنّها تدخل ضمن الصلاحيّة التشريعيّة المطلقة للمجلس النيابي، ما يعني تكريس حق أيّ نائب للتقدم بطعن بشأن قوانين تتعلق بطائفة معينة حتى لو لم يكن منتميًا إليها. فالنائب يمثل الأمة جمعاء عملا بالمادة 27 من الدستور ولا يمكن بالتالي منعه من ممارسة صلاحياته الدستورية بحجة انتمائه الطائفي.  

 

حوار صريح مع الوزير السابق ابراهيم شمس الدين

التقى المرصد البرلماني بتاريخ 23 كانون الثاني الوزير السابق الأستاذ إبراهيم شمس الدين من أجل التعليق على الاقتراح. وقد اعتبر أن قانون تنظيم شؤون الطائفة الشيعية الصادر سنة 1967 اتّسم بطبيعته الديمقراطية إذ كان هدفه تكريس التعددية الفكرية التي ميّزت دائما العلماء والمثقفين الذين ينتمون إلى الطائفة الشيعية. وقد ظهر هذا الأمر جليا في الدور المحدود لرئيس المجلس كون الصلاحيات تمّ منحها للمؤسسة ككيان جماعي وليس لشخص.

وأضاف شمس الدين بأن المجلس تحول إلى "لجنة حزبية" وكيانا مستلحقا بالأحزاب السياسية المهيمنة على قرار الطائفة. من هنا الرغبة بإقصاء الهيئة العامة التي باتت تتألف اليوم نظريا كما يقال من 15000 عضوا، ما يعني عدم القدرة على الإمساك بالمجلس في حال جرت انتخابات فعلية.  

وشدد شمس الدين على رفض احتكار نواب كل طائفة لشؤونها معتبرا أنه بمجرد التقدم بأي اقتراح قانون أمام مجلس النواب فإن هذا الاقتراح يتحول إلى شأن عام يحق للجميع مناقشته بغض النظر عن انتمائه الطائفي. من هنا ضرورة رفض هذا الاقتراح والتصدي له مشيرا أنه زار رئيس الجمهورية ميشال عون سنة 2017 وطالبه برفض قانون التمديد للمجلس الشيعي الذي أقر حينها لكن رئيس الجمهورية، على الرغم من اقتناعه بطبيعة القانون السيئة، اكتفى بعدم إصدار القانون، عوضا عن رده، وانتظار انتهاء المهلة الدستورية كي يصبح نافذا حكما.

في الخلاصة، إن الطبيعة الاستثنائية لهذا القانون ورغبته بتكريس هذا الاستثناء الذي دام لعقود طويلة تشي بما لا يقبل أيّ شكّ أن الهدف منه هو منع حصول انتخابات ديمقراطية عبر إقصاء الهيئة العامة ومنعها من القيام بدورها الطبيعي المكرس في القانون. فالحل يكون بإعداد اللوائح الانتخابية ودعوة الهيئة العامة لانتخاب الهيئة التنفيذية ومن ثم استكمال تشكيل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وليس بالتنصل من هذه الواجبات عبر التذرع بصعوبتها من أجل الهيمنة على قرار السلطة الطائفية واستبعاد أي إمكانية لتكريس تعدد الآراء داخلها.

---------------------------------------------------------

[1] من أجل عدم تطبيق هذه المادة على الإمام موسى الصدر صدر في 24 آذار 1994 قانون نص على التالي: “يعتبر الإمام السيد موسى الصدر رئيسا مؤسسا للمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى مدى الحياة”.